تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

دولة المماليك

~1250 – ~1517 م

18 فصلًا · 191 دقيقة قراءة · 206 مراجع

  1. 1250 م

    المقدّمة

    4 دقائق قراءةالدَّولَةُ المَملُوكِيَّةُ أوِ السَّلطَنَةُ المَملُوكِيَّةُ أو دَولَةُ المَمَالِيكِ أو سَلطَنَةُ المَمَالِيكِ هي إحدى الدُول الإسلاميَّة التي قامت في مصر خِلال أواخر العصر العبَّاسي الثالث، وامتدَّت حُدُودها لاحقًا…

    الدَّولَةُ المَملُوكِيَّةُ أوِ السَّلطَنَةُ المَملُوكِيَّةُ أو دَولَةُ المَمَالِيكِ أو سَلطَنَةُ المَمَالِيكِ هي إحدى الدُول الإسلاميَّة التي قامت في مصر خِلال أواخر العصر العبَّاسي الثالث، وامتدَّت حُدُودها لاحقًا لِتشمل الشَّام والحجاز، ودام مُلكُها مُنذُ سُقُوط الدولة الأيوبيَّة سنة 648 هـ المُوافقة لِسنة 1250 مـ، حتَّى بلغت الدولة العُثمانيَّة ذُروة قُوَّتها وضمَّ السُلطان سليم الأوَّل الديار الشَّاميَّة والمصريَّة إلى دولته بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانيَّة سنة 923 هـ المُوافقة لِسنة 1517 مـ.

    يُقسم المُؤرخون الدولة المملوكيَّة إلى فرعين أو دولتين هُما: دولة المماليك البحريَّة ودولة المماليك البُرجيَّة. حكم المماليك البحريَّة من سنة 648 هـ المُوافقة لِسنة 1250 مـ إلى سنة 784 هـ المُوافقة لِسنة 1382 مـ، وكان أكثرهُم من التُرك والمغول. وحكم المماليك البُرجيَّة من سنة 784 هـ المُوافقة لِسنة 1382 مـ إلى سنة 923 هـ المُوافقة لِسنة 1517 مـ، وكانوا من الشركس. والمماليك أُصُولهم رقيقٌ مُحاربون، استقدمهم الخُلفاء العبَّاسيون الأوائل من تركستان والقوقاز وغيرها وجعلوهم حُرَّاسًا لهم وقادةً لِجُيُوش المُسلمين، وقد ازداد نُفُوذ المماليك بِمُرور الزمن حتَّى أصبحوا يُهيمنون على الخِلافة وعلى مركز صناعة القرار، مُستفيدين من ضِعف الخُلفاء وتراجُع نُفوذهم. وحذا السلاطين والأُمراء المُسلمون حُذو الخِلافة في بغداد، فكان لِكُلٍ منهم جماعةً من المماليك الأشدَّاء والأَكْفاءِ عسكريًّا، ومن هؤلاء السلاطين الأيُّوبيون الذين حكموا مصر والشَّام تحت الرَّاية العبَّاسيَّة. ولمَّا مات آخر سلاطين بني أيُّوب، وهو الملكُ الصَّالح نجمُ الدين أيُّوب، سنة 647 هـ المُوافقة لِسنة 1249 م، كتمت زوجته شجر الدُّر نبأ موته إلى أن حضر ابنه توران شاه من الجزيرة الفُراتيَّة إلى القاهرة. وحاول توران شاه أن يُقدِّم مماليكه الذين اصطحبهم معه من الجزيرة، فعيَّنهم في مناصب الدولة، فما كان من المماليك القُدماء في مصر إلَّا أن ائتمروا به وقتلوه، ثُمَّ نصَّبوا شجر الدُّر سُلطانة عليهم في سنة 1250 مـ، وهي أوَّل امرأة وُلِّيت شُؤون المُسلمين.

    ظهر المماليك بِمظهر مُنقذي العالم الإسلامي من الضياع والزوال بعد سُقُوط بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة والخِلافة الإسلاميَّة في يد المغول بِقيادة هولاكو خان، ومقتل آخر خُلفاء بني العبَّاس أبو أحمد عبد الله المُستعصم بِالله. فقد سار المغول لِغزو الشَام وهدَّدوا مصر بِمصيرٍ مُشابه لِمصير بغداد كي لا تقوم لِلإسلام قائمة بعد ذلك، فأرسل سُلطانُ المماليك سيفُ الدين قُطُز جيشًا عرمرمًا إلى فلسطين لِصدِّ التقدُّم المغولي وحماية قلب الديار الإسلاميَّة، فهزم المُسلمون المغول في معركة عين جالوت بِشمال فلسطين سنة 1260 مـ، وردُّوهم على أعقابهم. أضف إلى ذلك، ورث المماليك عن الأيُّوبيين تصميمهم على مُحاربة الصليبيين وإجلائهم عن المشرق، لِذلك ما كادوا يفرغون من مُحاربة المغول حتَّى انصرفوا إلى مُحاربة الصليبيين. كان الملكُ الظَّاهر بيبرس أوَّل من تابع مسيرة الجهاد ضدَّ الصليبيين، فهاجمهم بعد انتصاره على المغول، فصارت مُدنهم وقلاعهم تسقط واحدة بعد الأُخرى في يد المُسلمين، فقد استعاد بيبرس الكرك وقيسارية وصفد ويافا وجُبيل وعرقة ما بين سنتيّ 1263 و1266 مـ، وفي سنة 1268 مـ استعاد المُسلمون أنطاكية وزالت إمارتها الإفرنجيَّة من الوُجود. وجاء السُلطان سيفُ الدين قلاوون يُكمل عمل سلفه بيبرس، فاسترجع قلعة المرقب في سنة 1281 مـ، وطرابُلس الشَّام والبترون في سنة 1289 مـ. وتُوفي السُلطان قلاوون في سنة 1290 مـ وهو يُهيِّئ حملة لاسترجاع عكَّا، فقام بهذه المُهمَّة بعده ابنه الملك الأشرف صلاحُ الدين خليل واستولى على عكَّا سنة 1291 مـ. وقد أثار سُقُوطها، وهي المرفأ الرئيسي لِلصليبيين، القلق والذُعر الشديدين في نُفُوسهم، فجلوا عن المُدن الأُخرى الباقية في أيديهم، مثل صُور وصيدا وبيروت، وركبوا البحر عائدين إلى بلادهم، لِتنتهي بِذلك الحُرُوب الصليبيَّة بعد أن استمرَّت مائة وأربعًا وتسعين سنة. أعاد المماليك إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة في مصر بعد سُقُوط بغداد، لكنها كانت خِلافة صوريَّة هدف السلاطين المماليك إلى جعلها سندًا لِسلطنتهم ودعمًا روحيًّا لها يجعلها مهيبة الجانب.

    يُعدُّ عهد المماليك بداية دور الانحطاط في تاريخ الحضارة الإسلاميَّة، ولكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا العهد كان مُجدبًا تمامًا، إذ شهد عدَّة مُنجزات علميَّة وفكريَّة، وإنما بدأت الحضارة الإسلاميَّة في تلك الفترة تتراجع شيئًا فشيئًا. ففي حقل العلم كانت القاهرة ودمشق وحماة من أهم مراكز طب العُيُون في العالم، وقد أخرجت عددًا من الأطباء الأفذاذ الذين كانوا حُجَّة ومرجعًا في هذا العلم. أمَّا في الأدب والتاريخ والدين فقد ظهر عددٌ من أعظم الباحثين وأغزر المُؤلفين المُسلمين، مثل ابن خلِّكان صاحب كتاب «وفيَّات الأعيان» في السِّير، وأبي الفداء صاحب كتاب «تقويم البُلدان» في الجُغرافيا، والسُّيوطي وابن خلدون والمقريزي، وابن كثير صاحب كتاب «البداية والنهاية»، وهم من أشهر المُؤرخين المُسلمين. وقد اشتهر بعضُ سلاطين المماليك بِتشجيع العلم وتكريم العُلماء وبِإنفاق المال بِسخاء على تأسيس المدارس وإنشاء المكتبات، ومن تلك الصُرُوح العلميَّة: المدرسة الناصريَّة ومدرسة قايتباي في القاهرة، والمدرسة والمكتبة الظاهريَّة في دمشق، والمدرسة القرطائيَّة في طرابُلس الشَّام. أيضًا أصبح الجامع الأزهر في العهد المملوكي جامعةً كُبرى تُدرِّس بها مذاهب أهل السُنَّة والجماعة الأربعة إلى جانب العُلُوم الأُخرى. ساءت الحالة الاقتصاديَّة في الدولة المملوكيَّة خِلال أواخر العهد البُرجي بِسبب حالة القلق وعدم الاستقرار الناجمة عن الفتن الداخليَّة والانقلابات، وعن الحُرُوب الكثيرة التي شنَّها المماليك ضدَّ المغول والصليبيين وغيرهم، وبسبب توقُّف حركة التجارة مع أوربَّا بِسبب مشاعر الخوف والكراهيَّة وعدم الثقة التي خلَّفتها الحُروب الصليبيَّة بين الأوروپيين والمُسلمين، وكذلك بِسبب انتشار المجاعة والأوبئة وخُصُوصًا وباء الطاعون الذي فتك في سنة 1348–1349 مـ بِأكثر من مليون شخص، وأخيرًا بِسبب روح الطمع والأنانيَّة التي سيطرت على عددٍ كبيرٍ من سلاطين المماليك وجعلتهم يُوجهون سياسة الدولة الاقتصاديَّة وفقًا لِمصالحهم الشخصيَّة. فكان ذلك من العوامل المُساعدة التي ساهمت بِتسريع سُقُوط الدولة في يد العُثمانيين، وتطلُّع الشعب في الشَّام ومصر إلى هؤلاء كمُنقذين.

  2. تسمية الدولة

    دقيقة قراءة واحدةتسمية الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّة تسمية تأريخيَّة حديثة نسبيّاً ابتكرها المُؤرخون المُعاصرون، ولم تكن معروفةً في عصر المماليك، وإنما عُرفت هذه الدولة بِتسمياتٍ مُختلفةٍ في زمنها. سمَّت المراجع العربيَّة…

    تسمية الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّة تسمية تأريخيَّة حديثة نسبيّاً ابتكرها المُؤرخون المُعاصرون، ولم تكن معروفةً في عصر المماليك، وإنما عُرفت هذه الدولة بِتسمياتٍ مُختلفةٍ في زمنها. سمَّت المراجع العربيَّة المُعاصرة لِعهد المماليك البحريَّة هذه الدولة باسم «دولة الأتراك» أو «دولة التُرك» أو «الدولة التُركيَّة»، وفي عهد المماليك البُرجيَّة سُميت الدولة باسم «دولة الجراكسة» أو «الدولة التُركيَّة الجركسيَّة»، على اعتبار أنَّ المماليك الشراكسة (الجراكسة) كانوا يتحدثون بِالتُركيَّة لأنهم تربّوا مُنذ استقدامهم لمصر في كنف المماليك التُرك. من التسميات الأُخرى التي اعتمدها المُؤرخون المُسلمون قديماً أيضاً، وإن يك نادراً: «الدولة البحريَّة» و«الدولة البُرجيَّة»، في كُلِّ عهدٍ على حدة، وشاعت هذه التسميات في العصر الحالي لِلتمييز بين العهدين المملوكيين. عُرفت هذه الدولة كذلك باسم «الدولة المغوليَّة»، وذلك لِفترةٍ قصيرةٍ فقط من عُمرها، خِلال سلطنة العادل كتبغا لكونه مغولياً. أيضاً، عُرفت الدولة طيلة عهد السُلالة القلاوونيَّة (678 - 784هـ \ 1279 - 1382م) باسم «دولة بني قلاوون» أو «دولة قلاوون»، كما عُرفت قبل ذلك في عهد الظاهر بيبرس وابنيه السعيد ناصر الدين مُحمَّد والعادل بدر الدين سُلامش باسم «الدولة الظاهريَّة».

  3. أُصول المماليك

    5 دقائق قراءةالمملوك، جمعه مماليك، هو العبد الذي سُبي ولم يُملك أبواه، والعبدُ القن هو الذي مُلك هو وأبواه. والمملوك عبدٌ يُباع ويُشترى. ولم تلبث التسمية أن اتخذت مدلولًا اصطلاحيًّا خاصًّا في التاريخ الإسلامي، إذ اقتصرت، مُنذُ عهد…

    المملوك، جمعه مماليك، هو العبد الذي سُبي ولم يُملك أبواه، والعبدُ القن هو الذي مُلك هو وأبواه. والمملوك عبدٌ يُباع ويُشترى. ولم تلبث التسمية أن اتخذت مدلولًا اصطلاحيًّا خاصًّا في التاريخ الإسلامي، إذ اقتصرت، مُنذُ عهد الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس عبدُ الله المأمون (198 - 218هـ \ 813 - 833م)، ثُمَّ أبو إسحٰق مُحمَّد المُعتصم بِالله (218 - 227هـ \ 833 - 842م) على فئة من الرقيق الأبيض، كان الخُلفاء وكبار القادة والوُلاة في دولة الخِلافة العبَّاسيَّة، يشترونهم من أسواق النخاسة البيضاء لاستخدامهم كفرقٍ عسكريَّةٍ خاصَّة، بِهدف الاعتماد عليهم في تدعيم نُفوذهم. وأضحى المملوك، مع مُرُور الوقت، الأداة العسكريَّة الوحيدة في بعض الدُول الإسلاميَّة. وكان مصدرهم، آنذاك، بلاد ما وراء النهر. واشتهرت مُدن سمرقند وفرغانة وأشروسنة، والشَّاش وخوارزم، بِأنها المصادر الرئيسيَّة لِتصدير الرقيق الأبيض ذوي الأُصُول التُركيَّة، وتمَّ ذلك بِإحدى الطُرق الثلاث: الشراء أو الأسر في الحُرُوب أو الهدايا التي كان يُؤديها وُلاة أقاليم بلاد ما وراء النهر على شكل رقيق إلى الخليفة. ويبدو أنَّ الخليفة المُعتصم هو أوَّل خليفة اعتمد، بشكلٍ أساسيٍّ، على العُنصر التُركي، نظرًا لِمقدرتهم القتاليَّة المُميزة، حتَّى أضحى الحرس التُركي يِمثِّلُ دعامةً من دعائم الخِلافة أيَّام حُكمه، فاقتناهم مُنذُ أن كان أميرًا. فكان يُرسلُ سنويًّا من يشتري له منهم، حتَّى اجتمع لهُ في أيَّام المأمون زهاء ثلاثة آلاف. ثُمَّ تولَّى الخِلافة في ظل ظُروفٍ من الصراع العنيف بين العرب من ناحية والفُرس من ناحيةٍ أُخرى بِالإضافة إلى اختلالٍ في التوازنات بين العناصر التي تكوَّنت منها دولة الخِلافة العبَّاسيَّة. فلم يثق المُعتصم بِالفُرس نظرًا لِسُوء العلاقة بينهم وبين بني العبَّاس مُنذُ انتقال المأمون من مرُّو إلى بغداد واستحالة التوفيق بين مصالح الطرفين، ولم يثق بِالعرب أيضًا نظرًا لِكثرة تقلُّبهم واضطرابهم وقيامهم ضدَّ الخُلفاء، بِالإضافة إلى أنَّ هؤلاء فقدوا كثيرًا من مُقوِّمات قُوَّتهم العسكريَّة والسياسيَّة في ذلك الوقت. حملت هذه المُعطيات، الخليفة المُعتصم على أن يُوكِّل أمر سلامته الشخصيَّة إلى فرقة من العُنصُر التُركي، فاستكثر من شراء التُرك بِهدف الحد من النُفُوذين العربي والفارسي، حتَّى بلغت عدَّتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفًا. وخصَّهم بِالنُفُوذ، وقلَّدهم قيادة الجُيُوش، ومكَّنهم في الأرض، وجعل لهم مركزًا مُتفوقًا في مجال السياسة. وسُرعان ما نمت قُوَّتهم، فأخذوا يتدخَّلون في شُؤون الخِلافة، حتَّى أمست دولة الخِلافة العبَّاسيَّة في أيديهم، يفعلون ما يُريدون، يعزلون خليفة ويُولُّون آخر، حتَّى أنَّ بعض الخُلفاء قُتلوا نتيجة مُؤامراتهم. وأضحى العُنصر التُركي رُكنًا هامًّا في المُجتمع الإسلامي مُنذُ العصر العبَّاسي الثاني (232 - 334 هـ \ 847 - 946م)، فقامت الدُويلات المُستقلَّة ذات الأُصُول التُركيَّة والفارسيَّة في كنف دولة الخِلافة العبَّاسيَّة بعد أن دبَّ فيها الضُعف، وغدا التُرك وسيلة الخُلفاء لِلقضاء على هذه الحركات الاستقلاليَّة، خاصَّةً عُمَّال ووُلاة الأطراف الذين استقلُّوا بِولاياتهم.

    المماليك في مصر

    يرجعُ استخدام المماليك في جيش ولاية مصر إلى العهد الطولوني، عندما عيَّن الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس أحمد المُعتمد على الله أحمد بن طولون، التُركيّ الأصل، واليًا على الديار المصريَّة في سنة 263هـ المُوافقة لِسنة 877م، فطمع هذا بالاستقلال بها بعد أن أضحت جميع أعمالها الإداريَّة والقضائيَّة والعسكريَّة والماليَّة بِيده. وحتَّى يُحقق أحمد بن طولون رغبته بِالاستقلال في حُكم مصر؛ رأى أن يدعم سُلطته بِجيشٍ مملوكيٍّ من التُرك من بني جنسه بِالإضافة إلى العُنصر الديلمي، وقد بلغ تعداد هذا الجيش ما يزيد عن أربعةٍ وعشرين ألف غُلامٍ تُركيٍّ. ومُنذُ ذلك الوقت، أضحى جُندُ مصر ووُلاتها من المماليك التُرك، ولمَّا توسَّعت حُدود الدولة الطولونيَّة لِتشمل الشَّام، أضحى حالُ جُند الشَّام كحال جُند مصر. وقد نهجت الدولة الإخشيديَّة، التي خلفت الدولة الطولونيَّة في حُكم مصر، نهج هذه الدولة الأخيرة في الاعتماد على المماليك. وقد بلغ تعداد مماليك مُحمَّد بن طُغج الإخشيد، مُؤسس الدولة الإخشيديَّة، نحو ثمانية آلاف مملوكٍ من التُرك والديلم، وقيل أنَّهُ كان ينام بِحراسة ألف مملوك. ولمَّا استولى الفاطميُّون على مصر في سنة 358هـ المُوافقة لِسنة 969م، اعتمد خُلفائهم الأوائل، مُنذُ أيَّام أبي تميم معدّ المُعز لِدين الله على عدَّة عناصر تُركيَّة وزنجيَّة وبربريَّة وصقلبيَّة. واستخدم الخليفة الفاطمي أبو منصور نزار العزيز بِالله التُرك في الوظائف العامَّة والقياديَّة في الدولة، وفضَّلهم على غيرهم من العرقيَّات الأُخرى، فولَّى مملوكه «منجوتكين» التُركي قيادة الجيش، كما ولَّاه الشَّام. وكان نُفُوذُ المماليك التُرك يتزايد أو يتناقص وفق توجُّه كُل خليفةٍ فاطميٍّ على حدى، ففي عهد أبو عليّ المنصور الحاكم بِأمر الله تراجع نُفوذهم لِحساب الزُنج، ثُمَّ نشطوا مرَّة أُخرى في عهد الخليفة أبو الحسن عليّ الظاهر لِإعزاز دين الله الذي جعل قيادة الجُيُوش في يد المملوك التُركيّ الأصل منصور أنوشتكين. وقد ولَّاه الظاهر دمشق في سنة 419هـ المُوافقة لِسنة 1028م. واهتمَّ الفاطميُّون بِتربية صغار مماليكهم وفق نظامٍ خاص، وهم أوَّل من وضع نظامًا منهجيًّا في تربية المماليك في مصر. وفي سنة 567هـ المُوافقة لِسنة 1171م، سقطت الدولة الفاطميَّة في مصر وقامت الدولة الأيُّوبيَّة على أنقاضها، لِتفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأدنى والمماليك معًا.

    وكان الأيُّوبيون -الأكراد أصلًا- قد تربُّوا ونمت سُلالتهم في أحضان الدولة السُلجُوقيَّة التُركيَّة ومماليكها، فنقلوا عنها الكثير من عاداتها وأنظمتها التُركيَّة المشرقيَّة. وكان الأيُّوبيون يُربُّون مماليكهم على أساس النظام الإسلامي المملوكي - الساماني الذي وضعهُ الوزير السُلجُوقي نظام المُلك وفصَّلهُ في كتابه «سياسة نامه»، ثُمَّ يُدخَلون في خدمة القُصُور السُلطانيَّة والدوائر الحُكُوميَّة. ولمَّا توجَّه القائد أسدُ الدين شيركوه إلى مصر لِنُصرة آخر الخُلفاء الفاطميين أبو مُحمَّد عبدُ الله العاضد لِدين الله ولِلحيلولة دون احتلال البلاد من قِبل الصليبيين، كان غالبيَّة جيشه يتألَّف من المماليك التُرك القفجاق الذين سُمُّوا بـ«المماليك الأسديَّة» نسبةً له، أي أسدُ الدين. بعد وفاة أسد الدين، وقفت المماليك الأسديَّة إلى جانب ابن أخيه صلاحُ الدين وناصروه حتَّى تولَّى الوزارة في مصر، وأنشأ هذا الأخير لِنفسه جيشًا خاصًا عماده المماليك الأسديَّة والأحرار الأكراد، بِالإضافة إلى المماليك التُرك الذين اشتراهم لِنفسه وسمَّاهم «الصلاحيَّة» أو «الناصريَّة»، كما كان لِأخيه العادل أبي بكر طائفةٌ من المماليك سمَّاهم «العادليَّة».

    اشتركت فئات المماليك الأسديَّة والصلاحيَّة والعادليَّة في مُختلف المعارك التي خاضها صلاحُ الدين ضدَّ الأُمراء المُسلمين بِهدف تحقيق الوحدة الإسلاميَّة وضدَّ الصليبيين بِهدف طردهم من ديار الإسلام. والواقع أنَّ المماليك بلغوا في هذه المرحلة مبلغًا من القُوَّة، ممَّا دفع صلاح الدين إلى استشارتهم والنُزُول عند إرادتهم في كثيرٍ من الأحيان. وازداد عددهم في مصر والشَّام بعد وفاة صلاح الدين في سنة 589هـ المُوافقة لِسنة 1193م بِشكلٍ مُلفت، وبرزوا على أثر اشتداد التنافس والصراع بين ورثته من أبنائه وإخوته وأبناء إخوته الذين اقتسموا فيما بينهم الإرث الأيُّوبي. ومع تنامي قُوَّة المماليك نتيجة كثرة اعتماد الأُمراء الأيُّوبيين عليهم، أخذوا يتدخَّلون في خلع هؤلاء الأُمراء والسلاطين وفي تنصيبهم.

  4. التاريخ

    56 دقيقة قراءةبعد وفاة الملك الكامل ناصرِ الدين مُحمَّد الأيُّوبي سنة 635هـ المُوافقة لِسنة 1238م عارض مماليكه ما جرى من تنصيب ابنه الأصغر سيفِ الدين أبي بكر، فتحالفوا مع المماليك الأشرفيَّة بِزعامة عز الدين أيبك، وتآمروا على خلع أبي…

    انتقال الحُكم من الأيوبيين إلى المماليك

    بعد وفاة الملك الكامل ناصرِ الدين مُحمَّد الأيُّوبي سنة 635هـ المُوافقة لِسنة 1238م عارض مماليكه ما جرى من تنصيب ابنه الأصغر سيفِ الدين أبي بكر، فتحالفوا مع المماليك الأشرفيَّة بِزعامة عز الدين أيبك، وتآمروا على خلع أبي بكر سنة 637هـ المُوافقة لِسنة 1240م، وهزموا من ناصرهُ من الكُرد. بعد ذلك فرض المماليك الكامليَّة (مماليك الملك الكامل ناصر الدين) -وكانوا الأقوى على الساحة السياسيَّة- رغبتهم على الأشرفيَّة بِتنصيب نجم الدين أيُّوب بن مُحمَّد، فاستُدعي الأخير من حصن كيفا في الجزيرة الفُراتيَّة لِتولِّي السُلطة في مصر التي دخلها سنة 638هـ المُوافقة لِسنة 1240م، وجلس على العرش وتلقَّب بِالملك الصَّالح. كانت قضيَّة تنصيب الملك الصَّالح سابقةً في تاريخ مصر والإسلام، إذ قام المماليك لِأوَّل مرَّة بِدورٍ سياسيٍّ ضاغطٍ، فأضحوا الأداة لِلسلاطين الأيُّوبيين لِلاحتفاظ بِسُلطانهم وتفُّوقهم، ممَّا أدَّى إلى تضخُّم نُفُوذهم السياسي، وازدادوا شُعُوراً بِأهميَّتهم. أدرك الصَّالح أيُّوب أهميَّة المماليك لِلاستمرار في الحُكم ما دفعهُ إلى الإكثار من شرائهم إلى درجةٍ لم يبلغْها غيره من الأمراء الأيوبيين حتَّى أضحى مُعظم جيشه منهم، واعتنى بِتربيتهم تربيةً خاصّةً ثُمَّ جعلهم بطانته وحرسه الخاص. استغلَّ المماليك الصالحيَّة سطوتهم في مُضايقة الناس والعبث بِمُمتلكاتهم وأرزاقهم، حتَّى ضجَّ الشعب من عبثهم واعتداءاتهم، فرأى الصَّالح أيُّوب أن يُبعدهم عن العاصمة، واختار جزيرة الروضة في النيل لِتكون مقراً له، فانتقل إليها مع حاشيته ومماليكه الذين بنى لهم قلعة خاصَّة أسكنهم بها، فعُرفُوا مُنذُ ذلك الحين بِـ«المماليك البحريَّة الصالحيَّة». تعرَّضت مصر أواخرَ أيَّامِ الصَّالح أيُّوب لغزوٍ صليبيٍّ كبير بِقيادة لويس التاسع ملك فرنسا [ما اصطلح عليه بالحملة الصليبيةِ السابعة]، ففي فجر السبت 22 صفر 647هـ المُوافق فيه 5 حُزيران (يونيو) 1249م نزل الصليبيُّون برَّ مدينة دُمياط، واحتلُّوا المدينة بِسُهولة بعد انسحاب حاميتها وهروب أهلها منها. وتُوفي في تلك الفترة الحرجة الصَّالح أيُّوب بعدما اشتدَّ عليه المرض، فأخفت زوجته شجر الدُّر موته خشية تضعضع الأوضاع، وأرسلت تدعو ابنه الوحيد توران شاه من حصن كيفا لِلقُدوم إلى مصر على عجلٍ لِيتولَّى الحُكم. علم الصليبيُّون بِوفاة الصَّالح أيُّوب رُغم كُل الاحتياطات التي اتخذتها شجر الدُّر لِإخفاء الأمر، فاتخذوها فُرصةً لِتوجيه ضربةٍ قاضيةٍ لِلمُسلمين قبلما يفيقوا من هول الصدمة، فزحفوا من دُمياط نحو المنصورة. أمسك المماليك بِزمام الأُمُور بِقيادة فارس الدين أقطاي الجمدار، الذي أصبح القائد العام لِلجيش (أتابك العسكر)، ووضع أحد أبرز قادتهم بيبرس البندقداري خطَّة عسكريَّةً مُحكمةً كفلت النصر على الصليبيين، وفي تلك الأثناء وصل توران شاه إلى مصر وتسلَّم مقاليد الأُمُور، وأعدَّ خطَّةً أُخرى ضمنت النصر النهائي على الصليبيين في قرية فارَسْكور، فهُزم هؤلاء هزيمةً كُبرى وفَنيَ جيشهم على يد المماليك، ووقع لُويس التاسع نفسهُ في الأسر، وقتل أخاه في المعركة. على هذا الشكل انتهت الحملة الصليبيَّة على مصر بِفضل جُهُود المماليك. اشتهر السُلطان الجديد توران شاه بِأنَّهُ شخصيَّة عابثة، واتَّصف بِسُوء الخلق والتصرُّف والجهل بِشُؤون الحُكم والسياسة، فبعد انتصاره على الصليبيين ازداد غُروره وتناسى ما أبلاه مماليك أبيه من صد الصليبيين، فلم يُقدِّر ثمن هذا النصر، كما لم يُقدِّر جُهودهم في الحفاظ على نظام الحُكم كي يُؤمِّنوا العرش له. ويبدو أنَّ توران شاه فقد ثقته بهم بعد انتصاره على الصليبيين عندما شعر بِأنَّ لهُ من القُوَّة ما يكفي لِأن يملأ الوظائف الحُكُوميَّة بِمماليكه الذين اصطحبهم معه من الجزيرة الفُراتيَّة، ولمَّا احتجَّ عليه المماليك البحريَّة ردَّ عليهم بِالتهديد والوعيد، ثُمَّ أعرض عنهم، وأبعدهم عن المناصب الكُبرى، وجرَّدهم من مظاهر السُلطة وأخيراً أمر باعتقالهم.

    كما تنكَّر توران شاه لِشجر الدُّر التي حفظت لهُ مُلكه، فاتهمها بِأنها أخفت ثروة أبيه، وطالبها بِهذا المال، وهدَّدها، حتَّى داخلها منه خوفٌ شديد ما حملها على بث شكواها إلى المماليك البحريَّة الذين يُخلصون لها باعتبارها زوجة أُستاذهم. ويبدو أنَّ توران شاه، بِالإضافة إلى ضعف شخصيَّته وسُلوكه السيّئ، تأثَّر بِآراء مماليكه الذين قدموا معه من حصن كيفا، وأثاروا ضغينته على المماليكِ البحريَّةِ وشجرِ الدُّر، وحثُّوه على التخلُّص منهم حتَّى يتفرَّد أستاذهم بِالحكم وينفردوا هم بالحظوة لدى السلطان ومعاونته في إدارة شُؤون الدولة. نتيجةً لِهذه السياسة الحمقاء حنق المماليك البحريَّة عليه، وتخوَّفوا من نواياه، واستقرَّ رأيهم على قتله قبل أن يبطش بهم وساندتهم شجر الدُّر التي باتت تخشى على نفسها من غدره. وتزعَّم المُؤمراة مجموعةٌ من قادة الجند من الأُمراء البحريَّة منهم؛ فارس الدين أقطاي الجمدار وبيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي الألفي وأيبك التُركماني. ونُفذت المُؤامرة صباح الإثنين 28 مُحرَّم 648هـ المُوافق فيه 2 أيَّار (مايو) 1250م، وكان السُلطان آنذاك بِفارسكور يحتفل بانتصاره ويتهيَّأ لاستعادة دُمياط، فاقتحم بيبرس خيمته، وتقدَّم نحوه وضربه بِسيفه فقُطعت بعض أصابعه، فهرب إلى كشكٍ خشبيٍّ حتَّى يحتمي به، فتعقَّبه المماليك وأحرقوه عليه، فهرب منه ورمى نفسه في النيل، فضربوه بِالسِّهام من كُلِّ ناحيةٍ، فحاول أن يلتمس الرحمة لكنَّ المماليك لم يستجيبوا له، وقفز عليه بيبرس وقتله بِسيفه، فمات جريحاً غريقًا حريقاً، وبمقتله سقطت دولة الأيوبيين بِمصر وقامت دولة المماليك.

    عصر المماليك البحريَّة

    أضحى المماليك، بعد مقتل توران شاه، أصحاب الحل والعقد في مصر. وكان من الطبيعي أن يطمع كُل أميرٍ منهم في تبُّوء عرش السلطنة الشَّاغر، كما وُجد على الساحة السياسيَّة المُلُوك والأُمراء الأيُّوبيُّون خارج مصر، والرَّاجح أنهم استاءوا من إقدام المماليك على قتل أحد مُلوكهم واستئثارهم بِالسُلطة، ومن الطبيعي أن يرى كُلٌ منهم في نفسه الشرعيَّة لِأن يلي السلطنة بعد توران شاه. وأخيرًا قرَّر المماليك حل المُشكلة الناجمة عن شًغُور العرش، فاختاروا شجر الدُّر لِتولِّي السلطنة. ومن أبرز العوامل التي دفعتهم إلى اختيارها كان رجاحة عقلها واطلاعها على الأُمور الهامَّة في الدولة، حيثُ كانت تُشارك زوجها الراحل الصَّالح أيُّوب في إدارة أُمور السلطنة. كانت شجر الدُّر من أصلٍ أرمنيّ أو تُركيّ، اشتراها الصَّالح أيُّوب، وحظيت عنده، فأعتقها وتزوَّجها. لِذلك هي من ناحية الأصل والنشأة أقرب إلى المماليك، واعتبرها المقريزي أولى سلاطين دولة المماليك البحريَّة. بُويعت السُلطانة الجديدة في 2 صفر 648هـ المُوافق فيه 6 أيَّار (مايو) 1250م، وحلفت لها العساكر باعتبارها سُلطانة، كما عُهد المماليك إلى عز الدين أيبك، وهو أحد الأُمراء الصالحيَّة، بِأتابكيَّة العسكر، فكان لها بِمثابة الشريك.

    تصفية الموقف مع الصليبيين في مصر

    قبضت شجر الدُّر على زمام الأُمُور في مصر بِقُوَّة، واشتهرت بِحُسن السياسة. فلمَّا استقرَّت في الحُكم أنعمت على الأُمراء بِالوظائف السُنيَّة، وأقطعت المماليك البحريَّة الإقطاعات الكبيرة، وأغدقت الأموال على الجُند، حتَّى أرضت الكبير والصغير منهم. كانت فاتحة أعمال السُلطانة الجديدة، إنهاء المُفاوضات التي بدأت مع الصليبيين على عهد توران شاه، الذين ما زالوا يحتلُّون دُمياط، والإشراف على رحيلهم. فعلى الرُغم من أنَّ الملك الفرنسي كان أسيرًا في يد المُسلمين في المنصورة، لكنَّ دُمياط ظلَّت قاعدة بحريَّة في قبضة الصليبيين ممَّا يُشكِّل تهديدًا مُباشرًا لِمصر بِحال تحرَّك الغرب الأوروپيّ وأرسل حملة صليبيَّة أُخرى إليها. لِذلك أخذت تسعى لِحلِّ هذه المُعضلة، بعد أن استقرَّت الأُمور لها في الداخل. وهكذا استؤنفت المُفاوضات بين الجانبين، وفيها فرض المُسلمين شُروطهم على الصليبيين الذين كانوا في وضعٍ حرج لا يسمح لهم بِالمُناورة، فاشترطوا عليهم ما يلي: إعادة مدينة دُمياط إلى المُسلمين، وإطلاق سراح الأسرى، والتعهُّد بِعدم مُهاجمة السواحل الإسلاميَّة مرَّة أُخرى، وأن يدفع الملك الفرنسي مبلغ خُمسُمائة ألف دينار مُقابل إخلاء سبيله وسبيل الأسرى الصليبيين وتعويضًا عمَّا أحدثهُ الصليبيُّون في دُمياط من النهب والدمار، وأن يدفع الملك الفرنسي نصف المبلغ قبل إطلاق سراحه والنصف الثاني بعد مُغادرته مصر ووُصوله إلى عكَّا. كما تعهَّد المُسلمون، من جانبهم، بِرعاية مرضى الصليبيين في دُمياط والمُحافظة على معدَّاتهم إلى أن تحين الفُرصة لِأخذها، وحُدِّدت مُدَّة المُعاهدة بِعشر سنوات. والرَّاجح أنه حدثت خلافات داخليَّة بين المماليك بِشأن الإفراج عن الملك الفرنسي أو الاحتفاظ به. إذ بعد أن وضع المُسلمون يدهم على دُمياط، أخذوا يتداولون في مسألة الإبقاء عليه وعلى الأسرى الصليبيين، وقد انقسموا إلى فريقين: فريق رأى تنفيذ بُنُود الاتفاقيَّة المعقودة مع الصليبيين، وعدم نكث العُهُود، وعلى رأسه السُلطانة شجر الدُّر والأتابك عز الدين أيبك، وساندهُما بعض المماليك الصالحيَّة. وفريقٌ رأى أنَّ من مصلحة المُسلمين الاحتفاظ بِالملك الفرنسي وعدم إطلاق سراحه لاطلاعه على عورات المُسلمين ومشاكلهم فيما بينهم، ولِمركزه الديني الكبير في أوروپَّا. ويبدو أنَّ وجهة نظر الفريق الأوَّل انتصرت في النهاية، وهكذا أُخلي سبيل الملك الفرنسي لويس التاسع وأُمرائه وعدد كبير من بارونات الصليبيين، وكبار فُرسانهم، بعد دفع نصف الفدية. أمَّا بقيَّة الأسرى فقد ظلُّوا في الأسر حتَّى يُدفع كامل المبلغ المُتفق عليه. وفي 4 صفر 648هـ المُوافق فيه 8 أيَّار (مايو) 1250م، أبحر الملك لويس التاسع وأتباعه إلى عكَّا، وبِذلك انتهت الحملة الصليبيَّة السابعة على مصر، وضُربت البشائر وأُقيمت الأفراح في كافَّة أرجاء ديار الإسلام ابتهاجًا بِهذا النصر.

    الصراع مع الأيوبيين

    بعد أن نجحت في تصفية الحملة الصليبيَّة السابعة، واستعادت دُمياط؛ عملت شجر الدُّر على تدعيم مركزها الداخلي، فأخذت تتقرَّب من الخاصَّة والعامَّة، وتعمل على إرضائهم بِشتَّى الوسائل، فخلعت على الأُمراء والعساكر وأرباب الدولة، وأنفقت عليهم الهبات والأموال، وأنعمت عليهم بِالرُّتب والمناصب العالية ومنحتهم الإقطاعات الواسعة، تقديرًا لِما أبدوه من ضُروب الشجاعة في طرد الصليبيين، كما خفَّفت الضرائب عن الرعيَّة لِتستميل قُلوبهم. غير أنَّ كُل ذلك لم يُساهم في تدعيم مركزها الداخلي، إذ لم يتقبَّل الناس وُجود امرأة في السلطنة، إذ لم يعتد المُسلمون في تاريخهم أن يُسلِّموا زمام أُمورهم لِامرأة. وحاولت شجر الدُّر التقرُّب من الخِلافة العبَّاسيَّة لِتدعيم مركزها وتُضيف الصفة الشرعيَّة على حُكمها، فكانت تحرص على التمسُّك بِلقب «المُستعصميَّة» إشارةً إلى صلتها بِالخليفة العبَّاسي أبو عبد المجيد عبدُ الله بن منصور المُستعصم بِالله، لكنَّ ذلك لم يُفيدها شيئًا، إذ قامت المُظاهرات في القاهرة، وحدثت اضطرابات عديدة مُناهضة لِحُكمها، بعد أن اتهمها المُعارضون بِالتساهل مع الصليبيين، وحمَّلوها مسؤوليَّة إطلاق سراح الملك الفرنسي لويس التاسع الذي ما أن أُطلق سراحه وعاد إلى عكَّا حتَّى واصل نشاطه الصليبي ضدَّ المُسلمين في الشَّام. ومال عُلماءُ الدين إلى هذه الحركة المُعارضة، حتَّى أنَّ شيخ الإسلام عزُّ الدين بن عبد السلام، وهو أكبر عُلماء المُسلمين في ذلك الوقت، كتب كتابًا حول ما قد يُصيب المُسلمين نتيجة توليتهم لِامرأة. كان الأمراء الأيُّوبيُّون الشوام في مُقدِّمة المُعارضين لِلنظام الجديد، فلم يقبلوا حُلول المماليك مكانهم في حُكم مصر والشَّام، واعتبروا أنهم أصحاب الحق الشرعي في حُكم هذه البلاد باعتبارهم من سُلالة صلاح الدين، وأنَّ ما جرى يُعتبر خُروجًا لِلسلطنة في مصر على البيت الأيُّوبي، لِذلك رفضوا حلف اليمين لِلسُلطانة الجديدة، وشاركهم بعض الأُمراء المماليك الشوام في ذلك أيضًا. فقد رفض المماليك القيمريَّة (نسبةً إلى بلدة قيمر بين الموصل وخلاط) في دمشق أن يحلفوا يمين الولاء والطاعة لِلسُلطانة الجديدة، وكتبوا إلى الملك الناصر يُوسُف الأيُّوبي صاحب حلب يستدعونه لِلقُدوم إليهم لِيُسلِّموا له دمشق. وخرج الملك السعيد حسن بن العزيز عُثمان الأيُّوبي، صاحب قلعة الصُبّية، من الديار المصريَّة احتجاجًا، فهاجم غزَّة وأخذها واستقرَّ في القلعة المذكورة. وثار الطواشي بدرُ الدين الصَّوابي الصالحي، نائب الصَّالح أيُّوب بِالكرك والشوبك، وسلَّم الحصنين إلى الملك المُغيث عُمر الأيُّوبي. وانتهز الملك الناصر يُوسُف هذه الفُرصة واستجاب لِدعوة المماليك القيمريَّة، فزحف بِجُيُوشه نحو دمشق ودخلها دون قتال يوم السبت 8 ربيع الآخر 648هـ المُوافق فيه 10 تمُّوز (يوليو) 1250م، وخضعت باقي مُدن الشَّام لِمُلوكٍ من البيت الأيُّوبي. وبِذلك خرجت الشَّام من قبضة شجر الدُّر، وانقسمت الجبهة الإسلاميَّة التي وحَّدها صلاح الدين وأخيه العادل أبو بكر مرَّة أُخرى، فأضحت مصر في يد المماليك والشَّام في يد الأيُّوبيين.

    خشي المماليك على نظامهم الجديد من مُنافسة الأيُّوبيين، واضطربت أوضاعهم، فتنادوا إلى اجتماعٍ يُعقد في قلعة الجبل، حيثُ جدَّد الأُمراء والجُنُود الولاء والطَّاعة لِلسُلطانة شجر الدُّر والأتابك عز الدين أيبك، وشهدت القاهرة إجراءات قمعيَّة بِحق المُوالين لِلأيُّوبيين، حيثُ قُبض على كُل شخص عُرف بِمُوالاته لهم. واتجه المماليك نحو بغداد لِإنقاذ حُكمهم المُهدَّد، وإضفاء الصفة الشرعيَّة على النظام الجديد. فكتبوا إلى الخليفة العبَّاسي المُستعصم يطلبون منه تأييد سلطنة شجر الدُّر، لكن خاب أملهم عندما عاب عليهم الخليفة تنصيب امرأة في الحُكم، وقال قولته المشهورة:. ولمَّا وصل جواب الخليفة إلى القاهرة، وجدت شجر الدُّر نفسها في موقفٍ حرج، بعد أن أحاطت بها مظاهر العداء في الدَّاخل والخارج. واقتنع المماليك، من جهتهم، بِضرورة تغيير رأس السُلطة، فطلبوا من شجر الدُّر أن تتزوَّج بِالأمير عز الدين أيبك وتتنازل له عن العرش، فاستجابت لهم وخلعت نفسها من السلطنة. بِتولِّي أيبك عرش السلطنة المملوكيَّة، تحرَّك المُلُوك والأُمراء الأيُّوبيُّون، بِزعامة الناصر يُوسُف صاحب دمشق وحلب، باتجاه مصر لاستعادتها من أيدي المماليك. وعندما علم أيبك بِأنباء هذا الزحف، قرَّر مُواجهة هذا الخطر بِالطُرق السلميَّة أولًا. وحتَّى يمتص نقمة الأيُّوبيين، اختار، بالاتفاق مع كبار أُمراء المماليك، صبيًّا صغيرًا في العاشرة من عمره من بني أيُّوب هو الأشرف موسى بن المسعود بن الكامل، وأقامه سُلطانًا لِيكون شريكًا له في الحُكم، لكنَّ المُلُوك الأيُّوبيين فطنوا لِتلك الحيلة، وأدركوا أنَّ الأشرف موسى لم يكن لهُ غير الاسم، في حين كانت الأُمُور كُلها بِيد أيبك، واستمرُّوا في زحفهم نحو مصر. التقى الجيشان، المملوكي والأيُّوبي في 10 ذي القعدة 648هـ المُوافق فيه 2 شُباط (فبراير) 1251م عند قرية العبَّاسة بين مدينتيّ بلبيس والصالحيَّة، فاشتبكا في معركةٍ انتصر فيها الأيُّوبيين بدايةً، ثُمَّ انقلبت الآية بسبب تخلِّي بعض المماليك من جيش الناصر يُوسُف عن مواقعها وانضمامها إلى الجيش المملوكي بِدافع العصبيَّة. فتراجع الأيُّوبيين إلى الشَّام في حين عاد المماليك ظافرين ومعهم الأسرى إلى القاهرة.

    بعد هذه الموقعة بِشهر، أرسل أيبك جيشًا ناحية غزَّة فاستولى عليها، وقرَّر السيطرة على سائر الشَّام واستخلاصها من يد الأيُّوبيين. وتسابق الطرفان، الأيوبيين والمماليك، لِاستمالة الصليبيين في مُواجهة الطرف الآخر، لولا أن أرسل الخليفة العبَّاسي المُستعصم إلى الناصر أيُّوب يأمره بِمُصالحة أيبك فورًا، وحثَّ الأخير على قُبُول أيَّة شُروط يطلبها الأوَّل ودفن هذا الخِلاف حيثُ هو، وذلك في سبيل مُواجهة الخطر القادم إلى المشرق، ألا وهو الخطر المغولي، الذي يستوجب توحيد العالم الإسلامي. ويبدو أنَّ موجة الرُعب التي أثارها المغول أثناء زحفهم من آسيا الوُسطى باتجاه العالم الإسلامي، وأخبار وحشيَّتهم، جعلت الطرفان يستجيبان بِسُهُولةٍ لِدعوة الخليفة، فانتهى الصراع الأيُّوبي المملوكي عند هذا الحد.

    سُقُوط بغداد

    كان الاستيلاء على العراق من ضمن السياسة المغوليَّة العامَّة القاضية بِالتوسُّع في غرب آسيا والسيطرة على ما تبقَّى من العالم الإسلامي بعد سُقُوط خوارزم وفارس في عهد الخاقان الأعظم منكو خان. عهد الخاقان سالف الذِكر إلى أخيه هولاكو القيام بِتنفيذ هذه المُهمَّة وفتح ديار الإسلام حتَّى أقاصي مصر بعد أن منحهُ إقليم فارس والولايات الغربيَّة، وحدَّد لهُ إطار العلاقة مع الخليفة العبَّاسي، بحيثُ إذا قدَّم فُرُوض الولاء والطَّاعة فلا يتعرَّض له، أمَّا إذا عصى، فعليه أن يتخلَّص منه حتَّى لا يُشكِّل وُجوده عقبة في طريق الزحف المغولي. ومن جهته، وضع هولاكو خطَّة عسكريَّة تقضي، أولًا، بِالقضاء على طائفة الحشاشين الإسماعيليَّة، ثُمَّ غزو المناطق الغربيَّة وُصولًا إلى مصر، في مرحلةٍ ثانية. وبعد أن حقَّق هدفه الأوَّل سار لِتحقيق هدفه الثاني، وبدأ بِغزو العراق. ولمَّا رفض الخليفة العبَّاسي الخُضُوع لِلمغول، وردَّ على رسائل هولاكو ردًا قاسيًا تضمَّن تهديدات، سار الأخير بِجُيُوشه الجرَّارة نحو عاصمة الخِلافة وحاصرها من كُلِّ جانب بِحُلول يوم 12 مُحرَّم 656هـ المُوافق فيه 18 كانون الثاني (يناير) 1258م، ووصل هولاكو بنفسه لِيُشارك في الحصار يوم 13 مُحرَّم 656هـ المُوافق فيه 19 كانون الثاني (يناير) 1258م، لِيبلغ عدد القُوَّات المُحاصرة بغداد نحو 200,000 مُقاتل وفق تقدير ابن كثير. ضيِّق المغول الحصار على بغداد ودكُّوها دكًا بِقذائف المجانيق ثُمَّ دخلوها عنوةً في يوم الأربعاء 9 صفر 656هـ المُوافق فيه 14 شُباط (فبراير) 1258م، واستباحوها وقتلوا كُلَّ نفسٍ صادفتهم ونهبوا وحرقوا كُل ما صادفوه، وكان الخليفة قد خرج منها وسلَّم نفسه لِلزعيم المغولي دون قيدٍ أو شرط بعد أن وعده هولاكو بِالأمان. وقد انتهت هذه الأحداث بِقتل الخليفة المُستعصم وابنيه أبي العبَّاس أحمد وأبي الفضائل عبدُ الرحمٰن، وأسر ابنه الأصغر مُبارك وأخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، ثُمَّ استسلمت الحلَّة والكُوفة وواسط والموصل. وبِسُقُوط بغداد ومقتل الخليفة المُستعصم انتهت دولة الخِلافة العبَّاسيَّة التي عمَّرت ما يزيد عن خمسة قُرون. كان لِسُقوط بغداد دويٌّ هائلٌ وعميقٌ في مُختلف أنحاء العالم الإسلامي. واهتزَّ الحُكَّام المُسلمون في المناطق المُجاورة لِهذا الحدث الجلل. واعتبر المُسلمون في كُلِّ مكان، أنَّ سُقوط الخلافة العبَّاسيَّة صدمةٌ مُريعة، وتحديًا مُخيفًا، كان لهُ أسوأ الأثر في نُفوسهم. فعلى الرُغم من أنَّ الخِلافة ظلَّت مُنذُ زمنٍ طويلٍ تفقدُ قدرًا كبيرًا من سُلطتها الماديَّة، فإنَّ مكانتها الأدبيَّة والروحيَّة لا زالت قويَّة، وتوجَّس الأيُّوبيين في الشَّام والمماليك في مصر خيفةً من الآتي.

    المغول في الشَّام ومعركة عين جالوت

    كان السُلطان المملوكي عز الدين أيبك قد قُتل قبل سنة من سُقُوط بغداد، وتحديدًا يوم الثُلاثاء 24 ربيع الأوَّل 655هـ المُوافق فيه 10 نيسان (أبريل) 1257م، على يد بعض غلمانه نتيجة تحريض زوجته شجر الدُّر بعد ازدياد الوحشة بينهما وتدخُّلها في شُؤون الحُكم، ولم تلبث شجر الدُّر أن قُتلت هي الأخُرى أيضًا على يد جواري امرأة أيبك الأولى أُم نُور الدين عليّ. على أثر مقتل أيبك، بايع المماليك ابنه نُور الدين عليّ، وعُمره خمس عشرة سنة، ولقَّبوه بِالملك المنصور. عاشت البلاد في تلك الفترة حالة قلقٍ واضطراب وعدم استقرار بِسبب عدم إلمام المنصور بِشُؤون الحُكم ولِتنافس الأُمراء على تبُّوء العرش، بِالإضافة إلى وُصُول خبر سُقُوط بغداد واستباحتها ومقتل الخليفة، ومسير المغول نحو الشَّام، فشاع الخوف والقلق بين الناس، وأصبح الوضع حرجًا يتطلَّب وُجود رجلٍ قويٍّ على رأس السلطنة، وعلا في هذه الأوضاع المُضطربة نجم الأمير سيفُ الدين قُطُز، نائب السلطنة كأقوى أميرٍ مملوكيّ، فأخذ على عاتقه توحيد صُفُوف المماليك من مُشكلة الحُكم، وأقدم على عزل المنصور نور الدين عليّ في شهر ذي القعدة سنة 657هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) سنة 1259م بِمُساعدة الأعيان والأُمراء، وتربَّع على عرش السلطنة المملوكيَّة لِيتفرَّغ لِمُواجهة المغول. كان من الطبيعي أن يتلو غزو المغول لِلعراق، مُهاجمة الشَّام. وكان هولاكو قد أرسل، أثناء حصار بغداد، فرقة عسكريَّة استولت على إربل، ومن ثُمَّ أشرف المغول على البلاد الشَّاميَّة. وقف أمير أنطاكية الصليبي بوهيموند السادس إلى جانب المغول رُغم تردُّد باقي الإمارات الصليبيَّة وتخوُّفها من الانضمام لِهؤلاء، وحالف الأرمن في قيليقية المغول وشجَّعوهم على القضاء على المُسلمين في الشَّام واشتركوا معهم في قتالهم على أمل استخلاص الأراضي المُقدسة منهم وبيت المقدس خُصوصًا. أمَّا المُلُوك والأُمراء المُسلمون فكانوا يفتقدون الرَّابطة الاتحاديَّة، وعمل كُل أميرٍ بِاستقلالٍ عن الآخر. لِذلك، ضرب الناصر يُوسُف الأيُّوبي الصُلح مع المماليك بِعرض الحائط، وعرض على هولاكو التعاون أملًا باسترجاع مصر لِلبيت الأيُّوبي. وكان أن استجاب هولاكو لِتلك الدعوة، وقرَّر إرسال قُوَّة من عشرين ألف فارس إلى الشَّام، ولم يلبث المغول أن زحفوا من العراق على الشَّام، فانتقلوا في سُرعةٍ مُذهلةٍ من ديار بكر إلى آمُد يُريدون حلب. ولم يُوفَّق المُسلمون في الدفاع عن حلب فدخلها المغول وقتلوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا عادة فعلهم. وهُنا أفاق النَّاصر يُوسُف لِحقيقة خطر المغول، فأرسل إلى قريبه المُغيث عُمر صاحب الكرك والمُظفَّر قُطُز صاحب مصر يطلب منهُما النجدة السريعة. على أنَّهُ يبدو أنَّ كثيرًا من الأُمراء بالشَّام خافوا عاقبة مُقاومة المغول ونادوا بِأنَّهُ لا فائدة من تلك المُقاومة، فأخذ الأمير زينُ الدين الحافظي يُعظِّم من شأن هولاكو وأيَّد مبدأ الاستسلام له، ولكنَّ الأمير رُكن الدين بيبرس البندقداري - وكان قد أصبح من أُمراء المماليك البحريَّة بالشَّام - لم يُعجبه ذلك القول، فقام وسبَّهُ وضربه وقال له: ولم يرضَ بيبرس ومن معهُ من البحريَّة عن مسلك الناصر يُوسُف وأُمراء الشَّام، فساروا إلى غزَّة، وأرسل بيبرس إلى السُلطان قُطُز يعرض عليه توحيد جُهود المُسلمين ضدَّ خطر المغول. وفي الحال استجاب قُطُز للدعوة.، فأرسل إلى بيبرس يطلب منهُ القُدوم، واستقبلهُ بِدار الوزارة وأقطعهُ قليوب وأعمالها.

    سقطت مُدن الشَّام الواحدة تلو الأُخرى في يد المغول، فساروا من حلب إلى دمشق ثُمَّ بعلبك نُزولًا إلى فلسطين حتَّى بلغوا غزَّة. وأرسل هولاكو إلى قُطُز خطاب تهديدٍ ووعيد يطلب منهُ التسليم ويقُولُ له:. وختم رسالتهُ بِقصيدةٍ جاء في مطلعها:

    ولكنَّ قُطُز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رُسُل المغول وعلَّق رُؤوسهم على باب زويلة، وقرَّر الخُرُوج لِلتصدِّي لِلمغول، وشجَّعهُ على ذلك الأنباء التي أفادت بِرحيل هولاكو شرقًا بعد أن علم بِوفاة الخاقان الأعظم منكو خان، وتركه القيادة بِيد نائبه كتبغا، وأنَّ الصليبيين نفضوا يدهم من التحالف مع المغول لِعدم ثقتهم فيهم، فرأى أنَّ الفُرصة أصبحت مُؤاتية لِلوُقوف بوجه هذا الخطر ودحره والانتصار عليه. أعدَّ المُسلمون العدَّة لِمُواجهة المغول، وخرجوا بِقيادة قُطُز نحو فلسطين، فقابلوا جيش المغول في يوم 25 رمضان 658هـ المُوافق فيه 3 أيلول (سپتمبر) 1260م في سهل عين جالوت حيثُ دارت بين الطرفان معركةٌ حامية الوطيس أُفني فيها الجيش المغولي عن بُكرة أبيه، وقُتل قائده كتبغا. ثُمَّ حرَّر المُسلمون باقي مُدن الشَّام من المغول، وأمر قُطُز بِإنزال القصاص بِالذين تعاونوا معهم، وكان في مُقدمتهم عددٌ من الأهالي المسيحيين في دمشق وغيرها، والأُمراء الأيُّوبيين، فيما عفى عن قسمٍ آخر منهم. ثُمَّ رتَّب أوضاع المُدن المُستعادة، وأعلن وحدة الشَّام ومصر مُجددًا، قبل أن يقفل ويرجع إلى القاهرة، التي أصبحت مُنذ ذلك الحين قِبلة العُلماء والأُدباء النازحين من العراق والشَّام والبلاد التي دمَّرها المغول.

    إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة

    بعد زوال الخطر المغولي الذي أجبر المماليك جميعًا على الاتحاد، تجدَّدت النزاعات بين قُطُز ومماليكه المعزيَّة من جهة وبين المماليك البحريَّة بِقيادة الأمير بيبرس البندقداري من جهةٍ أُخرى. وكان من نتيجة تلك النزاعات أن دفعت المماليك البحريَّة بيبرس إلى اغتيال قُطُز يوم السبت 15 ذي القعدة 658هـ المُوافق فيه 22 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1260م، بعد أن أظهر قُصر نظر في الحقل السياسي حين تجاهل مكانة بيبرس التي ارتفعت بعد معركة عين جالوت. بعد مقتل قُطُز، بايع الأُمراء والجُند بيبرس سُلطانًا على مصر والشَّام، وحلفوا لهُ جميعًا أن لا يخونوا ولا يثبوا عليه. ويبدو أنَّ بيبرس شعر مُنذُ أن تسلَّم الحُكم، أنَّهُ بِحاجةٍ إلى دعمٍ أدبيٍّ يُكسب حُكمه صفة شرعيَّة، بعد أن نظر إليه مُعاصروه على أنَّهُ اغتصب السلطنة من قُطُز، يُضاف إلى ذلك أنَّ كثيرًا من الناس استمرَّت تنظر إلى المماليك نظرة الريبة من زاوية أصلهم غير الحُر وانتزاعهم الحُكم من سادتهم الأيُّوبيين، ممَّا كان دافعًا لهم لِلبحث عن سندٍ شرعيٍّ يُبرِّرون بِواسطته حُكمهم. والحقيقة أنَّ العالم الإسلامي شعر بِفراغٍ كبيرٍ في منصب القيادة الروحيّ بعد سُقُوط بغداد في أيدي المغول، ولم يكن بِالإمكان أن يخلف أحد أبناء البيت العبَّاسي الخليفة المُستعصم بعد مقتله، لأنَّ عاصمة الخِلافة أضحت قاعدةً لِلحُكم المغولي. وقد حاول بعض الأُمراء المُسلمين إعادة إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، ومنهم النَّاصر يُوسُف الأيُّوبي وسيف الدين قُطُز، لكنهما لم ينجحا، فرأى بيبرس أن يكون هو هذا الحاكم المُسلم الطموح الذي يُعيد الحياة إلى هذه الخِلافة على أن يكون مقرَّها القاهرة، لِيجعل منها سندًا لِلسلطنة المملوكيَّة التي كانت بِحاجةٍ ماسَّة إلى دعمٍ روحيٍّ يجعلها مهيبة الجانب، بِالرُغم من الانتصارات التي حققتها ضدَّ المغول، ولِيُحيط عرشه بِسياجٍ من الحماية الروحيَّة يقيه خطر الطامعين في مُلك مصر والشَّام، ويُبعد عنه كيد مُنافسيه من أُمراء المماليك في مصر الذين اعتادوا الوُصُول إلى الحُكم عن طريق تدبير المُؤامرات، وكي يظهر بِمظهر حامي الخِلافة الإسلاميَّة. تذكر بعض الروايات أنَّ قُطُز كان قد بايع أمير عبَّاسي يُدعى أبا العبَّاس أحمد، كان قد هرب إلى دمشق هربًا من المغول، فأمر بِإرساله إلى مصر تمهيدًا لِإعادته إلى بغداد. وتذكر بعض الروايات أنَّ المُظفَّر بايع فعلًا هذا الخليفة وهو في دمشق، غير أنَّ حادثة اغتياله حالت دون تنفيذ هذا المشروع. استدعى بيبرس الأمير المذكور لِيحضر إلى القاهرة لكنَّهُ لم يفعل، ووصل في ذلك الوقت أميرٌ عبَّاسيٌّ آخر هو أبو القاسم أحمد، فارًا من وجه المغول، فاستدعاه بيبرس فورًا إلى القاهرة، واستقبلهُ استقبالًا حافلًا وبُويع بِالخلافة صباح يوم الإثنين 13 رجب 659هـ المُوافق فيه 15 حُزيران (يونيو) 1261م، وكتب بيبرس إلى سائر السلاطين والأُمراء والنُوَّاب المُسلمين خارج مصر لكي يأخذوا البيعة لِلخليفة الجديد، وأمرهم بِالدُعاء له على المنابر قبله وأن تُنقش السكَّة باسميهما. وقام الخليفة العبَّاسي بِدوره، فقلَّد بيبرس البلاد الإسلاميَّة وما ينضاف إليها، وما سيفتحهُ من بلادٍ في دار الحرب، وألبسهُ خُلعة السلطنة. وبِذلك أضحى بيبرس سُلطانًا شرعيًّا، فأمن بذلك مُنافسة الأُمراء له.

    ضم الحجاز

    كان طبيعيًّا أن يكون الحجاز محط أنظار الظاهر بيبرس، مُدركًا في الوقت نفسه، أنَّ ضمُّه لِلبلاد المذكورة سيُقوِّي مكانته في العالم الإسلامي، ويُضفي على حُكمه مهابة بين المُسلمين، خاصَّةً بعد أن ضُمَّت الشَّام تحت جناح المماليك. ورأى بيبرس ضرورة ضم بلاد الحجاز لِأسبابٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ ودينيَّةٍ. فمن الناحية السياسيَّة، فقد اعتادت مصر، مُنذُ عهد الخِلافة الراشدة، أن تُرسل الغِلال والميرة إلى الحجاز كضريبةٍ يجب أن تُؤديها إلى تلك البلاد التي تضم الحرمين الشريفين، بِالإضافة إلى إرسال الكِسوة إلى الكعبة التي كانت تُصنع من أجمل وأنفس منسوجات الشرق، وقد اشتهرت بها مصر مُنذُ زمنٍ بعيد. ومن الناحية الاقتصاديَّة، فإنَّ ضم المماليك لِبلاد الحجاز تسمح لهم بِالتحكُّم بِتجارة بحر القلزم (البحر الأحمر)، ومن ثُمَّ بِالتجارة العالميَّة. إذ شاءت الظُرُوف أن يترافق قيام سلطنة المماليك البحريَّة، في مُنتصف القرن الثالث عشر الميلاديّ، مع ازدهار طريق البحر الأحمر وموانئ مصر، واضمحلال ما عداها من طُرق التجارة الرئيسيَّة الأُخرى بين الشرق والغرب. ذلك أنَّ سيطرة المغول على البُلدان الشرقيَّة واتخاذ هولاكو بلاد فارس مركزًا لِدولته، قد عطَّل، بِفعل انعدام الأمن، مُرور القوافل التجاريَّة على طريق التجارة الشماليَّة بين الصين والأناضول، وموانئ بحر البنطس (البحر الأسود) والشَّام. وكان ذلك في الوقت الذي تراجع فيه مجيء السُفُن القادمة من الشرق الأقصى إلى الخليج العربي، بِسبب ازدياد نشاط القراصنة من سُكَّان جُزُر البحرين، ومن ثُمَّ تحوَّلت السُفن التجاريَّة إلى ميناء عدن في اليمن. غير أنَّ حُكَّام اليمن لم يُحافظوا على سلامة التُجَّار النازلين في عدن ولا على بضائعهم ممَّا دفع السُفن التجاريَّة إلى عدم التوقُّف في عدن والاستمرار في الإبحار عبر بحر القلزم (البحر الأحمر). وهكذا ترتَّب على اضمحلال طُرق التجارة الشرقيَّة في ذلك الوقت انتعاش طريق البحر الأحمر - مصر، الأمر الذي أتاح لِلسلاطين المماليك بِشكلٍ عام، فُرصة ذهبيَّة لِلإفادة من القيام بِدور الوسيط بين تُجَّار الشرق وتُجَّار الغرب. أمَّا من الناحية الدينيَّة، فإنَّ ضم الحجاز إلى السلطنة المملوكيَّة سيُضفي على حُكم بيبرس هالة من المهابة باعتباره مسؤولًا عن الحرمين الشريفين، كما سيدعم ذلك ركائز دولته، ويضعهُ في مصاف الخُلفاء العبَّاسيين، في الوقت الذي كان فيه بِأمس الحاجة إلى هذا الدعم. ومهما يكن من أمر، فقد أخذ بيبرس على عاتقه تنفيذ سياسته الحجازيَّة. فقام بِعدَّة إصلاحات بِالحرم النبوي، وأرسل الكِسوة إلى الكعبة. كما أرسل الصدقات والزيت والشُمُوع والطيب والبُخُور مع كسوة لِقبر الرسول مُحمَّد. وأخيرًا أدَّى فريضة الحج في سنة 667هـ المُوافقة لِسنة 1269م، وأمر بِجعل الخِطبة لِلخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة، ثُمَّ لِلسُلطان المملوكي من بعده، كما ضُربت السكَّة باسمه. وهكذا ضُمَّت الحجاز إلى الدولة المملوكيَّة، واستتبع ذلك ضم بلاد اليمن، التي كانت تحت حكم بني رسول، وأضحت هذه البلاد بِمُقتضى التقليد الذي منحهُ الخليفة العبَّاسي المُستنصر لِلظاهر بيبرس داخلة في نطاق الحُكم المملوكي. وقد جاء في هذا التقليد:.

    بداية المُناوشات مع الصليبيين

    بعد إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، وتوطيد أركان الدولة المملوكيَّة، وإنزال الهزيمة القاسية بِالمغول، اعتبر بيبرس أنَّ الوقت قد حان لاستعادة بلاد المُسلمين التي احتلَّها الصليبيين مُنذُ نحو القرن من الزمن، ورأى أن يبدأ بِمُعاقبة القوى المسيحيَّة التي ساعدت المغول ووقفت بِجانبهم ضدَّ المُسلمين، وخصَّ منهم حيطوم ملك قيليقية الأرمنيَّة وبوهيموند السادس أمير أنطاكية. فأرسل في سنة 659هـ المُوافقة لِسنة 1261م، جيشًا إلى حلب لِشن غارات واسعة النطاق على أملاك أنطاكية. وتجدَّدت الغارات في السنة التالية، وهدَّد المُسلمون أنطاكية نفسها بِالسُقُوط لولا أنجدها جيشٌ مغولي أرمني مُشترك يقوده الملك حيطوم بِنفسه، فاضطرَّ الجيش الإسلامي إلى فك الحصار. لم يسع بيبرس، نتيجة فشله في استعادة أنطاكية، وتهديده المُستمر من جانب مغول فارس، في الأوقات التي يُهاجم فيها الإمارات الصليبيَّة، إلَّا اللُجوء إلى الدبلوماسيَّة لِتحصين موقفه. لِذلك، تحالف مع بركة خان بن جوشي، خان القبيلة الذهبيَّة، والإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن پاليولوگ، والسُلطان السُلجوقي عز الدين كيكاوس بن كيخسرو، وأضحى باستطاعته القيام بِمشاريعه الكُبرى ضدَّ الصليبيين وهو آمن. بدأت الحرب بين المُسلمين بِقيادة بيبرس، والصليبيين سنة 661هـ المُوافقة لِسنة 1263م، عندما هاجمت جُيُوش المُسلمين الناصرة، كما هاجم بيبرس بنفسه مدينة عكَّا ولكنَّهُ لم يُفلح في استردادها، على أنَّ الحرب الشاملة التي شنَّها بيبرس على الصليبيين لم تبدأ إلَّا في سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م، عندما استردَّ المُسلمون قيسارية ويافا وعثليث وأرسوف. وفي نفس السنة تُوفي هولاكو وخلفه آباقا خان، ولم يكن باستطاعته التدخُّل في شؤون الشَّام لانشغاله بِمُحاربة أبناء عُمومته في القبيلة الذهبيَّة الذين أغاروا على بلاده الربيع التالي، فأضحى باستطاعة بيبرس أن يستأنف حملاته ضدَّ الصليبيين دون أن يخشى تدخلًا مغوليًّا. وهكذا استرجع المُسلمين في السنة التالية مُدن وبلدات صفد وهونين وتبنين والرَّملة. ولم يغفر بيبرس لِمملكة أرمينية الصُغرى في قيليقية أو لِإمارتيّ أنطاكية وطرابُلس تحالُفها مع المغول ضدَّ المُسلمين، فأخذ يُمهِّد سنة 665هـ المُوافقة لِسنة 1266م لِلقيام بِعملٍ حربيٍّ ضدَّ هذه القوى الصليبيَّة، وأرسل جيشًا تحت قيادة الأمير قلاوون استولى على بعض القلاع الواقعة شماليّ طرابُلس الشَّام لِتحقيق ذلك الغرض.

    وفي صيف سنة 665هـ المُوفقة لِسنة 1266م، وجَّه بيبرس حملةً كُبرى ضدَّ أرمينية الصُغرى أثناء غياب ملكها حيطوم الأوَّل في زيارةٍ لِمغول فارس، ونجح المُسلمين في إنزال هزيمة كُبرى بِالأرمن قُرب دربساك، وانتقموا منهم شرَّ انتقام، فدمَّروا مُدن قيليقية وبِخاصَّة أضنة وطرسوس والمصيصة، كما أشعلوا النار في العاصمة سيس، وقُتل أحد أبناء الملك حيطوم في الحرب في حين أُسر الابن الثاني، وبعد ذلك عاد المماليك إلى الشَّام مُحمَّلين بِالغنائم ومعهم آلاف الأسرى من الأرمن. وأخيرًا توَّج بيبرس جهوده ضدَّ الصليبيين باسترجاع أنطاكية في شهر أيَّار (مايو) سنة 1268م. وكانت خسارة الصليبيين بِسُقُوط أنطاكية ضخمة، لأنها كانت كُبرى إماراتهم بِالشَّام، وثاني إمارة أسسوها بعد الرُّها، لِذلك جاء سُقُوطها إيذانًا بانهيار البناء الصليبي بِالشَّام، بحيثُ لم يبقَ لِلصليبيين بعد ذلك من المُدن سوى عكَّا وطرابُلس. ولم تقتصر حركة الجهاد التي قام بها بيبرس ضدَّ القوى الصليبيَّة في الشرق الأدنى على أرمينية الصُغرى والشَّام، وإنما امتدَّت إلى جزيرة قبرص، المحكومة من قِبل آل لوزنيان الإفرنج. ولم يستطع الظاهر بيبرس أن يغفر لِملك قبرص هيوج الثالث تهديده لِسُفن المُسلمين في شرق حوض البحر المُتوسِّط، أو مُساعدته لِلصليبيين ضدَّ المُسلمين بِالشَّام، فأرسل حملةً بحريَّةً سنة 668هـ المُوافقة لِسنة 1270م لِغزو قبرص. ولكنَّ هذه الحملة أُصيبت بِالفشل بِسبب ريحٍ عاصفة هبَّت على السُفن الإسلاميَّة قرب شاطئ قبرص فتحطَّم بعضها، وعاد البعض الآخر دون نتيجة. وهكذا استمرَّ بيبرس يشُنَّ الحُروب العنيفة على الصليبيين دون هوادة ولا رحمة، فاسترجع في سنة 669هـ المُوافقة لِسنة 1271م بلدة صافيتا وحصن الأكراد وحصن عكَّا والقرين، وأخذ يستعد لِمُهاجمة طرابُلس ذاتها، لولا وُصُول الأمير إدوارد الإنكتاري إلى الشَّام ومعهُ بضع مئاتٍ من المُحاربين، مما جعل بيبرس يخشى أن يكون ذلك مُقدِّمة لِحملةٍ صليبيَّةٍ كبيرة. وجديرٌ بِالذكر أنَّ حرص بيبرس على تقليم أظافر الصليبيين بِالشَام دفعه إلى القضاء على نُفُوذ الباطنيَّة الحشيشيَّة. وكانت هذه الطائفة قد قامت بِدورٍ خطيرٍ في تاريخ الحُرُوب الصليبيَّة، وأسهمت بِقسطٍ وافرٍ في انحلال الشَّام في ذلك العصر. ثُمَّ أنهم لم يكتفوا باغتيال كثير من زُعماء حركة الجهاد من المُسلمين، وإنما حالفوا الصليبيين ودفعوا لهم الأموال رمزًا لِلتبعيَّة، وانقلبوا عليهم في بعض الأحيان وفق ما قضته مصلحتهم. لِذلك سعى بيبرس إلى القضاء على نُفُوذ الباطنيَّة في الشَّام قضاءً تامًّا، فعزل مُقدمهم نجم الدين الشعراني، واستولى على حُصونهم حصنًا بعد آخر حتَّى استولى عليها جميعًا وأراح البلاد من شرِّهم.

    غزو الأناضول ومعركة البستان

    لم ينقطع العداء بين المماليك والمغول مُنذُ موقعة عين جالوت، إذ ظلَّ مغول فارس يتحيَّنون الفُرصة لِلثأر، ويُغيرون بين حينٍ وآخر على أطراف الدولة المملوكيَّة الشماليَّة بِالعراق والشَّام. ولكنَّ موجة المغول الكاسحة كانت قد انكسرت حدَّتها بعد هزيمتهم الفادحة في عين جالوت، وبعد وفاة هولاكو، وأصبحوا في حالةٍ من الإجهاد والمشاكل الداخليَّة لا تُمكنهم من القيام بِمُحاولةٍ كُبرى لِغزو الشَّام. لِذلك، سعى خليفة هولاكو آباقا خان إلى طلب الصُلح من بيبرس، على الرُغم من احتفاظه بِمشاعر العدائيَّة والكراهيَّة تجاه المُسلمين، وسياسته الوديَّة تجاه الصليبيين في الشَّام وقيليقية. ولجأ آباقا في طلبه الصُلح إلى مزيجٍ من الترغيب والتهديد، إذ قال مُخاطبًا بيبرس:. ولكنَّ بيبرس كان يعلم جيِّدًا أنَّ الصُلح مع المغول أمرٌ لا يرضى عنه أي مُسلم عندئذٍ، بعد أن دمَّروا بغداد وقتلوا الخليفة المُستعصم بِالله، وفعلوا بِالمُسلمين في العراق ما يتنافى مع قواعد الإنسانيَّة والرحمة. لِذلك رفض بيبرس طلب آباقا لِلصُلح وأعلن أنَّهُ لن يكُفَّ عن المغول حتَّى يسترد جميع البلاد التي اغتصبوها من المُسلمين. ولمَّا يئس آباقا من الصُلح أرسل رجاله لِلإغارة على الشَّام سنة 668هـ المُوافقة لِسنة 1269م، فهاجموا الساجور، ولكنَّهم ارتدوا خائبين عندما رأوا الجُيُوش التي أرسلها السُلطان لِمُنازلتهم. ثُمَّ عاد المغول مرَّة أُخرى لِمُهاجمة عينتاب وعُمق الحارم سنة 669هـ المُوافقة لِسنة 1271م، ولكن إغارتهم كانت محدودة الأثر والأهميَّة. وفي ذلك الوقت حاول الأمير إدوارد الإنكتاري أن يستغل المغول في مُهاجمة المُسلمين بِالشَّام، وأرسل فعلًا سفارةً إلى آباقا لِذلك الغرض ولكنَّ آباقا لم يُقدِّم لِلصليبيين أكثر من بضعة وُعُود، بل إنه أرسل بعض الرُّسل لِلسُلطان بيربس لِتجديد الكلام في الصُلح. ومع أنَّ بيبرس أحسن استقبال رُسل المغول في هذه المرَّة وأرسل معهم بعض الهدايا لِآباقا، فإنهُ لم يُوافق على مبدأ الصُلح معهم ممَّا جعلهم يُجددون هجماتهم على البيرة.

    في تلك الفترة، دخل سلاجقة الروم في الأناضول، بِحُكم موقع بلادهم الاستراتيجي، في دوَّأمة الصراع بين المغول والمماليك، وتقلَّبت سياستهم وفقًا لِتغيير ميزان القوى، فهُم تارةً مع المغول يستمدون العون منهم، ويُحاربون في صُفوفهم، وتحت رايتهم، وتارةً أُخرى يستنجدون بِالمماليك لِيُحرروهم من سيطرتهم. إلَّا أنه وُجدت فئة من الأُمراء حملت لواء المُعارضة لِلوُجود المغولي في البلاد، فتعرَّضت لِلضغط الشديد ممَّا اضطرَّها إلى الهجرة إلى الشَّام ومصر حيثُ رحَّب بهم بيبرس ووعدهم بالسير إلى الأناضول واستخلاصها من يد أُمراء السلاجقة المُؤيدين لِلمغول، وضم البلاد المملوكيَّة والسُلجوقيَّة في سبيل الاتصال بِمغول القبيلة الذهبيَّة لِلوُقوف في وجه مغول فارس. وفي سنة 674هـ المُوافقة لِسنة 1276م، أعدَّ بيبرس حملةً كبيرةً لِغزو الأناضول، وسار على رأس جُيُوشه شمالًا. وفي موقعة البستان حلَّت الهزيمة ساحقةً بِالمغول ومن حالفهم من السلاجقة، فقُتل عددٌ ضخمٌ من رجالهم. وبعد ذلك دخل بيبرس قيصريَّة ودُعي له على منابرها، وقدَّم لهُ أُمراء السلاجقة فُرُوض الولاء والطَّاعة ثُمَّ قفل راجعًا إلى الشَّام.

    قيام السُلالة القلاوونيَّة

    لم يعش بيبرس طويلًا بعد حملته على بلاد الأناضول، إذ تُوفي في دمشق يوم الخميس 27 مُحرَّم 676هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1277م. وكان قد أوصى بِولاية العهد إلى ابنه البكر السعيد بركة، مُتحديًا بِذلك طبيعة المماليك ونظامهم، وجعل الأُمراء يُقسمون يمين الطاعة لِذلك الأمير ظنًا منه أنَّ هذا كفيل بأن يجعل الأُمور تستتب على الوجه الذي يُريده بعد وفاته. لكن بعد وفاة بيبرس بِفترةٍ قصيرة، أخذ أُمراء المماليك يُسببون المتاعب لِلسُلطان الجديد في مصر والشَّام جميعًا، لِعدم إيمانهم بِمبدأ الوراثة في الحُكم، فضيَّقوا عليه الخناق وأزعجوه حتَّى اضطرَّ إلى التنازل عن السلطنة سنة 678هـ المُوافقة لِسنة 1279م، ولم يكن قد مضى على قيامه في منصب السلطنة عامان. عُرضت السلطنة عندئذٍ على أقوى الأُمراء - وهو الأمير قلاوون الألفي - ولكنَّهُ كان يُدرك أنَّ الأُمور لم تنضج بعد نُضجًا كافيًا، فتظاهر بِالزُهد ورفض المنصب قائلًا أنهُ لا يشتهيه وأنَّ خلعه السعيد بركة كان حرصًا على نظام الدولة وحفظًا لها، والأولى أن لا يخرج الأمر من ذُريَّة بيبرس. وهكذا اختير الابن الثاني لِبيبرس - وهو الأمير بدرُ الدين سُلامش - سُلطانًا سنة 678هـ المُوافقة لِسنة 1279م، في حين أصبح الأمير قلاوون أتابكًا لِلسُلطان الجديد - أي وصيًّا عليه. وبِهذه الطريقة حقَّق قلاوون غرضه لِأنَّ السُلطان الجديد كان في السابعة من عُمره، فاستغلَّ قلاوون وصايته لِلاستئثار بِالسُلطة والتخلُّص من المماليك الظاهريَّة (مماليك الظاهر بيبرس). وعندما اطمأنَّ قلاوون تمامًا إلى أنَّ الأُمور غدت مُهيأة لاعتلائه منصب السلطنة أعلن أنَّهُ لا فائدة من بقاء ذلك الصبيّ الصغير على العرش، فعزله قبل أن يمضي عليه في السلطنة ثلاثة أشهر، وحلَّ محلُّه. وبِتولِّي الأمير قلاوون العرش المملوكي، قامت السُلالة القلاوونيَّة التي استطاعت أن تحتفظ بِمنصب السلطنة في ذُريَّة هذا الرجُل مُدَّة أربت عن قرن، فكانت بِلك مثلًا فريدًا في دولة المماليك، إذ شذَّت عن قاعدة عدم توريث المُلك التي آمن بها المماليك. هذا إلى أنَّ العصر الذي حكمت فيه أُسرة قلاوون يُمثِّلُ عصر الازدهار في الدولة المملوكيَّة، إذ ظهرت في ذلك العصر جميع مُميزات تلك الدولة، واكتملت فيه معالمها مثلما ازدهرت حضارتها، وذلك بعد أن انتهى الدور التأسيسي الذي نهض به السُلطان الظاهر بيبرس. ومن أسباب ثبات مُلك هذه السُلالة أنَّ قلاوون أرسى هيبة بيته في النُفُوس، وأحاط اسمه واسم أُسرته بِهالةٍ من المجد والعظمة، جعلت المُعاصرين يتمسَّكون بِأبناءه وأحفاده من بعده، ويرون في بيت قلاوون رمزًا لِلقُوَّة والعظمة والاستقرار في الداخل والأمن في الخارج. وكان قلاوون نفسه على قدرٍ من الذكاء وبُعد النظر في شُؤون الحرب والسلم والسياسة والدبلوماسيَّة، ووصفه المُؤرخون الذين عاصروه بِأنَّهُ كان إنسانًا حليمًا عفيفًا في سفك الدماء مُقتصدًا في العقاب، كارهًا لِلأذى، وأنَّهُ كان رجُلًا مهيبًا شُجاعًا.

    إنشاء طائفة المماليك الشراكسة

    تعرَّض قلاوون، في أوائل عهده، إلى ثورتين: الأولى قام بها نائب السلطنة في دمشق الأمير سُنقُر الأشقر الذي امتنع عن مُبايعة قلاوون ودعا أهل دمشق إلى الخُروج عن طاعة الأخير، وأعلن نفسه سُلطانًا وتلقَّب بِلقب «الملك الكامل»، وطلب من نُوَّاب الولايات في الشَّام الاعتراف به. لم يقف السُلطان قلاوون موقف المُتفرِّج من هذه الحركة، فقاتل الأمير سُنقُر حتَّى هزمه وأجبره على الاستسلام، فطلب الأمان والعفو، فمُنح ذلك، وعُفي عنه، وعاد إلى القاهرة مُعززًا. أمَّا الثورة الثانية التي تعرَّض لها قلاوون فكانت مُؤامرةٍ حاكها بعض الأُمراء الظاهريَّة، إذ اتفقوا مع المغول على اغتياله، وأسرُّوا لِلصليبيين في عكَّا بما دبَّروا، ونصحوهم بِعدم عقد أيَّة مُعاهدة مع السُلطان لأنَّهُ سيُقتل في القريب العاجل. لكنَّ هؤلاء رفضوا التعاون معهم وحذَّروا قلاوون منهم. ولمَّا علم السُلطان بِتفاصيل المُؤامرة استدرج الأُمراء المُتآمرين وكشف لهم علمه بِالأمر، وأمر بِإعدامهم، ثُمَّ قبض على الأُمراء الذين كان يشك في إخلاصهم له وسجنهم. رُغم إخضاع الثورتين سالِفتا الذِكر، إلَّا أنَّ السُلطان قلاوون فقد بِسببهما ثقته بِالمماليك الظاهريَّة، واتجه إلى تأسيس طائفةٍ مملوكيَّةٍ خاصَّةٍ به تُساعده في توطيد حُكمه في الدَّاخل وتُسانده في سياسته الخارجيَّة، ويكون اعتماده عليها دون الطوائف المملوكيَّة الأُخرى. فأنشأ في سنة 681هـ المُوافقة لِسنة 1282م طائفة المماليك الشراكسة، وهو عُنصرٌ جديد من أصلٍ قوقازي، يعيش في القسم الشمالي الغربي لِبلاد القوقاز وفي قسمٍ من الشاطئ الشرقي لِلبحر الأسود إلى أطراف بلاد الأبخاز جنوبًا. تميَّز هذا العُنصُر بِميزتين: انخفاض ثمنه بِالمُقارنة مع غيره من فئات المماليك التُرك، ووفرة أعداده في الأسواق. وظلَّ قلاوون يعمل على الإكثار من شراء هذا العُنصر حتَّى أضحى عددهم ثلاثة آلاف وسبعُمائة في أواخر أيَّامه، وأنزلهم في أبراج قلعة القاهرة، لِذلك عُرفوا بِالمماليك البُرجيَّة. غير أنَّ لفظ «الشركس» أو «الجركس» لم يُطلق عليهم إلَّا بعد عدَّة سنوات، وقُدِّر لِهؤلاء أن يكون لهم شأنٌ كبير في تاريخ مصر وسائر بلاد الشرق الأدنى في القُرون اللاحقة.

    استرداد سواحل الشَّام

    بعد أن تخلَّص السُلطان قلاوون من الأخطار الداخليَّة التي واجهته، بدأ ينصرف نحو المغول والصليبيين الذين ما فتئوا يُهددون الشَّام بين فينةٍ وأُخرى. وكان آباقا خان قد أرسل في سنة 679هـ المُوافقة لِسنة 1280م قُوَّةً احتلَّت بعض القلاع في شمال الشَّام، ثُمَّ رحلت إلى حلب فدخلتها وأحرقت جوامعها ومدارسها وقتلت الكثير من أهلها، قبل أن تُسرع بِالعودة إلى قواعدها بِالعراق ما أن وصلها أنَّ قلاوون خرج إلى غزَّة في طريقه إليهم لِمُنازلتهم. استغلَّ الصليبيُّون فُرصة إغارة المغول على شمال الشَّام وحاولوا استرداد حصن الأكراد من المُسلمين، لكنَّ مُحاولتهم باءت بِالفشل، غير أنَّ تلك المُحاولة نبَّهت قلاوون إلى الخطر الذي يُحيق به نتيجة تحالف أعدائه المغول والصليبيين، لِذلك أخذ يتَّبع سياسةً جديدةً تستهدف التفرقة بين خُصُومه وعدم تمكينهم من الاتحاد ضدَّ المُسلمين لِيتمكن من مُنازلة كُلٌ منهم على حدة. فعقد صُلحًا مع القوى الصليبيَّة الرئيسيَّة في الشَّام لِمُدَّة عشر سنوات، ثُمَّ حوَّل أنظاره ناحية المغول لِضربهم ضربةً موجعة. وكان أن خرج آباقا بنفسه إلى الشَّام على رأس جيشٍ كبيرٍ من المغول في سنة 680هـ المُوافقة لِسنة 1281م، وسار معه ليون الثالث ملك أرمينية الصُغرى. وفي موقعة حِمص التي دارت بين المُسلمين والمغول يوم 14 رجب 680هـ المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1281م، حلَّت الهزيمة ساحقةً بِالمغول وولُّوا الأدبار إلى العراق بعد أن هلك منهم خلقٌ كثير. وما دام السُلطان قلاوون قد أحرز هذا النصر على المغول، فإنهُ رأى أن ينتهز الفُرصة لِيُنزل ضربته الثانية بِالصليبيين على الرُغم من أنَّهُ كان قد عقد معهم صُلحًا لِمُدَّة عشر سنوات كما أُسلف، ولم تنقضِ منها سوى أربع سنواتٍ فقط. ففي سنة 684هـ المُوافقة لِسنة 1285م، هاجم قلاوون الإسبتاريَّة في حصن المرقب - وهو من أخطر الحُصُون الصليبيَّة بِالشَّام - واستولى عليه فعلًا، ممَّا سبب خسارة كُبرى لِلصليبيين. وفي الوقت الذي كان المُسلمين يتأهبون لِلإجهاز نهائيًّا على الصليبيين بِالشَّام، لم ينتبه الصليبيُّون إلى حقيقة الخطر الذي يتهددهم، واستمرُّوا غارقين في مُنازعاتهم الداخليَّة، وهي المُنازعات التي ميَّزت تاريخ الصليبيين بِالشَّام في النصف الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي، وقد انتهز السُلطان قلاوون فُرصة انشغال الصليبيين بِتلك المُنازعات وأرسل حملةً استرجعت اللاذقيَّة سنة 686هـ المُوافقة لِسنة 1288م، وهي آخر بلد كان قد تبقَّى لِلصليبيين من إمارة أنطاكية. وشاء سوء حظ الصليبيين في تلك الظُروف أن يموت بوهيموند السَّابع أمير طرابُلس دون وريث، فقام في إمارته نزاعٌ داخليّ حول وراثة الحُكم، واستنجد فريقٌ من المُتنازعين بِالسُلطان قلاوون.

    وهُنا أسرع قلاوون إلى افتراس الفُرصة، فتجهَّز لِأخذ طرابُلس، وخرج من مصر على رأس جيشه دون أن يُعلن هدفه، وذلك في شهر مُحرَّم سنة 688هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1289م. وكان جيش المُسلمين كبيرًا - يزيدُ عن أربعين ألف فارس ومائة ألف راجل - فلم تستطع طرابُلس مُقاومة الحصار الذي فرضه عليها السُلطان وسقطت في قبضته بعد أن احتلَّها الصليبيُّون طيلة 180 سنة. ولم يلبث المُسلمون أن استرجعوا المراكز التي أخلاها الصليبيُّون قُرب طرابُلس - مثل أنفة والبترون وبيروت وجبلة - وبذلك لم يبقَ لِلصليبيين من مُلكهم العريض في الشَّام سوى عكَّا وصيدا وصُور وعثليث. ومن الواضح أنَّ عكَّا كانت أعظم هذه المُدن الصليبيَّة وأمنعها، وأنها صارت المركز الجديد لِمملكة بيت المقدس اللاتينيَّة بعد أن استرجع صلاح الدين بيت المقدس لِلمُسلمين، ومع ذلك فإنَّهُ لم يكن في نيَّة السُلطان قلاوون مُهاجمة عكَّا عقب استيلائه على طرابُلس مُباشرةً. ذلك أنَّ قلاوون اتجه إلى دمشق، حيثُ وافق على تجديد الهدنة مع الصليبيين لِمُدَّة عشر سنوات. شكَّل سُقُوط طرابُلس صدمة عنيفة لِسُكَّان عكَّا، كما أثار النقمة في الغرب الأوروپي، وجعل المُدن الصليبيَّة في الشَّام تحت رحمة السُلطان قلاوون. وكتب البابا نُقُولا الرابع إلى مُلُوك الغرب يلتمس منهم تقديم المُساعدة، لكنَّ أحدًا لم يُجبه نظرًا لانشغال كُل ملك بِمشاكله الداخليَّة، ولم يُلبِّ نداء البابا سوى جماعات فقيرة من شمالي إيطاليا الذين تطلَّعوا إلى مُغامرةٍ تعود عليهم بِالمنفعة، ولم يكن البابا راضيًا عنهم، غير أنَّهُ قبل مُساعدتهم مُضطرًّا، وجعلهم تحت رئاسة أُسقف طرابُلس. وقدَّمت البُندُقيَّة عشرين سفينة وألف وستُمائة مُرتزق، كما قدَّم ملك أراغون خمس سُفنٍ حربيَّة. وبينما الصليبيُّون بِالشَّام يخطبون ودّ السُلطان قلاوون، وصلت تلك الجُمُوع الصليبيَّة من إيطاليا وهي تفيضُ حماسةً، وفي الوقت نفسه ينقصها النظام والخبرة وضبط النفس، فاعتدوا على المُسلمين خارج أسوار عكَّا مما أنذر بِتجدُّد الحرب بين المُسلمين والصليبيين، وأخذ قلاوون يعد العدَّة لِلقيام بِعملٍ حربيٍّ كبيرٍ ضدَّ عكَّا.

    استرداد عكَّا وإجلاء الصليبيين

    لم يكد السُلطان قلاوون يفرغ من استعداداته الحربيَّة، ويُغادر القاهرة لِحرب الصليبيين في الشَّام واسترجاع عكَّا، حتَّى تُوفي فجأة في 7 ذي القعدة 689هـ المُوافق فيه 10 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1290م. وكان قلاوون قد جعل ولاية العهد لابنه علاءُ الدين عليّ، لكنَّ هذا الأخير تُوفي في حياة أبيه سنة 687هـ المُوافقة لِسنة 1288م، ولم يبقَ سوى ابنه الآخر صلاحُ الدين خليل - الذي كان مكروهًا من الأُمراء لِما عُرف عنهُ من قسوة وعدم تمسُّك بِقواعد الدين - فكان تولِّيه العرش صعب بِوُجود تلك المُعارضة، كما قيل أنَّ والده لم يكن راضيًا عن تصرُّفاته ولم يثق به، واعتقد أنَّهُ غير كُفء لِتولِّي السلطنة، ورفض أن يُوقِّع التقليد له بِولاية العهد، وتُوفي ولم يعهد لِولده بِالمُلك، إنما لم يكن ذلك مانعًا من أن يؤول إليه، خاصَّةً وأنَّ الموقف السياسي كان يتطلَّب قيام سُلطانٍ جديد على وجه السُرعة لِيقود الحملة التي كان قلاوون قد أعدَّها لِلقضاء على الصليبيين في عكَّا. وهكذا أقسم الأُمراء الأيمان لِلسُلطان خليل ولقَّبوه بِالأشرف، فخلع عليهم ثُمَّ تأهَّب لِلخُروج إلى الشَّام. وعندما علم الصليبيُّون في عكَّا أنَّ السُلطان الأشرف خليل تغلَّب على الصعاب التي واجهته، وأنَّهُ بِصدد الخُرُوج إليهم، حاولوا ثنيه عن عزمه، فأرسلوا إليه سفارة بِرئاسة أحد أعيان عكَّا الإفرنج وعُضويَّة فارسين أحدهما من الداويَّة والآخر من الإسبتاريَّة وكاتب، يسألون العفو، ولكنَّ السُلطان لم يقبل منهم ما اعتذروا به، وبذلك لم يعد هُناك مفر من القتال. خرج الأشرف خليل من القاهرة في شهر صفر سنة 690هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1291م، في طريقه إلى دمشق حيثُ وضع عياله وحريمه، ثُمَّ غادرها إلى عكَّا. وأرسل في الوقت نفسه إلى كُل وُلاة الشَّام بِإمداده بِكُل وسائل النقل، لِنقل الذخائر والجُنود، ثُمَّ مُوافاته إلى أسوار عكَّا. وهكذا اجتمعت الجُيُوش الإسلاميَّة من مصر والشَّام أمام آخر المعاقل الصليبيَّة الرئيسيَّة، وقُدِّر عدد أفراد تلك القُوَّات بِستين ألف فارس ومائة وستين ألفًا من المُشاة، فضلًا عن عددٍ ضخمٍ من آلات الحصار والضرب منها اثنين وتسعين منجنيقًا. فبدأ حصار المدينة ورميها بِالمجانيق رميًا مُتواصلًا. وقد بذل الصليبيُّون جُهدًا مُستميتًا لِلدفاع عن عكَّا، فاستغاثوا بِأوروپَّا الغربيَّة، لكنَّ استغاثاتهم لم تُؤدِّ إلَّا إلى نتيجةٍ ضئيلةٍ، فحصلوا على بعض المُساعدات من إدوارد ملك إنگلترا وهنري الثاني ملك قبرص، الذي أتى بِنفسه لِلمُشاركة في الدفاع عن المدينة، وتناست الطوائف الدينيَّة العسكريَّة حزازاتها القديمة وتكاتفت لِلدفاع عن عكَّا، ولكنَّ كُل تلك الجُهُود ذهبت مع الريح، فاقتحم المُسلمون المدينة في 17 جُمادى الأولى 690هـ المُوافق فيه 18 أيَّار (مايو) 1291م، وفرَّ الصليبيين في السُفن الراسية إلى عرض البحر، حيثُ غرقت بعض السُفن بِسبب كثرة من تحمله من الفارِّين، ووقع من بقي منهم في الأسر. ولم تكد عكَّا تُصبح في قبضة المُسلمين حتَّى أمر السُلطان بِتدميرها وفق خطَّةٍ موضوعة، حتَّى لا تبقى رأس حربة لِما قد يقوم به الصليبيُّون من اعتداءات على الشَّام. كانت استعادة المُسلمين لِعكَّا بِمثابة الضربة الكُبرى الختاميَّة التي نزلت بِالصليبيين في الشَّام. ولم يُصبح لِلصليبيين بعد ذلك مقام في تلك البلاد، فاسترجع المُسلمون في سُهولةٍ المراكز القليلة الباقية بِأيديهم مثل صُور وصيدا وطرطوس وعثليث، وأجلوهم عن تلك البلاد، فركبوا البحر عائدين إلى بلادهم الأوروپيَّة، لِتُختتم بِذلك صفحة الحُرُوب الصليبيَّة في المشرق الإسلامي بعد أن مضى عليها قرنان من الزمن.

    سلطنات الناصر مُحمَّد

    قُتل الأشرف صلاحُ الدين خليل يوم السبت 12 مُحرَّم 693هـ المُوافق فيه 31 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1293م، بعد أن تآمر عليه بعض أُمراء المماليك، وترك اثنتين من البنات ولم يعقب ذُكُورًا. وفي الأعوام الخمسة التي تلت مقتل هذا السُلطان، انحصر التاريخ المملوكي بشكلٍ تامٍ تقريبًا في حوادث القتل والمُؤامرات بِشكلٍ مُتواصل. ذلك أنَّ المُتآمرون اجتمعوا واتفقوا على تعيين زعيم المُؤامرة الأمير بدرُ الدين بيدرا سُلطانًا، لكنَّ هذا الأخير قُتل بِدوره على يد مماليك السُلطان المغدور بِزعامة الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، الذي سار بعد ذلك عائدًا إلى القاهرة لِيتربَّع على دست السلطنة، لكنَّ الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي - الذي كان السُلطان الأشرف خليل قد أنابه عنه في قلعة الجبل - حال بين كتبغا وبين دُخُول القاهرة، فجرت مُفاوضات بين الطرفين انتهت إلى اختيار مُحمَّد بن قلاوون أخي الأشرف خليل سُلطانًا. كان السُلطانُ الجديد ما يزال طفلًا صغيرًا لم يتجاوز عُمره تسع سنوات، وقضى سنة في الحُكم كان شبه محجوز عليه بِالقلعة، في حين استبدَّ بِأُمور الدولة الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي، ثُمَّ الأمير كتبغا المنصوري بعد أن تخلَّص من الأوَّل، وما لبث كتبغا أن عزل مُحمَّد بن قلاوون مُتحججًا بِفساد الحال نتيجة تولِّي صبيّ شُؤون الحُكم، وحلَّ مكانه سنة 694هـ المُوافقة لِسنة 1294م. تشائمت الناسُ من كتبغا وحُكمه كونه جاء مصحوبًا بانخفاض النيل واشتداد المجاعة وارتفاع الأسعار وانتشار الوباء، ولِأنَّهُ استقبل في مصر نحو عشرة آلاف مغوليّ وثنيّ - عُرفوا باسم «العويراتيَّة» أو «الأويراتيَّة» - فارِّين من الدولة الإلخانيَّة، فاستثار هذا الفعل شُعُور الأهالي وزادت نقمتهم على السُلطان. استغلَّ أحد الأُمراء الأقوياء، وهو الأمير حُسامُ الدين لاجين، عوامل الكراهيَّة التي أخذت تتجمَّع ضدَّ كتبغا، فخلعهُ من السُلطة وتربَّع على العرش بدلًا منه، لكنَّهُ أساء التصرُّف مع سائر أُمراء المماليك وضيَّق عليهم وأقصاهم عن مناصب الدولة وأحلَّ غيرهم من مماليكه الخاصَّة، فحنقوا عليه وقتلوه وهو في القلعة سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1298م. لم يوجد بين أُمراء المماليك - عقب مقتل لاجين - شخصيَّة كُبرى تستطيع أن تُسيطر على الموقف وتستأثر بِالسلطنة، فاضطرَّ الأُمراء وسط ذلك الفراغ إلى التفكير في مُحمَّد بن قلاوون الذي ظلَّ دائمًا يبدو في صُورة صاحب الحق الشرعي في السلطنة مُنذُ أن عزله كتبغا. وكان أن استُحضر مُحمَّد بن قلاوون إلى مصر لِيتولَّى منصب السلطنة لِلمرَّة الثانية، فاستُقبل استقبالًا حماسيًّا رائعًا من المماليك وعامَّة الناس على حدٍ سواء، وصعد إلى القلعة حيثُ جُدِّدت لهُ البيعة وأخذ يُباشر سُلطانه، بعد أن تلقَّب بِلقب الملك الناصر.

    وكان أهم ما تعرَّضت له دولة المماليك في ذلك الدور هو تجدُّد هجمات المغول على الشَّام، إذ أوغلت جُيُوش الإلخان محمود غازان في الشَّام سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م حتَّى أنزلت الهزيمة بِالمماليك عند مجمع المُرُوج بين حِمص وحماة. ويبدو أنَّ مُقاومة المماليك في الشَّام انهارت بعد هذه الهزيمة، فدخل غازان دمشق وعاث جُنُوده فيها فسادًا. على أنَّ غازان اكتفى بذلك وعاد إلى بلاده بعد أن عيَّن نائبًا عنه في دمشق. وكان ذلك في الوقت الذي خرج جيشٌ كبير من المماليك على رأس السُلطان الناصر مُحمَّد قاصدًا الشَّام سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1299م، وقد استطاع المماليك دُخُول دمشق وطرد المغول منها، ولم يعبئوا بِطلب غازان مُهادنتهم، الأمر الذي استثار غازان فخرج من بلاده سنة 702هـ المُوافقة لِسنة 1302م قاصدًا غزو الشَّام من جديد. وفي موقعة مرج الصفر التي دارت قُرب دمشق في تلك السنة حلَّت الهزيمة قاسيةً بِالمغول، الأمر الذي جعل الناس يفرحون بِالناصر مُحمَّد رُغم صغر سنِّه ويستقبلونه استقبالًا حارًّا في دمشق والقاهرة. رُغم ذلك بقيت سلطنة الناصر مُحمَّد الثانية اسميَّة، إذ كان ما يزال فتىً في الرابعة عشرة من عُمره، وتحكَّم به الأميران سلار وبيبرس الجاشنكير وضيَّقا الخناق عليه، فحاول بدوره أن يتخلَّص منهما لكنَّهما أدركا مُخططه وحاولا القضاء عليه لولا أن وقف الشعب في صفِّه وناصره وتعاطف معه تعاطُفًا غريبًا. ولمَّا ضاق السُلطان بِحياته، وأدرك أنهُ لا فائدة من التغلُّب على سلار وبيبرس، تظاهر بِرغبته بالذهاب إلى مكَّة لِأداء فريضة الحج، ولمَّا وصل إلى الكرك اعتكف فيها وأعلن تخلِّيه عن السلطنة، فانتخب الأُمراء بيبرس الجاشنكير بدلًا منه. شاءت الظُروف أن يأتي قيام بيبرس الجاشنكير مقرونًا بانخفاض النيل وارتفاع الأسعار، ممَّا جعل الناس يُفسرون ذلك بِسُوء طالع السُلطان الجديد، فصاروا يطوفون في شوارع القاهرة مُطالبين إرجاع الناصر مُحمَّد، كما رفض الكثير من أُمراء الشَّام الاعتراف بسلطنة بيبرس، وأعلنوا ولائهم لِبيت قلاوون، واستعدادهم نُصرته كي يسترجع مُلكه. وكان النَّاصر مُحمَّد قد بلغ أشُدَّه وصُقلت خبراته السياسيَّة، فوافق على استرجاع العرش، وسار إلى القاهرة على رأس جيشٍ كبير، بينما وجد بيبرس نفسه وحيدًا بعد أن تخلَّى عنه أغلب الأُمراء، ورفض الشعب الالتفاف حوله، فنزل عن العرش وهرب إلى أطفيح، لِيدخل النَّاصر مُحمَّد القاهرة ويجلس على تخت المُلك لِلمرَّة الثالثة.

    استمرَّ حُكم الناصر مُحمَّد في تلك المرَّة الثالثة إحدى وثلاثين سنة، هي مُدَّة طويلة لم يُدانيه فيها سُلطانٌ آخر من سلاطين المماليك. ويُمثِّلُ عصره بالذَّات أعظم عُصُور التاريخ المملوكي، وأكثرها ازدهارًا ورُقيًّا واستقرارًا. ذلك أنَّ نُفُوذ الناصر مُحمَّد امتدَّ من برقة غربًا حتَّى الشَّام والحجاز وجنوب العراق شرقًا، ومن النوبة جنوبًا حتَّى الأناضول شمالًا، وخطب ودَّهُ سلاطين المغرب ودعوا له، حتَّى قيل أنَّهُ «لم يل من أبناء المُلُوك قاطبةً مُلك مصر أعظم من الملك الناصر مُحمَّد». وقد أرسل السُلطان الناصر مُحمَّد حملتين إلى النوبة في سلطنته الثالثة، وذلك ما بين سنتيّ 715 و716هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1315 و1316م، ففتحها وأقام عليها أوَّل ملكٍ مُسلمٍ من أهلها هو عبدُ الله برشنبو، فأخذت تلك البلاد تفقد صفتها المسيحيَّة تدريجيًّا مُنذُ ذلك الوقت لِتتخذ طابعًا عربيًّا إسلاميًّا. أمَّا في الداخل، فقد كان عهد الناصر مُحمَّد عهد رخاءٍ واستقرار، فأقام الناصر كثيرًا من المُنشآت مثل المساجد والقناطر والجُسُور والمُستشفيات والمدارس، حتَّى بلغ مصروف العمارة في كُل يومٍ من أيَّامه سبعة آلاف درهم فضَّة. وفي تلك الفترة زار الرحَّالة والجُغرافي المغربي ابن بطُّوطة مصر، فأُعجب إعجابًا شديدًا بِمظاهر الحضارة والعُمران في القاهرة، وأشاد بِسيرة الناصر مُحمَّد وفضله وازدهار حُكمه، ووصف مصر قائلًا:.

    تدهور دولة المماليك البحريَّة وسُقُوطها

    تُوفي الناصر مُحمَّد بن قلاوون سنة 741هـ المُوافق فيه سنة 1340م، والواقع أنَّ وفاته جاءت إيذانًا بانتهاء فترة الاستقرار والرخاء اللذين تمتعت بهما الدولة المملوكيَّة في عهده. وإذا كان أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده قد تمكنوا من البقاء في الحُكم أربعين سنة بعد وفاة الناصر نفسه، فإنَّ ذلك لا يرجع إلى موهبةٍ خاصَّةٍ ظهرت في أحد أولئك السلاطين، وإنما كان مرجع ذلك هيبة بيت قلاوون نفسه في قُلُوب المُعاصرين، وهي الهيبة التي وضع أُسُسها المنصور قلاوون، وازدادت نُموًّا في عهد ولده السُلطان الناصر مُحمَّد. وبِعبارةٍ أُخرى فإنَّ أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده عاشوا على السُمعة الطيِّبة والمكانة الراسخة والشُهرة الواسعة التي تركها الناصر مُحمَّد بِالذَّات في قُلُوب مُعاصريه، رُغم أنَّهُ كان من هؤلاء الأبناء والأحفاد من لا يستحق المُلك لِضُعفه أو سوء خُلُقه أو صغر سنِّه. خِلال العشرين سنة الأولى التي أعقبت وفاة الناصر مُحمَّد (741 - 762هـ \ 1341 - 1361م) تولَّى منصب السلطنة ثمانيةٌ من أولاده، وفي العشرين سنة التالية (762 - 784هـ \ 1361 - 1382م) تولَّى المنصب أربعة من أحفاده. وبعضُ هؤلاء الأبناء والأحفاد تولَّى منصب السلطنة وعُمره عامٌ واحد - مثل الكامل سيف الدين شعبان - كما أنَّ بعضهم لم يبقَ في الحُكم إلَّا شهرين وبضعة أيَّام، مثل الناصر شهاب الدين أحمد. وشهدت هذه الفترة من حياة الدولة المملوكيَّة اضطرابات وعدم استقرار وفوضى، تركت أثرها واضحًا في جميع نواحي الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وزاد من أحوال البلاد سوءًا في ذلك الدور انتشار وباءٍ خطيرٍ عُرف باسم «الوباء الأسود» سنة 749هـ المُوافق فيه سنة 1349م - أي في عهد السُلطان الناصر حسن بن مُحمَّد - فمات كثيرٌ من الناس، وتأثَّرت الحياة الاقتصاديَّة أسوأ أثر حتَّى كادت تتوقَّف تمامًا، وتوقفت الأحوال بِالقاهرة وسائر مصر.

    ووقف خلف كُل سُلطان من أبناء الناصر مُحمَّد وأتباعه أميرٌ أو أكثر من كُبراء أُمراء المماليك، بحيثُ طغت شخصيَّة أولئك الأُمراء على السلاطين، واستغلُّوهم لِتحقيق مصالحهم الخاصَّة، فنجم عن ذلك ازدياد المُنازعات فيما بينهم، وتحكُّمهم واستبدادهم بِشُؤون الدولة والعِباد. يُلاحظ أنَّ بعض الأُمراء سالفي الذكر كان من المماليك البُرجيَّة الشراكسة، ومن أبرزهم سيفُ الدين برقوق، الأمر الذي يدُل على ازدياد نُفُوذ تلك الطائفة، ممَّا أدَّى إلى تمكُّنهم من انتزاع الحُكم لاحقًا. هذا عن الأحوال الداخليَّة لِدولة المماليك في عصر أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده. أمَّا في الخارج فإنَّ اضطراب أحوال البلاد وعدم وُجود رجُلٍ قويٍّ مهيب الجانب على رأس دولة المماليك، أفقد تلك الدولة مكانتها وهيبتها التي كانت قد بلغت أوجها على عهد السُلطان الناصر مُحمَّد. ولم يلبث أن استخفَّ الأعداء بِدولة المماليك وطمع الطامعون في أراضيها، بل تجرَّأ الصليبيُّون على غزو مصر ذاتها سنة 767هـ المُوافقة لِسنة 1365م. والمعروف أنَّ الحُروب الصليبيَّة لم تنتهِ باسترجاع المُسلمين عكَّا سنة 690هـ المُوافقة لِسنة 1291م وبِطرد آخر البقايا الصليبيَّة من الشَّام، وإنما استمرَّت تلك الحُرُوب في صُورةٍ أو أُخرى حتَّى نهاية القرن الخامس عشر للميلاد تقريبًا، واتخذت لها أكثر من ميدان في المشرق والمغرب جميعًا. وفي ذلك الدور من أدوار الحُروب الصليبيَّة، اتخذ مُلُوك قبرص الإفرنج من آل لوزنيان جزيرتهم قاعدةً كُبرى لِتهديد السُفن والمتاجر الإسلاميَّة في شرق حوض البحر المُتوسِّط، فضلًا عن القيام بِغاراتٍ جريئةٍ على بعض الموانئ الإسلاميَّة وموانئ دولة المماليك بِوجهٍ خاص. وكان ملك قبرص آنذاك بُطرُس الأوَّل قد سمع بِأخبار الفوضى التي غرقت فيها مصر في عصر أحفاد الناصر مُحمَّد، وكيف كانت الموانئ والمُدن المصريَّة خالية تمامًا من وسائل الدفاع. فقرَّر وقادته غزو الإسكندريَّة لِلقضاء على دولة المماليك التي تسبَّبت بِطرد الصليبيين من الشَّام من ناحية، ولِلاستفادة من مركز تلك المدينة الحربي وموقها التجاري من ناحيةٍ أُخرى. وعلى الرُغم من أنَّ أخبار الحملة الصليبيَّة ووُجهتها طارت إلى مصر عن طريق التُجَّار قبل وُقُوع الهُجوم بِمُدَّةٍ طويلة إلَّا أنَّهُ لم يكن من الدولة اهتمام. نزل الصليبيُّون على شاطئ الإسكندريَّة صباح الجُمُعة 23 مُحرَّم 767هـ المُوافق فيه 9 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1365م، وارتكبوا فيها مذبحةً رهيبة راح ضحيَّتها آلاف السَّكندريين من مُسلمين ومسيحيين ويهود، ونهب الصليبيُّون البُيُوت والمتاجر والكنائس والجوامع، ولم تسلم منهم حتَّى متاجر التُجَّار الأوروپيين، وهرب الكثير من الأهالي ناجين بِحياتهم. وبعد مضيّ 4 أيَّام انسحب الصليبيُّون عائدين إلى قبرص، حاملين في سُفُنهم آلاف الأسرى والمنهوبات. خِلال هذه الفترة من عصر السلاطين البحريَّة الصغار، برز اسم أحد المماليك البُرجيَّة أو الشراكسة - وهو الأمير برقوق بن أنس العُثماني اليلبغاوي - الذي استطاع بِفضل طُمُوحه وقُوَّته أن يصل إلى منصب أتابك العسكر سنة 780هـ المُوافقة لِسنة 1378م، وبِذلك أصبح برقوق على جانبٍ كبيرٍ من القُوَّة في عهد السُلطان علاءُ الدين عليّ الذي لم يتجاوز سنُّه ست سنوات.

    ظلَّ السُلطان علاءُ الدين عليّ في الحُكم حتَّى وفاته سنة 783هـ المُوافقة لِسنة 1381م، وهو في الثانية عشرة من عُمره. وكان في استطاعة برقوق أن يلي عرش السلطنة عقب وفاة السُلطان عليّ مُباشرةً، لكنَّهُ أدرك أنَّ الأُمُور لم تنضج بعد لا سيَّما وأنَّ لهُ الكثير من المُعارضين. لِذلك تظاهر برقوق بِالزُهد في السلطنة مُعلنًا أنَّ المصلحة تتطلَّب إبقاء وظيفة السلطنة في بيت قلاوون. وهكذا استُدعي الأمير حاجي حفيد الناصر مُحمَّد وسنُّه وقتئذٍ إحدى عشرة سنة، وأُعلن سُلطانًا سنة 783هـ المُوافقة لِسنة 1381م. وفي خلال عهد السُلطان الطفل الجديد، أخذ برقوق يُمكِّنُ لِنفسه، فاختصَّ زُملائه وأنصاره من أُمراء المماليك بِالوظائف الرئيسيَّة في الدولة، في الوقت الذي أخذ يعمل على اكتساب محبَّة عامَّة الناس، فخفَّف عنهم الضرائب، ولمَّا وجد أنَّ الأُمور باتت مُهيئة لِإعلان نفسه سُلطانًا، انتحل نفس العُذر الذي سبق أن تحجج به الطامعون في الحُكم من أُمراء المماليك، وهو صغر سن السُلطان القائم، فاجتمع بالأعيان الذين أعلنوا خلع السُلطان حاجي وإقامة برقوق مكانه. وبِعزل حاجي من السلطنة انتهى بيت قلاوون، كما انتهى حُكم المماليك البحريَّة، وقامت دولة المماليك البُرجيَّة.

    عصر المماليك البُرجيَّة

    تختلف دولة المماليك البُرجيَّة - أو الشراكسة (الجراكسة) - عن الأولى، أو البحريَّة، في عدَّة نواحي، أوَّلها أنَّ سلاطين الدولة البُرجيَّة كانوا جميعًا شراكسة العِرق، ما عدا اثنين يرجعان إلى أصلٍ روميٍّ هُما خُشقُدم وتمربُغا. هذا إلى أنَّ مبدأ الحُكم الوراثي الذي حاول بعض سلاطين المماليك البحريَّة تطبيقه في عنادٍ وإصرارٍ والذي نجح بِوُضوحٍ في عصر بيت قلاوون، هذا المبدأ لا يُوجد له أثر في عصر دولة المماليك الشراكسة. والواقع أنَّ سلاطين دولة المماليك الثانية كانوا زُعماء أو أُمراء كبار أكثر منهم سلاطين. وكان نجاح السُلطان في مُهمَّته يتوقَّف على مدى توفيقه في توجيه كبار الأُمراء وضرب طوائف المماليك ببعضها البعض. فإذا استطاع السُلطان الاحتفاظ بِمنصبه حتَّى وفاته، فإنَّ ابنه كان يخلفه عادةً. ولكن لِعدَّة أشهرٍ فقط حتَّى ينجلي الموقف بين كبار الأُمراء ويستطيع أحدهم أن ينفرد بِالغنيمة. والمعروف أنَّ دولة المماليك البُرجيَّة عمَّرت أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة، تعاقب على عرش السلطنة خلالها ثلاث وعُشرون سُلطانًا، ومن هؤلاء السلاطين تسعة حكموا مائة وثلاث سنوات، في حين حكم الأربعة عشر سُلطانًا الباقون تسع سنوات فقط. أمَّا هؤلاء السلاطين التسعة الذين ارتبط بهم تاريخ دولة المماليك الشراكسة فهم: برقوق وفرج وشيخ وبرسباي وجقمق وإينال وخشقدم وقايتباي وقانصوه الغوري. وكثيرٌ من أولئك السلاطين عُرفوا بِحُبهم الأدب ومجالس العلم، كما عُرف بعضُهم بِالتقوى والورع. ولا شكَّ في أنَّ البلاد قاست كثيرًا في عهد المماليك الشراكسة من جرَّاء المُنازعات المُستمرَّة بين طوائف المماليك، وما كان ينجم عن تلك المُنازعات من حوادث وقتال في الشوارع، ممَّا أوجد جوًا من القلق وعدم الاستقرار في القاهرة بِوجهٍ خاص. وزاد من شدَّة البلاء أنَّ السلاطين عجزوا في ذلك العصر عن كبح جماح مماليكهم ممَّا جعلهم لا يجدون وسيلةً لِلاحتفاظ بِمراكزهم سوى ضرب طوائف بعضها ببعض، وبِذلك يخلوا الجو لِلسُلطان ومماليكه فيُعيثون في الأرض فسادًا. على أنَّهُ يُلاحظ أنَّ سلاطين الدولة الشركسيَّة عملوا دائمًا على حصر تلك المُنازعات داخل دائرة داخليَّة بحتة، بحيث لم يُمكنوا قُوَّة خارجيَّة من التدخُّل في شؤون البلاد أو الانتقاص من سيادتها، على أنَّ ذلك لم يحل دون تطلُّع عامَّة المُسلمين - في أواخر هذا العهد - إلى العُثمانيين كمُنقذين ومُخلِّصين.

    عهد السُلالة البرقوقيَّة

    لم يمضِ على قيام برقوق في السلطنة عامٌ واحد حتَّى حُبكت مُؤامرة لِعزله وإحلال الخليفة العبَّاسي أبو عبد الله مُحمَّد المُتوكِّل على الله بدله. ولكنَّ برقوق اكتشف المُؤامرة بفضل ما بثَّهُ من العُيون والجواسيس، فكُشِف أمرُ المتآمرين وكان أغلبهم من المماليك البحريَّة التُرك، فتخلَّص من بعضهم بالنَّفي وطرد آخرين من وظائفهم، ثُمَّ عزل الخليفة المُتوكِّل وأحلَّ محله خليفة آخر هو أبو حفص عُمر بن إبراهيم الذي لُقِّب بِـ«الواثق بِالله». على أنَّ هذه الإجراءات التي قام بها برقوق لم تنفع في حمايته من المُؤامرات المُتصلة التي دبَّرها خُصومه ضدَّه، حتَّى انتهى الأمر سنة 791هـ المُوافقة لِسنة 1389م بِقيام ثورة في شمال الشَّام كان من نتيجتها زحف الثُوَّار على القاهرة والقبض على برقوق ونفيه إلى الكرك. ولكنَّ النزاع لم يلبث أن اشتدَّ بين قائدا الثورة، وهُما الأميران «منطاش» نائب ملطية و«يلبغا الناصري» نائب حلب، ممَّا أعطى برقوق فُرصة لاسترداد مكانته، فهرب من الكرك وجمع جيشًا بِالشَّام، وأنزل هزيمة بِأعدائه عند صرخد سنة 792هـ المُوافقة لِسنة 1390م، ثُمَّ دخل القاهرة ظافرًا حيثُ رحَّب به الأهالي واستقبلوه استقبالًا حافلًا، والتفَّ الناسُ حوله لما رأوا من سوء تدبير منطاش وتعسُّفه. وقد قضى برقوق العامين التاليين في إخضاع بقايا الثُوَّار في الشَّام، ولم يكد يفرغ من ذلك حتَّى داهم الدولة المملوكيَّة خطر المغول مُجددًا، هذه المرَّة بزعامة قائد جبَّار هو تيمورلنك. وكان تيمورلنك قد استولى على بغداد سنة 795هـ المُوافقة لِسنة 1393م، واستولت جُيُوشهُ على بعض المناطق الداخلة ضمن نطاق السلطنة المملوكيَّة - مثل ماردين - ممَّا جعل السُلطان برقوق يحس بِذلك الخطر ويعمل بِسُرعة على تلافيه. وكان أن استطاع برقوق أن يعمل حلفًا سريعًا بين القوى الإسلاميَّة التي أحسَّت بِخطر تيمورلنك في الشرق الأدنى، مثل الإمارة الآرتينيَّة والقبيلة الذهبيَّة والسلطنة العُثمانيَّة. ولم يلبث تيمورلنك أن أرسل رسالة إلى مصر يطلب فيها من برقوق تسليمه البلاد، وأرفقها بِخطابٍ من التهديد والوعيد، فامتنع برقوق عن الاستجابة لِمطالب تيمور، وردَّ عليه بنفس أُسلوبه وطرد رُسله من القاهرة، وأخذ يستعد لِحرب المغول، ولكنَّ المنية عاجلته فمات سنة 801هـ المُوافقة لِسنة 1399م قبل الشُروع في الحرب، فترك ذلك لابنه الناصر فرج. وقد خرج السُلطان فرج إلى الشَّام سنة 803هـ المُوافقة لِسنة 1400م؛ لِمُحاربة تيمورلنك الذي كان قد عاد وخرَّب حلب وزحف على دمشق، فوقع بين الجيشين بعض مُناوشات بِالقُرب من دمشق كان الغلب فيها للمماليك، فطلب تيمورلنك من السُلطان الصُلح فأجابه إليه. وبينما هُم يتفاوضون أثار مماليك السُلطان فتنة في المُعسكر، وتسللوا منهُ راجعين إلى مصر بِغرض عزل السُلطان وإقامة غيره كما قيل، فخشي السُلطان على منصبه وعلى حياته، واضطرَّ أن يعود مع بقيَّة مماليكه مُسرعًا إلى القاهرة، وترك دمشق يُدافع عنها أهلها، فدخلها تيمورلنك وفعل الفظائع بِالنَّاس كما فعل بِحلب من قبل. وبعد ذلك بِفترةٍ قصيرة هُزم السُلطان العُثماني بايزيد بن مُراد أمام جحافل المغول في أنقرة، وعندما سمع السُلطان فرج بِأخبار هذه الهزيمة رضخ لِلشُروط التي تقدَّم بها تيمورلنك، فأطلق سراح من كان لديه من أسرى، ورضي أن يسك العملة باسم تيمور، لكنَّ الأخير لم يلبث أن مات سنة 808هـ المُوافقة لِسنة 1405م دون أن يتحقق حلمه في ضم مصر إلى ممالكه. أمَّا السُلطان فرج فقد خسر مكانته في نُفُوس المُعاصرين نتيجة رُضوحه لِطلبات المغول وتقاعسه عن نجدة دمشق، فخلعه المماليك سنة 808هـ المُوافقة لِسنة 1405م، وولُّوا أخاه، ثُمَّ استطاع أن يعود إلى المُلك فخرج في عدَّة غزوات إلى الشَّام؛ لِتوطيد سُلطته، وإخضاع الثائرين من الأُمراء، لكنَّ سُوء خُلقه وقلِّة تديُّنه وتنكيله بِمماليك أبيه واستغلاله منصبه جعلت الخليفة والعُلماء يُفتون بِضرورة قتله، فاغتيل بِدمشق سنة 815هـ المُوافقة لِسنة 1412م.

    ما بعد السُلالة البرقوقيَّة

    بعد مقتل الناصر فرج بن برقوق، عُهد بِالسلطنة إلى الخليفة العبَّاسي أبو الفضل العبَّاس المُستعين بِالله، ريثما تنجلي الأُمور وينتخب المماليك أحد أُمرائهم سُلطانًا. وبعد مضيّ خمسة شُهور فاز الأمير شيخ المحمودي في حلبة المُنافسة بينه وبين أميرٍ آخر يُدعى «نوروز»، فتولَّى منصب السلطنة بعد أن تلقَّب بِلقب المُؤيَّد. ساءت حالة الناس في عهد المُؤيَّد شيخ نتيجة عدم قُدرته السيطرة على مماليكه، ممَّا سبَّب أضرارًا جسيمةً لِلأهالي الآمنين. وقد خلف المُؤيَّد شخ ابنه أحمد سنة 825هـ المُوافقة لِسنة 1421م تحت وصاية الأمير طُطُر، ولم يلبث بعد أشهر أن تولَّى طُطُر نفسه السلطنة لِفترةٍ قصيرة، فخلفه ابنه مُحمَّد الذي لبث في الحُكم عدَّة أشهُر تحت وصاية الأمير برسباي. وفي سنة 825هـ المُوافقة لِسنة 1422م انتزع برسباي السلطنة لِنفسه وتلقَّب بِالسُلطان الأشرف. قاسى الناس كثيرًا خِلال سلطنة برسباي التي امتدَّت نحو ستة عشر عامًا بعد أن أُثقل كاهلهم بِالضرائب الباهظة، وشاعت أنواع الاحتكار في التجارة، إلَّا أنَّهُ لِشدَّة بأس هذا السُلطان لم تحدُث في البلاد فتن في عهده. وقد كان في عهده فتح قبرص، حيثُ صمَّم السُلطان على القضاء على شوكة الصليبيين في قبرص فأرسل حملةً للاستكشاف أغرقت عددًا من سُفن الفرنجة، وعادت بعددٍ من الأسرى، ثُم أرسل حملةً أُخرى دارت بينها وبين الفرنجة معركةً طاحنة قُتل فيها خلقٌ من الصليبيين، ورُفعت راية الإسلام بِقبرص، وعادت الحملة إلى مصر مُحمَّلة بِالغنائم والأسرى، ثُمَّ أرسل حملةً أُخرى، وكانت الحملة القاضية، واستطاعت جُيُوش برسباي أن تُلحق هزيمة ساحقة بالصليبيين، ودخل المسلمون مدينة الأُفقسيَّة (نيقوسية) فصلُّوا الجُمُعة في كنيستها، وأصبحت قبرص جُملةً من بلاد المُسلمين. وقد بالغ برسباي في فرض الضرائب على سُفن الأجانب، حتى ضجَّ هؤلاء، وهمَّت فرنسا باستدعاء جميع تُجَّارها من مصر، فخاف على تجارة البلاد من الكساد فنظر في مطالبهم، وفي سنة 841هـ المُوافقة لِسنة 1438م مات برسباي ووُلِّي من بعده ابنه الفتى، الذي لم يستطع أن يحتفظ بِالعرش أمام نُفُوذ أقوى الأُمراء عندئذٍ وهو جقمق، الذي تولَّى السلطنة بعد قليل. وكان حُكم جقمق مُعتدلًا إذا قيس بِحُكم برسباي، كما عُرف عن جقمق تديُّنه وورعه، فحرَّم المعاصي وشُرب الخُمُور. وفي عهد جقمق تحسَّنت العلاقات بين دولة المغول التيموريَّة والدولة المملوكيَّة، وتبادل الطرفان السُفراء، كما غزا المُسلمون جزيرة رودس دون أن يتمكنوا من فتحها. وبعد وفاة جقمق تولَّى عدَّة سلاطين لم يكن لهم ذكرٌ مُهم في التاريخ، حتى وُلِّي الأشرف قايتباي من سنة 872هـ المُوافقة لِسنة 1468م إلى سنة 902هـ المُوافقة لِسنة 1496م، وهو أطول سلاطين هذه الدولة حُكمًا، وكان شُجاعًا قويًّا يُحبه قادة الجيش، كما كان مُحبًا لِلعمارة، ولم يُضارع عصره في المباني المملوكيَّة جمالًا سوى عصر الناصر مُحمَّد بن قلاوون.

    تردِّي العلاقة مع العُثمانيين وبُرُوز الخطر الصفوي

    امتازت العلاقات العُثمانيَّة المملوكيَّة بِالود والتقارب الشديدين، مُنذُ أن قامت الدولة العُثمانيَّة وأخذت على عاتقها فتح بلاد البلقان ونشر الإسلام في رُبُوعها، وخطب السلاطين العُثمانيين ودَّ السلاطين المماليك باعتبارهم زُعماء العالم الإسلامي والقائمين على حماية الخِلافة الإسلاميَّة، واعترفوا لهم بِالأولويَّة السياسيَّة والدينيَّة، بينما خطَّطوا لِأنفُسهم دورًا مُتواضعًا هو دور البكوات حُماة حُدود ديار الإسلام. هذا وقد ظلَّ المماليك ينظرون إلى تحرُّكات العُثمانيين الجهاديَّة كجُزءٍ من المسألة الإسلاميَّة العامَّة. ولمَّا فتح العُثمانيُّون القُسطنطينيَّة سنة 857هـ المُوافقة لِسنة 1453م، اعتبر المماليك ذلك نصرًا عظيمًا لِعامَّة المُسلمين، واحتُفل في القاهرة بِهذا الحدث الجلل احتفالًا رائعًا، فزُينت الأسواق والحارات، وأوقدت الشُمُوع في الشوارع والمآذن، ودُقَّت البشائر السُلطانيَّة في قلعة الجبل عدَّة أيَّام، وعمَّ السُكَّان الفرح. شكَّل فتحُ القُسطنطينيَّة الحد النهائي لِلعلاقات الوديَّة بين المماليك والعُثمانيين، فعند ذلك طُويت صفحة العلاقات الجيِّدة بين الدولتين وفُتحت صفحة جديدة سادها العداء بِفعل تصادم المصالح، لا سيَّما بعد أن أوقف العُثمانيُّون فُتُوحاتهم في شبه جزيرة البلقان، وتحوَّلوا إلى آسيا الصُغرى لاستكمال ضمِّها إلى مُمتلكاتهم في سبيل تسهيل تمويل حملاتهم الذاهبة إلى إيران لِمُحاربة الصفويين الذين كانوا قد فرضوا التشيُّع على الإيرانيين وأخذوا يُحاولون التمدد نحو الأناضول والعراق لِنشر مذهبهم. ونتيجةً لِضم العُثمانيين لِلجزيرة الفُراتيَّة، فُتح الباب أمامهم لِلتمدُّد باتجاه الأراضي العربيَّة لِتأمين خُطُوط استراتيجيَّة جديدة في الشَّام والعراق تصل إلى المُحيط الهندي. ويرتبط بِهذه القاعدة ضم الأراضي المملوكيَّة، وموانئ قيليقية، لِأنَّ من شأن ذلك أن يُوفِّر لهم طريقًا بحريًّا يُسهِّل عليهم تمويل حملاتهم سالِفة الذِكر. جرت بين العُثمانيين والمماليك بضعة وقعات ما بين سنتيّ 888 و896هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1483 و1491م نتيجة الخِلافات الحُدوديَّة، وانتهت بِعقد اتفاقيَّة سلام بين الدولتين بِوساطة السُلطان الحفصي أبي يحيى زكريَّاء بن يحيى، إلَّا أنَّ بُرُوز القُوَّة الصفويَّة الشيعيَّة على المسرح السياسي في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، جعل العلاقة بين العُثمانيين والمماليك تدخل في طورٍ جديد. ففي سنة 913هـ المُوافقة لِسنة 1507م هاجم الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي مناطق الحُدود الشماليَّة الشرقيَّة الفاصلة بين دولته وبين دولة المماليك، مُستغلًا الظُروف الاقتصاديَّة الصعبة التي كانت مصر والشَّام تمُرُّ بها آنذاك، فهاجم ملطية لكنه فشل في احتلالها، وفي سنة 918هـ المُوافقة لِسنة 1512م عاود الصفويُّون الكرَّة على المماليك، فدخلوا حُدود دولتهم حتَّى وصلوا إلى البيرة. ورفض الشاه إسماعيل الدُخُول في مُفاوضات مع السُلطان المملوكي من أجل تبريد الجبهة، وحصل في تلك الفترة أن تُوفي السُلطان العُثماني بايزيد الثاني - الذي لم يُقدِّر خُطورة أطماع الصفويين - واعتلى ابنه سليم العرش، الذي كان واعيًا ومُدركًا لِلخطر الصفوي، وقد عقد العزم على استئصال هذا الخطر قبل أن يستفحل. كان السُلطان المملوكي آنذاك هو قانصوه الغوري، فلمَّا بلغه خبر وفاة بايزيد الثاني حزن حُزنًا شديدًا وبكى عليه، ثُمَّ صلَّى عليه صلاة الغائب في القلعة، كما صلَّى الناس عليه بعد صلاة الجُمُعة في الجامع الأزهر وجامع الحكم بن طولون.

    نهاية السلطنة المملوكيَّة

    كان كُل انتصار يُحققه العُثمانيُّون على الصفويين، يعني هزيمةً قاسيةً لِلمماليك، ويُؤدي إلى الانتقاص من هيبتهم بِصفتهم سلاطين المُسلمين وحُماة الخِلافة، كما أنَّ تهديد الصفويين لِكليهما لم يُخفف مُطلقًا من التناقُضات بينهما، فتصرَّفت كُل دولة بِمعزلٍ عن الأُخرى. وفي 2 رجب 920هـ المُوافق فيه 23 آب (أغسطس) 1514م انتصر العُثمانيُّون على الصفويُّون في معركة چالديران وردُّوهم على أعقابهم إلى إيران، فكانت تلك مُفاجأة غير مُتوقعة لِلمماليك، فلم يبتهجوا لِهذا الانتصار، وخاب أمل السُلطان قانصوه الغوري الذي كان يود أن يقوم بِدور الوسيط بين العُثمانيين والصفويين لِيُوجِّه السياسات العامَّة في المنطقة لِصالح الحُكم المملوكي. وكان السُلطان الغوري يُدرك تمامًا أنَّ المُنتصر من الجانبين سيعمل على تصفية الموقف في المشرق العربي بِالاصطدام بِالمماليك، ومن ثُمَّ كان عليه أن يتخذ موقفًا من التطوُّرات السياسيَّة والعسكريَّة السريعة، فرأى أن يلتزم الحياد تاركًا الدولة العُثمانيَّة وحيدة في مُواجهة الصفويين دون تبصُّرٍ بنتائج ما قد يقوم به الشاه إسماعيل في حال انتصاره من أعمالٍ عُدوانيَّةٍ مُتزايدةٍ ضدَّ المماليك. وحاول السُلطان سليم استقطاب الغوري إلى جانبه، فأرسل بعثةً عُثمانيَّةً إلى القاهرة وصلتها في شهر ربيع الآخر سنة 920هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) سنة 1514م، حاملةً اقتراحًا بِعقد تحالف بين العُثمانيين والمماليك لِمُحاربة الصفويين، لكنَّ المماليك رفضوا الاقتراح وتمسَّكوا بِسياستهم، مع تفضيل اتخاذ موقف الانتظار. اعتبر العُثمانيُّون سياسة المماليك هذه مظهرًا من مظاهر العداوة، وأخذوا يعتبرونهم العدو الرئيسي، وسعى السُلطان سليم لِإيجاد سببٍ لِفتح باب الحرب مع الدولة المملوكيَّة والقضاء عليها في سبيل توحيد الجبهة الإسلاميَّة السُنيَّة في مُواجهة الصفويين في إيران، ومُواجهة الخطر الپُرتُغالي المُتزايد في البحار الإسلاميَّة كذلك، فبادر السُلطان سليم إلى الاستيلاء على إمارة ذي القدر التُركمانيَّة الأناضوليَّة المشمولة بِحماية المماليك، والتي تقع على الحدود بين الدولتين المملوكيَّة، والعُثمانيَّة، كما استغلَّ تطلُّع شُعُوب المشرق العربي إلى العُثمانيين كمُنقذين من الحُكم المملوكي الذي أصبح مُتعسفًا، لِيتقرَّب من عامَّة الناس. بِالمُقابل، أزعج ضم سليم الأوَّل إمارة ذي القدر، قانصوه الغوري، فاعتبر تصرُّفهُ هذا بِمثابة إعلانٍ لِلحرب، وقرَّر أن يستعيد هيبته في المنطقة، فنادى بالتعبئة العامَّة، لكنَّهُ قوبل بِعرقلة الناس في مصر لِتدابير التعبئة هذه، وبِميل الناس إلى العُثمانيين، حتَّى أنَّ صُنَّاع الأسلحة أقفلوا دور صناعتهم، وتعالت في الشوارع التهديدات والشتائم المُوجَّهة ضدَّ السُلطان، وانخفضت درجة الانضباط في الجيش بِشكلٍ كبير، ورفض الجُنود المسير لِقتال العُثمانيين قبل حُصولهم على المال والمُكافآت واللُحوم، وأخذوا في التمرُّد وعاثوا فسادًا في الشوارع. أمَّا في الشَّام فقد أخذت المناطق الشماليَّة تخرج عن طاعة المماليك وتنضم طوعًا إلى العُثمانيين، وبدأ كثيرٌ من الأمراء يتعاطفون مع العُثمانيين ويُقيمون العلاقات السريَّة معهم. نتيجةً لِهذه العوامل أيقن السُلطان الغوري أنَّهُ غير مُستعد لِخوض غمار حربٍ كبيرة ضدَّ العُثمانيين الأقوياء، لكنَّ إصرار السُلطان سليم على الحرب جعل الغوري يُحاول التحالف مع الصفويين ضدَّ العدو المُشترك. وما أن بلغت أخبار هذه المُحاولة مسامع السُلطان سليم حتَّى اعتبر أنَّ الغوري طعن الدولة العُثمانيَّة وأهل السُنَّة والجماعة من الخلف، فأعلنهُ بِالحرب مُتهمًا إيَّاه بِخيانة العالم الإسلامي.

    خرج السُلطان قانصوه الغوري من مصر إلى الشَّام لِلقاء العُثمانيين والحيلولة دون سيطرتهم على البلاد، فالتقى الجمعان عند مرج دابق شماليّ حلب، حيثُ دارت بينهما معركةٌ هائلة في 25 رجب 922هـ المُوافق فيه 8 آب (أغسطس) 1516م، أفضت إلى هزيمة المماليك، وانتصار العُثمانيين، ومقتل السُلطان الغوري نفسه. وعمَّت الفوضى في صُفوف الجيش المملوكي، فالتحق قسمٌ من المماليك بِالعُثمانيين في حين لاذ الباقون بِالفرار إلى مصر. استثمر السُلطان سليم انتصاره هذا وضمَّ عينتاب وحلب وحماة وحِمص ودمشق وبيت المقدس وغيرها، وكان السُكَّان يحتفلون بِمقدمه بِصُورةٍ لم يألفها أيُّ سُلطانٍ عُثمانيٍّ من قبل. انتخب المماليك - بعد مقتل قانصوه الغوري - طومان باي خلفًا له، فعرض عليه السُلطان سليم مُجددًا أن يعترف المماليك بِسيادة العُثمانيين، ودفع خراج سنوي لهم، فأبى طومان باي، فبرز إليه سليم، فانهزم طومان باي على حُدُود الشَّام الجنوبيَّة وانسحب بسُرعةٍ إلى مصر، فتتبعه السُلطان سليم حتَّى مدينة القاهرة. اتخذ المماليك رباطهم الأخير في قرية الريدانيَّة، وهي قريةٌ صغيرة تقع على الطريق المُؤدية إلى القاهرة، وفي 29 ذي الحجة 922هـ المُوافق فيه 22 كانون الثاني (يناير) 1517م، دارت بين الجيشان معركة هائلة انتصر فيها العُثمانيون بِرُغم الدفاع المُستميت لِلمماليك، ووقع طومان باي أسيرًا في يد العُثمانيين؛ بسبب خيانة أحد أتباعه له، فعامله السُلطان سليم بدايةً مُعاملةً كريمة، لكنَّهُ أذعن في النهاية لِإلحاح بعض القادة والأُمراء، فأمر بِإعدامه، فشُنق على باب زويلة وبِمقتل طومان باي سقطت الدولة المملوكيَّة، وأصبحت الديار المصريَّة والشَّاميَّة جُزءًا من الدولة العُثمانيَّة. وفيما كان السُلطان سليم في القاهرة، قدَّم إليه شريف مكَّة مفاتيح الحرمين الشريفين كرمزٍ لِدُخول الحجاز تحت جناح الدولة العُثمانيَّة، وبعد عودته إلى عاصمة مُلكه إسلامبول، بُويع بِالخلافة الإسلاميَّة بعد أن تنازل له عنها آخر خُلفاء بني العبَّاس مُحمَّد بن يعقوب المُتوكِّل على الله. وقد قام المُؤرِّخ والشَّاعر ابن إيَّاس بِرثي الدولة المملوكيَّة في قصيدةٍ طويلةٍ جاء في مطلعها:

  5. السياسة والإدارة

    8 دقائق قراءةتزعَّم دولة المماليك سُلطانٌ لم يتولَّ الحُكم نتيجةً لِحقٍ شرعيٍّ موروث، وإنما رشَّحتهُ قُوَّته ومواهبه وكثرة مماليكه لِتولِّي ذلك المنصب. فإذا تُوفي السُلطانُ القائم أُتيحت الفُرصة لِأقوى الأُمراء أن يخلفه في الحُكم.…

    السلطنة

    تزعَّم دولة المماليك سُلطانٌ لم يتولَّ الحُكم نتيجةً لِحقٍ شرعيٍّ موروث، وإنما رشَّحتهُ قُوَّته ومواهبه وكثرة مماليكه لِتولِّي ذلك المنصب. فإذا تُوفي السُلطانُ القائم أُتيحت الفُرصة لِأقوى الأُمراء أن يخلفه في الحُكم. ورُبما رأى ذلك الأمير أنَّ الظُرُوف غير مُواتية وأنَّ هُناك من زُملائه الأُمراء من يُنافسه، فيلجأ في تلك الحالة إلى تعيين ابن السُلطان المُتوفى مكان أبيه، لا اعتقادًا من المماليك في أحقيَّة ذلك الابن، ولكن كحلٍّ مُؤقت حتَّى يتجلَّى الموقف، وعندئذٍ يسهل على أقوى الأُمراء عزله واعتلاء عرش السلطنة بدله. ومع أنَّ سُلطان المماليك تمتَّع بِنُفُوذٍ واسعٍ في الدولة، وبخاصَّةً فيما يتعلَّق بِبعض الأُمراء وملأ المناصب الكُبرى في الدولة، وتوزيع الإقطاعات، إلَّا أنَّهُ لم يستغنِ في أحوالٍ كثيرةٍ عن استشارة كِبار رجال الدولة في مهام الأُمُور، وبِخاصَّةً في المسائل المُتعلِّقة بِشن الحرب أو عقد السِّلم. ولِذلك وُجد في عصر المماليك مجلس المشورة الذي كان يُعقد بِرآسة السُلطان أو من يقوم بِالوصاية عليه، وعُضويَّة أتابك العسكر والخليفة العبَّاسي والوزير وقُضاة المذاهب الأربعة وأُمراء المئين وعددهم أربعة وعشرين أميرًا. هذا مع مُلاحظة أنَّ السُلطان لم يكن مُلزمًا بِدعوة مجلس المشورة أو الأخذ بِرأيه، وإنما تُرك ذلك لِرغبة السُلطان ومشيئته. وقد وُجد إلى جانب سُلطان المماليك عددٌ من كِبار المُوظفين، مُهمتهم مُساعدته في شُؤون الحُكم والإدارة. وعلى رأس هؤلاء المُوظفين الكِبار: نُوَّابُ السلطنة؛ والأتابك، وهو القائد العام لِلجيش المملوكي، وقد أتاحت لهُ وظيفته التمتُّع بِنُفُوذٍ كبيرٍ في الدولة؛ والوزير الذي تضاءلت وظيفته في عصر المماليك نتيجةً لِوُجُود نائب السلطنة، بِحيثُ لم تتعدَّ اختصاصاته تنفيذ تعليمات السُلطان ونائب السلطنة والإشراف على شُؤون الدولة الماليَّة. أمَّا الإدارة المحليَّة في المُدن والأقاليم فقد تولَّى الإشراف عليها عددٌ كبيرٌ من الوُلاة اختيروا دائمًا من بين الأُمراء. بِالإضافة إلى الشؤون السياسيَّة والإداريَّة، كانت إحدى مهام السُلطان المملوكي تتمثل في كسوة الكعبة وتعيين أمير الحج لِلإشراف على راحة وسلامة الحُجَّاج. وأوَّل من كسى الكعبة من سلاطين المماليك كان شجر الدُّر، التي أخذت معها كسوة الكعبة أثناء سفرها لِلحج، وسار على نهجها من تلاها من السلاطين.

    الخِلافة الإسلاميَّة

    رُغم أنَّ المماليك أعادوا إحياء الخِلافة الإسلاميَّة بعد سُقُوط خِلافة بغداد، ونقلوا مقر الخليفة إلى القاهرة، إلَّا أنَّ نظام الخلافة كان في هذا العصر مُصطنعًا إلى حدٍ كبيرٍ، إذ كان الخليفة العبَّاسي يُفوِّضُ السُلطان المملوكي في كافَّة أُمُور الحُكم كالولاية والعزل، وتجهيز الجيش، وإعلان الحرب، وإقطاع الإقطاعيَّات وغيرها من الأُمور التي تتصل بِالسُلطة التنفيذيَّة بحيث كان الخليفة العبَّاسي نفسُه يقع في دائرة هذه السُلطة، فلا أمرٌ له ولا نهي ولا نُفُوذ. ومن الأحداث الشهيرة التي تدُلُّ على ذلك، أنَّ أحد الأُمراء المماليك عندما قرأ العهد الذي منحهُ الخليفة أبو الربيع سُليمان المُستكفي بِالله لِلسُلطان بيبرس الجاشنكير ووجد أوَّلهُ: ردَّ على الفور قائلًا:. فلم يكن لِلخليفة العبَّاسي في العصر المملوكي إلَّا سُلطة دينيَّة إسميَّة، ولم يكن له نصيبٌ سوى الدُعاء له على المنابر، وأن يحمل لقب أمير المُؤمنين. ومن مظاهر ضعف الخِلافة العبَّاسيَّة في القاهرة أنَّ الخليفة الذي كان يتحصَّن تجاه السُلطان المملوكي بِسلاح التفويض، لم تكن لهُ سُلطة تعيين نفسه، ولكي يُعيَّن كان عليه أن يحظى بِمُبايعة السُلطان وقُضاة المذاهب الأربعة. من هُنا كان باستطاعة السُلطان أن يعزل الخليفة، بعد استشارةٍ شكليَّةٍ لِلقُضاة الأربعة، وفي هذه الحالة قد يُسجن الخليفة في القلعة، أو يُنفى إلى مدينة قوص بِأقصى الصعيد، كما حصل مع الكثير من خُلفاء بني العبَّاس في القاهرة، وأبرزهم الخليفة المُستكفي بِالله سالِف الذِكر. وكان الخليفة يُختار عادةً في مجلسٍ يضُمُّ السُلطان والقُضاة والأُمراء، ويصحب اعتلاء كُل خليفة منصبه عدَّة مظاهر غايةً في الأُبَّهة والعظمة: من فحص نسبه، وتقليد السُلطان لهُ أمر الخِلافة بِالديار المصريَّة، وأخذ البيعة لهُ من القُضاة والأُمراء وسائر النَّاس. ويُلاحظ أيضًا أنَّ الخِلافة في مصر أصبحت في ذلك العصر منحة يمنحها السُلطان لمن شاء ويصرفها عمَّن يشاء، وذلك لِعدم وُجود ثوابت لِتولية الخُلفاء العبَّاسيين في مصر. فكان أغلبهم يعهد بِالخِلافة لابنه من بعده، ثُمَّ لا يقوم السُلطان بتنفيذ ذلك في أغلب الأحيان، بل يُعيِّن ابن عم الخليفة أو أخًا له بدلًا من الابن. كما كان الأُمراء أنفُسهم يتدخلون في تعيين الخليفة بحال كان السُلطان ضعيفًا.

    نيابة السلطنة

    وصف القلقشندي نائب السلطنة في العصر المملوكي بِأنَّهُ كان «سُلطانًا مُختصرًا، بل هُو السُلطانُ الثاني»، أمَّا مُهمَّة نائب السلطنة فكانت مُساعدة السُلطان أثناء حُضوره، والقيام بِمهامه ومسؤوليَّاته أثناء غيابه. بل كان يُمكن لِنائب السلطنة أن يكون سُلطانًا آخر ـ بِالفعل دون الاسم ـ في حُضور السُلطان إذا فوضَّهُ الأخير بِتصريف شُؤون الدولة دون الرُّجوع إليه، أو إذا كان السُلطان صغير السن لا قُدرة له على القيام بِأعباء السلطنة، فتُلقى تبعتها على نائب السلطنة بِتفويضٍ منه. وكان أبرز نُوَّابُ السلطنة هو نائبُ الحضرة أو النائبُ الكافل وهو مُساعد السُلطان الأيمن في تصريف شُؤون الدولة، ويشترك معهُ في توزيع الإقطاعات ومنح ألقاب الإمارة، ويُقيمُ إلى جانبه في القاهرة. وإذا كان هذا النائب ينوب عن السُلطان في حُضُوره صار لقبه «نائب الحضرة»، أمَّا إذا كان لا يجوز لهُ أن ينوب عن السُلطان إلَّا في غيبته، فيكون لقبه «نائبُ الغيبة» وهو أقل درجة من الأوَّل. وقد وُجد لِلسُلطان نُوَّابٌ في أقاليم الدولة المُختلفة، ففي البلاد الشاميَّة كان هُناك نُوَّابٌ لِلسلطنة في كُلٍ من دمشق وحلب وطرابُلس وحماة وصفد والكرك. وأعلى هؤلاء درجةً هو نائب دمشق الذي أُطلق عليه «نائبُ الشَّام». وهُناك مدينةٌ واحدةٌ في مصر - وهي مدينة الإسكندريَّة - عُيِّن لها نائبُ سلطنة سنة 767هـ المُوافقة لِسنة 1365م. ويبدو أنَّ الخطر الصليبي الذي تمثَّل في حملة بُطرس الأوَّل ملك قبرص على الإسكندريَّة في تلك السنة كان لهُ أثرٌ في ذلك الإجراء الإداري. وفي عصر دولة المماليك الشراكسة وُجد نائبٌ لِكُلٍ من الوجهين البحري والقِبلي مُهمَّته الإشراف على جميع الوُلاة والعُمَّال الذين يقومون بِإدارة شؤون الوجه التابع له.

    القضاء

    بقيام السلطنة المملوكيَّة استمر المذهب الشافعي كمذهبٍ لِقاضي القُضاة كما هو أيام الأيوبيين، إلى أن جرى أهم تطوُّرٍ في النظام القضائي على يد السُلطان الظاهر بيبرس سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م الذي قام بِتحريم أي مذهبٍ عدا المذاهب الأربعة لأهل السنَّة والجماعة (الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنبليَّة)، ذلك أنهُ بعدما تقلَّد ابن بنت الأعز الشافعي منصب قاضي قضُاة مصر سنة 1261م، تأخر البت في القضايا بسبب اختلاف المذاهب مما اضطرَّ قاضي القضاة للتوقف كثيراً في الأحكام التي تُخالفُ المذهب الشافعي، وتُوافق سواه من المذاهب حتى يستفتي فقهاءَها وعلماءَها، فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على الظاهر بيبرس بِأن يُولِّي من كُل مذهبٍ قاضياً مُستقلاً يحكم بمُقتضى مذهبه، فأجابه إلى ذلك في اجتماعٍ بدار العدل يوم الاثنين 22 ذي الحجة سنة 663هـ حيثُ قضى رأي السُلطان بتعيين قاضي قُضاةٍ لكل مذهبٍ من المذاهب الأربعة، مع بقاء الرئاسة لقاضي الشافعيَّة، وأضحى لا تُقبل شهادة أحدٍ ولا يُرشَّح لوظائف القضاء أو الخَطابة أو الإمارة أو التدريس إلّا إذا كان من أتباع أحد هذه المذاهب. وسنة 664هـ المُوافقة لِسنة 1266م حذت دمشق حذو القاهرة وأصبح لِكُل مذهبٍ قاضي قُضاةٍ، ثم غدا في كل نيابةٍ من نيابات الشام أربعةُ قُضاةٍ يُمثلون المذاهب الأربعة. واضطرَّ المماليك لِلتهديد باستعمال القوَّة العسكريَّة للقضاء على المذاهب الأخرى، وخاصَّةً رواسب المذهب الإسماعيلي الفاطمي. ولاريب أن لموقف الحشاشين المعادي للنظام والمتعاون مع الصليبيين والمغول دوراً في هذا (وكانت فرقةً سريةً على المذهب الإسماعيلي قامت على اغتيال الساسة والكبراء أواخر العصر العباسي والعصرين الأيوبي والمملوكي، وقضى عليها الظاهر بيبرس).

    قام القُضاة في العصر المملوكي بِدورٍ هامٍ في المُجتمع إذ امتدت اختصاصاتهم إلى مُختلف أنواع القضايا المدنيَّة والجنائيَّة، وكانت جلسات المحاكم تُعقد في دُور القضاء، فإن لم تُوجد فإنها تُعقد عادةً في المساجد. كما وُجدت محكمةٌ عُليا تُعقد في دار العدل بِرئاسة السُلطان عُرفت باسم «محكمة المظالم» مُهمتها النظر في القضايا التي اختصَّ السُلطان بِالنظر فيها مُباشرةً أو التي يستأنفها أصحابها أمام السُلطان بعدما يحكم فيها القضاء العادي، أو تلك التي تنشأ بين الحُكَّام والمحكومين. أمَّا رجال الجيش فكان لهم «قُضاةُ العسكر»؛ وهُم مُختصُّون بِشُؤون الجُند وليس لهم ولايةٌ على غيرهم، كما كانوا يفصلون في القضايا الناشبة بين العسكر والمدنيين، وقد جرت العادة أن يصحب قُضاةُ العسكر السُلطانَ في أسفاره. «إن النظر في القضاء كان دوماً موضع رعايةٍ خاصةٍ في الإسلام، وكان يغلب على أصحابه ابتعادهم عن الأهواء التي تَعْتَوِرُ الإدارة المحلية»، ومضى الإجراء المتبع في الدولة الإسلامية أن الحاكم العام (الخليفة أو السلطان أو الملك) هو من يعين كبار رجال القضاء ولم يخالفِ المماليكُ هذه السنّة، وكان في هذا حصانةٌ للقضاء ورجاله من الخضوع للتأثيرات المختلفة.

    البريد

    تطلَّب تحصين الأطراف والثُغُور إيجاد وسيلة نقل سريعة لِربط قلعة القاهرة بِسائر أنحاء البلاد بِهدف تلقِّي الأخبار وإصدار الأوامر. وكان أوَّل من تنبَّه إلى ذلك هو الظاهر بيبرس، فوضع نظامًا خاصًا لِلبريد لِما لهُ من منفعة، وربط بِواسطته جميع أنحاء البلاد التي يحكُمها بِشبكةٍ من خُطُوط البريد البريَّة والجويَّة، وكان مركز هذه الشبكة هو قلعة الجبل في القاهرة. وتتفرَّع من المركز أربعة فُرُوع هي: فرعٌ يتجه جنوبًا إلى قوص بِالوجه القبلي وما يلي ذلك من النوبة، وفرعٌ يتجه شرقًا إلى عيذاب وسواكن على بحر القلزم (البحر الأحمر)، وفرعٌ يتجه غربًا إلى الإسكندريَّة وبرقة، وفرعٌ يتجه شمالًا إلى دُمياط ومنها إلى غزَّة ثُمَّ يتفرَّع منها إلى سائر الشَّام. واقتصر عمل البريد على إيصال الأوامر السُلطانيَّة إلى كافة النيابات في مصر والشَّام، واستقبال الرسائل من حُكَّام النيابات، واستقبال التقارير من وُلاة الأعمال. وأُقيمت المحطَّات البريديَّة على مسافاتٍ تبعُدُ إحداها عن الأُخرى اثني عشر ميلًا ورُبما تفاوتت المسافات بين بعضها البعض بِفعل وُجُود ماءٍ أو قرية. وزُوِّدت بما يحتاج إليه ناقلُ الخبر من زادٍ وخيلٍ وعلفٍ، كما روعي في اختيار أماكنها توفُّر المياه أو وُجود قريةٍ قريبةٍ كي يستأنس البريديُّون بِسُكَّانها. كان لِقُرب هذه المحطَّات بعضها من بعض أثرٌ كبيرٌ في تسهيل مُهمَّة الرُسل على اجتياز المسافات بِسُرعةٍ فائقةٍ. فإذا وصل ناقلُ الخبر إلى محطَّة، بدَّل فرسه المُتعب بِآخر مُستريح، وتزوَّد بما يحتاج إليه. وأضحى البريدي يقطع المسافة من دمشق إلى القاهرة في مُدَّة ثلاثة أيَّام والعكس صحيح. وكان يُشرف على البريد صاحب ديوان الإنشاء أو كاتب السر، كما أضحى يُسمَّى مُنذُ أيَّام قلاوون. لم يقتصر إرسال البريد بِالطُرُق البريَّة، بل استُخدم البريد الجوِّي، في الحلات المُستعجلة بِواسطة الحمام الزاجل، وخُصِّص لهُ برَّاجون يعتنون به ويُدرِّبونه. كانت قلعة الجبل بِالقاهرة المركز الرئيسي لِأبراج الحمام الزاجل، كما أُقيمت محطَّات أُخرى في جهاتٍ مُختلفةٍ من أنحاء السلطنة تمامًا مثل محطَّات البريد البرِّي، لكن تزيد عليها في المسافة، وخُصِّص لِكُلِّ محطةٍ عدد من الحمام. فإذا نزل الحمام في محطَّةٍ منها، نقل البرَّاج الرسالة التي يحملها الطائر إلى طائرٍ آخر لِيُوصلها إلى المحطَّة التي تليها. وكان الحمام يقطع المسافة بين المحطَّة والتي تليها، وهي سبعة أميال تقريبًا، في ثُلث الوقت الذي تقطعها فيه الخيل.

    الدواوين

    اعتمد الجهاز الإداري الضخم لِلدولة المملوكيَّة على مجموعةٍ من الدواوين الكبيرة التي ضمَّت عددًا ضخمًا من المُوظفين لِإدارة مرافق الدولة المُتنوعة. وأهم هذه الدواوين هي:

  6. السُكَّان والفرق الدينيَّة

    13 دقيقة قراءةشكَّل أهلُ السُنَّة والجماعة الأغلبيَّة الساحقة من أهالي الدولة المملوكيَّة. ومن المعروف أنَّ سلاطين الأيُّوبيين كانوا قد مكَّنوا أهل السُنَّة في مصر والشَّام بعد زوال الدولة الفاطميَّة التي كانت تتخذ من المذهب الشيعي…

    أهل السُنَّة والجماعة

    شكَّل أهلُ السُنَّة والجماعة الأغلبيَّة الساحقة من أهالي الدولة المملوكيَّة. ومن المعروف أنَّ سلاطين الأيُّوبيين كانوا قد مكَّنوا أهل السُنَّة في مصر والشَّام بعد زوال الدولة الفاطميَّة التي كانت تتخذ من المذهب الشيعي الاسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها، فأنشأوا المدارس في طول البلاد وعرضها التي كانت تُدرِّس العُلُوم الشرعيَّة الإسلاميَّة المُختلفة على مذهب الشافعي. ولمَّا سقطت الدولة الأيُّوبيَّة وحلَّت الدولة المملوكيَّة بدلًا منها، تابع المماليك سياسة الأيوبيين في تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في مصر والشَّام، لكنهم جعلوا المذاهب الأربعة كُلُها: الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنبليَّة، مذاهبًا رسميَّةً لِلدولة، كما أُسلف. ويذهب بعض الباحثين إلى القول بِأنَّ من أسباب إصرار المماليك، وبِالأخص البحريَّة منهم، على تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة وتمكينهم في البلاد، هو أنَّ المذهب السُنيّ كان الشيء الوحيد الذي يربط بين هؤلاء وعامَّة الشعب، لا سيَّما وأنَّ الشعب بقي ينظر - خِلال الفترة الأولى لِلعصر المملوكي خُصوصًا - إلى المماليك من زاوية أصلهم غير الحُر، فكانوا بِرأي العامَّة مُجرَّد مُقاتلين أشدَّاء انقلبوا على أسيادهم الأيوبيين واستولوا على مُلكهم، وهم لا يُحسنون لِغة الشعب العربيَّة، ولا يعيشون عيشته، بل عاشوا مُنعزلين في الأماكن التي خصصها السلاطينُ لسكنهم دون أن يكونوا على دراية بِمُجريات الحياة اليوميَّة. لِذلك، انصبَّ تركيز سلاطين المماليك البحريَّة الأوائل على إبراز ما يجمع عامَّة الشعب والجيش والأُمراء والسلاطين، وهو المذهب السُني. من أبرز ما قام به المماليك لِتثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في الدولة كان إعادة افتتاح الجامع الأزهر وترميمه وتجديده، بعد أن ظلَّ مُقفلًا لِنحو مائة سنة زمن الأيُّوبيين باعتباره مُؤسسة بناها الفاطميين لِنشر المذهب الإسماعيلي. ففي سنة 1266م أمر الظاهر بيبرس بِإعادة تأسيس الصلاة في الأزهر، وبِعودة رواتب الطُلَّاب والمُعلِّمين، فضلًا عن إصلاح البناء ذاته. وقام السلاطين المماليك اللاحقين بِعدَّة توسيعات وتجديدات على البُنية التحتيَّة لِلمسجد، وقُدِّمت على نطاقٍ واسعٍ مُستويات مُتفاوتة من المُساعدة الماليَّة، على حدٍ سواء إلى المدرسة وإلى صيانة المسجد. فاعتُبر عصر السلطنة المملوكيَّة، هو العصر الذهبي لِلأزهر. كذلك بذل المماليك جُهُودًا مُماثلة في الشَّام، فقد أمر الظاهر بيبرس بِتجديد الجامع الأُموي الكبير فأُصلحت صفائح الرُّخام وطُليت تيجانها بِالذهب وبُلِّط الجدار الشمالي لِلحرم وأُصلحت لوحات الفُسيفساء في الرواق الغربي، كذلك اعتنى «تنكيز» نائب السلطنة بِدمشق بِالمسجد، فاستبدل كُل البلاط في قاعة الصلاة بِالرُّخام وأُعيد تجميع لوحات الفُسيفساء على جدار القِبلة، وفي عهد السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون هُدمت قِبلة الجدار غير المُستقرَّة وأُعيد بناءها، ونُقلت بوَّابة باب زيادة إلى جهة الجامع الشرقيَّة.

    شاع التصوُّف والطُرق الصوفيَّة السُنيَّة في مُختلف أنحاء البلاد خِلال العصر المملوكي، ومن أشهر الطُرق التي شاعت في مصر والشَّام آنذاك الطريقة الشاذليَّة، بِالإضافة إلى الطريقتين الرفاعيَّة والبدويَّة (الأحمديَّة)، واقتصرت بعض الطُرُق على مصر فقط مثل الطريقة الدُسُوقيَّة. لكن يُلاحظ أنَّهُ في هذا العصر تحوَّل التصوُّف إلى مُجرَّد ترديد لِعقائد السابقين ووضع الشُرُوح عليها وتطبيق تعاليمهم، فلم تقع ابتكارات جديدة في هذا المجال كما في العُصُور العبَّاسيَّة الأولى، فانصرف هم المُتصوفة المملوكيين إلى إنشاء الطُرُق الصُوفيَّة وتفرُّعها بِحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه، فتفرَّعت الطريقة الشاذليَّة والبدويَّة والسطوحيَّة وغيرها إلى عدَّة طُرق تفرَّعت بِدورها، وهكذا. ويُلاحظ أنَّ التصوُّف سيطر على العصر المملوكي سيطرةً كبيرة بحيثُ أنَّ بعض السلاطين كانوا يعتقدون بِكرامات بعض مشايخ الصوفيَّة ويُقرِّبونهم إليهم، فالظاهر بيبرس تقرَّب من الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي، وسمح بِنُموِّ وازدياد نُفُوذه بِالدولة لاعتقاده بِولايته وفي معرفته لِلغيب، رُغم ما نُسب إليه من انحلالٍ أخلاقيّ، وكان برقوق - رُغم حنكته السياسيَّة - يخضع لِلمجاذيب، حتَّى أنَّ أحدهم وهو الشيخ مُحمَّد بن عبد الله الزهوري العجمي كان يبصق في وجهه، وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب طوبة وأمره أن يضعها في المدرسة، فوضعها برقوق في قنديل وعلَّقهُ في المحراب، وظلَّت فيه باقية. ومن القصص الشبيهة أيضًا أنَّ الشيخ إبراهيم الدسوقي طلب من السُلطان الأشرف صلاح الدين خليل أن يترك نصف جزيرة الرحمانيَّة المُواجهة لِمدينة دسوق لِلفُقراء يُنفقون منها على مصالحهم، فوافق. فبشَّرهُ الشيخ بِالنصر على الصليبيين في عكَّا. وقال المُتصوِّفة إن بعد رُجُوع السُلطان من عكَّا مُنتصرًا، أصبح يُكاتب الدسوقي، ويبدأ رسالاته بعبارة «مملُوكك خليل».

    المسيحيُّون واليهود

    رُغم أنَّ المماليك التزموا بِما تقضيه الشريعة الإسلاميَّة، وما أقرَّتهُ العهدة العُمريَّة من ترك أهل الكتاب أحراراً في دينهم، إلَّا أنَّ العهد المملوكي يُعتبر -إجمالاً- عهداً بائساً عند النصارى المشرقيين فيما يخص علاقتهم بِالحُكُومة، وخُصوصاً خِلال عهد المماليك البحريَّة، ومردُّ ذلك للحُرُوب الصليبيَّة التي كان من آثارها تردِّي العلاقة بين الدولة والمسيحيين، وخُصوصاً مع الطوائف التي مالت إلى الصليبيين وتعاونت معهم فأدت بالتالي لتردي الثقة بينها وبين الحكم. ويظهر أنَّ سلاطين المماليك رغبوا في الظُهور بِمظهر حُماة الدين لِدعم مركزهم في نظر المُسلمين. ولكن لايُفهم من ذلك أنَّ دور المسيحيين انكفأ ذلك العصر، بل شارك النصارى في الحياة العامَّة بِالدولة، وكان منهم العُلماءُ والإداريون وكِبارُ المُوظفين، واستمرَّت المودَّة قائمةً بين عوامهم وعوام المُسلمين، لكنَّ الدولة كانت تنظر إليهم أحياناً بِعين الريبة، على أن اضطهاداتِهم لم تكُ سمةً بارزةً في عصر المماليك بل كانت بشكل زوابعَ تظهر بين حينٍ وآخر. شكَّلت الدولة المملوكيَّة موطن الكثير من الطوائف المسيحيَّة كان في مُقدمتها؛ الأقباط والروم والسُريان والموارنة والنساطرة إضافةً إلى طوائفَ مسيحيَّةٍ مهاجرةٍ من الخارج مثل الكرجيُّين والأحباش والأرمن واللاتين واختارت هذه الأقليَّات المهاجرة الإقامة في المُدن التجاريَّة والثُغُور، ولِكُلِّ جاليةٍ منها قُنصلٌ يُشرفُ على شُؤونها ومصالحها. بدأ المماليك يستعملون الأقباط في دواوينهم بِكثرةٍ خِلال سلطنة قُطُز [ما يدل على أن اضطهاد النصارى لم يك سياسةً ملنزَمةً لدى السلطة]، يذكر بهذا الشأن الوزير القبطي «شرفُ الدين أبو سعيد هبةُ الله»، الذي عيَّنهُ السُلطان أيبك، والذي كان أظهر براعةً في التشريع الضريبي لِجمع أكبر كمٍّ من الأموال باسم "قانون الحُقُوق السُلطانيَّة" الذي حصلت الدولة به على مالٍ كثير. وفي عهد الظاهر بيبرس أُقيل جميع الأقباط ممن كانوا يعملون في ديوان الحرب [الأرجح احترازاً من تسريب معلوماتٍ عن عدد الفرق العسكرية وأماكنها وتحركاتها] وأُحِلَّ مُسلمُون محلَّهم، وفي يوم تنفيذ هذا القرار هُدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة بِالقُرب من باب الفُتُوح ولم يُترك فيه حجر على حجر، كما زيدت عليهم الضرائب. أمَّا في عهد قلاوون فقد عُدل عن التزيُّد في الضرائب على الأقباط وعادت المُساواة بينهم وبين المُسلمين في ذلك وأُعيدوا إلى وظائفهم، لكن بعد فترةٍ عاد هذا السُلطان إلى التشديد عليهم، فأمر بِرُكُوبهم الحمير وشد الزنانير وألَّا يُحدِّث نصراني مُسلماً وهو راكبٌ دابته، ولا يلبسون ثياباً مصقولة.

    وفي الشَّام شدَّد المماليك الخناق على الموارنة بِالذات من بين سائر الطوائف المسيحيَّة، وذلك لعلاقة أُمرائهم ومُقدَّميهم الوثيقة بِالقوى الصليبيَّة في أوروپَّا وقبرص، وبِسبب اتّباع الكنيسة المارونيَّة لِلبابويَّة الكاثوليكيَّة مُحرِّكةِ الحملات الصليبيَّة ضدَّ ديار الإسلام. وعندما حاصر المماليك طرابُلس لاسترجاعها من الصليبيين، أيام المنصور قلاوون، تصدَّى لهم موارنة شمال لُبنان، فهاجم الجيش المملوكي جبَّة بشرِّي، وحاصر قرية إهدن مقر الكُرسي البطريركي وأسقطها، ثمّ اعتقل وقتل البطريرك دانيال الثاني الحدشيتي (حبريته 78-1282). وبعد جلاء الصليبيين عن المشرق بقي البابوات الكاثوليك على اتصالٍ دائمٍ بِبطاركة الموارنة لِأسبابٍ دينيَّةٍ وأُخرى سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ ممَّا أثار خشية سلاطين المماليك في القاهرة وعُمَّالهم في طرابُلس الشَّام، وأغضب السُلطة المركزيَّة على زعامات الطائفة المارونيَّة الدينيَّة والسياسيَّة، وأفضى إلى عاصفة اضطهادٍ ضدَّهم. يذكر الأب فرانسيسكو سوريانو -رئيس دير الفرنسيسكان في بيروت ومُعتمَد البابا لدى الموارنة- أنَّهُ في أيَّامه (النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلاديّ) حاولت البُندُقيَّة شراء مدينة صور من السُلطان المملوكي لكن مسعاها فشل. وكان البابا خطط لإقامة قاعدةٍ صليبيَّةٍ شرعيَّةٍ في المشرق تقوم على غير الاحتلال بعد فشل الأساليب العسكريَّة في تحقيق الأهداف الصليبيَّة، ومنها تنطلق حملةٌ جديدةٌ ضدَّ المُسلمين لِلسيطرة على الأراضي المُقدَّسة، فأرسل سنة 1438م رسالةً إلى البطريرك الماروني يُوحنَّا الثامن الجاجي (حبريته 04-1445) يُعلمه فيها أنه قرَّر عقد مجمعٍ لاتحاد الكنائس، فسارع البطريرك لِتقديم الطاعة والإعراب عن القبول بِكُل ما يُحدده ويُقرِّره المجمع وطلبَ درعَ التثبيتِ البطريركي، فثبَّتهُ البابا بطريركاً على كُرسي أنطاكية وأنعم عليه بِدرع الرئاسة. وحضر ممثلون عن البطريرك مجمع فلورنسا الرابع عام 1439، ومن الطبيعي أنَّ المماليك كانوا يَرْقبون علاقات البطاركة الموارنة الخارجية واتصالاتهم بِالبابويَّة إذ لم يلبثِ السُلطانُ سيفُ الدين جقمق أن أرسل -بعد هذه الحادثة- كتاب براءةٍ إلى بطريرك الطوائف الملكانيَّة يُنبّهه ألَّا يُقابلَ الأجانبَ وألَّا يستضيفهم لاسيَّما إذا كانوا من الأجانب المُشتبه بهم أو المُنتمين لِرعايا مملكةٍ أوروپيَّةٍ مُعادية، وألَّا يُراسل حاكماً أو ملكاً في أوروپَّا. ويبدو أنَّ بعض مُقدَّمي الموارنة في بشرِّي كانوا على غير وفاقٍ مع البطاركة في تصرُّفاتهم وعلاقاتهم غير العاديَّة مع روميَّة (روما) ممَّا أزعج البطاركة وسبَّب انقساماً في الرأي بين الموارنة حول العلاقات السياسيَّة مع كلٍّ من المماليك وأوروپَّا فقد كانت الصُعُوبات والمُضايقات تكتنفهم بسبب السياسة العدائية للحُكَّام الإفرنج في قبرص حيال دولة المماليك، وكان فريق معارضي البطاركة يرى أنَّ مصالح الموارنة واستقرارهم آمنين مُطمئنين هي في اتباع نهج أجدادهم مع دُول الخِلافة السابقة القائم على الاعتراف بِسيادة الدولة عليهم وعلى أراضيهم طالما أنَّ الدولة ضمنت لهم حُريَّة العبادة والعقيدة وكافَّة المصالح الاقتصاديَّة والحياتيَّة الأُخرى.

    كان لمحاولات استرداد بيت المقدس التي لم تتوقف بخروج الصليبيين من الشام بالغ الأثر على سياسة دولة المماليك وانعكس ذلك بالطبع على الموارنة والمسيحيين عموماً. كان الملك اللاتيني من آل لوزينيان يعدّ نفسه وريثاً لعرش بيت المقدس (احتلَّ ريتشارد قلب الأسد قبرص في طريقه إلى عكا في الحملة الصليبيَّة الثالثة، وباعها لفرسان الداويَّة فعجزوا عن إيفاء ثمنها، فباعها سنة 1192م لغي دي لوزينيان -ملكِ بيتِ المقدسِ المطرودِ منها على يد صلاح الدين- وبذا تأسست الأسرة المالكة في قبرص) وهو يُتوّج في الأفقسيَّة أولاً كملكٍ لقبرص، وثانيةً في اللمسون أقربِ مدينةٍ قبرصيةٍ إلى فلسطين بصفته ملكاً على بيت المقدس في احتفاليةٍ ترمز لعدم التخلي عن ضم الأراضي المقدسة. وقام بطرس الأول اللوزينياني بجولةٍ أوروپيَّةٍ لِحشد الدعم والمتطوعة وجمع التبرعات لحملةٍ صليبيةٍ على مصر، تلك التي انتهت بغزو الإسكندريَّة من 6 إلى 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1365م (وكانت المرة الوحيدة في التاريخ التي يُغير فيها حاكمٌ قبرصي على مصر) محدثةً دماراً لم تشهدْه المدينة طيلة تاريخها، وتركتها في خمسة أيامٍ خراباً يباباً مادياً وبشرياً، وبلغ من دويّها أن ثار مسلمو غرناطة وهاجموا المدن القشتالية حميّةً. خلّفت هذه السياسة أسوأ الأثر على علاقات دولة المماليك الخارجية تجاه أوروپَّا، والداخليَّة حيال المسيحيين، وعندما تولى الأشرف برسباي الظاهري (حكم825-842هـ/22-1438م) بادر لثلاثِ سنينَ متواليةٍ لإرسال ثلاث حملاتٍ لاحتلال قبرص انتهت بالاستيلاء عليها (829هـ/1426م) وفرض الجزية عليها، ولم يك ذلك لقوة نظامها الحاكم وخطورة شأنه في حينه بقدر ما كان لمنع سقوطها بيد البنادقة اللاتين الذين مافتؤوا يتدخلون في الصراع على العرش والذين أفلحت محاولاتهم أخيراً في شراء المملكة من آخر ملكةٍ في أسرة لوزينيان (فترة الاحتلال البندقي 1489-1571). لقد كان الأمر قضية توازناتٍ دوليةٍ، واحترازاً من أن يعود للأوروپيين موطئ قدمٍ ثانيةً في المشرق، وبالمثل كانت العلاقات مع أوروپَّا السبب الرئيس لأن يشوب علاقة السلطنة مع مملكة قيليقية الأرمنيَّة دوماً التوجس والريبة وعدم الثقة.

    أمَّا اليهود فكانوا أقليَّةً يشتغلون في مُختلف الأعمال لاسيَّما التجارة، واتساع ثروة مصر وتجارتها ذلك العصر جذبت كثيراً من يهود القُسطنطينيَّة وبغداد ودمشق وغيرها حتَّى صار لِليهود نفوذٌ كبيرٌ على النشاط المصرفي والأعمال الماليَّة، وقد احتفظ اليهود في مصر بِمعابدهم وعوائدهم ونُظُمهم الموروثة. انقسم اليهود في مصر والشَّام خِلال العصر المملوكي إلى ثلاث فرقٍ: الربَّانيُّون والقرَّاؤون والسَّامرة، وسكنوا في المُدن داخل أحياءٍ خاصَّةٍ بهم مثل حارة اليهود التي اشتهرت بهم في بيت المقدس، وكذلك في حلب وخاصةً في الشمال منها، وكان لِليهود مناطقُ خاصَّةٌ بهم في طرابُلس وحماة، واحتوت دمشق على طائفةٍ يهوديَّةٍ كان لها حيُّها ورئيسُها الخاص. ويُلحظ أنَّ أعداد اليهود في مصر والشَّام ازدادت خِلال القرن العاشر الهجري بِسبب سُقُوط الأندلُس وتعرُّض أهلها من المُسلمين واليهود إلى اضطهاد محاكم التفتيش الكاثوليكيَّة، فهرب الكثير منهم ناجياً بِحياته والتجأ إلى مصر والشَّام طلباً لِلأمان، كما يُلاحظ أنَّ اليهود زاد نفوذهم في الدولة المملوكيَّة ووصل بعض رجالاتهم إلى مراكزَ متقدمةٍ في مصر، فقد ذكر الرحَّالة اليهودي «ميشولام» أنَّ مُترجم السُلطان المملوكي كان يهوديّاً من أصلٍ أندلُسيٍّ، وكان يُجيد سبع لُغاتٍ هي العربيَّة والإيطاليَّة والتُركيَّة والألمانيَّة والإفرنسيَّة إلى جانب العبرانيَّة. [ويدل هذا أن الأمر عائدٌ بالدرجة الأولى إلى سياسة البابوية والدول الأوروبية المعادية لليهود، في حين أن علاقات هذه بالموارنة قد أساءت إليهم من حيث التوجسُ منهم وعدمُ الميلِ لاستخدامهم في الوظائف العامة].

    الدُروز والشيعة والنُصيريُّون

    كانت سلسلة جبال لُبنان الغربيَّة تُشكِّلُ ملجأً لِمُختلف الفرق الإسلاميَّة والطوائف المسيحيَّة في العصر المملوكي، كما استوطن هؤلاء بعض المناطق المُجاورة لِجبال لُبنان في سهل البقاع وجبل عامل وسهل عكَّار وجبال اللاذقيَّة وريف حِمص. فقد انتشر الدُرُوز من وادي التَّيم إلى جبل لُبنان، والشُّوف خاصةً، واختلف النُصيريُّون مع الدُرُوز، فتركوا وادي التَّيم وسكنوا في عكَّار ثُمَّ امتدوا شمالًا حتَّى اللاذقيَّة، حيثُ استوطنوا الجبال المُشرفة عليها التي عُرفت مُنذ ذلك الحين بِـ«جِبال النُصيريَّة». وأقامت بقايا الشيعة الإسماعيليَّة في بعض القلاع الكائنة على أطراف جبل لُبنان الشمالي ثُمَّ انتقلوا منها واتجهوا شرقًا والتحقوا بِإخوانهم في بلدة سلميَّة قُرب حِمص، وهي الموطن الرئيسي لِلإسماعيليَّة في الشَّام مُنذ أيَّام السلاجقة. وأقام الشيعة الاثنا عشريَّة في كسروان وفي السُفُوح والمُدن العامليَّة. اتخذ المماليك موقفًا سلبيًّا من الفرق الإسلاميَّة غير السُنيَّة، وقال بعض المُؤرخين أنَّ السبب وراء ذلك كان الموقف الذي اتخذته هذه الفرق من الصليبيين والمغول، ولأنها حالفتهم ووالتهم ضدَّ الدولة المملوكيَّة وعُموم أهل السُنَّة، فيما قال آخرون أنَّ اضطهاد المماليك لِتلك الفرق نابع فقط من تعصُّبهم لِمذاهب أهل السُنَّة ولِسيطرة وُعَّاظ السلاطين على عُقول الأُمراء، ويتفق الطرفان على أنَّ هُجُوم المماليك على هذه الفرق كان بِفتوى شيخ الإسلام آنذاك ابن تيمية، كما يتفقان على أنَّ بعض الجماعات من تلك الفرق والت المماليك وتعاونت معهم ضدَّ المغول والصليبيين، فأقرَّهم السلاطين في أراضيهم وخلعوا عليهم ألقاب الإمارة والمُقدَّميَّة. فمن جهة، يُشيرُ برنارد لويس إلى أنَّ الحشيشيَّة الإسماعيليَّة كانوا على صلةٍ وثيقةٍ بِالصليبيين يتآمرون على أهل السُنَّة، ولا يتركون فُرصةً تلوح لِلانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجَّهوُا كُل عمليَّاتهم ومُؤامراتهم ضدَّ قادة الجبهة الإسلاميَّة ضد الصليبيين والمُؤسسات السُنيَّة في الشَّام، وأنهم لم يُقاتلوا الاثنا عشريَّة أو الشيعة الآخرين، ولم يُديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين، بل كان جُل هُجومهم على قادة أهل السُنَّة. وعندما هاجم الصليبيُّون مصر بِقيادة لويس التاسع، سعى الأخير إلى عقد اتفاقيَّات مع الباطنيَّة الإسماعيليَّة من ناحية ومع المغول من ناحيةٍ أُخرى حتى يتحقق لهُ بِهذا التحالف نوع من التوازن بين الصليبيين من جهة والمماليك والأيُّوبيين من جهة ثانية. وقد جامل شيخ الجبل – زعيم الحشاشين في الشَّام - لويس التاسع وأرسل لهُ الهدايا.

    وأشار المُؤرخون أنَّهُ في أثناء تقهقر فُلُول عساكر المماليك إلى مصر على أثر هزيمتهم في وقعة وادي الخزندار أمام المغول، واحتلال المغول دمشق، تعرَّضوا لِسُوء المُعاملة والسَّلب والنهب على أيدي الكسروانيين وسُكَّان منطقة جزِّين من الشيعة، وأنَّ الكسروانيين أمسكوا ببعض العساكر الهاربين وباعوهم لِلإفرنج. وبعد أن رحل المغول عن الشَّام، واستتب الأمر للمماليك، جرَّدوا حملة كبيرة على بلاد كسروان سنة 699هـ المُوافقة لِسنة 1300م واستولوا عليها، وأُرغم سُكَّانُها على دفع ضرائب باهظة، وأُخذت منهم أراضيهم ومُمتلكاتهم وأُقطعت لِلتنوخيين الدُرُوز جزاءً لهم على حُسن استضافتهم لِلقُوَّات المملوكيَّة المهزومة أمام جحافل المغول. وفي سنة 705هـ المُوافقة لِسنة 1305م، نهضت حملة مملوكيَّة جديدة إلى كسروان لِقتال الشيعة بعد أن عادوا إلى مُناوأة المماليك والتمرُّد عليهم، فسار إليهم نائب السلطنة في دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم على رأس جيشٍ عظيم، فقاتلهم وأخرجهم من كسروان، بناءً على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي اعتبر أنَّ قتال الشيعة والنُصيريَّة أولى من قتال الصليبيين والمغول لأنَّهم «عدُّوٌ في ديار الإسلام، وشرُّ بقائهم أضر». نتيجة تلك الحملات، نزح الشيعة إلى جزِّين في جبل عامل، وفي تلك البلاد اتبعوا مبدأ التقيَّة وتظاهروا باعتناق المذهب الشافعي. وقد أصبحت جزِّين مركزًا هامًّا لِلتجمُّع الشيعي المُتستِّر بِالشافعيَّة خِلال القرن الرابع عشر الميلاديّ، وفيها حاول الشيعة مُقاومة المماليك مُجددًا لكنَّ حركتهم فشلت مرَّة أُخرى، ولم يلبث أن اعتنق شيعة بيروت والسَّاحل اللُبناني المذهب السُني، وذابوا في النسيج الإسلامي السُني القائم في تلك البلاد، وانصرف شيعة جبل عامل إلى الاهتمام بِبلادهم الجديدة لا سيَّما بعد أن ظهر فيها النظام الإقطاعي. أمَّا الدُرُوز فتذكر بعض المصادر أنهم حالفوا المماليك وخضعوا لهم بِطيب خاطر، فثبَّت السلاطين أُمرائهم في إقطاعاتهم وخلعوا عليهم، وأنهم شاركوا المماليك في حرب الصليبيين وحملوا معهم على كسروان ضدَّ أهلها من الشيعة، وأنهم استضافوا العساكر المملوكيَّة المُنسحبة من أمام المغول بعد معركة وادي الخزندار وأحسنوا إليهم، فقابلهم هؤلاء بأن اعترفوا بسُلطتهم على منطقة الغرب في جبل لُبنان المُشرفة على بيروت، وعلى بيروت ذاتها، وعلى ما بين أيديهم من مُقاطعات في المتن والشوف. بينما تنص مصادر أُخرى على أنَّ حملة كسروان كانت موجهة كذلك ضدَّ الدُرُوز «سُكَّان جبال كسروان»، على أنَّهُ لا يرد أي ذكر لِسُكَّانٍ دُرُوزٍ في كسروان في تاريخ صالح بن يحيى التنُّوخي، وهو المُؤلِّف الموثوق الذي كتب بِإسهابٍ عن حملات المماليك على كسروان.

  7. الاقتصاد

    7 دقائق قراءةنشأ النظام الإقطاعي في الشَّام خِلال العهد الصليبي نتيجةً لِعاملين: أولًا، كان الصليبيُّون يألفون نظام الحُكم السائد في بُلدانهم الأوروپيَّة في ذلك الوقت، فطبقوه في المناطق التي استولوا عليها في المشرق الإسلامي.…

    الإقطاع

    نشأ النظام الإقطاعي في الشَّام خِلال العهد الصليبي نتيجةً لِعاملين: أولًا، كان الصليبيُّون يألفون نظام الحُكم السائد في بُلدانهم الأوروپيَّة في ذلك الوقت، فطبقوه في المناطق التي استولوا عليها في المشرق الإسلامي. وثانيًا، لقد شعر الذين كانوا يُقاومون الصليبيين بِالحاجة إلى السيطرة على سُفُوح جبال لُبنان لِمُراقبة خُطُوط مُواصلات الجُيُوش الصليبيَّة البحريَّة والبريَّة وقطعها أو تهديدها بِالقطع عند اللُزُوم. وكانت جبال لُبنان الوُسطى والجنوبيَّة آنذاك شبه خالية من السُكَّان تقريبًا. لِذلك استقدم الحُكَّام المُسلمون بعض القبائل الشديدة الشكيمة من أتباعهم وأقطعوهم تلك المناطق الجبليَّة لِيجعلوهم يستقرُّون فيها ويتشبثون في الدفاع عنها. وكما في الشَّام، اعتُمد نظام الإقطاع في مصر حيثُ كان أُمراء المماليك يُقطعون أراضٍ زراعيَّةٍ واسعة يدفعون بِموجبها خراجًا سنويًّا إلى السُلطة المركزيَّة ويُزودونها بِحاجتها من الجُنُود عندما يتطلَّب الأمر. أمَّا في الشَّام فقد قُسِّمت الأراضي على عددٍ كبيرٍ من الزُعماء الإقطاعيين - الذين اشتهروا باسم «المُقاطعجيَّة» - المُنتمين إلى عائلاتٍ قويَّةٍ عريقةٍ. وكان من أشهر تلك العائلات على سبيل المِثال: وكذلك كان لِلموارنة في القسم الشمالي من جبل لُبنان عائلاتهم الإقطاعيَّة الكبيرة. وكان الإقطاعيُّون فئات، فكان منهم الأُمراء والمُقدَّمون والمشايخ. وكانت الإقطاعة الصغيرة تتكوَّن عادةً من قرية إلى عشر قُرى. عامل المماليك الزُعماء الإقطاعيين في الشَّام بِحسب الموقف الذي كانوا قد اتخذوه منهم. فقد كافأوا بِالخير أولئك الذين أيَّدُوهم في حُروبهم ضدَّ الصليبيين والمغول - كما أُسلف - كالبُحتريين والمعنيين والشهابيين وثبَّتوهم في إقطاعاتهم. أمَّا الموارنة والشيعة الذين كانوا يقطنون في النصف الشمالي من جبل لُبنان، والذين ساعدوا الصليبيين والمغول فقد انتقم المماليك منهم بعد تدمير معاقلهم بِأن انتزعوا إقطاعتهم ووزعوها على ثلاثمائة فارس تُركماني من جُنُودهم، وهُم الذين عُرفوا فيما بعد بِآل عسَّاف، وعهدوا إليهم بِحماية الشواطئ اللُبنانيَّة من شمالي بيروت إلى جنوبي طرابُلس. وفي عهد المماليك البُرجيَّة تحسَّنت العلاقات بين الموارنة والشيعة والدولة المملوكيَّة، فعاد الكثير من الموارنة إلى المناطق التي كان قد هرب منها أجدادهم. تولَّى السُلطان المملوكي بِنفسه توزيع الإقطاعات في مُعظم الحالات، وخُصوصًا في مصر. فإذا تقدَّم إليه المملوك؛ سأله عن اسمه وأصله وتاريخ قُدُومه إلى الديار المصريَّة وأُستاذه الذي اشتراه من تاجره، وصفاته حتَّى أصبح فارسًا. فإذا وقع اختيار السُلطان عليه لِيمنحه إقطاعًا، أمر ناظر الجيش بِأن يكتب له ورقة تُسمَّى «المِثال» تُحدد حُدود إقطاعه، ثُمَّ تُخرج الوثيقة النهائيَّة لِلإقطاع من ديوان الإنشاء. وعلى هذا فقد كان الإقطاع في عصر المماليك يرتبط ارتباطًا قويًّا متينًا بِديوان الجيش، حتَّى لقد أُطلق على هذا الديوان اسم ديوان الإقطاع.

    الزراعة

    أدرك سلاطين المماليك أهميَّة الزراعة لِلبلاد، بِوصفها عماد الثروة القوميَّة، لِذلك عنوا بها عنايةً فائقة، فأنشأوا الجُسُور وشقُّوا الترع لِتوفير مياه الري لِلأراضي التي يتعذَّر وُصُول الماء إليها. ومن أهم السلاطين الذين عنوا بِهذه الناحية السُلطان مُحمَّد بن قلاوون الذي عهد إلى بعض الأُمراء بِعمارة كافَّة جُسُور مصر في الوجهين البحري والقبلي والكشف عليها، بل إنَّ هذا السُلطان أشرف بِنفسه على إنشاء بعض الجُسُور، فكان يخرج أحيانًا مع المُهندسين لِيُوجههم حتَّى يتم بناء الجسر. وقد قُسِّمت أراضي مصر الزراعيَّة إلى أربعة وعشرين قيراطًا اختصَّ السُلطان منها بِأربعة قراريط، والأُمراء بِعشرة، وما تبقَّى خُصص لِلأجناد. ورُوعي في ذلك التقسيم أن تُوزَّع الأرض على هيئة إقطاعات تتفاوت في مساحتها، وفي خُصُوبتها ومقدار ريعها. على أنَّ زمام الأرض فُكَّ وعُدِّل أكثر من مرَّة في عصر المماليك بعد مسح الأراضي الزراعيَّة في البلاد، وهي العمليَّة التي تُعرف باسم «الروك». وقد اشتهر في تاريخ دولة المماليك الروك الذي تمَّ في عهد السُلطان لاجين سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م، والروك الذي تمَّ في عهد السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون سنة 715هـ المُوافقة لِسنة 1315م. وقام بِفلاحة الأرض جُمهرة الفلَّاحين الذين عاشوا في حالٍ من الفقر والحرمان الواضح؛ فالفلَّاح ظلَّ في ذلك العصر مربوطًا إلى الأرض التي يفني حياته في خدمتها دون أن يتمتَّع بِنصيبٍ يُذكر من خيراتها. وقد تعرَّض الفلَّاحون لِكثيرٍ من العسف من جانب أُمراء المماليك من ناحية ومن جانب الأعراب الذين طغوا عليهم من ناحيةٍ أُخرى، حتَّى خرب مُعظم القُرى لِموت أكثر الفلَّاحين وتشرُّدهم في البلاد. وكانت الأرض تُزرع مرَّة واحدة في السنة عقب فيضان النيل، لِأنَّ البلاد لم تعرف في ذلك العصر غير ري الحياض، كما أنَّ الفلَّاح لم يعرف من وسائل الزراعة وأدواتها غير الوسائل والأدوات العتيقة التي عُرفت مُنذُ أيَّام الفراعنة. وعلى ذلك فإنَّهُ يبدو أنَّ محصول الأرض الزراعيَّة في مصر ازداد على عصر سلاطين المماليك نتيجةً لِلعناية بِمرافق الزراعة من جُسُورٍ وترع ومقاييس النيل وغيرها.

    الصناعة

    ارتقت الصناعة في عصر المماليك رُقيًّا كبيرًا حتَّى أصبحت مصنوعات ذلك العصر تُكوِّنُ في مجموعها إنتاجًا فنيًّا رائعًا ازدانت به متاحف العالم في القُرُون اللاحقة. شاع في ذلك العصر صناعة الأقمشة الفاخرة من الحرير والصُّوف والكتَّان والقُطن التي صُنعت منها الخُلع السُلطانيَّة والفرش والسُتُور والخيام. هذا عدا المصنوعات المعدنيَّة التي تمثَّلت في عددٍ كبيرٍ من الأواني النُحاسيَّة والطاسات دقيقة الصُنع ذات النُقُوش والكتابات العربيَّة الجميلة. وانتشرت في ذلك العصر صناعة تكفيت البرونز والنُحاس بِالذهب والفضَّة، وشغُف المُعاصرون بِالنُحاس المُكفَّت بحيثُ لم تكد دار تخلو بِالقاهرة ومصر من عدَّة قطع نُحاس مُكفَّت. أمَّا الزُجاج فقد صُنعت منهُ أنواعٌ جميلة بعضُها من البلُّور الصخري المُحبب، والبعض الآخر من الزُجاج المُلوَّن المُستخدم في النوافذ. وكذلك الخزف الذي صُنعت منهُ أواني مُتقنة جميلة، وكان بعضها يُصنع بناءً على توصيةٍ خاصَّةٍ من السلاطين والأُمراء، ولِذلك زُيِّنت بِرنوكهم. ولم تكن الصناعات الخشبيَّة أقل تقدُمًا في عصر المماليك، إذ ما زالت الأبواب والدكك والمشربيَّات وغيرها من المصنوعات الخشبيَّة الباقية من ذلك العصر تشهد على دقَّة الصناعة وتقدُّم وسائلها. وكانت طرابُلس وصيدا وبيروت وبعلبك من أشهر مراكز صناعة السُكَّر والزيت والصابون والزُجاج والفخَّار والنسيج الحريري والصوفي والقُطني. وكان التُجَّار الأوروپيُّون يُقبلون على شراء هذه المُنتجات إقبالًا شديدًا.

    التجارة

    تدلُّ جميع الشواهد على أنَّ التجارة كان لها المقام الأوَّل في النشاط الاقتصادي في العصر المملوكي، وأنها كانت المصدر الأوَّل لِلثروة الهائلة التي عبَّرت عن نفسها في أعمال المماليك وحياتهم وما تركوه من آثارٍ ومُنشآتٍ فخمة. ويرجع السبب في النشاط التجاري الذي تميَّزت به مصر في عصر المماليك إلى انسداد مُعظم طُرق التجارة العالميَّة بين الشرق والغرب مُنذُ القرن الثالث عشر الميلاديّ، بِسبب حركة المغول التوسُّعيَّة؛ وبذلك لم يبقَ آمنًا إلَّا طريق البحر الأحمر ومصر، ممَّا جعل الدولة المملوكيَّة تقومُ في ذلك العصر بِدور الوسيط بين الشرق والغرب. وفي البداية كانت الحركة التجاريَّة ضعيفة بِسبب انتشار روح العداء والكراهيَّة بين المُسلمين والأوروپيين نتيجة الحُرُوب الصليبيَّة، لكن ما أن خفَّت حدَّة الكراهيَّة هذه، وتوقفت الغزوات والغارات، فتح المماليك أبواب ثُغُور الساحل لِلتجارة والحُجَّاج النصارى، فانتعشت الحالة الاقتصاديَّة، حتَّى أنَّ بعض المُدن كبيروت ارتفع عدد سُكَّانها نتيجة هذه السياسة من بضع مئات إلى نحو عشرة آلاف نسمة. وقد أدرك سلاطين المماليك ما يُمكن أن تعود به عليهم التجارة الخارجيَّة من ثروة، فاهتموا بتنشيطها وتأمين مسالكها وإنشاء المُؤسسات اللازمة لِلتُجَّار كالفنادق والخانات والوكالات والقياسر والأسواق وغيرها. كذلك حرصوا على التودد إلى قوى البحر الأحمر من ناحية، وإلى التُجَّار الأوروپيين المُترددين على الإسكندريَّة ودُمياط من ناحيةٍ أُخرى. وقد أمر السُلطان قلاوون نُوَّابه أن يُحسنوا مُعاملة التُجَّار ويُلاطفونهم ويتوددون إليهم ولا يجبون منهم سوى الحُقُوق السُلطانيَّة. كذلك، كتب السُلطان قلاوون منشورًا إلى التُجَّار الذين يفدون إلى مصر والشَّام من الشرق والغرب يصفُ لهم محاسن البلاد ويُغريهم على القُدُوم إليها بِمتاجرهم ويعدهم بِحُسن المُعاملة والإحسان إليهم. ويُفهم من المراجع المُعاصرة أنه خُصِّصت لِكُل جالية من التُجَّار الأوروپيين فنادق خاصَّة بهم في الثُغُور والمراكز التجاريَّة الكُبرى في مصر والشَّام، ورُتِّبت أُمُور هذه الفنادق بحيث يتمتَّع التُجَّار الأوروپيُّون النازلين فيها بِأكبر قسط من الحُريَّة والتسهيلات.

    ومما يدل على النشاط التجاري في عصر سلاطين المماليك انتعاش ثُغُور الدولة وموانيها، مثل أسوان بِالنسبة لِتجارة النوبة، وعيذاب بِالنسبة لِتجارة الصين والهند واليمن، ودُمياط والإسكندريَّة وطرابُلس وبيروت وصيدا بِالنسبة لِلتجارة مع القوى الأوروپيَّة، وخاصَّةً المُدن الإيطاليَّة. وما يُقال عن التجارة الخارجيَّة يُمكن تطبيقه على التجارة الداخليَّة، إذ اشتهرت مُدن الشَّام ومصر الكُبرى بِأسواقها الحافلة بِالبضائع، وإحكام الرقابة عليها من جانب المُحتسبين لِمنع التلاعب في الأسعار أو الأوزان أو أصناف البضاعة. على أنَّ الجشع سُرعان ما دفع سلاطين دولة المماليك الشراكسة إلى اتباع سياسةٍ احتكاريَّةٍ عنيفة، فاحتكروا تجارة التوابل والبُخُور، وبالغوا في تحديد أثمانها حتَّى بلغ ثمن الفلفل مثلًا في الإسكندريَّة أضعاف ثمنه في الشرق الأقصى عشرين مرَّة. ولقد بلغت سياسة الاحتكار هذه أشدَّها على عهد السُلطان الأشرف برسباي الذي أبطل التعامل بِالنقد البُندُقي والفلورنسي وسكَّ الدينار الأشرفي لِيكون أساسًا لِلتعامل مع التُجَّار الأوروپيين. وأخيرًا ضاق الأوروپيُّون ذرعًا بِسياسة سلاطين المماليك واحتكاراتهم، فجدُّوا في البحث عن طريقٍ آخر يُمكِّنهم من الحُصُول على حاصلات الشرق بِثمنٍ معقول؛ وما زالوا يجدُّون حتَّى اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن التاسع الهجري المُوافق لِلقرن الخامس عشر لِلميلاد، فكان ذلك إيذانًا بِتدهور مركز الدولة المملوكيَّة التجاري في التجارة العالميَّة. وأخيرًا، يُلاحظ عدم استقرار الحياة الاقتصاديَّة في عصر المماليك بِسبب تلاعب السلاطين بِالعملة، أو حُدُوث الفتن والمُنازعات بين طوائف المماليك. هذا فضلًا عن أنَّ أهل مصر كانوا يعيشون تحت رحمة فيضان النيل، فإذا انخفض الفيضان حدثت أزمة اقتصاديَّة في البلاد وارتفعت الأسعار واشتدَّ الجُوع ورُبما انتشر الطاعون في البلاد وسقط الموتى في الطُرُقات دون أن يجدوا من يدفنهم.

  8. الحياة العلميَّة والفكريَّة

    5 دقائق قراءةخُصّ عهد الناصر محمد بن قلاوون (حكم1292-1340م) بلقب «عصر الموسوعات» لظهور موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (كتاب في الجغرافية والتاريخ والأدب وعلم الاجتماع والطبيعيات) لرئيس ديوان الإنشاء شهاب الدين أحمد بن فضل…

    خُصّ عهد الناصر محمد بن قلاوون (حكم1292-1340م) بلقب «عصر الموسوعات» لظهور موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (كتاب في الجغرافية والتاريخ والأدب وعلم الاجتماع والطبيعيات) لرئيس ديوان الإنشاء شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري (700-749هـ/01-1349م)، وموسوعة «نهاية الأرب في فنون الأدب» (كتاب فلك وجغرافية وطبيعيات وتاريخ واجتماع وأدب وسياسة في 32 جزءاً) لشهاب الدين النويري (1279-1333)، وبعدهما بقليلٍ موسوعة «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي (756-821هـ/1355-1418م)، ولكن يصلح إطلاق لقب العصر الموسوعي على مجمل العصر المملوكي لشيوع التأليف الموسوعي بحفْزٍ من حيوية المجتمع المسلم لجمع التراث العربي الإسلامي وحفظه من الاندثار بعد الضياع الكبير الذي لحقه بسبب الغزو المغولي، فشاع نمط الكتابة الموسوعية؛ كما عند جمال الدين ابن منظور (630-711هـ/1232-1310م) في معجمه اللغوي الجامع «لسان العرب» الذي قال عنه الزركلي: «جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعاً»، وعند ابن النفيس (10-1288م) في موسوعته الطبية الصيدلانية «الشامل في الطب»، التي أمضى بتأليفها أكثر من ثلاثين سنةً، وترك منها ثمانين جزءاً. ذكر أنه خطط لها أن تكون في ثلاثمئة جزءٍ، ومازالت بعض أجزائها بخطه محفوظةً في البيمارستان المنصوري بالقاهرة تعود لسنة 641هـ، وعند الدميري (1341-1405م) في «حياة الحيوان الكبرى»، وفي العلوم الشرعية ثمة الكمال بن الهمام (790-861هـ/1456) الفقيه الأصولي المجتهد (مجتهد مذهب) الذي بلغ في المذهب الحنفي درجة الترجيح (من رجال الطبقة الثانية في المذهب)، فسادت كتبه حتى النصف الأول من القرن 19م (مع تأليف «حاشية ابن عابدين») وكان لأقواله الفصل في المذهب، والإمام جلال الدين السيوطي (850-911هـ/1445-1505م) بغزارة تآليفه واستيعابها وإحاطتها، وابن هشام الأنصاري (708-761هـ/09-1360م) الذي يُعدّ إحدى قمم علماء العربية على مدى العصور. على أن القرن التاسع الهجري المُوافق للقرن الخامس عشر الميلادي شهد عموماً بعد جائحة تيمور الأعرج تواضعاً في السوية العلمية قياساً بالقرنين السابقين عليه، فشاعت المختصرات والتعليقات، وحتى ظهرت الانتحالات وهو ما كان غريباً دوماً على الحضارة الإسلامية.

    اهْتَمَّ المَماليكُ بِالعِلْمِ، فَكان لِلْعُلَماءِ في عَهْدِهِمْ مَكانَةٌ كَبيرَةٌ، فأَكثَرَ سلاطينُ المماليك من بناء المدارس والجوامع والرُّبَط، فأَنْشَأْ الْظاهِرُ بيبَرْس المَدْرَسَةَ الظاهِرِيَة الواقعة شرقي قلعة دمشق، وَأَنْشَأْ الناصِر مُحَمَّد المَدْرَسَةَ الناصِرِيَةَ، وابنه السلطان حسن مسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن أكبر بناءٍ مدرسيٍّ في العالم (7900م²) في القاهرة، وزخر العصر المملوكي بعددٍ كبيرٍ من مشاهير العلماء الذين أثروا الحركة العلمية، مثل الحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي صاحب كتاب رياض الصالحين في الحديث، والذي شرح صحيح مسلم (شرح صحيح مسلم للنووي)، وجمع وحرر أحكام المذهب الشافعي، والعز بن عبد السلام العالم الفقيه المعروف الملقب بـ«سلطان العلماء»، وشيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الفقيه المعروف صاحب الفتوى الحموية، وابن قيم الجوزية صاحب زاد المعاد في هدي خير العباد، والقاضي والفقيه ابن دقيق العيد، والحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال، وابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وشمس الدين الذهبي الحافظ والمؤرخ صاحب سير أعلام النبلاء، وشيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة الذي سمع الحديث وله مؤلفات فيه وكان بارزاً في علومٍٍ متنوعة، والحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير صاحب كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وتفسير القرآن العظيم في التفسير، والمقريزي (1364-1442م) المؤرخ صاحب مدرسةٍ في التأريخ، وأشهر كتبه السلوك لمعرفة دول الملوك أو «الخطط المقريزية»، وابن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، والقلقشندي المؤرخ صاحب كتاب صبح الأعشى، وابن قدامة المقدسي أحد أعلام المذهب الحنبلي، ومؤلف كتاب المغني من أهم الكتب وأفضلها في الفقه المقارن، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، أما بالنسبة للمجال الطبي فكانت القاهرة ودمشق وحماة من أهم مراكز طب العُيُون في العالم، خرّجت عدداً من الأطباء الأفذاذ ممن كانوا حُجَّة ومرجعاً في هذا العلم مثل خليفة بن أبي المحاسن الحلبي الذي ألَّف كتاب «الكافي في طب العيون» وفيه شرح إجراء عملية الكتاراكت، وأيضاً صلاح الدين بن يوسف من حماة الذي ألف كتاباً في طب العيون أسماه «نور العيون»، وفي الملاحة البحرية شاعت مؤلفات وابتكارات أحمد بن ماجد الذي ألف أرجوزةً في الملاحة يحفظها الربابنة والبحارة لاستذكار تعليمات الإبحار والأنواء، وترك موجزاً في الملاحة النظرية والعملية، وكان لابن ماجد دورٌ هامٌّ في تطوير البوصلة، فكان أول من ثبّت إبرةً مغناطيسيةً على سنّ، وكانت قبلئذٍ تُحكّ إبرة البوصلة بالمغناطيس ثم وضعها فوق إناءٍ فيه ماء بحيث تطفو على عودين صغيرين من الخشب فتشير إلى الشمال، ولكن بعد اختراع ابن ماجد أصبحت تتحرك حرةً دونما حاجةٍ إلى وعاء الماء.

    يعود التطور العلمي في الدولة المملوكية لاهتمام سلاطين المماليك بالعلم، وتشجيعهم للعلماء، وهذا لعدة عوامل منها التقوى والزلفى واستخدامها في كبح الدعوة للمذهب الشيعي، ومنها اتخاذ المدرسة لدعم مركزهم في أعين الشعب، وقد ألحقت بكل مدرسةٍ خزانة كتبٍ يرجِع إليها المدرسون والطلاب في البحث والاستقصاء، فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفُتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك وكتب له إجازةً يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك، كما أن الحياة العلمية في مدارس العصر المملوكي لم تخلُ من ضروب الترويح عن النفس فأقيمت في المدارس بين الحين والآخر حفلات لمختلف المناسبات العلمية كختم البخاري أو الفراغ من تصنيف كتابٍ أو غير ذلك، وكانت الأوقاف والأحباس هي التي ثبتت أركان المدرسة ودعمت نظامها ومكنتها من القيام برسالتها في عصر المماليك. كان تعليم الطلبة مجانيّاً حسبةً لوجه الله إضافةً لضمان المسكن والكساء وبعض المقررات النقدية والعينية الأسبوعية أو الشهرية، إلا أنها كانت في أحيانٍ قليلةٍ تختلف من طالبٍ لآخر وفق ما يراه ناظر الوقف ما يؤدي إلى التحاسد بين الطلبة بسبب نقص مقرر أحدهم عن زميله.

    لم تك المدرسة ذلك العصر في كثيرٍ من الأحيان بناءً مستقلاً قائماً بذاته، وإنما كان يُلحَق بها عادةً مسجدٌ والقبة التي يبنيها السلطان أو الأمير ليدفن فيها وربما خانقاه أو زاويةٍ للصوفية، وأحياناً مشفىً خدمياً لحاجات الطلبة (كما في مدرسة الناصر حسن)، وبعضها كان يدرس العلوم الدنيوية كالطب والفلك (مدرسة الناصر حسن أيضاً). على العموم بلغت العناية بالمدارس في العصر المملوكي أوجها حتى المدارس الصغيرة غدت عمارتها وزخرفتها أحياناً مثالاً باهراً كالمدرسة الجقمقمية شمال غربي المسجد الأموي بدمشق، وكان الأمراء يتنافسون في اجتذاب الأسماء الكبيرة من العلماء للتدريس في مدارسهم التي أوقفوها كما جرى مع ابن خلدون.

  9. الحياة الاجتماعيَّة

    3 دقائق قراءةامتازت الحياة الاجتماعيَّة في مصر والشَّام على عصر سلاطين المماليك بِكثرة الأعياد الدينيَّة والقوميَّة، والمُبالغة في إحياء تلك الأعياد. ففي الأعياد ذات الصبغة الدينيَّة كان الناس يتبادلون التهنئة ويُقيمون الولائم…

    الأعياد

    امتازت الحياة الاجتماعيَّة في مصر والشَّام على عصر سلاطين المماليك بِكثرة الأعياد الدينيَّة والقوميَّة، والمُبالغة في إحياء تلك الأعياد. ففي الأعياد ذات الصبغة الدينيَّة كان الناس يتبادلون التهنئة ويُقيمون الولائم ويتصدَّقون على الفُقراء، ويُبالغون في إظهار السُرُور. ورُبَّما جاءت هذه الأعياد مصحوبة بِبعض المواكب - مثل الاحتفال بِدوران المحمل - وعندئذٍ يخرج الناس من كُل مكانٍ لِلفرجة، ويُزيِّن أصحاب الحوانيت والأسواق حوانيتهم بِالحرير والحُليّ. أمَّا في الاحتفالات القوميَّة مثل الاحتفال بِوفاء النيل أو تولية سُلطان جديد، فكان السُلطان عادةً يشق القاهرة في موكبٍ حافلٍ وقد فُرشت الشوارع بِشقق الحرير، وأقام الأُمراء القلاع - وهي أقواسُ النصر - في طريق السُلطان. وتتضاعف مظاهر الفرح والبهجة إذا كان السُلطان عائدًا مُنتصرًا من ميدان الحرب، إذ يُبالغ الأُمراء والناس في الزينة؛ ويقوم نائب السلطنة بِإحضار سائر مغاني العرب من أعمال مصر كُلِّها.

    طبقات الناس

    كان المُجتمع المملوكي مُجتمعًا طبقياً تَميَّز بِكثرة طبقاته، إذ إنَّ طبيعةَ حُكم المماليك الأغراب عن البلاد، وانعزالهم عن أهل البلاد وعن انخراطهم في سلوكهم، أدَّى إلى ظُهُور طبقةٍ مُتميِّزةٍ في المُجتمع تمتلكُ زمام الحُكم فيه هي طبقة المماليك أصحاب السيادة والنُفوذ، كما ظهرت أيضاً الطبقات الأخرى، ويُمكن تقسيم سُكَّان مصر والشَّام في العصر المملوكي إلى ثماني طبقاتٍ: طبقة المماليك، وطبقة المُعمَّمين، وطبقة التُجَّار، وطبقة طوائف السُكَّان أرباب المهن في المُدن، وطبقة أهل الذمَّة، وطبقة الفلَّاحين، وطبقة الأعراب، وطبقة الأقليَّات الأجنبيَّة. عاش الممالك أنفُسهم طبقة أرستقراطيَّة يحكمون البلاد ويتمتعون بِالجُزء الأكبر من خيراتها دون أن يُحاولوا الامتزاج بِأهلها إلَّا قليلاً، وقد شهد الرحَّالة الأجانب الذين زاروا مصر في ذلك العصر بِعظم ثروة المماليك وحياة الترف والنعيم التي عاشوا في ظلِّها. أمَّا عامَّة الشعب فقد استطاع بعض فئاتهم -مثل المُعممين والتُجَّار- أن يحتفظوا لِأنفُسهم بِمكانةٍ مرموقةٍ في المُجتمع ومُستوىً لائقٍ من المعيشة، في حين عاش غالب أهل البلاد من العوام والفلَّاحين حياةً أقرب إلى البُؤس والحرمان.

    الترفيهات

    على الرغم مما كان يتعرَّض له أهالي القاهرة أحياناً جرَّاء عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي إلَّا أنهم عاشوا عيشةً مرحة، فحرصوا على الإقبال على وسائل التسلية، والخُرُوج إلى الحدائق العامَّة، والرغبة في سماع الموسيقى، والغناء، والتلهِّي بِمُشاهدة خيال الظل أو مُشاهدة نطاح الكباش ومُناقرة الدُيُوك. وقد وصف ابن بطوطة أهالي مصر حينما زارها بِأنهم «ذوو طرب وسُرور ولهو». ومن أبرز وسائل الترفيه والتسلية آنذاك كان الجُلُوس إلى المقاهي والاستماع إلى الحكواتيَّة الذين كانوا يروون القصص العربيَّة الخُرافيَّة مثل ألف ليلة وليلة وسير أبطال الإسلام السابقين كالظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيُّوبي، وقد تخصصت بعض المقاهي بِقص سيرة الظاهر بيبرس وعُرفت باسم «المقاهي الظاهريَّة»، وأُخرى بِقصص أبي زيدٍ الهلاليّ وعُرفت باسم «المقاهي الهلاليَّة»، وغيرها.

    اللُغة والمُصطلحات

    كانت العربيَّة هي اللُغة الأولى السائدة بين جميع أطياف الشعب في العصر المملوكي، أمَّا سلاطين المماليك فقد تحدثوا التُركيَّة كلُغةٍ أُم، والتُركيَّة المقصودة هُنا هي التُركيَّة القفجاقيَّة المُنقرضة اليوم. وعلى الرُغم من أنَّ المماليك البُرجيَّة كانوا شراكسة، فإنهم تحدثوا التُركيَّة كذلك كونها كانت لُغة أسيادهم المماليك البحريَّة، فلقَّنوهم إيَّاها بِمُجرَّد قُدومهم إلى مصر، فكان من نتيجة ذلك أن تترَّك هؤلاء لُغةً وثقافةً. من جهةٍ ثانية، فإنَّ الفترة التي عاشها العرب في ظل الدولة المملوكيَّة مع غيرهم من الأعراق كالتُرك والشركس والمغول والأرمن، أفضت إلى تأثُّرهم بِثقافهم هذه الأقوام مثلما تأثَّر هؤلاء بِالثقافة العربيَّة، وكان من نتائج هذا التأثير أن ألقت كُل ثقافة بِظلالها على الأُخرى فأوحت إليها ببعض الألفاظ والتعابير الاصطلاحيَّة التي كانت تنمو مع نُموِّ الأزمنة وتخضع لِتطوُّراتها، واستمرَّ بعضها صامدًا في مصر والشَّام إلى اليوم. ومن أبرز تلك المُصطلحات: الأعلام التي تُستخدم اليوم بِمعنى الرايات، ومعناها الأصلي الرَّاية العظيمة المصنوعة من الحرير الأصفر المُطرَّز بِالذهب وعليها ألقاب السُلطان واسمه. ومنها أيضًا الأوباش وهو لفظٌ أُطلق في العصر المملوكي والعُثماني على الجماعات المُثيرة لِلشغب والتي كانت تقوم بين الحين والآخر بِأعمال النهب والاعتداء على الآمنين وقطع الطُرق على التُجَّار والوافدين. وكذلك بقسماط، وهو ضربٌ من الخُبز الجاف المُقطَّع يُستعمل أثناء الطوارئ حين لا يتوفَّر الرغيف الطازج، وما زال هذا المُصطلح يُستخدم في مصر وشمال الشَّام. وغير ذلك كثير.

  10. العمارة

    4 دقائق قراءةاهتم حُكَام الدَولة المَمْلُوكِية بالعِمَارة، وخَاصة الناصر محمد بن قلاوون والذي أَكثر مِنْ بِنَاء العَمائِر حَيْثُ يُعَد عصرُه من أزْهى عُصور الدَوْلة المَمْلُوكِيَة، ومِن أَهم مُنشآته في مَدينَة القَاهِرَة المَيدان…

    اهتم حُكَام الدَولة المَمْلُوكِية بالعِمَارة، وخَاصة الناصر محمد بن قلاوون والذي أَكثر مِنْ بِنَاء العَمائِر حَيْثُ يُعَد عصرُه من أزْهى عُصور الدَوْلة المَمْلُوكِيَة، ومِن أَهم مُنشآته في مَدينَة القَاهِرَة المَيدان العَظيم، والقصر الأَبْلق بالقَلْعة، والإيوان ومَسْجِد القَلْعَة، والمَيْدان الناصري، وبُسْتَان بَاب اللوق، وقَناطِر السباع، ومن بَيْن الأَعْمالِ العَظيمَة التَي أُنجزت في عَصْر الناصِر مُحَمَّد حَفْر قَناة مِنْ الإسكندرية إلى فوة، وبِذَلك أَعادَ وَصْلَ الإسْكَنَدَرِيَة بِالنيل، وبَلَغَ اهْتِمامُ النَاصِر بالعِمارَة أَنْ أَفْرَدَ لَها ديوانًا، وبَلَغَ مَصْروفُها كُل يَوْمٍ اثْني عشر أَلْف دِرْهَم، وقد تمثلت العمارة في الدولة المملوكية عامة في المساجد، والقبور، وبالنسبة لعمارة المساجد في الدولة المملوكية فقد احتفظت بالتقاليد السابقة الموجودة في الدول السابقة للدولة المملوكية؛ فهي مؤلَّفة من صحن مكشوف تحفُّ به أربعة أروقة، ومن حرم مغطى، وقد أخرجت لنا العمارة المملوكية العديد من المساجد الشهيرة منها: مسجد بيبرس الأوَّل، والذي تم إنشاؤه عام 667 هـ الموافق 1269م، وهو من أقدم المساجد المملوكية، وبالنسبة لآخر مسجد مملوكي هو مسجد السلطان مؤيد، والذي تم إنشاؤه 854 هـ الموافق 1450م، وقد أُنشئت العديد من المساجد المهمة، ومنها مسجد السلطان قلاوون، والذي تم إنشاؤه عام 684 هـ الموافق 1285م، وهذا المسجد يُعدُّ من أهمِّ المساجد المملوكيَّة وأجملها، وهو مجموعةٌ معماريَّةٌ تتضمَّن بيمارستانًا، ومسجدًا أُلحقت به مقصورات للطلاب، ثم ضريح السلطان، وتبدو واجهة هذه الأبنية شديدة الزخارف مؤلَّفة من مشاكٍ عالية ذات أقواسٍ منكسرة، وهناك أيضا مسجد ومدرسة السلطان حسن الذي أنشأ عام 764 هـ الموافق 1363م، والذي يعد نموذجًا معماريًّا متميِّزًا، حيث يقوم البناء على سطح منحدر، يبدو بمدخله الفخم وقد سبقه درج يوصل إلى دهليز يُؤدِّي إلى الصحن المربَّع الشكل، تنفتح من جهاته الأربع إيوانات ذات قبَّةٍ منكسرة، ولكن الإيوان المجابه للمدخل هو الأوسع، وفيه محراب القبلة، وفي وسطه مقصورة مرفوعة، وإلى جانبي المحراب بابان يصلان الحرم بصالةٍ كبرى ذات قبَّة؛ هي مدفن السلطان حسن، وتتَّصل الأواوين الجانبيَّة بغرفٍ ومقصوراتٍ تُشكِّل مدرسةً بذاتها، تسمح بإقامة الطلاب وبدراستهم، وتنهض في مقدِّمة البناء مئذنتان، وهناك في دمشق وحلب مساجد تعود إلى ذلك العصر أنشأها نوَّاب السلطان، منها جامعي تنكز ويلبغا في دمشق، وفي حلب جامع الطنبغا وجامع الأطروش (أقبغا)، وبالنسبة لمآذن الجوامع المملوكية فقد اهتمَّ المعمار عمومًا بتزيين المآذن بالمقرنصات أو بالقيشاني، وغيرها، وقد ظهرت المئذنة المزدوجة الرؤوس كما في مئذنة الغوري في الجامع الأزهر، وتُزيِّن المساجد المملوكية سقوف مدهونة وزجاج ملوَّن في النوافذ، وتنزيل الرخام في الجدران، مع تبليطات هندسيَّة، كما تُزيِّن واجهات هذه الأبنية كسوات رخامية أو حجرية حمراء أو بيضاء، ومحاريب شاقولية ومقرنصات، ويتميَّز مسجد قايتباي أيضا بمزايا زخرفيَّة متميِّزة.

    وهناك العديد من العمائر الأخرى التي اهتم المماليك بإنشائها، مثل: المدرسة وكانت مؤلَّفة من إيوانين متقابلين مفتوحين على صحن، وقد تلحق بالمدرسة -غالبًا- أضرحة ومصليَّات، وظهر في هذا العصر بناء الجامع والمدرسة، وأنشأ المماليك أيضا الخانقاه والتي كانت أشبه بمدرسة مخصَّصة للصوفيَّة أو للتجار؛ حيث يكون لهم جناح في هذا المبنى لمزاولة أعمالهم، والخانات هي فنادق للمسافرين والقوافل تتكون من طابقين أو أكثر، الطابق السفلي مخصَّص لحفظ البضائع والدواب، والطوابق العليا للسكن، والوكالات وكانَت مخصَّصة للتجار المسافرين، وبالنسبة لعمارة المدافن، والتي كانت من من أكثر المنشآت المعمارية انتشارًا في ذلك العصر، وفيها كانت القبة تأخذ شكل التربة، وكان بعضها مستقلًا، وبعضها الآخر ملحقًا بمنشآت أخرى، وتغطي الصالة المدفنية قبة ذات رقبة دائرية أو مضلعة تنفتح فيها نوافذ عدة، محمولة على عنق مثمن، وتبدو القبة شديدة الارتفاع مقطعها قوسي، مزينة بالمفصصات -حيث كانت زخرفة إهليلجية ناتئة أو غائرة- أو المِشْبَكات الهندسية أو النباتية، ومازال حتى اليوم ما يقرب من خمسة وخمسين مدفنًا متبقيا منهم، وللعمارة المملوكية مميزات مع أنها كانت محصلة الفنون المعمارية التي ظهرت قبل هذا العصر، إلا أنه امتاز بنضج الزخارف واستخدامها للحجر والآجر والإكساء بالرخام مع زيادة الاهتمام بطراز الأعمدة والدعامات من الرخام والغرانيت، واستعمال موفق لأعمدة قديمة، وأيضا فقد اهتم المعمار بواجهات المنشآت إذ ظهرت عناصر زخرفية جديدة بدت على شكل مقرنصات وشرّافات مسننة مع الاهتمام برشاقة المآذن وزخرفتها حجريًا، وازداد الاهتمام بالمداخل الشامخة التي تظهر واضحة في بناء مسجد السلطان حسن ومدرسته في القاهرة. إضافة إلى المشربيات والشناشيل في عمارة القصور والبيوت التي تحقق الإطلال الخارجي مع احتجاب النساء، كما تحقق تكييفًا هوائيًا، وبالنسبة للقصور في العصر المملوكي فقد اهتم المماليك بها، وقاموا بترميم بعض القصور، حيث هناك قصران من العصر الأيوبي رُمِّما في عصر بيبرس وقلاوون، وهما قصر الهواء في القلعة، وقصر نجم الدين في جزيرة الروضة، وقد أنشأوا أيضا بعض القصور، مثل: القصر الأبلق الذي أنشأه بيبرس في دمشق، وقصرٍ مماثلٍ له في القاهرة أنشأه قلاوون، وبالنسبة للعمارة العسكرية المملوكية، فأنشأ المماليك قلعة قايتباي في الإسكندرية، ومثلها في رشيد.

  11. الجيش

    3 دقائق قراءةوُصفت الدولة المملوكيَّة بِأنها «دولة إقطاعيَّة حربيَّة». فطبيعة المماليك ونظامهم والرغبة في اقتنائهم نبعت من فكرة أساسيَّة واحدة هي تكوين فئة من المُحاربين الأشدَّاء وإعدادهم لِيكونوا درعًا حاميًا لِأساتذتهم الذين…

    وُصفت الدولة المملوكيَّة بِأنها «دولة إقطاعيَّة حربيَّة». فطبيعة المماليك ونظامهم والرغبة في اقتنائهم نبعت من فكرة أساسيَّة واحدة هي تكوين فئة من المُحاربين الأشدَّاء وإعدادهم لِيكونوا درعًا حاميًا لِأساتذتهم الذين قاموا بِشرائهم وتعهدوهم بِالتربية. ولا يكاد المملوك يُدرك سن البُلُوغ حتَّى يُشرع في تعليمه فُنُون الحرب، من الرمي بِالنشَّاب واللعب بِالرِّمح ورُكوب الخيل وأنواع الفُرُوسيَّة. وعندما ينتهي المملوك من هذه المرحلة التعليميَّة ينتقل إلى الخدمة ويمر بِأدوارها رُتبةً بعد رُتبة حتَّى يصير من الأُمراء. واعتبار الدولة المملوكيَّة دولة إقطاعيَّة حربيَّة يرجع إلى الارتباط الوثيق - كما أُسلف - بين ديوان الجيش والإقطاع الذي وصفه القلقشندي بِقوله أنَّهُ «مظنَّة الإقطاع»، أي سجلُّه ومركزه. وقد تكوَّن الجيش في عصر سلاطين المماليك من ثلاث فرق أساسيَّة، الفرقة الأولى كانت طائفة المماليك السُلطانيَّة - أي مماليك السُلطان القائم بِالحُكم - وقد وصفهم القلقشندي بِأنهم أعظم الأجناد شأنًا وأرفعهم قدرًا وأشدُّهم قُربًا وأوفرهم إقطاعًا، ومنهم تُؤمر الأُمراء رُتبةً بعد رُتبة. والفرقة الثانية تشمل طائفة مماليك الأُمراء، أي الذين اشتراهم الأُمراء المُحيطون بِالسُلطان، كُلٌ حسب درجته ورُتبته، وتعهدوهم بِالرعاية، ومن هؤلاء كانت تتكوَّن الوحدات الحربيَّة التي تُرافق السُلطان في حُرُوبه، وكُل واحدة تتألَّف من أمير على رأس مماليكه. وأخيرًا تأتي الفرقة الثالثة وهم طائفة أجناد الحلقة، وهُم مماليك السلاطين والأُمراء السابقين وأولادهم الذين احترفوا الجُنديَّة وأصبحوا بِمثابة جيش ثابت لِلدولة لا يتغيَّر بِتغيُّر السُلطان، ويُشرف على كُل ألفٍ منهم وقت الحرب أمير مائة مُقدَّم ألف، أي أمير لهُ الحق في امتلاك وشراء مائة مملوك لِنفسه ويقود في وقت الحرب ألف جُندي من أجناد الحلقة. وكان السُلطان لا يُقدم على حربٍ عادةً إلَّا بعد استشارة مجلس الجيش الي يضم كبار الأُمراء فضلًا عن الخليفة وقُضاة القضاء الأربعة، فإذا تقرَّرت الحرب جمع الجُند وأقسموا اليمين الطاعة والولاء لِلسُلطان، وعندئذٍ تفتح السلاح خانة أبوابها لِتوزيع السلاح على المُحاربين. أمَّا عن نظام الجيش وقت المعركة فكان يقوم على أساس ترتيب الجُند على هيئة صُفُوثٍ مُتراصَّة تُكوِّن أقسام الجيش الثلاثة - وهي القلب والميمنة والميسرة - فضلًا عن المُقدِّمة، ويكونُ القائد العام لِلحملة عادةً في قلب الجيش، ورُبما في مُقدمته لِيستثير روح الإقدام والشجاعة في الجُند. وكانت الطُبُول والمُوسيقى جُزءًا أساسيًّا في الجيش المماليكي، فكانت تُحملُ على عشرين بغلًا، ويُعتمدُ عليها في تنظيم الحركة وإعطاء الإشارات بِبدء القتال. هذا فضلًا عن الأعلام والرَّايات التي كانت تتقدَّم الجيش ويلتف حولها كُلُّ قسمٍ من أقسامه. ويُلاحظ أنَّ المماليك كانوا فُرسانًا قبل كُل شيء واعتمد نظامهم بِصفةٍ أساسيَّةٍ على الفُرُوسيَّة. لِذلك كان الجيش المماليكي يتألَّف أساسًا من الفُرسان، الأمر الذي جعلهم يهتمُّون بِالخُيُول اهتمامًا بالغًا، ويُعيِّنون كبار المُوظفين لِلإشراف عليها وعلى أدواتها وعددها كاللجم والسُرُوج وغيرها. فضلًا عن الإنفاق بِسخاءٍ على الإسطبلات الخاصَّة بِالخيل.

    ليس معنى تغلُّب صفة الفُرُوسيَّة على المماليك أنهم أهملوا جانب البحر والأُسطول، فقد وصفها المُؤرخون المُعاصرون لها بأنها دولة البرَّين والبحرين، بِمعنى أنها ملك برَّ مصر وبرَّ الشَّام، وأطلَّت على البحرين: بحرُ الرُّوم (المُتوسِّط) والقلزم (الأحمر). ويُعزى إعلاء شأن الأُسطول الإسلامي زمن المماليك إلى السُلطان الظاهر بيبرس، إذ ما أن ارتقى دست السلطنة حتَّى نظر في أمر البحريَّة، فمنع الناس من التصرُّف في الأخشاب وتقدَّم بِعمارة السُفن في ثغريّ الإسكندريَّة ودُمياط، وصار ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بِمصر ويُرتِّب ما يجب ترتيبه من عمل السُفن ومصالحها، واستدعى كبار الصنَّاعين إلى مصر، فصار لديه عدد ليس بِقليل من السُفن بِمختلف أنواعها، منها الشواني والحراريق والطرائد. وكان دافع المماليك لِلإهتمام بِالأُسطول هو أنَّ آخر ما استرجعوه من بلادٍ خاضعةٍ لِلصليبيين كانت ثُغُورًا ساحليَّة، كما أنَّ الحُرُوب الصليبيَّة تحوَّلت من معارك بريَّة إلى معارك بحريَّة بعد طرد الصليبيين نهائيًّا من بلاد الشَّام في أواخر القرن التاسع الهجري المُوافق لِلقرن الثالث عشر الميلادي. أمَّا أبرز أنواع السُفن الإسلاميَّة في الأُسطول المملوكي فهي: الشواني ومُفردها شيني وهي سفينة حربيَّة كبيرة ذات أبراج وقلاع تُستعمل لِلدفاع والهُجُوم، والحراريق أو الحرَّاقات وهي السُفُن التي كانت تحمل مرامي النيران مثل النار الإغريقيَّة وغيرها وتُلقي النار منها على سُفن العدو وأهدافه فتحرقها، والطرَّادات التي كانت تُستخدم عادةً في حمل الخُيُول، والأغربة التي تحمل الجُند، والبطس الكبيرة التي كانت تُستخدم في حمل أعداد عظيمة من الجُند تصل إلى سبعُمائة جُندي فضلًا عن المُحاربين والأسلحة والذخيرة والغلال والميرة. ولقد ظلَّ الأُسطُول في عصر سلاطين المماليك يقوم بِدوره كاملًا في الدفاع عن البلاد الإسلاميَّة ومُهاجمة الأعداء حتَّى نهاية تلك الدولة، ففي أواخر عصر المماليك تسرَّبت عوامل الضعف التي نخرت في عظام الدولة وبالعديد من أجهزتها إلى الأُسطُول، فتراجعت قُوَّته وسطوته على البحار، وتهاوى أمام الأساطيل الپُرتُغاليَّة التي كانت قد برزت على الساحة بِوصفها قُوَّة عالميَّة فتيَّة.

  12. العلاقات مع الدول الخارجية

    3 دقائق قراءةكان لدولة المماليك علاقات مع مختلف الدول القائمة آنذاك، فبالنسبة للعلاقات الصفوية المملوكية فإنها بدأت عدائية ثم تحولت إلى صداقة، حيث كان إسماعيل الصفوي شديد الكره للمسلمين السنة، وكان المذهب السني متمثل حينها في…

    كان لدولة المماليك علاقات مع مختلف الدول القائمة آنذاك، فبالنسبة للعلاقات الصفوية المملوكية فإنها بدأت عدائية ثم تحولت إلى صداقة، حيث كان إسماعيل الصفوي شديد الكره للمسلمين السنة، وكان المذهب السني متمثل حينها في الدولتين المملوكية، والعثمانية، لذا قام إسماعيل الصفوي بمحاربتهم، بالإضافة إلى الاتفاق مع البرتغاليين، والصليبيين على حرب الدولة المملوكية عامة، والدولة العثمانية خاصة، وأيضا كان العداء موجود بين المماليك والصفويين عندما كانت الدولة الصفوية تتوسع على حساب الدولة المملوكية في بلاد الشَّام، حيث وقفت الدولة المملوكية منها موقفاً مناوئًا، وازداد هذا الموقف المناوئ بعد أن علم المماليك بوجود حلف عدائي بين الصفويين والقوى الأوروپية للقضاء على الدولة المملوكية. وقد أدى هذا الأمر إلى توقف الاتصالات الدبلوماسية بين هاتين الدولتين عام 1511م، ولم تتجاوز إلا في عام 1514م، وذلك عندما خسر الصفويون في نزاعهم مع العثمانيين فأرادوا أن يحسنوا في علاقاتهم مع المماليك.

    وأيضًا فقد كانت العلاقات بين المماليك البحريَّة، والحفصيين في تونس جيدة، ووديَّة، وذلك لوجود أربعة عوامل مشتركة، أولها عامل الدين الإسلامي، حيث كانت كلتا الدولتين تدينان بالإسلام على مذهب أهل السنة، وثانيهما عامل الجوار، والعامل الثالث هو الخطر المشترك الذي هدد العالم الإسلامي آنذاك، ثم العامل الرابع وهو الحج على اعتبار أن مصر واقعة على الطريق البري للحجاج القادمين من شمالي إفريقيا، ولكن بالرغم من العلاقات الودية بين الدولتين إلا أنه قد شابها بعض الفتور؛ وذلك بسبب مشكلة الخلافة؛ لأن ملوك بني حفص تلقبوا بلقب الخلفاء، فلم يعترف المماليك بإمرة المؤمنين في السلالة الحفصية، وإنما لقبوا حاكمهم بـ«أمير المسلمين»، وهو لقب دون أمير المؤمنين في الرتبة، ويبدو أن مشكلة الخلافة لم تقف حائلًا بين الدولتين في التعاون لرد العدوان الخارجي، وبالنسبة لعلاقة المماليك ببعض القوى الأوربية، فقد اجتذبت موانئ مصر المدن التجارية الإيطالية، البندقية وجنوة وبيزا، بفضل التكاليف الزهيدة للبضائع القادمة من الشرق الأقصى عبر هذا البلد، إضافةً إلى ميزة الحصول على حاصلات الأراضي المصرية ومنتجاتها الصناعية، وكانت هناك من جهة أخرى أرباح كبيرة تتحقق بتوريد بعض السلع الأوروپية التي كانت الدولة المملوكية بحاجة إليها مثل الحديد والخشب، لكن توثيق العلاقات السلمية مع مصر لم يكن بالسهولة التي تبدو لأول وهلة؛ بسبب عداوة المماليك للصليبيين في بلاد الشام.

    وكانت المدن الإيطالية خاصة تسأل قبل أن ترتبط بعلاقات تجارية مع دولة المماليك: هل تسيء بذلك إلى بقية العالم المسيحي؟ لأن تجار المماليك سوف يستفيدون حتمًا من جرَّاء المبادلات التجارية، كما تنتفع خزائن السلطان من حصيلة الرسوم الجمركية، ويترتب على ذلك تنامي قوة هذا البلد، مما يشكل ازديادًا في الخطر على المدن الصليبية في بلاد الشام، وكان التاجر الغربي الذي يتاجر مع المماليك يُوصَف بأنه مسيحي فاجر، في حين تعرَّض حكام المماليك الذين يتعاونون مع التجار الغربيين للانتقاد أيضًا، وبالرغم من أن العقبات على التجارة بين مصر والمدن الإيطالية تأتي من الطرفين، إلا أنها استمرت ناشطة أحيانًا وسط الأجواء العاصفة، وكان الأمل عند الطرفين في الحصول على أرباح ومنافع جسيمة يبدد الكثير من المخاوف، وإذا كانت العلاقات بين المدن الإيطالية التجارية وبين المماليك تأرجحت بين المشاحنات والهدوء وفقًا لتقلب الظروف السياسية، فإن الوضع اختلف مع الإمارات المسيحية في أوروپَّا الغربية مثل قشتالة وأرغونة وإشبيلية، ويبدو أن حرص الإمارات المسيحية في إسپانيا على عدم وصول نجدات من دولة المماليك إلى المسلمين في الأندلس دفع ملوكها إلى مسالمة المماليك، وتبادل الهدايا مع الأمراء في مصر، وإذا كانت التجارة مع المماليك مباحة بوجه عام لرعايا ملك أراغون فإنه كان محظورًا عليهم أن يبيعوا المسلمين مواد بناء السفن أو سفنًا مبنية، وفي عام 673هـ الموافق 1274م أصدر يعقوب الأوَّل ملك أراغون مرسومًا يحظر فيه تصدير المعادن والخشب والأسلحة والمواد الغذائية إلى المماليك، وبالنسبة للعلاقات مع صقلية، فقد ارتبطت صقلية بعلاقات طيبة مع حكام مصر منذ العهد الأيوبي، وقد تمتع الصقليون في مصر بتخفيض في التعريفات، واستمرت هذه العلاقة الطيبة في عهد دولة المماليك البحرية، إذ حرص مانفرد بن فريدريك الثاني على صداقة السلطان بيبرس، كما حرص هذا الأخير على الاحتفاظ بعلاقة الود التي ربطت مصر بمملكة صقلية، وقد جمعت الطرفين مصلحة مشتركة وهي العداء للصليبيين في بلاد الشام ومغول فارس، وتشير المراجع إلى تبادل الهدايا بين مانفرد وبيبرس، فأرسل هذا الأخير في عام 660 هـ الموافق 1261م، وفدًا برئاسة المؤرخ جمال الدين بن واصل إلى ملك صقلية، وحمله هدية جليلة منها بعض الزرافات، وبعض أسرى عين جالوت من المغول، وقد رد مانفرد بسفارة مشابهة تحمل الهدايا للسلطان.

  13. المماليك البحرية

    11 دقيقة قراءةالمماليك البحرية، ويشار إليهم أحيانًا باسم سلالة البحري، كانوا حكام سلطنة المماليك في مصر من عام 1250 إلى عام 1382، بعد سلالة الأيوبيين. تم شراء أعضاء الطبقة الحاكمة المماليك كعبيد (مماليك) وتم إعتاقهم، وكان الأقوى…

    المماليك البحرية، ويشار إليهم أحيانًا باسم سلالة البحري، كانوا حكام سلطنة المماليك في مصر من عام 1250 إلى عام 1382، بعد سلالة الأيوبيين. تم شراء أعضاء الطبقة الحاكمة المماليك كعبيد (مماليك) وتم إعتاقهم، وكان الأقوى بينهم يتولى دور السلطان في القاهرة. في حين حاول العديد من سلاطين المماليك البحرية تأسيس سلالات وراثية من خلال أبنائهم، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل في النهاية، حيث كان دور السلطان ينتقل في كثير من الأحيان إلى مملوك قوي آخر.

    كان المماليك البحريون من أصل تركي قبجاكي في الغالب. كان أربعة عشر من أصل ثمانية عشر سلطانًا بين عامي 1279 و1390 ينتمون إلى سلالة القلاوونيين. بعد عامي 1382/1390، خلفهم نظام المماليك الثاني، المماليك البرجيون، الذين كان معظمهم من أصل شركسي. اسم بحري أو بحرية يعني "النهر"، في إشارة إلى موقع ثكناتهم الأصلية في جزيرة الروضة في النيل (نهر النيل) في القاهرة، في قلعة الروضة التي بناها السلطان الأيوبي الصالح أيوب.

    أصولهم

    كان أغلب أصول فرسان المماليك من الأتراك القبجاق، والقبط، والجركس، والكرج حيث يتم بيعهم و هم أطفال في سوق النخاسة في القاهرة ثم يقوم أحد الأمراء بعتقهم و يشرف على تربيته فيصبحون في مكانة الموالي لدي الأمراء بل وقد تصل العلاقة بينهم كعلاقة الأب والابن.

    تجارة الرقيق

    بسبب ظهور المغول واصطدامهم بالخوارزميين منذ سنة 616هـ تسبب في وقوع الكثير من الترك والجركس في الأسر ومن ثم عرضهم للبيع والشراء كعبيد وجواري في أسواق النخاسة في القاهرة.

    اذا كان العديد من المماليك تعود أصولهم إلي فئة جلبت من أسواق النخاسة بالقوقاز وبلاد ما وراء النهر وشواطئ البحر الاسود و الطريق الذي يسلكوه إلي مصر يكون عبر البحر الاسود إلي خليج القسطنطينية ومنه إلي البحر الأبيض المتوسط الى ميناء الاسكندرية أو دمياط ثم إلي سوق النخاسة في القاهرة.

    المجاعات وخطف الأطفال في مصر

    كان اللصوص لا يتوانون عن خطف الأطفال من القرى المصرية، ويحملونهم إلى تجار الرقيق لبيعهم في أسواق النخاسة، ويؤكد ذالك البغدادى أثناء حديثه عن المجاعة التى شهدتها مصر في عام 595هـ /1198م بأن أطفال الفقراء ممن لم يعد لهم كفيل ولا حارس كانوا منتشرين في جميع الأرجاء، وكان اللصوص يتصيدون هؤلاء الأطفال لبيعهم لتجار الرقيق.

    تحدث شيخ المؤرخين تقي الدين المقريزي عن أثر مجاعة أخري ضربت مصر في عهد الأشرف زين الدين شعبان فيقول: حيث تسببت المجاعات التي كانت تحدث في الديار المصرية بسبب قصر مد النيل و سوء تدبير الحكام في العصرين الأيوبي و المملوكي إلي بيع الأهالي أبنائهم من شدة الجوع وكانو يسمون أولاد الناس.

    حتي بدون حدوث المجاعات كان تجار الرقيق لا يتوانون عن الاتفاق مع اللصوص لخطف الأطفال من القرى، وتسليمهم للتجار لبيعهم في أسواق النخاسة.

    نشأة المماليك

    كان الصالح نجم الدين أيوب، ومن تبعه من الأمراء لا يتعاملون مع المماليك كرقيق بل على العكس من ذلك تماماً فقد كانوا يقربونهم جداً منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم، ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد أبداً، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب "الأستاذ" وليس لقب "السيد" و كان المملوك ينشأ على حب مصر والإنتماء إليها بصفتها وطنه الوحيد الذي لايعرف غيره ففيها اهله و زملائه في الخشداشية الذين هم بمثابت أخوانه.

    ويقول شيخ المؤرخين تقي الدين المقريزي بخصوص تربية المملوك الصغير فيقول: و لهذه التربية المتميزة كان أطفال المماليك ينشؤون عادة وهم يعظمون أمر الدين الإسلامي جدًا، وتتكون لديهم خلفية واسعة جداً عن الفقه الإسلامي، وتظل مكانة العلم والعلماء عالية جداً جداً عند المماليك طيلة حياتهم، وهذا ما يفسر النهضة العلمية الراقية التي حدثت في زمان المماليك، وكيف كانوا يقدرون العلماء حتى ولو خالفوهم في الرأي ولذلك ظهر في زمان دولة المماليك الكثير من علماء المسلمين الأفذاذ من أمثال ابن دقيق العيد والنووي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن حجر العسقلاني وابن كثير والمقريزي وابن الهائم المقدسي رحمهم الله جميعاً، وظهرت أيضاً غيرهم أعداد هائلة من العلماء يصعب جداً حصرهم.

    ثم إذا وصل المملوك بعد ذلك إلى سن البلوغ جاء معلمو الفروسية ومدربو القتال فيعلمونهم فنون الحرب والقتال وركوب الخيل والرمي بالسهام والضرب بالسيوف، حتى يصلوا إلى مستويات عالية جداً في المهارة القتالية، والقوة البدنية، والقدرة على تحمل المشاق والصعاب ثم يتدربون بعد ذلك على أمور القيادة والإدارة ووضع الخطط الحربية، وحل المشكلات العسكرية، والتصرف في الأمور الصعبة، فينشأ المملوك وهو متفوق تماماً في المجال العسكري والإداري، وذلك بالإضافة إلى حمية دينية كبيرة، وغيرة إسلامية واضحة، وهذا كله - بلا شك - كان يثبت أقدام المماليك تماماً في أرض القتال وكل ما سبق يشير إلى دور من أعظم أدوار المربين والآباء والدعاة، وهو الاهتمام الدقيق بالنشء الصغير، فهو عادة ما يكون سهل التشكيل، ليس في عقله أفكار منحرفة، ولا عقائد فاسدة، كما أنه يتمتع بالحمية والقوة والنشاط، وكل ذلك يؤهله لتأدية الواجبات الصعبة والمهام الضخمة على أفضل ما يكون الأداء.

    وفي كل هذه المراحل من التربية كان السيد الذي اشتراهم يتابع كل هذه الخطوات بدقة، بل أحياناً كان السلطان الصالح أيوب يطمئن بنفسه على طعامهم وشرابهم وراحتهم، وكان كثيراً ما يجلس للأكل معهم، ويكثر من التبسط إليهم، وكان المماليك يحبونه حباً كبيراً حقيقياً، ويدينون له بالولاء التام. وهكذا دائماً.. إذا كان القائد يخالط شعبه، ويشعر بهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم، فإنهم -ولاشك- يحبونه ويعظمونه، ولا شك أيضاً أنهم يثقون به، وإذا أمرهم بجهاد استجابوا سريعاً، وإذا كلفهم أمراً تسابقوا لتنفيذه، وبذلوا أرواحهم لتحقيقه،وكان المملوك إذا أظهر نبوغاً عسكرياً ودينياً فإنه يترقى في المناصب من رتبة إلى رتبة، فيصبح هو قائداً لغيره من المماليك، ثم إذا نبغ أكثر أعطي بعض الإقطاعات في الدولة فيمتلكها، فتدر عليه أرباحاً وفيرة، وقد يُعطى إقطاعات كبيرة، بل قد يصل إلى درجة أمير، وهم أمراء الأقاليم المختلفة، وأمراء الفرق في الجيش وهكذا.

    وكان المماليك في الاسم ينتسبون عادة إلى السيد الذي اشتراهم.. فالمماليك الذين اشتراهم الملك الصالح يعرفون بالصالحية، والذين اشتراهم الملك الكامل يعرفون بالكاملية وهكذا..وقد زاد عدد المماليك الصالحية، وقوي نفوذهم وشأنهم في عهد الملك الصالح أيوب، حتى بنى لنفسه قصراً على النيل، وبنى للمماليك قلعة إلى جواره تماماً، وكان القصر والقلعة في منطقة الروضة بالقاهرة، وكان النيل يعرف بالبحر،فأطلق المصريون عليهم اسم المماليك البحرية لكونهم نشأو و سكنوا في جزيرة تقع في منتصف بحر النيل وبذالك اشتهرت تسمية المماليك الصالحية "بالمماليك البحرية".

    ولقد أثبت هؤلاء المماليك البحرية كفاية في التغلب على أكبر خطرين خارجيين واجهتهما مصر، بل العالم الإسلامي كله في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وهما خطر الصليبيين وخطر التتار، ونبغ من بين أولئك المماليك عدة رجال كان لهم أثر كبير في تغيير مجرى السياسة المصرية، وكان ابرزهم الظاهر بيبرس وسيف الدين قطز والمنصور قلاوون الذين أصبحوا من موالي الصالح أيوب إلى سلاطين مصر.

    التاريخ

    شكّلت المماليك واحدة من أقوى وأغنى الإمبراطوريات في ذلك الوقت، دامت من عام 1250-1517 في مصر وشمال أفريقيا وبلاد الشام والحجاز والشرق الأدنى.

    تطور الأوضاع

    في 1250م، عندما توفي السلطان الأيوبي الصالح أيوب، قام المماليك البحرية بقتل ابنه ووريثه توران شاه الذي حاول التخلص منهم، كما أصبحت شجرة الدر أرملة الصالح سلطانة مصر. وتزوجت من الأتابك (القائد العام) الأمير أيبك وتنازلت له عن العرش. وصار أيبك سلطان وحكم من عام 1250-1257م.

    تماسكت قوة المماليك خلال عشر سنوات وفي النهاية أنشأوا السلالة الحاكمة المماليك البحرية. وقد كان سبب تماسك قوتهم هو نهب المغول لمدينة بغداد عام 1258، والتي دمّرت بشكل فعال على الخلافة العباسية. فأصبحت القاهرة أكثر أهمية نتيجة لذلك، وظلت من بعدها عاصمة سلطنة مماليك مصر.

    كان المماليك فرسان أقوياء نتيجة نشأتهم العسكرية الصارمة و الدينية في قلعة الروضة في القاهرة. عام 1260م هزم المماليك جيش المغول في معركة عين جالوت واضطروا الغزاة في نهاية المطاف إلى التراجع إلى العراق. هزيمة المغول على يد المماليك عزز موقف المماليك في جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط. الظاهر بيبرس أحد القادة في المعركة، أصبح السلطان الجديد بعد اغتيال السلطان قطز في طريق عودتهم.

    وفي عام 1250م كان الظاهر بيبرس أحد قادة المماليك الذين دافعوا عن المنصورة ضد فرسان الحملة الصليبية لويس التاسع ملك فرنسا، الذي هُزم وأُسر في فراسكور وتم افتداؤه. قد أخذ بيبرس أيضا في الإستحواذ على المماليك في مصر، وفي عام 1261 م بعد أن أصبح سلطاناً صار يتحكم في الخلافة العباسية من القاهرة، وحارب المماليك بقايا الدول الصليبية في فلسطين حتى استولوا على عكا.

    دث التراجع النسبي للأقباط المسيحيين في مصر خلال حقبة المماليك البحرية وتسارع بشكل أكبر في ظل الدولة المملوكية. وكانت هناك عدة احتجاجات للمسلمين المصريين ضد ثروة المسيحيين الأقباط وعملهم في الدولة، وأُحرقت دور عبادة كل طرف من قبل الآخر في أوقات التوترات بين الطوائف. ونتيجة للضغط الشعبي، تم إيقاف عمل الأقباط في البيروقراطية على الأقل تسع مرات بين أواخر القرن الثالث عشر ومنتصف القرن الخامس عشر، وفي عام 1301م، أمرت الدولة بإغلاق جميع الكنائس. وكان البيروقراطيون الأقباط المسيحيين يُعادون في كثير من الأحيان إلى مناصبهم بعد انتهاء فترة التوتر الطائفي. وفقا للباحثة الأمريكية كريستين ستيلت، خلال تلك الحقبة عندما كان بعض الأقباط يُمنعون من العمل ككتاب تظاهروا باعتناق الإسلام، إلا أنه كان من الشائع حينها وصف هذه التحولات بأنها تظاهر بالتحول لتجنب الإجراءات الرسمية ضدهم الخاصة بالملابس والتوظيف والسلوك. ووفقا لستيلت، فقد كان من أسباب التحولات الدينية للأقباط هو تحول الطبقة الغنية من الأقباط -والذين عملوا مع السلطان- إلى الإسلام، مما أدّى لتوقفهم عن مساعدة الفقراء من الأقباط على دفع الجزية وأدى ذلك لزيادة تحول الفقراء من الأقباط للإسلام، ووفقا لستيلت، فقد تمكّن عدد من الأقباط من الحفاظ على وظائفهم دون التحول للإسلام. في القرن الرابع عشر تسارعت عمليات تحولات الأقباط إلى الإسلام خوفاً من الاضطهادات وفقاً لمصادر مختلفة، وبحلول نهاية الحقبة المملوكية، ارتفعت نسبة المسلمين بالمقارنة مع المسيحيين إلى 10: 1. ويشير الباحث جاك طنوس من جامعة برنستون أنه خلال حقبة المماليك البحرية اضطرت أعداد كبيرة من النخب القبطية إلى التحول إلى الإسلام من أجل الحافظ على وظائفها. ويشير الباحث أن التحول إلى الإسلام كان في كثير من الأحيان لتوفير السلامة خلال فترات الاضطهاد أو العنف أو التهديد، وكان أيضاً من أجل دفع أقل ضرائب أو الحصول على مزيد من فُرص العمل أو لتحقيق مكانة اجتماعية. ويشير فريد انجستروم من جامعة ميشيغان أن هذه الفترة الأخيرة من الحكم المملوكي كانت الأكثر قتامةً والذي تضمن القتل في الشوارع، وموجات اضطهاد الأقباط.

    استقر كثير من التتار في مصر وتم توظيفهم من قبل بيبرس. وهزم المغول في معركة الأبلستين وأرسل الخليفة العباسي ب250 فقط من الرجال لمحاولة لاستعادة السيطرة على بغداد، لكنه لم يوفق. في عام 1268 استعاد أنطاكية من الصليبيين. بالإضافة إلى ذلك، كان قد حارب السلاجقة والحشاشين؛ كما أنه مدد قوة المسلمين إلى النوبة للمرة الأولى، قبل وفاته في عام 1277.

    هزم السلطان قلاوون التمرد في سوريا الذي كان بقيادة سنقر الأشقر في 1280، وهزم أيضا الغزو المغولي الآخر في 1281 التي كانت بقيادة أباقا خان خارج حمص. بعد أن قام المغول بالتهديد استعاد طرابلس من الصليبيين في 1289. استولى ابنه خليل على عكا، المدينة الصليبية الماضي في 1291.

    جدد المغول غزوهم في عام 1299، ولكنهم هُزموا مرة أُخرى في عام 1303م. دخل سلاطين المماليك المصرية في علاقات مع القبيلة الذهبية الذين اعتنقوا الإسلام. وأقام اتفاق سلام مع المغول في 1322م.

    تزوج السلطان الناصر محمد من أميرة مغولية 1319م. كانت علاقاته الدبلوماسية أكثر اتساعا من أي سلطان سابق، وشملت ملوك بلغاريا والهند والحبشة، وكذلك البابا، وملك أراغون وملك فرنسا. نظم الناصر محمد بن قلاوون إعادة حفر للقناة عام 1311م التي كانت تربط الإسكندرية مع نهر النيل.

    بني قلاوون

    بني قَلَاوُونَ هي سلالة حاكمة أسسها الملك المنصور سيف الدين قلاوون (الذي كان من ضمن المماليك البحرية) بعد إزاحة بيت الظاهر بيبرس من الحكم عام 1279م، وتوليه حكم السلطنة المصرية المملوكية و علي رغم أن مبدأ وراثة العرش لم يكن مألوفا لدي أمراء المماليك إلا أن الحكم استمر في ذريته زهاء قرن من الزمان، ومع ذالك كان يتنافس أمراء المماليك وسلاطين بني قلاوون علي السلطة حتي انه كان في بعض الأحيان تكون السلطة الفعلية في يد أمراء المماليك تارة و بني قلاوون تارة.

    انحلال دولة المماليك البحرية

    أدت التغيرات المستمرة من السلاطين التي أعقبت إلى اضطراب كبير في المحافظات. وفي الوقت نفسه، في 1349 أدخلت مصر وبلاد الشام بشكل عام إلى الطاعون، الذي يقال أنه أودى بحياة الكثير من السكان.

    تولّى الصالح حاجي بن قلاوون الحكم خلفا لأخية السلطان المنصور علاء الدين ولم يمض على حكمه سوى سنة حتى خلع في عام 1382م وتسلطن الأمير برقوق من المماليك البرجية. غير أنه أعيد الصالح حاجي وحكم مدة سنة واحدة. ثم أخرج السلطان برقوق من سجنه وأُعيد إلى سلطانه، وانتهى أمر المماليك البحرية بشكل دائم بسقوط بني قلاوون وجاء عهد المماليك البرجية الذين كانوا بمثابتة موالي السلطان المنصور قلاوون.

    التنظيم العسكري

    على المستوى العام، والعسكري خلال سلالة البحرية يمكن تقسيمها إلى عدة جوانب

    1.المماليك السلطانية في وصف القلقشندي بأنهم كانوا عند السلطان الأعظم شأنا تنقسم المماليك السلطانية إلى:-

    2.أجناد الحلقة: تتكون من محترفي الجندية من مماليك السلاطين السابقين وأولادهم وهم على هذا الأساس جيش الدولة الذي لا يتغير بتغير السلطان ويشرف على كل ألف منهم أحد الأمراء ويشترط فيه الإلمام بمساكنهم ومكان إقامتهم لجمعهم عند الطلب وليس لهذا الأمير سلطة عليهم إلا في أثناء الحرب وتعتبر القوة الضاربة للجيش وأجنادها يحتلون مراكز الشرف الأولى في كافة الحفلات الرسمية المختلفة وكانت أسماؤهم جنبا إلى جنب مع أسماء الأمراء في الحفلات الرسمية وبخاصة احتفال القسم عند اعتلاء السلطان عرش السلطنة، كما استخدم مقدمي الحلقة كمبعوثين للدول أو لصحبة الأجانب وهم في طريقهم إلى بلادهم عائدين من مصر وإن كانت مهمة هؤلاء المبعوثين كانت عادة مخصصة لطائفة الخاصكية. ولقد وصلت أجناد الحلقة إلى مراكز رئيسية مرموقة نتيجة لدورهم الهام في أعمال القتال ويعتبرون فخر الجنود ويقاتلون في قلب الجبهة.

    3.أجناد الأمراء: كان لكل أمير مجموعة من المماليك ترافقه في حله وترحاله وتكون معه في ميادين القتال وكانوا عادة يعسكرون خارج القاهرة وكان عدد أجناد الأمراء محدود حيث كان يحل دائما مماليك جدد محل الذين تقادموا.

  14. الظاهر بيبرس

    23 دقيقة قراءةالسُّلْطَان الأعظم الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بَيْبَرْس بْن عَبد الله البُنْدُقْدَارِي الصَّالِحِي الملقب بـأبي الفتوح. سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي، بدأ مملوكاً يباع في أسواق بغداد…

    السُّلْطَان الأعظم الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بَيْبَرْس بْن عَبد الله البُنْدُقْدَارِي الصَّالِحِي الملقب بـأبي الفتوح. سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي، بدأ مملوكاً يباع في أسواق بغداد والشام وانتهى به الأمر أحد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط. لقّبه الملك الصالح أيوب في دمشق بـ«ركن الدين»، وبعد وصوله للحكم لقب نفسه بالملك الظاهر. ولد بيبرس نحو عام 625 هـ الموافق 1228م، حقق خلال حياته العديد من الانتصارات ضد الصليبيين وخانات المغول ابتداءً من معركة المنصورة سنة 1250 ومعركة عين جالوت انتهاءً بمعركة الأبلستين ضد المغول سنة 1277م. وقد قضى أثناء حكمه على الحشاشين واستولى أيضا على إمارة أنطاكية الصليبية.

    حكم بيبرس مصر بعد رجوعه من معركة عين جالوت واغتيال السلطان سيف الدين قطز من سنة 1260م حيث خطب له بالمساجد يوم الجمعة 6 ذي الحجة 658 هـ / 11 نوفمبر 1260 م وتوفي يوم الخميس 27 محرم 676 هـ / 2 مايو 1277 م (عمر 54 سنة) بعد رجوعه من معركة الأبلستين ضد خانات المغول سنة 1277. أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد، وأنشأ نظُماً إداريةً جديدة في الدولة. اشتهر بيبرس بذكائه العسكري والدبلوماسي، وكان له دور كبير في تغيير الخريطة السياسية والعسكرية في منطقة البحر المتوسط.

    أصله ونشأته

    مختلف في أصله، فبينما تذكر جميع المصادر العربية والمملوكية الأصلية أنه تركي من القبجاق (كازاخستان حالياً) واسمه بيبرس اسم تركي مؤلف من «باي» أي أمير و«پارس» أي فهد، فإن بعض الباحثين المسلمين في العصر الحديث يشيرون إلى أن مؤرخي العصر المملوكي من عرب ومماليك كانوا يعتبرون الشركس من الترك، وأنهم كانوا ينسبون أي رقيق مجلوب من مناطق القوقاز والقرم للقبجاق، وذكر المقريزي بأنه وصل حماة مع تاجر وبيع على الملك المنصور محمد حاكم حماة لكنه لم يعجبه فأرجعه وذهب التاجر به إلى سوق الرقيق بدمشق وهو في الرابعة عشر من عمره، وباعه هناك بثمانمئة درهم، لكن الذي اشتراه أرجعه للتاجر لعيب خلقي كان في إحدى عينيه (مياه بيضاء)، فاشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري (صاحب الخانقاه في بركة الفيل بالسيدة زينب)؛ وبه سمي البندقداري. ثم انتقل بعد مصادرة ممتلكات سيده علاء الدين أيدكين إلى خدمة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة. ثم أعتقه الملك الصالح ومنحه الإمارة فصار أميراً. كان بيبرس ضخماً طويلاً ذا شخصية قوية، وصوته جهوري وعيناه زرقاوان، ويوجد بإحدى عينيه نقطة بيضاء، وقد يكون سبب زرقة عينيه أن أصله كان مختلطاً. كان شعار دولته «الأسد» وقد نقش صورته على الدراهم.

    بزوغه

    معركة المنصورة

    برز بيبرس عندما قاد جيشَ المماليك في معركة المنصورة ضد الصليبيين في رمضان من عام 647 هـ / 1249 م. شن الفرنجة هجوماً مباغتاً على الجيش المصري تسبب بمقتل قائد الجيش «فخر الدين بن الشيخ»، فارتبك الجيش وكادت أن تكون كسرة لولا خطة معركة أو «مصيدة المنصورة» التي رتبها بيبرس، القائد الجديد للمماليك الصالحية أو البحرية وبموافقة شجر الدر التي كانت الحاكمة الفعلية لمصر في تلك الفترة بعد موت زوجها سلطان مصر الصالح أيوب. قاد بيبرس هجوما معاكسا في تلك المعركة ضد الفرنجة، وتسبب بنكبتهم الكبرى في المنصورة، التي أسر فيها الملك الفرنسي لويس التاسع، وحُبس في دار ابن لقمان.

    توران شاه

    بعد وفاة السلطان الصالح أيوب استدعت شجر الدر ابنه توران شاه من حصن كيفا، ونصبته سلطاناً على مصر ليقود الجيش المصري ضد القوات الصليبية الغازية. لكن ما إن انتهت الحرب، حتى بدأ توران شاه بمضايقة شجر الدر وظل يطالبها برد أموال ومجوهرات والده، وفي نفس الوقت توعد وهدد مماليك أبيه واستبعدهم من المناصب ووضع مكانهم أصحابه الذين أتوا معه من حصن كيفا. دفع هذا بالمماليك إلى الإسراع في قتله قبل خروج الفرنجة من دمياط، فقُتل بمشاركة بيبرس وفارس الدين أقطاي في فارسكور.

    بعد مقتل توران شاه، نصب المماليك شجر الدر سلطانةً باعتبارها أرملة السلطان الصالح أيوب، واعتبار أن ابنه خليل قد مات صغيراً، وطلبوا من الأمراء الأيوبيين في الشام الاعتراف بسلطنتها. رفض أيّوبيّو الشام هذا التنصيب، لأن ذلك معناه نهاية دولتهم في مصر، وأيضا لم يوافق الخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد، الذي اعترض على ولاية امرأة. تسلم السلطنة عز الدين أيبك الذي تزوجها لكي يتمكن من الحكم. لم يوافق الأيوبيون على ذلك وأرسلوا جيشا إلى مصر بقيادة صاحب حلب ودمشق الناصر يوسف لاحتلالها وتحريرها من المماليك، ولكنهم هُزموا أمام المماليك، وفرّوا هاربين إلى الشام مما مكن المماليك من تثبيت حكمهم في مصر.

    صراع المماليك

    بعد استتباب الأمر للمماليك في حكم مصر بقيادة السلطان أيبك، بدأ أمر أقطاي يستفحل، وأحس السلطان عز الدين أيبك بزيادة نفوذه، خاصة بعدما طلب من أيبك أن يفرد له مكاناً في قلعة الجبل، ليسكن به مع عروسه، فقرر قتله بالتعاون مع مملوكه سيف الدين قطز والمماليك المعزية، فاستدرجه إلى قلعة الجبل واغتاله وألقى برأسه إلى المماليك البحرية الذين تجمعوا تحت القلعة مطالبين بالإفراج عنه وكان ذلك سنة 652 هـ / 1254م. ففر المماليك البحرية من مصر إلى سوريا والكرك وسلطنة الروم السلاجقة وأماكن أخرى، وكان في مقدمتهم بيبرس وقلاوون الألفي وبلبان الرشيدي وسنقر الأشقر الذين فرّوا إلى دمشق.

    فرح الناصر يوسف بما حصل ورحب بهم، وحاول أن يستخدمهم ضد أيبك. استمرت العداوة بين الناصر يوسف وأيبك فأرسل الناصر يوسف جيشه للهجوم على مصر بمساعدة المماليك البحرية الذين معه في هذه المرة، ولكن ما إن وصل حدود مصر حتى اضطر إلى أن ينسحب ويوافق على شروط أيبك التي كان من ضمنها إبعاد البحرية عن سوريا فرحلوا إلى الكرك. فاستقبلهم صاحب الكرك المغيث عمر أحسن استقبال، وفرق فيهم الأموال، وحاول الهجوم على مصر بدعم المماليك البحرية ولكنه مني بهزيمة أمام أيبك وفرَّ راجعا وكان ذلك سنة 656 هـ / 1258 م. وأثناء عودة المماليك منهزمين من مصر هاجموا غزة التي تعد تابعة للناصر يوسف، فهزموا الحامية التي بها وأسروا آمرها، فقوي أمرهم.

    وفي أثناء تحرك البحرية في جنوب الشام، صادفوا في غور الأردن فرقة الشهرزورية، التي فرت من العراق تحت ضغط المغول، فاتفقوا معهم وتزوج بيبرس امرأة منهم لتوثيق الاتفاق بالمصاهرة. مما حرك المخاوف عند الناصر منهم، فحرك عساكره إليهم، فهزم البحريةُ عسكرَ الشام، فركب الناصر بنفسه وبكل جيشه، ففرت البحرية إلى الكرك والشهرزورية إلى مصر. تابع الناصر يوسف تحركه نحو الكرك وحاصرها، فأراد المغيث حل القضية سلمًا مع الناصر، فوافق الناصر بشرط تسليمه المماليك، وفي أثناء الحصار شعر بخطورة الموقف أحد مقدمي البحرية، وربما أذكاهم وأكثرهم أهلية للقيادة -وكان هو الظاهر بيبرس- الذي يعرف بدقة أين يجب أن يكون في كل ظرف، فتسلل من قلعة الكرك ولجأ إلى الناصر يوسف الذي استقبله وعفا عنه. أما باقي المماليك فقد استلمهم الناصر من المغيث وأودعهم سجن قلعة حلب، وبقوا فيها حتى احتل المغول حلب وأخذوهم منها.

    انتهت الخلافات بين الناصر يوسف وأيبك على إثر وساطة قام بها ابن العلقمي وزير الخليفة المستعصم بالله، ونص الاتفاق على أن تسحب فلسطين من أملاك أيبك وتضم إلى يوسف، وأقطع بيبرس نابلس لإرضائه بعد استشاطته غضبا من الاتفاق بين يوسف وأيبك.

    توجه المغول إلى حلب واستولوا عليها ودمروها، مما أثار موجة من الرعب في قلوب المسلمين وحكامهم، فمنهم من هرب إلى مصر كما فعل صاحب حماة، ومنهم من فضل الاستسلام حقنا للدماء كما فعل حاكم حمص. ولم يبق من المدن المهمة سوى دمشق التي جمع حاكمها الناصر من الجيوش لمواجهة المغول، ثم ما لبثت تلك الجيوش أن انفضت من حوله، وذلك لأنه كان محتاراً في ما يفعل تجاه المغول، فما كان من المماليك الرافضين لتصرفاته المترددة إلا أن حاولوا قتله وتولية أخيه الملك الظاهر علي مكانه، فاكتشف الناصر تلك المؤامرة وفر ليلاً من المعسكر إلى قلعة دمشق وتحصن فيها، فلما علم مماليكه بهربه وافتضاح أمرهم ساروا نحو غزة برفقة بيبرس البندقداري، ومن غزة اتصل بسلطان المماليك الجديد قطز، فدعاه للعودة وأقطعه قليوب وأنزله بدار الوزارة وعظم شأنه لديه.

    عين جالوت

    عاد بيبرس إلى مصر بعد أن ولاه سيف الدين قطز منصب الوزارة عام 1260 ميلادية ليشتركا معا في محاربة المغول الذين كانوا في طريقهم إلى مصر بعد اجتياحهم المشرق الإسلامي ثم العراق وإسقاطهم الدولة العباسية في بغداد. وقد أرسل هولاكو رسلا لقطز يحملون كتابا فيه تهديد ووعيد إن لم يخضعوا له. فعقد سيف الدين قطز اجتماعا مع وجهاء الدولة وعلمائها وتم الاتفاق على التوجه لقتال المغول إذ لا مجال لمهادنتهم. وقد اختلى قطز ببيبرس البندقداري الذي كان أمير الأمراء واستشاره في الموضوع. فأشار عليه بقتل الرسل والذهاب إلى كتبغا متضامنين، فإن انتصرا أو هزما، فسيكونان في كلتا الحالتين معذورين. استصوب قطز هذا الكلام وقتل رسل المغول. وقد زاد من عزيمة المسلمين وصول رسالة من صارم الدين الأشرفي -وقد وقع أسيرا في يد المغول أثناء غزوهم الشام ثم قبل الخدمة في صفوفهم- أوضح لهم فيها قلة عددهم وشجعهم على قتالهم وأن لا يخافوا منهم. وقد استفاد قطز من رحيل هولاكو إلى على رأس معظم جيشه بعد سماعه بوفاة أخيه الخان الأعظم، فكان من تبقى في الشام من عساكر المغول تحت قيادة كتبغا يتراوح ما بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف رجل. قام سيف الدين قطز بتقسيم جيشه إلى مقدمة بقيادة بيبرس وبقية الجيش يختبئ بين التلال وفي الوديان المجاورة كقوات دعم أو لتنفيذ هجوم مضاد أو معاكس. فقامت مقدمة الجيش بقيادة بيبرس بهجوم سريع ثم انسحبت متظاهرة بالانهزام لسحب خيالة المغول إلى الكمين، وانطلت الحيلة على كتبغا فحمل بكل قواه على مقدمة جيش المسلمين واخترقه وبدأت المقدمة بالتراجع إلى داخل الكمين، وفي تلك الأثناء خرج قطز وبقية مشاة وفرسان الجيش وعملوا على تطويق ومحاصرة قوات كتبغا، فعندئذ استعر القتال ولم يمض كثير من الوقت حتى هزم الجيش المغولي وقتل معظمهم بمن فيهم قائدهم كتبغا، ويعد بيبرس المهندس العسكري لمعركة عين جالوت.

    مقتل قطز

    بعد انتصار قطز على المغول في عين جالوت، سار وراءهم لتحرير باقي مدن الشام، فحرر دمشق وحماة وحمص وأرسل بيبرس ليطرد المغول من حلب ويتسلمها ووعده بنيابتها، فلما طردهم منها وتسلمها المسلمون، استناب عليها غيره وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل، وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما فاقتضى قتل السلطان قطز سريعا. فبعد عودة السلطان قطز من معركة عين جالوت منتصرا قاصدا مصر، وصل ما بين الغزالي والصالحية فضرب دهليزه، وساق خلف أرنب وساق معه بيبرس ومعه الأمراء الذين اتفقوا على قتله، فشفع بيبرس في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقبلها فأمسكها وحمل عليه الأمراء بالسيوف فضربوه بها، وألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه. ثم كروا راجعين إلى المخيم وبأيديهم السيوف مسلطة، فأخبروا خبرهم، فقال بعضهم من قتله؟ فقالوا: ركن الدين بيبرس، فقالوا له: أنت قتلته؟ فقال: نعم، فقالوا أنت الملك إذا.

    وقيل لما قتل قطز حار الأمراء بينهم فيمن يولون الملك، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، فاتفقوا على مبايعة بيبرس البندقداري، ولم يكن هو من أكابر المقدمين، ولكن أرادوا أن يجربوا فيه، فلقبوه الملك الظاهر وأجلسوه على كرسي الملك.

    وقيل أن قطز عندما ضربه الأمراء المماليك وقبل موته جاءت مجموعة من الأمراء المماليك الذين يؤيدون قطزًا لأنهم شكوا في أمر الأمراء الذين خرجوا مع قطز، فتبعوهم وإذا هناك أمر قد حدث بالفعل، فسأل قطز عن سبب ذلك الفعل فأجابه بيبرس أنه شك أنه يريد قتله كما قتل أميره فارس الدين أقطاي في قلعة الجبل، فأخبره قطز أنه كان سيعطيه السلطان، وعفا عنه لأنه أراحه من غم العيش بعد مقتل زوجته جلنار بنت جلال الدين السلجوقي، وأمر بتعيينه ملكًا على الدولة المملوكية.

    بيبرس السلطان

    بعد مبايعة بيبرس على ملك مصر أواخر ذي القعدة سنة 658 هـ، دقت الطبول فرحا بذلك، ودخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها. وقد لقب نفسه أول مرة بالقاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لا يفلح من تلقب به. تلقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه، ولقب به القاهر صاحب الموصل فسم ومات، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر، ثم شرع في مسك كل من يرى في نفسه الرئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك.

    السياسة الداخلية

    ثورة علم الدين سنجر

    عمد أولا إلى القضاء على الاضطرابات الداخلية، وتصفية معارضيه الذين احتجوا على مقتل السلطان قطز ومنهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي، الذي كان قطز قد استنابه في دمشق، والذي نادى بنفسه سلطانا على دمشق وركب بشعار السلطنة وأمر بالخطبة لنفسه على المنابر وضرب السكة باسمه، ثم أرسل إلى الأمراء في حلب وحماة بوجوب طاعته. وقد جرد بيبرس بحملة عسكرية ضده، فتمكنت تلك الحملة من القضاء عليه وإعادة دمشق تابعة إلى حكم بيبرس وذلك بتاريخ 16 صفر 659 هـ / يناير 1261م.

    ثورة الكوراني

    تمكن الظاهر بيبرس أيضا من القضاء على التمردات الفاطمية في القاهرة والتي أثارها رجل يدعى، وهو فارسي الأصل من نيسابور. كان الكوراني يهدف إلى قلب نظام الحكم وإرجاع الفاطميين، وقد نتجت تلك الحركة إلى إعلان العصيان على بيبرس والمسير في شوارع القاهرة ليلا ثم الهجوم على مخازن السلاح والإصطبلات وأخذ ما فيها من سيوف وخيل، إلا أن الظاهر بيبرس تمكن بقواته الخاصة من الإحاطة بالمتمردين والقبض على جميع زعمائهم ومنهم الكوراني، وأقر السلطان بصلبه على باب زويلة في القاهرة. وبهذا انتهت جميع محاولات الفاطميين للتمرد والعودة إلى سدة الحكم.

    إحياء الخلافة العباسية

    أراد بيبرس أن يضفي إلى حكمه نوعا من الزعامة والنفوذ على البلاد الإسلامية، ولكي يمنح دولته الفتية نوعا من الشرعية عمد إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة ليقيلها من الانتكاسة التي أصابتها في بغداد على يد المغول. وعليه فقد أرسل في طلب أحد أبناء البيت العباسي فوصل إلى القاهرة أبو القاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله في رجب 659 هـ/يونيو 1261 م، حيث قوبل بالتكريم والاحترام، وبعدها بأيام عقد السلطان بيبرس مجلسا عاما بالديوان الكبير بالقلعة واستدعى كل أعيان البلد، ثم قام السلطان أمام الجميع فبايع الخليفة على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الجهاد في سبيل الله، فتبعه الجميع بالمبايعة ولقب الخليفة المستنصر بالله.

    بعد نهاية الخليفة الأول المؤلمة واستقدم السلطان بيبرس اميراً عباسياً اخر هو أحمد بن الحسن الذي يعود في نسبه إلى الخليفة المسترشد بالله وكان صاحب حلب قد نصبه خليفة هناك الا انه دان للمستنصر الثاني فيما بعد وعقد بيبرس مجلسا لمبايعة هذا الأمير العباسي للخلافة في القلعة في 9 محرم 661 الموافق 22 نوفمبر 1262 وبايعه بيبرس كما بايع سلفه، ولقب بالخليفة الحاكم بأمر الله الأول وقد عدل عن التفكير بجعل مقر الخليفة في بغداد، حيث أبقاه في القاهرة بعيدا عن خطر المغول، وبذلك أحييت الخلافة العباسية للمرة الثانية في القاهرة، غير أن الخلافة لم تتدخل في الشؤون المملوكية، وظلت السلطة الفعلية بيد الظاهر بيبرس والمماليك من بعده.

    ترميم القلاع وطرق الإمداد

    عمد السلطان بيبرس إلى تأمين وصول قواته إلى بلاد الشام بالسيطرة على كل المدن والقلاع الممتدة على الطريق بين مصر والشام وجعلها تابعة له، وبالأخص حصن الكرك الذي كان تحت سيطرة الملك عمر بن العادل بن الكامل الأيوبي، الذي لم يقدم فروض الطاعة له، فاستولى على الحصن وقتل الملك عمر. والتفت أيضا إلى تحصين الأطراف والثغور وعمارة القلاع التي خربها المغول في الشام. وأخذ يزودها بالرجال والسلاح من مصر وبعض مدن الشام القوية. كما عمل على تقوية والجيش وأشرف بنفسه على بناء السفن الحربية في دور صناعتها الموجودة في الفسطاط والإسكندرية ودمياط. ولم يكتف بهذا العمل لتأمين وصول قواته إلى الشام ومنع أي التفاف حولهم من الخلف، بل عمد أيضا إلى التحالف مع بعض القوى الخارجية ليتفرغ للصليبيين.

    النهضة المعمارية والتعليمية

    شهد عهده نهضة معمارية وتعليمية كبيرة حيث عمل على إنشاء العديد من المدارس في مصر ودمشق، ومنها المدرسة الظاهرية في دمشق التي بنيت عام 676 هجرية والتي أنشئت فيها المكتبة الظاهرية أواخر القرن التاسع عشر، كما أنشأ عام 665 هجرية مسجد الظاهر بيبرس في القاهرة والذي مازال قائماً إلى اليوم، ونسبت المنطقة حوله له باسم حي الظاهر، وأنشأ مسجداً آخر باسمه في مدينة قليوب لايزال موجوداً حتى الآن ويسمى الميدان الموجود فيه «ميدان بيبرس» بمدينة قليوب البلد. كما عمل بيبرس على إنشاء الجسور والقناطر والأسوار، وحفر الترع والخلجان، وأنشأ مقياسا للنيل وقام بأعمال أخرى كثيرة مثل تنظيم البريد فخصص له الخيل، وبنى كثيرا من العمائر.

    إصلاح الأماكن المقدسة

    اهتم بيبرس بتجديد الجامع الأزهر فأعاد للأزهر رونقه وقام بحملات من الترميم والتجميل حتى عاد له جماله ومكانته مرة أخرى، وأعاد خطبة الجمعة والدراسة إلى الجامع الأزهر بعد أن هجر طويلا، ونصب أربعة قضاة شرعيين، واحدا من كل مذهب من مذاهب السنة الأربعة بعد أن كان القضاء مقتصرا على قاضي قضاة شافعي. وفي خارج مصر قام بعدد من الإصلاحات في الحرم النبوي بالمدينة المنورة، وقام بتجديد مسجد إبراهيم في الخليل، وزار بيت المقدس يوم الجمعة 17 جمادى الآخرة 661 هـ / 1262 م، فقام بتجديد ما قد تهدم من قبة الصخرة، وجدد قبة السلسلة وزخرفها ورتب برسم مصالح المسجد في كل سنة خمسة آلاف درهم. وأنشأ بها خانا للسبيل نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريين بالقاهرة. وقد زار بيت المقدس في شعبان سنة 664 هـ / 1265 م وأجرى عليها تعميرات إضافية. وعمل على إقامة دار للعدل للفصل في القضايا والنظر في المظالم أيضا قام بتوسعة مسجد الصحابي خالد ابن الوليد في مدينة حمص.

    السياسة الخارجية

    التحالفات

    ما أن استلم بيبرس الحكم حتى أقبلت الوفود على مصر من كل البقاع، فقدم إليه وفد من العصفوريين حكام البحرين برئاسة مقدهم محمد بن أحمد العامري سنة 658 هـ/ 1260 م لمباركته على الحكم وطلبوا منه مساعدته للتصدي لهجمات خانات المغول من فارس.

    وتحالف بيبرس مع بركة خان زعيم القبيلة الذهبية في حربه ضد هولاكو خان الخانات فارس وأقام معاهدات وعلاقات ودية مع مانفرد بن فريدريك الثاني الإمبراطور الروماني، كما حالف ملك نابولي وصقلية وملك قشتالة ألفونسو العاشر. وحالف أيضا الإمبراطور ميخائيل الثامن امبراطور بيزنطة، وحالف أيضا سلطان سلاجقة الروم عز الدين كيكاوس، وقد كان يبعث بالرسائل والهدايا للآخرين (بركة خان وعز الدين) ويحثهم على محاربة المغول الإلخانات لكف أذاهم عن دولته، كي يتفرغ للصليبيين.

    الجهاد ضد المغول

    إن العداء بين المماليك والمغول لم ينقطع منذ وقعة عين جالوت، فبعد وفاة بدر الدين لؤلؤ والي الموصل وحليف المغول في شعبان 656 / أغسطس 1258 م خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل الذي هادن المغول أول الأمر ثم انقلب عليهم وطردهم من الموصل، وارسل أخاه إلى مصر لطلب المساعدة من بيبرس، ثم ذهب بنفسه ونسق معه، فارسل هولاكو إليه جيشا تعداده عشرة آلاف فارس بقيادة صندغون، فحاصره فيها، وما أن علم بيبرس بذلك حتى أرسل اليه نجدة تعدادها سبعمائة فارس وأمر بخروج العساكر من دمشق وحلب، فخرج صاحب حلب وهو شمس الدين البرلي في سبعمائة فارس من الغز وأربعمائة من التركمان ومئة من العرب.

    إلا أن صندغون المغولي قد علم بخروج تلك القوة فكمن لها عند سنجار وانقض عليها وقتل معظم افرادها. ثم عاد مشددا الحصار على الموصل، ونصب عليها ثلاثين منجنيقا، فضاقت الأحوال بشدة على المدينة. ثم أرسل إلى الملك الصالح إسماعيل يمنيه بالوعود الحسنة إذا استسلم وفتح المدينة، وفعلا فتحت أبواب المدينة واستسلم الوالي وتوقف القتال. فدخل المغول المدينة في 26 شعبان 660 هـ / 16 يوليو 1262 فاستباحوها وعملوا فيها السيف وقتلوا معظم أهلها وهدموا أكثر من نصفها. وقتل الصالح إسماعيل وكذلك ابنه البالغ من العمر ثلاثة اعوام.

    وقد ظل مغول فارس يتحينون الفرصة للحرب، وخاصة أباقا بن هولاكو، الذي واصل سياسة ابيه العدائية تجاه المسلمين، فيما اتسمت سياسته مع الصليبيين بالود. لكن الظاهر بيبرس وقف لهم دائماً بالمرصاد واستطاع أن يكسر شوكتهم، مما دعا ابغا إلى طلب الصلح، ولجأ في طلبه إلى الترغيب والتهديد، لكن بيبرس كان يعلم جيداً أن الصلح مع المغول أمر لايرضي المسلمين، وذلك بسبب ما فعلوه في بغداد.

    ورغم ذلك واصل المغول هجماتهم على الساجور، لكن بيبرس ردهم خائبين، ثم ما لبثوا أن هاجموا عين تاب، لكن بيبرس دحرهم، وهكذا قام بكسر التتار في أخرها عندما تحالف المغول مع سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، فأعد حملة كبيرة سنة 675 هـ، لغزو سلاجقة الروم. وفي موقعة أبلستين حلت الهزيمة الساحقة بالمغول وحلفائهم من السلاجقة، وقد فر زعيم السلاجقة بعد أن قتل عدد كبير من رجاله ورجال المغول، ثم دخل بيبرس قيسارية، ودعي له على منابرها وقدم له أمراء السلاجقة فروض الولاء والطاعة. وقيل أن أبغا لما سمع بما فعله بيبرس برجاله في موقعة ابلستين أسرع إلى هناك ليشتد غضباً بما وجده من آلاف القتلى من المغول في حين لم ير أحدا من السلاجقة، مما جعله يأمر بقتل ما يزيد على مائتي ألف من المسلمين السلاجقة.

    الحروب مع الصليبيين

    أراد بيبرس معاقبة الصليبيين الذين ساعدوا المغول في عين جالوت خاصة بوهيموند السادس أمير إنطاكية، فوجه جيشا تمركز في حلب لشن غارات على أنطاكية، ثم تجددت الغارات في السنة التالية وتعرض ميناء السويدية للتهديد وكذلك تعرضت مدينة أنطاكية نفسها للحصار وكادت ان تسقط لولا النجدة المغولية الأرمنية التي قادها الملك فاضطر المماليك إلى فك الحصار عنها.

    بالمقابل خشى الصليبيون من قوة المماليك المتنامية فمالوا إلى الصلح آملين بما كانوا قد بذلوه من مساعدة للمماليك زمن حملة عين جالوت في استعادة أسراهم تنفيذا للوعد الذي قطعه السلطان أيبك بإعادة زرين في إليهم أو دفع تعويض عنها وعقد هدنة بين الطرفين. فتوجه الكونت إبلين كونت يافا ويوحنا الثاني كونت بيروت إلى القاهرة سنة 659 هـ/1261 م وأجريا مفاوضات مع الظاهر بيبرس لاسترجاع أسراهم وعقد هدنة فوافق بيبرس بشرط العودة إلى ما كان عليه الأمر أيام الملك الناصر صلاح الدين وإطلاق الأسرى المسلمين إلا أن الإسبتارية والداوية رفضوا التخلي عن الأسرى المسلمين نظرا لكونهم صناعا مهرة، وما لهم من أهمية مادية للطائفتين، فعندئذ قطع بيبرس المفاوضات وأمر بنقل اسراه من الصليبيين إلى معسكرات العمل الخاصة بتشييد العمائر، ثم حرك الجيوش بإتجاه أملاك الصليبيين وهاجم حصونهم، مما حدا بهم ان يعاودوا مرة أخرى ويطلبوا منه الصلح، فما كان رده إلا أن قال:«لم لا كان هذا قبل حضورنا إلى هذا المكان؟ ردوا ما أخذتموه من البلاد وفكوا أسرى المسلمين جميعهم فإني لاأقبل غير ذلك».

    بدأ بيبرس حربه بمهاجمته إقليم الجليل، فغنم من الناصرة ثم شن هجوما مفاجئا على عكا وحاول اقتحام أبوابها في (جمادى الآخرة 661 هـ/ أبريل 1263 م) ولكنه لم يتمكن لحصانتها وكثرة من بها من الصليبيين، فتركها بعد أن نهب أرباضها ورحل إلى بيت المقدس. ثم هاجم بالشهر التالي قيسارية وعثليث. وفي عام 663 هـ/1265 م نزل بيبرس بقوات ضخمة إلى غزة ومن هناك إلى قيسارية ففتحها في جمادى الأول (شباط)، ثم تقدم صوب يافا فدخلها بغير قتال، لأن الصليبيين فروا منها هاربين. ثم سار نحو عثليث وحررها، وقد كانت بأيدي الصليبيين منذ سنة 614 هـ/1218 م. ثم اتجه صوب أرسوف وضرب عليها حصارا شديدا استمر 40 يوما، استسلمت بعده المدينة، ومن أرسوف اتجه مرة أخرى صوب عكا، غير أنه لم يستطع أن يحرر المدينة نظرا لمساندة هيو الثالث ملك قبرص وامداده بإسطول كبير شمل كل قوة قبرص البحرية. لذا تركها بيبرس وعاد إلى مصر، ليعاود الكرة على الصليبيين بعد انتهاء الشتاء، وبدأ عمله أوائل صيف 1266 م/664 هـ. حيث بدأ بمدينة صفد (مقر الداوية) وتمكن من تحريرها 17 شوال 664 هـ / يوليو 1266 م ثم حرر هونين وتبين والرملة، وسقطت يبنة دون قتال واستولى على القليعة وعرقة، وبذلك تمت السيطرة على الطريق المؤدي إلى طرابلس من البقاع. نتيجة لتلك الانتصارات ضعفت معنويات الصليبيين في الشام وسارع البعض إليه يطلبون وده ورضاه مقابل تنازلهم عن نصف غلات المناطق التي تحت سيطرتهم.

    حربه مع أرمينية الصغرى

    شجع ضعف الصليبيين الظاهر بيبرس للانتقام من العناصر والدول التي ساعدت المغول في قتل المسلمين وتدمير بلادهم، خاصة بعد موت هولاكو وانشغال خليفته أباقا في حربهم مع مغول القفجاق الذين اعلنوا إسلامهم. وكان على رأس تلك الدول مملكة أرمينيا الصغرى، وذلك أن ملكهم هيثوم بن قسطنطين بن باساك تحالف مع المغول بشكل مباشر وأمدهم بفرقة من قواته لحرب المسلمين بالشام.

    حاول هيثوم إجراء مفاوضات مع بيبرس وترددت السفارات بينهما، حيث طالب السلطان الظاهر هيثوم بأن يدخل في طاعته ويؤدي إليه الجزية، إضافة إلى رغبته في الوصول إلى أسواق الخيل والبغال والحنطة والشعير والحديد، أي فتح باب التبادل التجاري بين الشام وبلاد الأرمن، غير أن ملك الأرمن لم يتيسر له تلبية طلب سلطان مصر لخوفه من المغول، وعندما لم تؤد تلك المفاوضات إلى نتيجة، اتبع هيتوم سياسة جديدة ضد المماليك في مصر، وهي فرض حصار اقتصادي عليهم، وذلك بمنع تصدير الأخشاب والحديد من آسيا الصغرى إليهم، وكان هدفه من وراء ذلك تفويت الفرصة على المماليك في تطوير أسطولهم البحري. لكن عندما أحس هيتوم بإصرار بيبرس على الحرب غادر مسرعا إلى الأناضول حيث كان المغول، ليستعين بهم في دفع جيش المماليك عن مملكته، لكن أمراء المغول امتنعوا عن المساعدة بحجة أنهم لم يتلقوا أمرا من ملكهم أباقا بذلك. فاضطر إلى الذهاب إلى تبريز سنة 664 هـ / 1266 م طالبا العون من أباقا ملك إلخانات المغول. واتخذ الجيش الأرمني بقيادة كل من ليو وثوروس ابني هيتوم مواقعه عند دروب جبال طوروس، ويحمي جناحيه فرسان الداوية بقلعة بغراس.

    استغل المماليك خروج الملك هيتوم، فزحفوا بجيشهم تحت إمرة المنصور قلاوون والملك المنصور الأيوبي صاحب حماة نحو الشمال ليجتازوا جبل أمانوس بالقرب من سرفندار ليتجنبوا دروب طوروس. بادر الأرمن إلى اعتراض طريق الجيش المصري والشامي أثناء هبوطهم إلى سهل قليقية فدارت معركة رهيبة في 21 ذو القعدة 664 هـ / 24 أغسطس آب 1266 م، أنزل المماليك بالأرمن هزيمة منكرة عند حصن دربساك، وقتل فيها توروس وأسر ليو. ثم أعقبوا نصرهم هذا بهجوم كاسح على المدن الرئيسية في قيليقية وغنموا كل ما كان بها، وسيطروا على قلعة للداوية، فأحرقوها بما فيها من الحواصل، ثم دخلوا سيس عاصمة المملكة فأخربوها، وأقاموا في البلاد عشرين يوما يحرقون ويقتلون ويأسرون. ثم توجه الأمير قلاوون بعساكره إلى المصيصة وأضنة وأياس وطرسوس، فقتلوا وأسروا وهدموا عدة قلاع. وفي نهاية سبتمبر عاد الجيش المنتصر إلى حلب ومعه كما قيل أربعون ألف أسير ومن الغنائم مالا يحصى.

    ولم يستطع الملك هيثوم تخليص ابنه إلا بعد أن تنازل للسلطان بيبرس عن العديد من الحصون المهمة، ومنها دربساك التي تتحكم بطريق إسكندرونة ويكفل الطريق ما بين مملكة قليقية وإمارة انطاكية، وبهنسا الواقعة بإقليم مرعش والتي تتحكم بطرق المواصلات بين قليقية وفارس، ويضاف إليها مرزبان ورعبان وشبح الحديد، قد أدى انتزاع تلك المناطق إلى تجريد مملكة أرمينيا من أسباب دفاعها، وعزلها عن حلفائها الفرنج والمغول. واشترط بيبرس أيضا لإطلاق سراح هيو، ضرورة إخلاء سبيل الأمير سنقر الأشقر، والذي أسره المغول من حلب بعد أن انتزعوها من يد الناصر يوسف. وقال له في رسالة: "إن غايتنا من الحرب لم تكن الحصول على المال والنوال، قفد أخذ هولاكو من حلب أحد أصدقائنا ومريدينا أسيرا وهو شمس الدين سنقر الأشقر السمرقندي، فإن كان هيتوم يريد أن نطلق ابنه من الأسر، فعليه أن يطلب من المغول إطلاق سنقر لنطلق نحن في مقابل ذلك ابنه. فتم الاتفاق على تلك الشروط، وانعقدت المعاهدة في رمضان 666 هـ / مايو 1268 م. وقد أرسل أباقا بعد توسلات هيتوم إليه بسنقر الأشقر سنة 669 هـ / 1271 م، وقد كان في نواحي سمرقند، فأرسله هيتوم بدوره إلى بيبرس مصحوبا بالاحترام والهدايا النفيسة. وفي المقابل بعث بيبرس ليو (أو ليون في مصادر أخرى) إلى أبيه على نفس النحو. وقد خسرت مملكة أرمينيا الصغرى دورها في الشرق الأدنى عقب تلك الأحداث، ولم تقم لها قائمة بعد ذلك

    سقوط إمارة أنطاكية

    بدأت الحملة لاسترداد أنطاكية من الصليبيين، فوصل بجيوشه إليها يوم الثلاثاء 1 رمضان 666 هـ/ 15 مايو 1268 م، وهناك قسم جيوشه إلى ثلاث فرق وزعها حول المدينة ليحكم حصارها ويمنع وصول المدد إليها من البر والبحر. ولم يستطع الصليبيون المدافعون المقاومة، بسبب شدة الحصار وقوة المهاجمين، ففتحت المدينة وتمكنت جيوش بيبرس من دخولها وغنموا غنائم كبيرة لا تعد ولا تحصى من الأموال والأسرى. وقد كان سقوط تلك الإمارة الصليبية حدثا مهما في تاريخ الحروب الصليبية، فقد انقطعت صلة الصليبيين في طرابلس وعكا بأرمينية الصغرى، وبذلك غدت مصالح الصليبيين في الشام مهددة بشكل مباشر ولم يبق أمامهم سوى مملكة قبرص الصليبية والتي توحدت مع مملكة طرابلس وعكا لأنهم انضموا إلى تاج الملك هيو الثالث، والذي باشر حكمه بعقد هدنة مع السلطان بيبرس إلى حين وصول المساعدات من أوروبا. وقد وافق بيبرس على الهدنة لكي يعطي قواته قسطا من الراحة، خاصة وأن فصل الشتاء قادم، ويتطلب منه العودة إلى مصر ليدير بعضا من شؤونها الداخلية.

    كما حقق انتصارات عديدة على المغول في موقعة البيرة وحران، ورد هجمات المغول المتتابعة على بلاده، إلى أن قضى عليهم عند بلدة أبلستين وذلك في عام 675 هـ، وبذلك حقق بيبرس ما كان يبتغيه من تأمين لجبهته الخارجية وحدود دولته. وقد دام حكمه حوالي سبعة عشر عاماً.

    صفاته

    أهم ما كان يتصف به بيبرس: الشجاعة والإقدام والدهاء والقوة، والكرم وحب الخير والإحسان إلى الفقراء. وإكرام العلماء وسماع نصائحهم والسكوت على مخاشنتهم له في النصح – كما كان يفعل معه عز الدين بن عبد السلام، والنووي. وكان أسمر بحمرة، أشهل بزرقة، تام القامة، مليح الشكل، جهير الصوت.

    وصف بأنه كان يتنقل في ممالكه فلا يكاد يشعر به عسكره إلا وهو بينهم. وقيل عنه أنه ما كان يتوقف عن شيء لبلوغ غايته. ليحمل فيها قوى الحصون على الاستسلام له.وكان نجاحه يعتمد على تنظيمه وسرعته وشجاعته اللامتناهية.

    مختصر سيرته في كتب التاريخ

    قال الزركلي في (الأعلام): الظاهر بيبرس (625 - 676 ه‍) بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، ركن الدين، الملك الظاهر: صاحب الفتوحات والأخبار والآثار. مولده بأرض القپچاق. وأسر فبيع في سيواس، ثم نقل إلى حلب، ومنها إلى القاهرة. فاشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، وبقي عنده، فلما قبض عليه الملك الصالح (نجم الدين أيوب) أخذ بيبرس، فجلعه في خاصة خدمه، ثم أعتقه. ولم تزل همته تصعد به في أيام الملك (المظفر) قطز، وقاتل معه التتار في فلسطين. ثم اتفق مع أمراء الجيش على قتل قطز، فقتلوه، وتولى (بيبرس) سلطنة مصر والشام (سنة 658 ه‍) وتلقب بالملك (القاهر، أبي الفتوحات) ثم ترك هذا اللقب وتلقب بالملك (الظاهر). وكان شجاعا جبارا، يباشر الحروب بنفسه. وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج (الصليبيين) وله الفتوحات العظيمة، منها بلاد (النوبة) و (دنقلة) ولم تفتح قبله مع كثرة غزو الخلفاء والسلاطين لها. وفي أيامه انتقلت الخلافة إلى الديار المصرية سنة 659 هـ. وآثاره وعمائره وأخباره كثيرة جدا. توفي في دمشق ومرقده فيها معروف أقيمت حوله المكتبة الظاهرية.

  15. 1259 م

    معركة عين جالوت

    26 دقيقة قراءةمعركة عين جالوت (25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260م) هي إحدى أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي؛ إذ استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول بقيادة كتبغا. وقعت المعركة بعد انتكاسات…

    معركة عين جالوت (25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260م) هي إحدى أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي؛ إذ استطاع جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول بقيادة كتبغا. وقعت المعركة بعد انتكاسات مريرة لدول ومدن العالم الإسلامي، حيث سقطت الدولة الخوارزمية بيد المغول، ثمّ تبعها سقوط بغداد بعد حصار دام أياماً فاستبيحت المدينة وقُتل الخليفة المستعصم بالله فسقطت معه الخلافة العباسية، ثم تبع ذلك سقوط جميع مدن الشام وفلسطين وخضعت لهولاكو، كانت مصر في تلك الفترة تئِنُّ من الصراعات الداخلية والتي انتهت باعتلاء سيف الدين قطز عرش مصر سنة 657 هـ / 1259 سلطانا لمماليك مصر. فبدأ بالتحضير لمواجهة التتار، فقام بترتيب البيت الداخلي لمصر وقمع ثورات الطامعين بالحكم، ثمّ أصدر عفوًا عامًا عن المماليك الهاربين من مصر بعد مقتل فارس الدين أقطاي بمن فيهم بيبرس، ثم طلب من العز بن عبد السلام إصدار فتوى تُشرع له جمع الضرائب على سكان مصر بعد أن واجهته أزمة اقتصادية عجز من خلالها عن تجهيز الجيش، وكان له ما أراد وأصدر العز بن عبد السلام فتوى تجيز جمع الضرائب بشروطٍ خاصة ومحددة، ما إن انتهى قطز من تجهيز الجيش حتى سار به من منطقة الصالحية شرق مصر حتى وصل إلى سهل عين جالوت الذي يقع تقريباً بين مدينة بيسان شمالاً ومدينة نابلس جنوباً في فلسطين، وفيها تواجه الجيشان الإسلامي والمغولي، وكانت الغلبة للمسلمين، واستطاع الآلاف من المغول الهرب من المعركة واتجهوا نحو بيسان، وعندها وقعت المعركة الحاسمة وانتصر المسلمون انتصاراً عظيماً، وأُبيد جيش المغول بأكمله.

    كان لمعركة عين جالوت أثرٌ عظيمٌ في تغيير موازين القوة بين القوى العظمى المتصارعة في منطقة الشام، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة من تحجيم قوتهم، فلم يستطع القائد المغولي هولاكو الذي كان مستقراً في تبريز من التفكير بإعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وكان أقصى ما فعله رداً على هزيمة قائده كتبغا هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب.

    خلفية تاريخية

    أوضاع المغول

    كانت بداية تأسيس إمبراطورية المغول سنة 603 هـ / 1206م في منغوليا على يد جنكيز خان، فتمددت حتى بلغت حدودُها كوريا شرقاً إلى حدود الدولة الخوارزمية غرباً، ومن سهول سيبيريا شمالاً إلى بحر الصين جنوباً، ثم بدأت بالتوسع غربا حيث سقطت خوارزم سنة 616 هـ / 1219م، فسقطت المدن بيدهم الواحدة تلو الأخرى، حيث سقطت بخارى، ثم سمرقند ثم اجتاحوا إقليم خرسان وخوارزم، وكل ذلك كان في سنةٍ واحدة، وفي سنة 617 هـ / 1220م سقطت أذربيجان وهمدان وتبريز وداغستان والشيشان.

    تولى أوقطاي خان الحكم بعد جنكيز خان فضم إقليم فارس إلى المغول. وفي سنة 649 هـ / 1251م تولى الحكم منكو خان، فعين هولاكو والياً لإقليم فارس. وبعد خمس سنوات بدأ هولاكو في حصار بغداد في شهر محرم 656 هـ / 1258م. لم يدم الحصار شهراً واحداً حتى سقطت بغداد ومعها الخلافة العباسية واستبيحت بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله.

    توجه بعدها هولاكو إلى حصار ميافارقين التي يتحصن فيها الكامل محمد الأيوبي، والتي ما لبثت أن سقطت، ثم توجه صوب حلب فأمر الناصر يوسف بتسليمها إليه ولكن الناصر رفض، فدخلها سنة 658 هـ / 1260، ثم دخل حماة ودمشق في نفس العام، ولكن ما لبث أن رجع هولاكو إلى إقليم فارس ووكل قائده كتبغا إكمال الحملة، حيث تمكن من احتلال جميع مدن فلسطين التي لا تخضع للصليبيين.

    أوضاع المماليك

    توفي الصالح أيوب في 647 هـ / 1249م وهو خَارج إلى المنصورة لملاقاة لويس التاسع صاحب الحملة الصليبية السابعة. فتولى قيادة الجيش كلا من بيبرس وفارس الدين أقطاي حيث تم لهم النصر في معركة المنصورة. تولى توران شاه الحكم خلفاً لأبيه، ولكنه قتل بعد أربعة أشهر من توليه الحكم. فحدث فراغ سياسي كبير بعد مقتله، فليس هناك أيوبي مؤهل لقيادة الدولة، عندها أعلنت شجرة الدر بالتعاون مع المماليك حاكمةً لمصر، ولكن الرفض عم أرجاء العالم الإسلامي بعد سماعه الخبر، فتزوجت عز الدين أيبك ثم تنازلت له عن الحكم، وأصبح أول سلاطين مماليك مصر، استقر بعدها الحكم لأيبك واعترف به الخليفة العباسي المستعصم بالله، ولكن بدأت الصراعات بين المماليك في النشوب، مما أدى إلى أن يقتل أيبك زعيم المماليك فارسَ الدين أقطاي، فهرب المماليك الآخرين وعلى رأسهم بيبرس من مصر. ثم ما لبث أن قتلت شجرة الدر زوجها أيبك بعدما علمت انه تزوج من ابنة حاكم الموصل، فسارع سيف الدين قطز ومعه المماليك المعزية ونور الدين علي بن أيبك بإلقاء القبض على شجرة الدر وتسليمها لأم نور الدين والتي أمرت جواريها بقتلها ضرباً بالقباقيب.

    بُويع نور الدين علي بن أيبك البالغ من العمر خمسة عشر سنة حاكماً لمصر، وتولى سيف الدين قطز الوصاية الكاملة عليه، أدى صعود طفل سدة الحكم في مصر لحدوث قلاقل وفتن، ولكن قطز استطاع إخمادها على الفور، ثم طمع الأمير الأيوبي مغيث الدين بحكم مصر، وسير الجيوش لقتال قطز، ولكن قطز استطاع صد جيشه في سنة 655 هـ / 1257م و656 هـ / 1258م، وفي ضوء سقوط بغداد في عام 656 هـ / 1258م والمشاكل الداخلية وثورات المماليك وأطماع الأمراء الأيوبيين، لم يجد قطز أي معنى لأن يَبقى طفل على سدة حكم مصر التي لم يعد هناك أمل لصد المغول إلا فيها، واتخذ قراره بعزل الطفل نور الدين علي بن أيبك واعتلاء عرش مصر سنة 657 هـ.

    قبل المعركة

    كان الوضع في مصر عند اقتراب التتار منها متأزم جداً، فالوضع الداخلي يموج بالاضطرابات والأزمات الشديدة، والفتن الناتجة عن الصراع على كرسي الحكم، وإن كان قطز قد استقر على كرسي الحكم، إلا أن هناك الكثير من الطامعين في الكرسي وهناك الكثير من الحاقدين على قطز شخصياً، كما أن الفتنة ما زالت دائرة بين المماليك البحرية الذين كانوا مؤيدين لشجرة الدر وبين المماليك المعزية الذين يؤيدون قطز، أما المسرح السياسي الخارجي فكان يحمل مشكلات كبيرة أخرى، وذلك أن العلاقات كانت ممزقة تماماً بين مصر وجيرانها، أما الوضع الاقتصادي فلم يكن بأفضل حالاً من الوضع السياسي، فهناك أزمة اقتصادية يمر بها البلد من جراء الحملات الصليبية المتتالية، ومن جراء الحروب التي دارت بين مصر وجيرانها من الشام، وكذلك الفتن والصراعات على المستوى الداخلي، كما أن الناس انشغلوا بأنفسهم وبالفتن الداخلية والخارجية، فتردى الاقتصاد لأبعد درجات التردي.

    ترتيب الوضع الداخلي

    كانت أول خطوة قام بها قطز في إعداده لحرب التتار هي استقرار الوضع الداخلي في مصر، وقطع أطماع الآخرين في الكرسي الذي يجلس عليه، وما كان من قطز إلا أن جمع الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي وقال لهم:، فهدأ معظم من حضر الاجتماع ورضوا بما قال، ثم قام قطز بالقبض على رؤوس الفتنة الذين حاولوا الخروج على سلطته وحكمه، وبذلك هدأت الأمور نسبيًا في مصر، أما الخطوة الثانية التي قام بها قطز فهي إصداره لعفو عام وشامل عن المماليك البحرية الذين فروا إلى الشام بعد مقتل زعيمهم فارس الدين أقطاي، كانت هذه الخطوة أبرز قرار سياسي اتخذه قطز، فقوات المماليك المعزية لا تكفي لحرب التتار، وكانت المماليك البحرية قوة عظيمة وقوية جداً ولها خبرة واسعة في الحروب، فإضافة قوة المماليك البحرية إلى المماليك المعزية ستنشئ جيشاً قوياً قادراً على محاربة التتار، وكان من نتائج هذه الخطوة عودة القائد الظاهر بيبرس إلى مصر وانضمامه إلى قطز، وبهذا توحدت قوى المماليك تحت لواء جيش واحد قائده سيف الدين قطز.

    رسل هولاكو

    بينما كان سيف الدين قطز منشغلاً بإعداد الجيش، جاءته رسالة من هولاكو يحملها أربع رسل من التتار، وفيها:

    كانت الرسالة إعلاناً صريحاً بالحرب أو تسليم مصر للتتار، على إثر هذه الرسالة عقد قطز مجلساً ضمّ كبار الأمراء والقادة والوزراء وبدأوا مناقشة فحوى الرسالة، كان قطز مصمماً على خوض الحرب ورافضاً لمبدأ التسليم، ولكن كان هناك تردد من قبل بعض الأمراء في قبول ما رآه قطز، عندها قال قطز مقولته المشهورة:، ثم قال:، وأنهى كلامة بقوله، وقعت كلمات قطز في قلوب الأمراء فأيدوه في قراره، وأعلنوا معه الجهاد في سبيل الله، ثم قرر قطز أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم هولاكو، وأن يعلق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك بعد أن استشار ركن الدين بيبرس الذي قال:.

    الأزمة الاقتصادية

    بعد أن استقر الوضع في مصر، وبعد قتل رسل هولاكو، أصبح قطز يُسَرِّع من عملية تجهيز الجيش، ولكن واجهته مشكلة جديدة هي المشكلة الاقتصادية، فلابد من تجهيز الجيش المصري وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال الحصار، وليس هناك من الأموال ما تكفي لتأمين كل ذلك، قام قطز بدعوة مجلسه الاستشاري ودعا إليه سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وبدأوا التفكير في إيجاد حل للأزمة الاقتصادية الطاحنة، اقترح قطز أن تفرض ضرائب لدعم الجيش، ولكن هذا القرار يحتاج فتوى شرعية، لأن المسلمين في دولة الإسلام لا يدفعون إلا الزكاة، عندها أفتى العز بن عبد السلام وقال:. بيَّن العز بن عبد السلام بأنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكفِ هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي لتجهيز الجيش ليس أكثر من ذلك، قبِل سيف الدين قطز فتوى العز بن عبد السلام وبدأ بنفسه وباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئاً في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال ضربت سكاً ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش، ولكن لم تكفِ هذه الأموال في تغطية نفقة الجيش، فقرر قطز إقرار ضريبة على كل رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً، وأَخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً، وأَخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً، وأَخذ من الترك الأهلية ثلث المال، وأَخذ من الإيطان والسواقي أجرة شهر واحد، وبلغ جملة ما جمعه من الأموال أكثر من ستمائة ألف دينار.

    الاستعداد للمعركة

    اجتمع قطز مع مجلسه العسكري لبحث أفضل طريقة لحرب التتار، وعبَّر عن عزمه الخروج بجيش مصر لملاقاة التتار في فلسطين بدلاً من أن ينتظرهم في مصر، اعترض أغلب القادة على رأي قطز وفضلوا أن ينتظر قطز التتار حتى يصلوا مصر ليدافع عنها، لأن مصر مملكته أما فلسطين فهي مملكة غيره، وبعد نقاش طويل دار في المجلس العسكري، أُقرت خطة سيف الدين قطز لعدة عوامل وهي: أن أمن مصر القومي يبدأ من حدودها الشرقية وليس من داخل البلد نفسه، ومن الأفضل عسكرياً أن ينقل سيف الدين قطز المعركة إلى ميدان خصمه لأن هذا سيؤثر نفسياً على نفوس التتار، ومن الأفضل عسكرياً كذلك أن يمتلك المسلمون عنصر المفاجأة فيختاروا هم ميعاد المعركة ومكانها، عندها بدأ العز بن عبد السلام ومن معه من علماء الأمة بصعود منابر المساجد والحث على الجهاد، وترغيب الناس بالجنة وتزهيدهم في الدنيا، وتعظيم أجر الشهادة في سبيل الله، واستمر إعداد الجيش وتجهيزه وجمع المتطوعين وتدريب المجاهدين مدة خمسة أشهر، من شهر ربيع الأول 658 هـ الموافق فبراير 1260م إلى نهاية شهر رجب (يوليو) من السنة نفسها.

    معاهدة عكا

    في أثناء تجهيز الجيش قام قطز بجهود حثيثة لتمهيد طريق الجيش للقاء التتار، كانت هناك أجزاء من فلسطين وساحل البحر الأبيض المتوسط محتلة من قبل الإمارات الصليبية، ومنها إمارات عكا وحيفا وصور وصيدا واللاذقية وأنطاكية، وكانت أقوى هذه الإمارات الصليبية هي إمارة عكا في فلسطين، وهذه الإمارة تقع على طريق قطز وجيشه إذا أراد أن يحارب التتار في فلسطين، كان التفكير في أن قتال الصليبيين في عكا سيؤثر سلباً على جيش الإسلام في مصر المتوجه لفلسطين، وفي نفس الوقت لا يستطيع قطز أن يحارب التتار في فلسطين دون الانتهاء من مشكلة الصليبيين في عكا، وجد قطز أن أفضل الحلول هو الإسراع بعقد معاهدة مع الصليبيين في عكا قبل أن يتحالف التتار معهم، قام قطز بإرسال سفارة إلى عكا للتباحث حول إمكانية عقد معاهدة سلام مؤقتة بين المسلمين والصليبيين، كان الهدف من السعي لهذه الاتفاقية هي تحييد جيش الصليبيين من جهة وتأمين ظهر جيش مصر من جهة أخرى، جلس وفد قطز مع الأمراء الصليبيين للتباحث في أمر الهدنة، كان الصليبيون يخافون ألّا يظفروا من المسلمين بعهد فينقلب عليهم المسلمون، ولذلك تقبلوا فكرة الهدنة بسرعة، بل إن بعض الأمراء الصليبيين عرضوا فكرة التحالف العسكري مع المسلمين لقتال التتار، ولكن هذه الفكرة لم تلقَ موافقة الطرفين، فبقية الأمراء الصليبيين يخشون الخروج من عكا بجيشهم فيدخلها المسلمون إذا انتصروا على التتار، كما أن المسلمين كانوا يخشون خيانة الصليبيين أثناء القتال خاصة أن قائد التتار الحالي كتبغا نصراني، لذلك قبِل الطرفان بفكرة الهدنة المؤقتة، وأصر الوفد المسلم على أن تكون هذه الهدنة هدنة مؤقتة تنتهي بانتهاء حرب التتار، ومما اتفق عليه في الهدنة أن أي خيانة يقوم بها الصليبيون فسيترك المسلمون قتال التتار ويتوجهون إلى عكا لتحريرها، وأنه في حال انتصار المسلمين في قتال التتار فسيبيع المسلمون خيول التتار لأهل عكا بأسعار زهيدة، في حين تعهد الصليبيون في عكا بأن يسهموا في إمداد جيش المسلمين بالمؤن والطعام في أثناء وجوده في فلسطين.

    بالرغم من كل الاستعداد العسكري والسياسي والديني والاقتصادي الذي قام به سيف الدين قطز ومعه كبار قادته وأمرائه وعلمائه، وبرغم التحفيز الكبير الذي قام به العلماء وعلى رأسهم العز بن عبد السلام لحث الناس على الجهاد وحمل السلاح في مواجهة التتار، إلاّ أن بعض المسلمين في مصر لم يستوعبوا أن القتال والحرب أصبح أمرًا واقعًا ومحتمًا، واستطاع عدد من الجنود الفرار من الجيش والاختباء عن أعين المراقبة، واستطاع عدد آخر الخروج والهرب من مصر، فمنهم من هرب إلى الحجاز ومنهم من هرب إلى اليمن، ومنهم من هرب إلى المغرب.

    السير إلى فلسطين

    بدأ جيش المسلمين في مصر بالتجمع في منطقة الصالحية (تقع الآن في محافظة الشرقية)، وهي منطقة صحراوية واسعة تستوعب الفرق العسكرية المختلفة، وكانت سابقاً نقطة انطلاق للجيوش المصرية المتجهة إلى الشرق، تجمعت الفرق العسكرية من معسكرات التدريب المنتشرة في القاهرة والمدن المصرية الكبرى، ثم توجه قطز بجيشه إلى سيناء، ثم سلك طريق الساحل الشمالي لسيناء بحذاء البحر الأبيض المتوسط، كان هذا التحرّك في أوائل شعبان 658 هـ / يوليو 1260م، كان قطز يتحرك على تعبئة، حيث أنه لا يتحرك إلاّ وقد رتّب جيشه بالترتيب الذي سيقاتل به العدو لو حدث قتال، وذلك حتى إذا فاجأه جيش التتار كان مستعداً للقتال، وقد وضع على مقدمة جيشه بيبرس ليكون أول من يصطدم بالتتار، لكي يحدث نصراً ولو جزئياً، وذلك ليرفع من معنويات جيش المسلمين الذي يسير خلفه، وكان سيف الدين قطز قد سلك في ترتيب جيشه نهجاً جديداً في التخطيط العسكري، حيث كون في مقدمة الجيش فرقة كبيرة نسبياً على رأسها بيبرس، وجعل هذه الفرقة تتقدم كثيراً عن بقية الجيش التي تسير خلفها، وتظهر نفسها في تحركاتها، بينما يتخفى بقية الجيش في تحركاته، فإذا كان هناك جواسيس للتتار اعتقدوا أن مقدمة الجيش هي كل الجيش، فيكون استعدادهم على هذا الأساس، ثم يظهر بعد ذلك قطز على رأس الجيش الأساسي، وقد فاجأ التتار الذين لم يستعدوا له.

    معركة غزة

    اجتاز بيبرس سيناء في 15 رجب 658 هـ / 26 يوليو 1260م، ودخل فلسطين وتبعه قطز بعد ذلك في سيره، واجتازوا رفح وخان يونس ودير البلح واقتربوا من غزة التي احتلها التتار في اجتياحهم للشام، اكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي، واعتقدوا أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونُقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء بيبرس، وجرى بينهما قتال سريع، كان هذا القتال وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر حدود سيناء متوجهاً إلى غزة، ولكن تأخر الجيش الرئيسي لم يؤثر في سير المعركة كثيراً، فقد كانت مقدمة الجيش بقيادة الظاهر بيبرس مقدمة قوية وقائدها قائد بارع، والحامية التترية في غزة صغيرة نسبياً، وجيش المغول الرئيسي بقيادة كتبغا على مسافة كبيرة من غزة، حيث يربض في سهل البقاع، فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، واستطاعت مقدمة جيش المسلمين أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة، التي قُتل فيها بعض جنود الحامية التترية، وفرّ الباقون في اتجاه الشمال لينقلوا الأخبار إلى كتبغا.

    إلى عين جالوت

    بعد معركة غزة توجه الجيش شمالا وبحذاء البحر فمروا بعسقلان ثم يافا ثم مروا بغرب طولكرم، ثم حيفا، وواصلوا الاتجاه شمالاً حتى وصلوا عكا التي وقعوا فيها مع الصليبيين معاهدة سلام مؤقتة، عندها قرر قطز أن يعسكر في الحدائق المحيطة بحصن عكا في السهل الواقع إلى الشرق من عكا، فأرسل وفداً من الأمراء المماليك إلى الصليبيين للتأكد من سريان الاتفاقية السابقة، فدخلوا حصن عكا حيث أحسن الأمراء الصليبيون استقبالهم، وأكد الطرفان على ما سبق الاتفاق عليه، وتكررت الزيارات أكثر من مرة، حتى اطمأن الجميع على استقرار الوضع، ثم قرر قطز الرحيل من عكا لاختيار مكان مناسب للقاء التتار.

    عندما بدأ قطز في مغادرة منطقة عكا، أشار عليه أحد الأمراء الذين قاموا بالسفارة بينه وبين الصليبيين، أن عكا الآن في أشد حالات ضعفها، وأنهم مطمئنون إلى المعاهدة معه، وأنهم غير جاهزين للقتال، فلو انقلب عليهم فجأة فسيسقط حصن عكا وتحرر المدينة بعد قرن ونصف من الاحتلال، وكان رد قطز:، ثم اتجه من عكا إلى الجنوب الشرقي منها، ليبحث عن مكان يصلح للمعركة مع التتار، في هذه الأثناء كان كتبغا قد وصلته فلول جيشه الهارب من معركة غزة فأخبروه بسقوط غزة، فعقد اجتماعاً مع قادته حضره الأشرف الأيوبي، وحضره أيضاً قاضي القضاة محي الدين محمد بن يحيى المعروف بابن الزّكي، واستشارهم في الأمر وكيف يعمل، منهم من أشار بعدم اللقاء ومراوغة سيف الدين قطز دون خوض معركة حاسمة، ريثما يصل مدد من هولاكو ليتقوى به على ملاقاة الجيش المملوكي، ومنهم من أشار بغير ذلك، وتفرقت الآراء، واتخذ كتبغا قراره بأن يتوجه بسرعة لملاقاة قطز، تحرك كتبغا من سهل البقاع باتجاه الجنوب حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب الجولان عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي، واكتشفت استطلاعات جيش قطز حركة كتبغا، ونقلت له الأخبار بسرعة فغادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي، ثم أسرع باجتياز الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل منطقة تعرف باسم سهل عين جالوت التي تقع تقريباً بين مدينة بيسان في الشمال ومدينة نابلس في الجنوب.

    وجد سيف الدين قطز سهل عين جالوت منطقة مناسبة للمعركة مع التتار، فهو سهل واسع منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي منه فهو مفتوح، كما تعلو التلال الأشجار والأحراش، مما يوفر مخبأً مناسباً لجيشه فيسهل عمل الكمائن على جوانبه المنبسطة، فرتب جيشه بسرعة فوضع على ناحية السهل الشمالي المقدمة بقيادة بيبرس، وجعلها في مكان ظاهر حتى يغري جيش التتار بالقدوم إليه بينما أخفى بقية الجيش خلف التلال والأحراش، كان ترتيب قطز وإعداده لخطة المعركة في 24 رمضان 658 هـ / 2 سبتمبر 1260م، أي قبل يوم واحد من معركة عين جالوت.

    واصل كتبغا مسيره باتجاه جيش المسلمين فمر غرب مدينة بيسان، ثم انحدر جنوباً باتجاه عين جالوت، خلال تلك الفترة وفدت على جيش قطز أعداد كبيرة من متطوعي مدن وقرى فلسطين للانضمام إليه، احتار قطز بهذه الأعداد المتحمسة التي ينقصها التدريب العسكري، فقرر أن يضعهم في نقل العتاد والاهتمام بشؤون الطعام والشراب وإمداد الجنود بالرماح والسهام، ورعاية الخيول ونقل الجرحى والمصابين، ووجه الجنود الذين كانوا يقومون بهذه الأعمال إلى الجيش الرئيسي للمشاركة في المعركة، وبينما كان قطز يجهز الجيش قبل يوم من المعركة إذ جاء رجل يطلب مقابلة قطز، فقال أنه رسول صارم الدين أيبك (وهو أحد المسلمين الذين أسرهم هولاكو عند اجتياح الشام ثم قبل الخدمة في صفوف جيش التتار واشترك معهم في مواقع مختلفة وجاء معهم إلى موقعة عين جالوت)، نقل الرسول لسيف الدين قطز عدة نقاط وهي:

    كانت هذه الأخبار مهمة للمسلمين، ولكن أمراء الحرب في جيش قطز تخوفوا من أن تكون هذه الأخبار خدعة من التتار أو من الأشرف الأيوبي، وقرر قطز الأخذ بهذه الأخبار دون التفريط في الإعداد أو التهاون في الحيطة والحذر.

    المعركة

    صلى جيش المسلمين صلاة الفجر يوم الجمعة 25 رمضان 658 هـ / 3 سبتمبر 1260، ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما إن أشرقت الشمس حتى أتى جيش التتار لسهل عين جالوت من الشمال، ولم يكن في السهل أحد من المسلمين، فقد كانوا يختبؤون خلف التلال، وكانت مقدمة الجيش بقيادة بيبرس لا تخفي نفسها، وكان الهدف من هذه الخطة حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش، وبدأت مقدمة الجيش في النزول من أحد التلال لسهل عين جالوت، وكان هذا النزول نزولا على عدة مراحل، كانت أول كتيبة نزلت لمواجهة التتار تلبس ملابس ذات لون أحمر وأبيض بقيادة القائد سنقر الرومي، ثم نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء بقيادة القائد بلبان الرشيدي، ثم تتابع نزول الكتائب بألوانها المختلفة، في هذا الأثناء كان يقف بجانب كتبغا صارم الدين أيبك، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا صارم الدين: يا صارم رنك من هذا؟ (رنك كلمة فارسية تعني لون وهو يقصد كتيبة من هذه) وكان صارم يقول: رنك فلان أحد أمراء المماليك، وبعد أن نزلت مقدمة جيش المسلمين بقيادة الظاهر بيبرس بدأت فرقة عسكرية مملوكية في الظهور على أرض المعركة وانطلقت بقوة تدق طبولها وتنفخ أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية، وكانت الجيوش المملوكية تتلقى أوامرها في أرض المعركة بهذه الطريقة التي لا يعرفها أعدائها، فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات محددة للتقدم والتأخر، وضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك استطاع قطز أن يقود المعركة عن بعد، ووقف الظاهر بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خالياً من خلفه.

    نظر كتبغا إلى مقدمة جيش المسلمين فوجد القوة الظاهرة أمامه قوة قليلة جداً، فأراد أن يحسم المعركة لصالحه بأسرع وقت، وقرر أن يدخل بكامل جيشه وقواته لقتال مقدمة الجيش (وهذا ما خطط له قطز)، أعطى كتبغا إشارة البدء لقواته بالهجوم على المقدمة التي ظن أنها كل الجيش، فتقدمت أعداد هائلة من فرسان التتار باتجاه مقدمة الجيش، وقف بيبرس هو وجنوده في أماكنهم حتى اقتربت منهم جموع التتار، عندها أعطى بيبرس لجنوده إشارة بدء القتال، فانطلقوا باتجاه جيش التتار، وارتفعت سحب الغبار من المعركة وتعالت أصوات دقات الطبول، واحتدم القتال للحظات، وثبتت مقدمة الجيش في القتال وكانت مكونة من خيرة فرسان المماليك، قرر كتبغا استخدام كامل قواته لقتال مقدمة الجيش بعد أن رأى منهم الثبات في القتال، دون أن يترك أي قوات للاحتياط خلف جيش التتار، استمر القتال سجالاً على الرغم من الفجوة العددية الكبيرة بين القوتين، ثم دقت الطبول دقات معينة وهي عبارة عن أوامر من قطز إلى بيبرس بسحب التتار إلى داخل سهل عين جالوت، بدأ بيبرس على الفور في تنفيذ الأوامر، فأظهر للتتار الانهزام وتراجع بظهره وهو يقاتل، وكان التراجع الذي نفذه بيبرس وجنوده تراجعاً سريعاً وذلك حتى لا تهلك مقدمة الجيش، عندما رأى كتبغا تراجع المسلمين أمر جنده بتتبعهم والقضاء عليهم، وبدأ جيش التتار في دخول سهل عين جالوت للضغط على الجنود الذين انسحبوا، وبعد مدة من الزمن ليست بالقليلة دخل جيش التتار بأكمله داخل سهل عين جالوت، وانسحب الظاهر بيبرس بجنوده إلى الناحية الجنوبية من السهل، ارتكب كتبغا خطأً جسيماً بعدم تركه قوات احتياطية خارج السهل لتؤمن طريق العودة في حال الخسارة ولتمنع التفاف جيش المسلمين حول التتار.

    في هذا الوقت نزل جيش المسلمين الرئيسي من خلف التلال إلى ساحة المعركة، وأسرعت فرقة قوية من المماليك لغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، وبذلك أحاطت قوات جيش المسلمين بالتتار من كل جانب، أيقن عندها القائد كتبغا المكيدة التي انطوت عليه من المسلمين، وبدأ صراعاً لا مجال فيه للهرب أو المناورة، وبدأ التتار يقاتلون بكل شجاعة، وظهر تفوق الميمنة في جيش التتار، فتراجع المسلمون تحت ضغط بسالة التتار الذين اخترقوا ميسرة المسلمين، وبدأ تساقط الشهداء في جيش المسلمين، كان قطز في هذه الأثناء في مكانٍ عالٍ خلف الصفوف يراقب الوضع، ويوجه فرق الجيش لسد الثغرات، ولما رأى معاناة ميسرة الجيش دفع بقوة احتياطية لمساندتها، ولكن هذه القوة لم تغير في الأمر شيئاً أمام بسالة وقوة ميمنة التتار، ثم دفع بقوة احتياطية أخرى، ولكن الموقف تأزم بشكلٍ أكبر، عندها قرر قطز أن ينزل بنفسه لأرض المعركة، فرمى خوذته وأخذ يصرخ، واحتدم القتال في سهل عين جالوت، وكان فيه أن صوّب أحد التتار سهمه نحو قطز، فأخطأه وأصاب فرسه وقتل الفرس، واستمر القتال وقطز في أرض المعركة يقاتل، وبدأت الكفة تميل لصالح المسلمين، وارتد الضغط على التتار، وتقدم أمير من أمراء المماليك واسمه جمال الدين آقوش الشمسي واخترق صفوف التتار حتى وصل لكتبغا، ودار بينها قتال فتمكن آقوش من كتبغا وقتله، وبقتله قتلت العزيمة عند جيش التتار، وأصبحوا يقاتلون ليفتحوا لأنفسهم طريقاً في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت ليتمكنوا من الهرب، واستطاعوا فتح ثغرة في المدخل الشمالي، وخرجت أعداد كبيرة منهم باتجاه الشمال، وخرج المسلمون في طلبهم، حتى وصل التتار الفارّون إلى مدينة بيسان، وعندما وصل إليهم المسلمون، لم يجد التتار أمامهم إلا أن يعيدوا تنظيم صفوفهم ويصطفوا من جديد، ودارت بين الطرفين معركة كبيرة قرب بيسان، وقاتل التتار فيها قتالاً شديداً، وبدؤوا يضغطون على المسلمين، ودارت الدائرة لهم، عندها كرر قطز ما فعله في عين جالوت وأخذ يصيح بالجند ثلاثاً، كانت هذه الكلمات دفعة معنوية لجنود جيش المسلمين، وأقبل الجند على القتال وارتفعت راية الإسلام وهوت راية التتار، وبدأ جنود التتار في التساقط، وكانت نتيجة المعركة أن أُبيد جيش التتار بأكمله، ولم يبقَ على قيد الحياة من الجيش أحد.

    بعد المعركة

    كانت معركة عين جالوت المعركة الأولى التي يهزم فيها جيش المغول في معركة حاسمة منذ عهد جنكيز خان، وبعد الانتصار الذي حققه قطز وجيشه، أخذ قطز في التفكير في أمر التتار في الشام، فلا تزال هناك حاميات تتارية في دمشق وحمص وحلب وغيرها من مدن الشام، ومع ما أصاب جيش المسلمين من كثرة الشهداء وكثرة الجرحى، وما لقوه من عناء وتعب، قرر سيف الدين قطز السير إلى دمشق لتحريرها من سيطرة التتار، واستغلال فرصة انكسار جيش التتار وهزيمته الساحقة في سهل عين جالوت.

    تحرير دمشق

    أراد سيف الدين قطز أن يستثمر انتصاره على جيش المغول في عين جالوت، في تهيئة انتصار جديد للمسلمين في دمشق على جيش التتار المحتمي فيها، فجيش التتار قتل بأكمله في المعركة، ولم ينقل أحد منهم الخبر إلى دمشق، فأردا قطز أن ينقل خبر النصر الكبير على المغول بنفسه، ليضعف من معنويات الحامية التتارية في دمشق، فيسهل عليه فتحها، قرر قطز أن يرسل رسالة إلى التتار يعلمهم فيها بهزيمة كتبغا وجيشه، وجاء فيها:

    وصلت رسالة سيف الدين قطز إلى دمشق في اليوم السابع والعشرين أو الثامن والعشرين من شهر رمضان، وبهذه الرسالة علم المسلمون نبأ الانتصار فقاموا بثورة عارمة داخل دمشق، وأمسكوا بجنود التتار وقتلوا عدداً منهم وأسروا عدداً آخر وفر عدد آخر، وكان السبب الرئيسي لما حدث في دمشق هو انهيار معنويات التتار بعد سماعهم خبر هزيمة كتبغا في عين جالوت، ثم اتجه المسلمون في دمشق بعد أن انتهوا من أمر التتار للانتقام من النصارى الذين كانت لهم مواقف سيئة مع المسلمين أثناء سيطرة التتار على دمشق، وتجاوز بعض المسلمين الأمر إلى حرق الديار والكنائس، وإلى قتل البعض منهم، ونشط بعض المتحمسين للظلم الذي حل بالمسلمين وقرروا قتل اليهود الذين يعيشون في دمشق، واستدعى هذا الأمر تدخل العلماء والنهي عن هذا الفعل لأن اليهود لم يشتركوا مع النصارى في إيذاء المسلمين أيام حكم التتار، وكادت الفتنة أن تعم دمشق بأكملها، حتى أتى يوم الثلاثين من رمضان، عندما وصل سيف الدين قطز وجيش المسلمين دمشق بعد خمسة أيام من معركة عين جالوت، ودخل جيش المسلمين دمشق واستتب الأمن، وانتهت الفوضى التي عمت دمشق، واستقر الوضع بسرعة، وأُمّنَ النصارى واليهود على أموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم، وقام قطز بعزل ابن الزكي قاضي دمشق الذي عينه التتار، وعيّن مكانه نجم الدين أبو بكر بن صدر الدين بن سني الدولة، الذي بدأ يفصل في القضايا، ويحكم في المخالفات التي وقعت بين المسلمين والنصارى.

    تحرير حمص وحلب

    وفي يوم عيد الفطر أرسل سيف الدين قطز الظاهر بيبرس بمقدمة جيشه لتتبع الفارين من التتار، وتطهير المدن الشامية الأخرى من الحاميات التتارية، فوصل بيبرس إلى حمص، واقتحم معسكرات الحامية التتارية وقضى عليهم وهرب من هرب منهم، وأُطلق سراح المسلمين الأسرى الذين كانوا في قبضة التتار، ثم انطلقوا خلف الحاميات التتارية الهاربة، فقتلوا أكثرهم وأسروا الباقين ولم يفلت منهم إلا الشريد، ثم اتجه بيبرس بمقدمة جيشه إلى حلب، ففر منها التتار، واستطاع المسلمون تطهير بلاد الشام بأكملها من التتار في بضعة أسابيع.

    توحيد مصر والشام

    أعلن سيف الدين قطز توحيد مصر والشام تحت دولة واحدة بزعامته، وكانت هذه الوحدة هي الوحدة الأولى بين الإقليمين منذ عشر سنوات، وذلك منذ وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخُطِبَ لسيف الدين قطز على المنابر في كل المدن المصرية الشامية والفلسطينية، وبدأ قطز في توزيع الولايات الإسلامية على الأمراء المسلمين، وأرجع بعض الأمراء الأيوبيين إلى مناصبهم، وذلك ليضمن عدم حدوث أي فتنة في بلاد ومدن الشام، فأعطى قطز إمارة حمص للأشرف الأيوبي (الذي أرسل صارم الدين أيبك إلى قطز قبل معركة عين جالوت يعلمه ببعض المعلومات السرية)، وأعطى إمارة حلب لعلاء الدين بن بدر الدين لؤلؤ، وأعطى إمارة حماة للأمير المنصور، وعين الأمير المملوكي جمال الدين آقوش الشمسي (قاتل القائد المغولي كتبغا) على الساحل الفلسطيني وغزة، أما دمشق فقد عين عليها علم الدين سنجر الحلبي، وفي يوم السادس والعشرين من شهر شوال عام 658 هـ الموافق الرابع من شهر أكتوبر عام 1260م عاد سيف الدين قطز لمصر.

    نتائج المعركة

    كان للانتصار في معركة عين جالوت أثرًا كبيرًا جداً في روح ومعنويات المسلمين من جهة، وفي طموح المسلمين في تحرير ما بقي من مدن وبلدات العالم الإسلامي التي كانت تقبع تحت احتلالين: الأول الاحتلال المغولي والثاني الاحتلال الصليبي، وتبدد الاعتقاد بمقولة أن التتار لا يمكن أن يُهزموا، وبدأ المماليك في الإعداد لاستعادة هيبة الإسلام بعد غياب دام سنين طويلة.

    كسر شوكة المغول

    استطاع المماليك وقف تمدد المغول العسكري في الشام وفلسطين والأناضول، ولم يتمكن المغول من غزو بلاد الشام لفترة من الزمن،، وكان من أهم نتائج معركة عين جالوت أن هولاكو الذي استقر في تبريز لم يفكر في إعادة احتلال الشام مرةً أخرى، وكان أقصى ما فعله رداً على عين جالوت هو إرسال حملة انتقامية أغارت على حلب.

    بروز دولة المماليك

    تعتبر معركة عين جالوت البداية الحقيقية لحكم المماليك في العالم الإسلامي، وحملهم لواء الإسلام والذود عن أراضيه، والتي دامت قرابة ثلاثة قرون، فحملوا على عاتقهم صد هجمات التتار والصليبيين، وأضفوا على دولتهم شرعية أكبر من خلال جعل الخلافة العباسية في القاهرة في عهد الظاهر بيبرس، ثم بدأوا مهمة تحرير بلاد الشام من الصليبيين وبعد أشهر قليلة من عين جالوت بدأ بيبرس في الإغارة على الإمارات الصليبية، فتساقطت تلك الإمارات ابتداءً من 664 هـ / 1265م، فتحررت مدن قيسارية وحيفا ثم حصن أرسوف في فلسطين، وفي 665 هـ / 1266م حررت صفد، وبينما كان بيبرس يحرر هذه المدن، كان قائده المنصور قلاوون يحرر قليقلة في الأناضول، وانتصر على الأرمن بقيادة الملك هيثوم، وفي 666 هـ / 1267م حرر بيبرس مدينة يافا، وفي 667 هـ / 1265م حُرِّرَت أنطاكيا إمارة بوهمند الثالث أمير أنطاكية الذي كان متحالفاً مع التتار، وهي أول مملكة صليبية في بلاد المسلمين، ولم يبقَ عند وفاة الظاهر بيبرس من المدن الإسلامية المحتلة سوى عكا التي كانت أقوى الإمارات الصليبية، بالإضافة إلى صور وصيدا وطرابلس واللاذقية وطرطوس.

    ثم حررت طرابلس في سنة 684 هـ الموافق 1285م أي بعد معركة عين جالوت بستة وعشرين سنة عل يد السلطان المملوكي المنصور قلاوون، ثم خلفه بعد وفاته ابنه الأشرف صلاح الدين خليل الذي أخذ على عاتقه تحرير بقية المدن الإسلامية المحتلة من الصليبيين، واستطاع تحرير عكا في عام 690 هـ الموافق 1291م بعد قرنين من احتلال الصليبيين لها، وبعد فشل كل الأمراء المسلمين قبله في فتحها، ثم بعد وقت قليل من سقوط حصن عكا حررت صيدا وصور وبيروت وجبيل وطرطوس واللاذقية، وبذلك انتهى وجود الإمارات الصليبية بشكل تام من أرض الشام.

    تأثر التتار بالإسلام

    كانت بداية تأثر التتار بالإسلام من خلال أحد زعماء القبيلة الذهبية التي تعد أكبر قبائل التتار، وهو بركة خان ابن عم هولاكو قائد التتار في الغرب، كان إسلام بركة عام 650 هـ، وتولى زعامة القبيلة الذهبية في عام 652 هـ، كانت القبيلة شبه مستقلة عن دولة التتار وتحكم المنطقة التي تقع شمال بحر قزوين والمعروفة باسم القبجاق، وبإسلامه دخلت أعداد كبيرة من القبيلة الذهبية في دين الإسلام، ولما وصلت القبيلة الذهبية نبأ ما حدث في معركة عين جالوت، تزايد أعداد المسلمين في القبيلة حتى أصبحت كلها تقريبا مسلمة، وكان مما جرى في أمرهم أن بركة خان زعيم القبيلة الذهبية تحالف مع الظاهر بيبرس ضد هولاكو.

    مقتل قطز

    كانت نهاية سيف الدين قطز بعد معركة عين جالوت بخمسين يوماً فقط، اتفق المؤرخون على أن قطز قتل وهو في طريق عودته من دمشق إلى القاهرة في منطقة تسمى الصالحية بفلسطين، وكان مقتله على يد القائد المملوكي الظاهر بيبرس، واختلف المؤرخون في سبب إقدام بيبرس على قتل السلطان قطز، فابن خلدون في مقدمته يروي أن المماليك البحرية بقيادة بيبرس كانت تتحين الفرصة لقتل قطز لأخذ الثأر لمقتل أميرهم فارس الدين أقطاي، الذي تولى قطز قتله في عهد السلطان عز الدين أيبك، فلما غادر قطز دمشق وقرب من مصر، ذهب في بعض أيامه يتصيد وسارت الرواحل على الطريق فاتبعه المماليك وعلاه بيبرس بالسيف فخر صريعاً، في حين يقول جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء أن قطز وعد بيبرس بإعطائه إمارة حلب ثم رجع قطز عن وعده، فتأثر بيبرس بذلك، ولما رجع قطز إلى مصر كان بيبرس قد أضمر الشر وأسرّ ذلك في نفسه، ثم اتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق، أما المؤرخ قاسم عبده قاسم فقال أن بيبرس ظن أنه أحق بالعرش من قطز، لا سيما وأنه صاحب دور كبير في هزيمة الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك لويس التاسع قبل عشر سنوات في المنصورة، كما أنه لعب دوراً كبيراً في هزيمة المغول في عين جالوت، وأنه كان أول من ألحق بهم هزيمة عندما دمر طليعة الجيش المغولي، ثم طارد فلوله المنسحبة حتى أعالي بلاد الشام.

  16. 1290 م

    المنصور سيف الدين قلاوون

    4 دقائق قراءةأَبُو الْمَعَالِي السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قَلَاوُونَ الألفي العلائي الصَّالِحِي (618هـ / 1222م - 27 ذي القعدة 689هـ / 10 نوفمبر 1290م ) لقب بأبو الفتح مؤسسَ السلالةِ القَلاووُنَية التي حكمت مصر والشام…

    أَبُو الْمَعَالِي السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قَلَاوُونَ الألفي العلائي الصَّالِحِي (618هـ / 1222م - 27 ذي القعدة 689هـ / 10 نوفمبر 1290م ) لقب بأبو الفتح مؤسسَ السلالةِ القَلاووُنَية التي حكمت مصر والشام والحجاز واليمن والأناضول و أجزاء من الديار العراقية وإفريقية لمدة 111 سنة. السابع من سلاطين المماليك البحرية وفاتح طرابلس الشام والمرقب وقائد معركة حمص الثانية ضد دولة مغول فارس شارك في معركة المنصورة وأسس البيمارستان المنصوري في القاهرة.

    كان من كبار الأمراء أصحاب النفوذ أثناء حكم الأسرة الظاهرية، وبويع له بالسلطنة في الحادي عشر من رجب سنة 678 هـ خلفاً للملك الصغير العادل بدر الدين سُلامش. تتحدث أغلب مصادر هذا العصر عن لقب الألفي وهو لقب أطلق على السلطان المنصور قلاوون لأنه ورد البلاد في أحسن جلبة، وأبهى وأتم خلقة وخلقاً. ازدحمت عليه عند وصوله وهو ابن أربع عشرة سنة أرباب الرغبات وبذلت فيه الألوف من الذهب، فكان الألفي قامة، والألفي قيمة، وأنه لأعلى وأغلى، وإن محله لأجل وأعلى.

    أصله ونشأته

    هو المنصور أبو المعالي سيف الدين قلاوونبن عبد اللهالألفيالعلائيالصالحي النجمي.

    ذكر شمس الدين الذهبي حول صفات المنصور قلاوون ما يلي: أصله من جنس المماليك، و هم أطفال مسّهم الرق بسبب خطفهم من أهلهم أو بيعهم من الفقر، و ينتهي بهم المطاف في القاهرة حيث يقوم أحد السلاطين أو الأمراء باعتاق المملوك، يشرف علي تربيته و ينشأه نشأة إسلامية حيث يقوم بدراسة الشريعة و حفظ صحيح البخاري و القرآن وتعلم القراءة و الكتابة و اتقان اللغة العربية وتحدثهم بها بلهجتها المصرية، وحفظ القرآن الكريم ثم إذا وصل سن البلوغ يتم تدريبه علي فنون الفروسية و المهارات القتالية، و كان المنصور قلاوون من ضمن المماليك البحرية ونشأ معهم في قلعة الروضة في القاهرة.

    طفولة قلاوون و نشأته

    نتيجة لهذه الظروف فإن المعلومات عن نشأة و اصل معظم المماليك قبل وصولهم للقاهرة شحيحة للغاية، و مما وصل لنا من المؤرخين عن طفولة قلاوون انه ولد سنة 618هـ اختطف المنصور قلاوون و هو صغير و بيع في اسواق الرقيق و أطلق عليه أحد تجار الرقيق اسم (آق ون) هو اسم تركي يعني بطه سمي هكذا لأن كان هناك تقوص في قدميه و حرف اسمه علي لسان أهل مصر إلي قلاوون وعرف به، وصل القاهرة و عمره أربع عشرة سنة بعد أن اشتراه أحد امراء المصريون وهو الأمير الأمين علاء الدين آق سنقر الساقي العادلي و اليه نسب الملك المنصور قلاوون بالعلائي و اشتراه بألف دينار لحسن سيرته لهذا السبب لقب بـ قلاوون الألفي، ولما توفي الأمير الأمين علاء الدين انتقل إلى خدمة الصالح أيوب الذي أعتقه سنة 647 هـ، و أصبح من ضمن المماليك البحرية.

    فيما بعد شارك في عدة حملات ابرزها الحملة الصليبية السابعة كما أنه كان أبرز رجال الظاهر بيبرس وصديقه المقرب و لقوة الرابطة بينهم قام بتزويج ابنته الْخُونْدَهُ غَازِيَةُ خَاتُونَ بِنْتُ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ للْمَلِكِ السَّعِيدِ ناصر الدين مُحَمَّدُ ابْن الْملك الظَّاهِر بيبرَسْ البُنْدُقْدارِي، و بوفاة الظاهر بيبرس أصبح أحد اقوي امراء المماليك و اتابك للعسكر.

    السلطنة

    بعد أن اُجبر الملك السعيد على خلع نفسه ورحيله إلى الكرك عرض الأمراء السلطنة على الأمير سيف الدين قلاوون الألفى إلا أن قلاوون الذي كان يدرك قوة الأمراء والمماليك الظاهرية رفض السلطنة قائلاً للأمراء «أنا ما خلعت الملك السعيد طمعاً في السلطنة، والأولى ألا يخرج الأمر عن ذرية الملك الظاهر». فأستُدعى سلامش الذي كان طفلا في السابعة من عمره إلى قلعة الجبل وتم تنصيبه سلطانا بلقب الملك العادل بدر الدين ومعه قاضى القضاة برهان الدين السنجارى وزيراً وعز الدين أيبك الأفرم نائبا للسلطنة وقلاوون الألفى أتابكاً ومدبراً للدولة وكُتب إلى الشام بما تم فحلف الناس بدمشق كما وقع الحلف بمصر أصبح قلاوون هو الحاكم الفعلى للبلاد وأمر بأن يخطب بإسمة واسم سُلامش معاً في المساجد وبأن يُضرب اسمه مع اسمه على السكة كما شرع في القبض على الأمراء الظاهرية وإيداعهم السجون بينما راح يستميل المماليك الصالحية عن طريق منحهم الاقطاعات والوظائف والهبات بهدف سيطرته الكاملة على البلاد تمهيداً لاعتلاءه تخت السلطنة. ولما أحس قلاوون أن البلاد قد صارت في قبضته بالكامل استدعى الأمراء والقضاة والأعيان بقلعة الجبل وقال لهم: «قد علمتم أن المملكة لا تقوم الا برجل كامل» فوافقه المجتمعون وتم خلع سُلامش بعد أن ظل سلطاناً اسمياً لمدة مئة يوم ونُصب قلاوون سلطاناً.

    وصول المغول ووقعة حمص

    في السابع والعشرين من جمادى الآخرة 680هـ وصل الخبر بقدوم منكوتمر بن هولاكو بجيشه إلى عنتاب، فخرج إليه السلطان وعسكر في حمص، واستقدم سنقر الأشقر وقواته، ودخل التتار حماة فخربوا فيها، ثم وصلوا إلى حمص حيث التقى الجمعان في حمص بتاريخ 14 رجب سنة 680هـ/ (28 أكتوبر 1281م). وقد اضطربت ميمنة المسلمين في البداية، ثم الميسرة، وثبت السلطان ومن معه ثباتاً عظيماً، ماحمل الأمراء والقادة على الانقضاض على التتار وكسروهم كسرة عظيمة، وجرحوا ملكهم، وقتلوا منهم الكثير، وكانت مقتلة تفوق الوصف، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين انتصاراً مظفراً، ودخل السلطان المنصور دمشق في أبهة النصر في 22 من رجب سنة 680هـ (5 نوفمبر 1281م) وبين يديه الأسرى، وحاملين معهم رؤوس قتلى المغول على الرماح.

    وفاة المنصور قلاوون

    توفي السلطان قلاوون بقلعة الجبل بالقاهرة في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة 689هـ، وفيها غُسّل وكفن، ثم حُمل إلى تربته الواقعة ضمن ما يعرف بمجموعة السلطان المنصور قلاوون في منطقة بين القصرين (شارع المعز) فدُفن فيها، ولا تزال هذه المجموعة العمرانية شاهدة على عظمة هذا السلطان وازدهارعهده و يوجد له مسجد كبير في شارع المعز لبوابة الفتوح، و كان بجانب اهتمامه بالعمران كان سلطاناً شاعراً كان له عدة ديوان اشهرها ديوانه (الحصن الحصين) الذي يمتدح فيه مصر و أهلها.

    بعد وفاة السلطان المنصور خلفه ولده السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون الذي استكمل رحلة الجهاد وفتح فتوحاً عظيمة، ومن بعده أخوه الناصر محمد بن قلاوون وظل الحكم في بنو قلاوون نحو قرن من الزمان.

  17. 1334 م

    مسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن

    9 دقائق قراءةمسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن أو مدرسة السلطان حسن أو مسجد السلطان حسن هو أحد المساجد الأثريّة الشهيرة بالقاهرة. يوصف بأنه درة العمارة الإسلامية بالشرق، ويعد أكثر آثار القاهرة الإسلامية تناسقاً وانسجاماً، ويمثل مرحلة…
    مسجد ومدرسة السلطان حسن
    مسجد ومدرسة السلطان حسن

    مسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن أو مدرسة السلطان حسن أو مسجد السلطان حسن هو أحد المساجد الأثريّة الشهيرة بالقاهرة. يوصف بأنه درة العمارة الإسلامية بالشرق، ويعد أكثر آثار القاهرة الإسلامية تناسقاً وانسجاماً، ويمثل مرحلة نضوج العمارة المملوكية. أنشأه السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون خلال الفترة من 757هـ/1356م إلى 764هـ/1363م خلال حقبة حكم المماليك البحرية لمصر. يتكون البناء من مسجد ومدرسة للمذاهب الأربعة (الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة)، وكان يْدَرَّس بها أيضاً علوم تفسير القرآن، الحديث النبوي، القراءات السبع، بالإضافة إلى مُكتِّبين لتحفيظ الأيتام القرآن وتعليمهم الخط.

    كان موقع المسجد قديماً سوقاً يسمى «سوق الخيل» وكان به قصر أمر ببنائه الناصر محمد بن قلاوون لسكنى الأمير يلبغا اليحياوي، ثم قام السلطان حسن بهدم هذا القصر وبنى محله هذه المدرسة. ويقع المسجد حالياً بميدان صلاح الدين (ميدان الرميلة) بحي الخليفة التابع للمنطقة الجنوبية بالقاهرة، وبجواره عدة مساجد أثرية تتمثل في مسجد الرفاعي، مسجد المحمودية، مسجد قاني باي الرماح، مسجد جوهر اللالا، بالإضافة إلى مسجد محمد علي، ومسجد الناصر قلاوون بقلعة صلاح الدين، ومتحف مصطفى كامل.

    المنشئ

    ولد السلطان الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون سنة 735هـ/1334م، وسمي أولاً قامري، ولما ولي ملك مصر اختار اسم حسن فعرف به. ولي عرش مصر سنة 748هـ/1347م، وعمره ثلاثة عشر سنة، ولصغر سنه ناب عنه في إدارة شؤون الدولة الأمير بيبغا روس، وأنعم على الأمير منجك اليوسفي وعينه في الوزارة والأستدارية. وفي سنة 751هـ/1350م أثبت القضاة أنه بلغ سن الرشد، فتولى الحكم وقبض على الأميرين بيبغا روس ومنجك اللذان كان في يدهما أمور الحكم، مما دعا الأمراء إلى التآمر عليه وإقصاءه عن الملك سنة 752هـ/1351م، واعتقل وعين مكانه أخيه الملك الصالح صالح. وفي سنة 755هـ/1354م أعيد الملك الناصر حسن إلى ملك مصر، وفي تلك الفترة ازداد التنافس بين الأمراء الترك، فترك السلطان مقاليد السلطنة إلى الأمير شيخون العمري، وبعد مقتله استولى الأمير صرغتمش الناصري على شؤون الدولة واستبد وطمع في السلطنة، فاتفق السلطان حسن مع جماعة من الأمراء على التخلص منه، فقبضوا عليه وهزموا مماليكه التي ورثها من بعده بجانب أمواله الأمير يلبغا الخاصكي العمري الذي أقره السلطان على إمرة مجلس، وأخذ يشتري عدداً كبيراً من المماليك مما أثار مخاوف السلطان، فاتبع سياسة جديدة اعتمد فيها على أولاد الناس، فاشتدت الفتنة بين السلطان والأمير يلبغا، فحاول السلطان الفتك به فلم يوفق، فهاجمه يلبغا في القلعة فهرب السلطان، ثم قبض عليه ومن معه في المطرية سنة 762هـ/1361م وهو في طريقه قاصداً الشام، وكان هذا آخر العهد به، وقيل أنه خنق وألقي في البحر ولم يعرف له قبر.

    المهندس

    أحاط الغموض الفنان الذي شيد هذا البناء، وبقي اسم المهندس غير معروف لم يذكره أحد من المؤرخين، ولكن استنتج هرتس باشا من أسلوب عمارته أنه أجنبي ورجح أنه بيزنطي تلقى أصول الطراز الإسلامي في أحد البلاد السلجوقية. أما شاد العمارة فاكتشف اسمه الأثري حسن عبد الوهاب سنة 1944 على نص مكتوب في طراز جصي بالمدرسة الحنفية نصه:

    والأمير محمد بن بيليك المحسني هو من أمراء الألوف ومن أولاد الناس، وقف بجانب السلطان حسن في محنته مع يلبغا، ونشأت أسرته في عصر المنصور قلاوون، وتقلب أفرادها في وظائف الدولة.

    التاريخ

    خلف السلطان حسن عمارة جليلة خلدت اسمه والتي تمثلت في مسجده ومدرسته التي يعدها المؤرخين والأثريين أجمل مساجد القاهرة وعموم مصر، وخير أبنية عصر المماليك جميعاً وفخر العمارة الإسلامية في الشرق بأجمعه. عرف موضع المسجد قديماً بسوق الخيل، وكان به قصر أمر بإنشائه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 738هـ/1337م لسكنى الأمير يلبغا اليحياوي، وبقي هذا القصر حتى ابتدأ السلطان عمارة المسجد والمدرسة سنة 757هـ/1356م، واستمر العمل به جارياً طوال مدة حياته، ورصد له ميزانية ضخمة وصرف عليه بسخاء.

    قتل السلطان حسن وكانت المدرسة كاملة عدا بعض أعمال تكميلية أتم بعض منها من بعده الطواشي بشير الجمدار، وترك بعضها على حاله. فأتم قبة الفسقية سنة 766هـ/1364م، وهي قبة خشبية أقيمت على ثمانية عمد رخامية وكتب بدائرها آية الكرسي وتاريخ الفراغ منها، كما أتم بناء القبة الكبيرة من الخشب وغطاها بألواح من الرصاص لتكون بذلك رابع قبة كبيرة في مصر بعد قبة الأمام الشافعي، وقبة مسجد الظاهر، وقبة مسجد الناصر قلاوون. وافتتحت المدرسة في حياة السلطان حسن قبل إتمامها، وصلى بها الجمعة وأنعم على البنائين والمهندسين، وأقيمت بها الدروس، كما حرر لها وقفية سنة 760هـ/1359م، وعين بها الموظفين والقراء وفرشها وعلق بها الثريات والمشكاوات الجميلة، وعين لها إماماً.

    نظام المدارس

    قرر السلطان حسن لمدارس المذاهب الأربعة مدرسين ومراقبين وعين لهم مرتبات، وقرر لكل مذهب شيخاً ومائة طالب، من كل فرقة خمسة وعشرون متقدمون وثلاثة معيدون، وعين مدرساً لتفسير القرآن، وعين معه ثلاثين طالباً، وعين مدرساً للحديث النبوي، ومقرئاً لقراءة الحديث ومعهما ثلاثين طالباً، ثم عين بالإيوان القبلي شيخاً مفتياً، وعين مدرساً عالماً بالقراءات السبع، وعين اثنين لمراقبة الحضور والغياب أحدهما بالليل والآخر بالنهار، كما أعد مكتبة وعين لها أميناً، وألحق بالمدرسة مكتبين لتعليم الأيتام القرآن والخط، وقرر لهم الكسوة والطعام، فكان إذا أتم اليتيم حفظاً يعطى خمسين درهماً، ويمنح مؤدبه خمسين درهماً مكافأة له. وعين السلطان ثلاثة أطباء أحدهما باطني والآخر للعيون، يحضر كل منهما كل يوم بالمسجد ليداوي من يحتاج إلى علاج من الموظفين والطلبة، والثالث جراح.

    المبنى كحصن

    اتخذ المماليك من المبنى حصناً لهم، لوقوعه أمام قلعة الجبل، وذلك كلما وقعت فتنة بينهم، فيصعدون إلى أعلى المبنى ويضربون القلعة، ولما تكررت هذه الحوادث أمر السلطان الظاهر برقوق سنة 793هـ/1391م بهدم السلم الموصل إلى سطح المدرسة وسد ما وراء الباب النحاسي الكبير، وفتح أحد شبابيك المدرسة ليوصل إلى داخلها. وفي سنة 825هـ/1422م صرح بالآذان في المنارتين وأعيد بناء الدرج والبسطة وركب باب بدل الذي أخذه المؤيد شيخ. ولما عاود الأمراء مهاجمة القلعة من المدرسة أمر السلطان أبو سعيد جقمق بهدم السلالم الموصلة إلى المنارات سنة 842هـ/1438م. وفي سنة 858هـ/1454م عهد السلطان أبو النصر إينال إلى المهندسين بفحص المنارة القبلية، فتبين لهم سلامتها، ولكن وجد أن رصاص القبة به ثغرات، وهلالها به اعوجاج من كثرة إصابتها خلال الحروب، فرفع وبقيت القبة بدونه. وفي سنة 902هـ/1497م حوصرت القلعة وتبادل المماليك الضربات من وإلى المدرسة، ونهبت بسط المدرسة وقناديلها ورخامها.

    في سنة 903هـ/1497م جدد الأمير طومانباي الدوادار الثاني جدران المدرسة وأصلح ما تلف منها، وأقيمت الخطبة بها بعد أن كانت معطلة نحو عشرة أشهر. وفي سنة 906هـ/1500م هدم الأشرف جان بلاط جزءً بسيطاً خلف محراب القبة بصعوبة ثم أوقف الهدم. ولما ولي ملك مصر الملك العادل طومان باي أمر بترميم جميع ما تهدم من جدران في مدة محاصرة القلعة. ثم سد الباب الكبير مرة ثانية لمدة 51 سنة منذ سنة 1149هـ/1736م وحتى سنة 1200هـ/1785م حيث أصلح المسجد سليم أغا وفتح بابه وأزال الدكاكين من أسفله، وبنى له سلالم ومصطبة جديدة.

    التصميم

    وضع تصميم المدرسة على طريقة التعامد التي تشتمل على أربعة إيوانات يتوسطها صحن مكشوف. وكان المقرر في مشروع بنائها أربعة منارات، فرغ من بناء ثلاث، منها اثنتان تكتنفان القبة بالوجهة الشرقية، والثالثة كانت على الكتف الأيمن للباب العمومي، وسقطت الثالثة سنة 762هـ/1361م، فأبطل السلطان حسن بناء المنارة الرابعة التي كان مقرراً لها الكتف الأيسر، واكتفي بالمنارتين.

    صمم المبنى على هيئة كثيرة الأضلاع، وتبلغ مساحته 7906 متر مربع، حيث يبلغ أقصى طول 150 متر، وأقصى عرض 68 متر، وله أربع وجهات شرقية وغربية وقبلية وبحرية، بالجهة الشرقية القبة والمنارتان، أقدمهما القبلية، ويبلغ ارتفاعها عن صحن الجامع 81.60 متر، ومنارة بحرية سقطت سنة 1070هـ/1659م، وجددها الوالي العثماني إبراهيم باشا سنة 1082هـ/1671م. حليت أعتاب شبابيك القبة بمقرنصات وعقود غريبة، وطعمت بأشرطة من القاشاني، وحليت نواصيها بعمد من الحجر بها كتابات كوفية. أما الجهة القبلية للمبنى فبها مدرستي الحنابلة والحنفية، والجهة الغربية تحتها دورة المياه وأمامها الساقية التي كانت توصل المياه إلى المدارس وإلى المسجد. في حين يبلغ ارتفاع الجهة البحرية عند الباب 37.70 متر وهي الجهة العمومية، وبطرفها الغربي الباب العمومي الذي حلي من جانبيه بالزخارف المتنوعة الممتدة إلى أعلى، والتي لم تكتمل. ويكتنف المدخل حنيتان برأسيهما مقرنصات لبستا بالرخام الأخضر بأشكال هندسية، وقد كان لهذا الباب مصراعان من الخشب مغشيان بأنفس الأبواب النحاسية، نقلهما السلطان المؤيد شيخ إلى مسجده بالسكرية سنة 819هـ/1416م، ويؤدي هذا الباب إلى مدخل مربع الشكل مكون من ثلاثة إيوانات يتوسطها قبلة ملبسة بالحجر الأحمر، وبصدر المدخل مسسطبة حلي صدرها بالرخام الملون الملبس في الرخام الأبيض، ومن هذا المدخل يتوصل إلى سلم ذي خمس درجات يؤدي إلى دهليز معقود منثني إلى اليسار، وينتهي إلى صحن كبير مفروش بالرخام الملون مساحته 34.60 متر * 32 متر، يتوسطه فسقية تعلوها قبة محمولة على ثمانية أعمد، وحول الصحن أربع إيوانات أكبرها إيوان القبلة، وبصدره المحراب المغشى بالرخام الملون والمحلى بالزخارف، ويجاور المحراب منبر من الرخام له باب من النحاس المفرغ، ويكتنف المحراب بابان يوصلان إلى القبة.

    والقبة مربعة طول كل ضلع من أضلاعها 21 متر، وارتفاعها إلى ذروتها 48 متر، وبها محراب من الرخام محلى بزخارف دقيقة، ووزرة مرتفعة نحو ثمانية أمتار، ويتوسط القبة تركيبة من الرخام كتب عليها أنها أنشئت سنة 786هـ/1384م برسم تربة السلطان السعيد الشهيد الملك الناصر حسن وذريته، إلا أن السلطان لم يدفن بها حيث قتل ولم يعرف له قبر، ودفن فيها ولداه الشهاب أحمد المتوفى سنة 788هـ/1386م، وأخيه إسماعيل، وأودع بهذه القبة كرسي المصحف المكون من حشوات سن وآبنوس وخشب دقت بالأويمة الدقيقة. ويحيط بالصحن أربع مدارس للمذاهب الأربعة، أكبرها المدرسة الحنفية إذ تبلغ مساحتها 898 متر، ويتكون كل منها من إيوان وصحن تتوسطه فسقية، ثم طبقات بعضها فوق بعض تشرف على الصحن والوجهات، وكان لإيوان المدرسة الحنفية فسقية نقلت إلى مسجد الطنبغا المارداني بواسطة لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1317هـ/1899م.

    واتخذ خلف الدركاة والإيوان الغربي أبنية فرعية، الدور الأرضي منها يشتمل على دورة مياه فسيحة مساحتها 412 متر، وتنخفض أرضية تلك الجهة عن أرضية الجامع بستة أمتار ونصف متر، ويتوصل إليها من باب في غاية الجمال، وفي وسطها ميضأة من الرخام الأبيض، وعلى امتداد جدران هذا المكان مرافق ومنافع متنوعة، ومن ملحقات الجامع أيضاً الساقية الموجودة بالزاوية القبلية الغربية.

    الترميم

    قامت لجنة حفظ الآثار العربية تحت إشراف المهندس هرتس باشا ببذل مجهود جبار في إصلاح عمارة مباني المسجد والمدرسة، فأكملت بناء المنارتين وأصلحت الجدران والرخام والنجارة والأرضية ما أعاد للمسجد رونقه، وانتهت تلك الأعمال في منتصف سنة 1915 بتكلفة بلغت 40 ألف جنيه وقتها. في عام 2012 بدأت وزارة الآثار المصرية في إجراءات فعلية لصيانة المسجد، ضمن خطتها لترميم المسجد الذي كان يعاني بعض التصدعات. تضمنت خطة التطوير تزويد المسجد ببوابة إلكترونية، إجراء أعمال ترميم دقيق لبعض جدرانه، من بينها حائط القبلة وكرسي المقرئ وصيانة القبة الضريحية وفسقية الصحن، وإعادة النظر في أسلاك الشبكة الكهربائية داخل المسجد لجعلها غير مرئية للزوار، تغيير سجاد المسجد، تحويل خط المياه المتصل بالشبكة الرئيسية وإبعاده عن المنطقة الأثرية، تركيب كاميرات للمراقبة بتكلفة وصلت إلى 78 ألف جنيه، وذلك ضمن خطة لتأمين المسجد والمنطقة الأثرية على مدار الساعة من خلال غرفة مراقبة مركزية، كما تم إعداد مكتبة للتراث بالمسجد، تضم كتباً تاريخية تتناول مصر في العصر الإسلامي، وخطط للإعداد لأنشطة ثقافية ودينية وتنظيم وإقامة المحاضرات والندوات الثقافية والدينية والتربوية والعلمية المتعلقة بالشباب بالمسجد. وتضمن مشروع الصيانة أيضاً تخصيص منطقة خدمية لخدمة زوار المنطقة من المصريين والأجانب، وتجميل وتشجير المنطقة الأثرية المحيطة بالمسجد وتأهيلها بشكل جمالي يليق بجلال الآثار الإسلامية بالمنطقة.

    وفي 28 مايو 2021، سقط جزء من الرفرف الخشبي الحديث لقبة الفوارة بجامع السلطان حسن، والذي استُحداث ضمن أعمال الترميم التي قامت بها لجنة حفظ الآثار العربية القديمة بالجامع سنة 1902.

    التكريم

    تهتم الدول بوضع أهم معالمها على عملاتها المتداولة سواء الورقية أو المعدنية لتفتخر بها بين الأمم، وتظهر للعالم مدى عراقتها وأصالتها وتحضرها، ومن ناحية أخرى لتسلط الضوء على هذه المعالم لتروّج لها تدعيما للسياحة، وعلى ذلك تم تزيين العملة المصرية من فئة مائة جنيه برسم صورة مسجد السلطان حسن على وجهها فيما تم رسم صورة أبو الهول على ظهرها. وخلال فترة السبعينات زينت صورة المسجد العملة المصرية من فئة عشرة جنيهات والتي تم تغيير تصميمها في فترات تالية لتنتهي حالياً بتصميم يزينه صورة مسجد الرفاعي.

    > EGP 100 Pounds 2002 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "حالية" فئة 100 جنيه EGP 100 Pounds 1994 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "سابقة" فئة 100 جنيه EGP 10 Pounds 1969 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "سابقة" فئة 10 جنيه

  18. 1382 م

    مماليك الشركس

    6 دقائق قراءةالمماليك الشركس أو المماليك البُرجية أو مماليك البُرج أو مماليك الحِصن، هم لواء من المماليك كان يقيم في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة منذ جنّده الناصر محمد بن قلاوون منذ ما يقرب من مائة عام قبل وصولهم للحكم عام 1382م…

    المماليك الشركس أو المماليك البُرجية أو مماليك البُرج أو مماليك الحِصن، هم لواء من المماليك كان يقيم في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة منذ جنّده الناصر محمد بن قلاوون منذ ما يقرب من مائة عام قبل وصولهم للحكم عام 1382م 784 هـ عندما بدء حُكم المماليك الشراكسة لمصر بالسلطان الظاهر برقوق وانتهى بالسلطان الأشرف طومان باي الذي هزمه العثمانيون في معركة الريدانية وأُعدم شنقا على باب زويلة سنة 923 هـ الموافق 1517م.

    الدولة المملوكية البرجية، أو الدولة المملوكية الشركسية أو الجركسية، هي الفرع الثاني للدولة المملوكية في مصر، بدأت بعد الدولة المملوكية البحرية بعد سلطنة الظاهر برقوق أول سلاطين الدولة البرجية في مصر التي استمرت من عام 1382م حتى فتح الدولة العثمانية لمصر عام 1517م. تسببت تمردات الشام وكثرة غارات العربان واعتداءاتهم على القرى المصرية وبالتالي تدمير البنية الزراعية في مصر والنزاعات بين الأمراء في إضعاف الدولة. آخر السلاطين البرجية كان السلطان الأشرف طومان باي.

    التسمية

    سُميت بالدولة البرجية لأن مماليكها كانوا يسكنون أبراج قلعة الجبل، وتُسمى شركسية - أو جركسية - لأن مماليكها كانوا من الشركس سكان المرتفعات الجنوبية في بلاد القبجاق، وهذه منطقة ما بين البحر الأسود وبحر قزوين. كانت تُأسر منهم أعداد كبيرة وقت الغارات والحروب، واشترى السلطان قلاوون أعداداً كبيرة منهم وأسكنهم في قلعة الجبل حتى يبعدهم عن المماليك التركيين (تركيين بمعنى عام وليسوا أتراك تركيا)، وأعطى مناصب لعدد منهم مثل «السلحدارية» (ماسك السلاح) و«الجقمقدارية» (المسؤول عن ملابس السلطان)، «الجاشنكيرية» (ذواق طعام السلطان) و«الأوشاقية» (مسؤول ركوب السلطان للأحصنة للمتعة والرياضة). استخدام تسمية «البرجية» أصح من «الشركسية» لأن من جهة لفظ شركسية يشير لجنس وليس لنظام سياسة، ومن جهة أخرى هناك سلاطين من أصول شركسية حكموا في فترة دولة المماليك البحرية.

    سلاطين الدولة

    حكم الدولة البرجية خمسة وعشرون سلطانا، من ضمنهم الخليفة العباسي المستعين بالله العباس والظاهر قانصوه الأشرفي الذي حكم ثلاثة أيام فقط.

    تميز عصر الدولة المملوكية البرجية بتولي عدد كبير من الأطفال للسلطنة وكان أصغرهم المظفر أحمد بن شيخ الذي بلغ من العمر أقل من سنتين. تُسمى الفترة التي جلس فيها الأطفال على العرش فترة حكم الأوصياء، وتميز أيضاً بحدوث تمردات كثيرة في الشام التي ظلت عبئاً على مصر والدولة المملوكية، وكانت حصيلتها استنزاف مصر وإضعاف الدولة المملوكية وإيصالها لنهايتها بعدما استولى العثمانيون بالخيانات والمؤامرات على الشام عام 1516 م وعلى مصر ذاتها بعد عام واحد.

    لم يكن لسلاطين الدولة البرجية بوجهٍ عامٍ نفوذٌ مطلقٌ فكانوا يتعرضون للخلع، وكان المماليك يتمردون عليهم من وقت لآخر ويحاصرون القلعة ويهددون السلطان، حتى عندما كان يضطر السلطان للهرب كما حدث للسلطان احمد بن اينال والسلطان الظاهر قانصوه الأشرفي. معظم السلاطين المعزولين كانوا أطفالاً يوصي أباؤهم السلاطين قبل وفاتهم لهم بالسلطنة، فكان هؤلاء الأطفال السلاطين مجرد دمى في أيدي الأوصياء، والوصي في العادة كان الأتابك وكان يقوى مركزه ويأخذ الأمراء في صفه ويستولي على السلطة الفعلية، ويظل يرتب وينظم أوضاعه حتى يتمكن من خلع السلطان الطفل كما حدث مع السلطان «جمال الدين يوسف بن برسباي».

    كانت العادة أن كل سلطان جديد كان يقوى مركزه ويثبت نفسه على العرش عن طريق الإغداق على رجال الدولة وخاصةً أنصاره بالمنح والهدايا والإقطاعات و«نفقة البيعة» التي كانت نقود تُصرف على رجال الجيش، كلٌ حسب رتبته.

    الخليفة العباسي في القاهرة كان ضروريا حيث كان يعطي الموافقة للسلطان وبالتالي شرعية الحكم، لكن رغم ذلك كان الخليفة مجرد صورة يتحكم بها السلطان يستطيع إبقائه أو عزله وقتما يريد، فقد عزل السلطان الظاهر سيف الدين برقوق الخليفة «المتوكل على الله» وعين مكانه «الواثق بالله» والسلطان «إينال» عزل الخليفة العباسي حمزة القائم بأمر الله وسجنه.

    كان للدولة المملوكية البرجية لها إنجازات ثقافية وعمرانية فلها ينتمي المؤرخين ابن تغرى وابن إياس، ويعتبر جامع المؤيد الذي بناه السلطان المؤيد أبو النصر شيخ المحمودي من أجمل آثار القاهرة التي ترجع لعصر الدولة البرجية.

    التحديات

    التحديات العسكرية التي واجهت دولة المماليك البحرية كانت أضخم بكثير من التحديات التي واجهتها دولة المماليك البرجية، فالبحرية حاربوا بنجاح الصليبيين والمغول في نفس الوقت، وظهر منهم قادة كبار مثل الظاهر بيبرس وسيف الدين قطز والمنصور قلاوون والأشرف خليل والناصر محمد بن قلاوون. شهدت بداية حكم البرجيين تهديدات من المغول بقيادة تيمورلنك لكن كانت الدولة ما تزال قوية واستطاع الظاهر برقوق أن يواجه الموقف ويجعل تيمورلنك يخشى مواجهة الدولة المملوكية.

    خرج من بين الخمسة والعشرين سلطاناً برجياً تسعة سلاطين امتازوا بالقوة على مدار 130 عاماً وهم:-

    الستة عشر سلطاناً الآخرين حكموا حوالى تسعة أعوام فقط وهم: الخليفة العباسي العباس المستعين بالله والمظفر أحمد بن شيخ وسيف الدين ططر والصالح محمد والعزيز يوسف والمنصور عثمان والمؤيد أحمد والظاهر بلباي والظاهر تمر بغا وأبو السعادات محمد والظاهر قانصوه الأشرفي والعادل طومان باي والأشرف طومان باى.

    كان السلطان الأشرف برسباى من السلاطين البرجية الأقوياء، فغزا قبرص ودمر مدنها كانتقام للحملة الصليبية على الإسكندرية التي قام بها ملك قبرص بيير دو لوزينان عام 1365م، ولكن مع تفشي تمردات ومؤامرات الشام وتنافس الأمراء وغارات العربان على القرى المصرية ضعفت الدولة البرجية، وتُعرف تلك الفترة التي تبدأ بالسلطان الناصر ناصر الدين محمد بن قايتباي من عام 1496م بفترة سلاطين الضعف والفوضى.

    فترة الضعف والفوضى

    بعدما توسعت الإمبراطورية المملوكية وأصبحت قوة تُهاب من الشرق والغرب بدأت في التدهور، ففترة حكم الناصر محمد بن قايتباي اتسمت بالضعف والاضطراب وفترة حكم الظاهر قانصوه الأشرفي الذي خلفه زادت التمردات والنزاعات بين الأمراء حتى وصل لدرجة أن الظاهر قانصوه الأشرفي تآمر مع الأمراء على قتل ابن أخته «الناصر محمد بن قايتباي» وحكم بعده ثم تآمر عليه الأمراء حتى عزلوه هو الآخر ونصبوا الأتابك الأشرف جان بلاط ثم العادل طومان باي وقانصوه الغوري، وكان هذا أثناء بروز الدولة العثمانية في آسيا الصغرى، فهاجموا الشام التي كانت تابعة لمصر واستطاعوا فتحها بسبب قدراتهم العسكرية من جهة، والخيانات والمؤامرات التي كانت تحدث هناك من جهة أخرى، وكانت الشام في فترة الدولة البرجية تمثل عبءاً على مصر بسبب مشاكلها وتمرداتها ومؤامراتها وضعفها في مواجهة القوى الخارجية.

    غزا العثمانيون الشام وكالعادة خرج الجيش المصري لحماية الشام كما كان يحميها من المغول والصليبيين على مر العصور الوسطى لكن في هذه المرة فشل قانصوه الغوري في منع قوات العثمانيين، واستنزف الجيش المصري في معركة مرج دابق دفاعاً عن الشام ومات من الصدمة وقت المعركة وتولى طومان باي الحكم وفعل كل ما يستطيع كي يحافظ على مصر التي تبدد جيشها في الشام وجمع ما يستطيع من بقايا الجيش وحارب بجيش صغير للغاية ليمنع دخول الجيوش العثمانية مصر، لكنه تعرض للخيانة بعدما غدر به شيخ من العربان ودل العثمانيين على مكانه، فقبضوا عليه وأعدموه، وبذلك انتهت الدولة البرجية والدولة المملوكية بصفة عامة.

    دون ابن إياس قصيدة شعرية مؤثرة عن سقوط الدولة المملوكية بعد فتح العثمانيين لمصر، يقول مطلعها:

    سلاطين الدولة المملوكية البرجية

    الحاكم الحياة الحكم

    1الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس اليبغاوى....-.... 1382-1399

    2الناصر فرج بن برقوق....-.... 1399-1405

    3المنصور عبد العزيز بن برقوق....-.... 1405-1405

    2-2الناصر فرج بن برقوق....-1412 1405-1412

    3ًأبو الفضل العباس المستعين بالله

    1390-1430 1412-1413

    4المؤيد أبو النصر شيخ المحمودي....-1412 1413-1421

    5المظفر أحمد بن الشيخ....-.... 1421-1421

    6الظاهر سيف الدين ططر....-.... 1421-1421

    7الصالح ناصر الدين محمد بن ططر....-.... 1421-1422

    7الأشرف أبو النصر برسباي....-.... 825هـ (1422م)

    8الأشرف سيف الدين برسباي....-.... 1422-1438

    9العزيز جمال الدين يوسف بن برسباي....-.... 1438-1438

    10الظاهر سيف الدين جقمق....-.... 1438-1453

    11المنصور فخر الدين عثمان بن جقمق....-.... 1453-1453

    12الأشرف سيف الدين إينال العلائي....-.... 1453-1460

    13المؤيد شهاب الدين أحمد بن إينال....-.... 1460-1460

    14الظاهر سيف الدين خشقدم....-.... 1460-1467

    15الظاهر سيف الدين بلباي المؤيدي....-.... 1467-1468

    16الظاهر تمر بغا الرومي....-.... 1468-1468

    17الأشرف سيف الدين قايتباي....-.... 1468-1496

    18الناصر محمد بن قايتباي....-.... 1496-1497

    19الظاهر قانصوه....-.... 1497-1497

    18-2الناصر محمد بن قايتباي....-.... 1497-1498

    20الظاهر قانصوه الأشرفي....-.... 1498-1500

    21الأشرف جان بلاط....-.... 1500-1501

    22العادل طومان باي....-.... 1501-1501

    23 الأشرف قانصوه الغوري

    1446-1516 1501-1516

    24الأشرف طومان باي....-.... 1516-1517

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (206)بحث أكاديمي17جهة رسمية10كتاب متخصص159موقع موثوق20

بحث أكاديمي(17)

  1. Sultans with Horns: The Political Significance of Headgear in the Mamluk Empire (MSR XII.2, 2008) · Mamlūk Studies Review · 2018
  2. Ḥamāma: The historical geography of settlement continuity and change in Majdal 'Asqalan's hinterland, 1270–1750 CE · Journal of Historical Geography · 2023
  3. Behrens-Abouseif · The Jalayirid Connection in Mamluk Metalware · Muqarnas · 2009
  4. Holt · Some Observations on the 'Abbāsid Caliphate of Cairo · Bulletin of the School of Oriental and African Studies · 1984
  5. Poliak · Some Notes on the Feudal System of the Mamlūks · Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain & Ireland · 1937
  6. Salibi · Northern Lebanon Under the Dominance of Ġazīr (1517–1591) · Arabica · 1967
  7. A New Fâṭimid Inscription from Ascalon and Its Historical Setting · 'Atiqot · 1995
  8. The Mamluks and Their Acceptance of Oghuz Turkish as Literary Language: Political Maneuver or Cultural Aspiration? · Turcologica · 2007
  9. Yosef · Dawlat al-atrāk or dawlat al-mamālīk? Ethnic Origin or Slave Origin as the Defining Characteristic of the Ruling Élite in the Mamlūk Sultanate · Hebrew University of Jerusalem · 2012
  10. Yosef · The Term Mamlūk and Slave Status during the Mamluk Sultanate · Consejo Superior de Investigaciones Científicas · 2013
  11. Behrens-Abouseif · The Islamic History of the Lighthouse of Alexandria · Muqarnas · 2006
  12. Akkuş Yiğit · Memlûk Sarayında Tek Eşlilik ve Çok Eşlilik Üzerine Bir İnceleme · The Journal of International Social Research · 2016
  13. Gazda · Mameluke invasions on Nubia in the 13th Century. Some Thoughts on Political Interrelations in the Middle East · Gdansk Archaeological MuseumGdansk Archaeological Museum · 2005
  14. Seignobos · La frontière entre le bilād al-islām et le bilād al-Nūba : enjeux et ambiguïtés d'une frontière immobile (VIIe–XIIe siècle) · Afriques · 2010
  15. Creswell, K.A.C. · The works of Sultan Bibars al-Bunduqdârî in Egypt [avec 31 planches] · BIFAO · 1926
  16. M. H. Burgoyne · The Continued Survey of the Ribāt Kurd/Madrasa Jawhariyya Complex in Ṭarīq Bāb Al-Ḥadīd, Jerusalem · Levant · 1973
  17. Halperin · The Kipchak Connection: The Ilkhans, the Mamluks and Ayn Jalut · Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London · 2000

جهة رسمية(10)

  1. Frontispiece, folio from a manuscript of The Prescription for Pleasure (Sulwan al-Muta' fi 'Udwan al-Atba') of Ibn Zafar al-Siqili, AKM12, The Aga Khan Museum
  2. Al-Hariri, Maqamat ('Assemblies') – Discover Islamic Art – Virtual Museum
  3. Shirt of Mail and Plate of Al-Ashraf Sayf ad-Din Qaitbay (ca. 1416/18–1496), 18th Burji Mamluk Sultan of Egypt | probably Egyptian
  4. A Blood-Measuring Device, folio from a manuscript of The Book of Knowledge of Ingenious Mechanical Devices (Kitab al-hiyal al-nafisa), AKM11, The Aga Khan Museum
  5. The Art of the Mamluk Period (1250–1517) · The Metropolitan Museum of Art · 2001
  6. Nickel · Islamic Art in the Metropolitan Museum of Art · Metropolitan Museum of Art · 1972
  7. Welsby · The Medieval Kingdoms of Nubia: Pagans, Christians and Muslims Along the Middle Nile · British Museum · 2002
  8. Karam · Women, Architecture and Representation in Mamluk Cairo · 2019
  9. Welsby · The Medieval Kingdoms of Nubia. Pagans, Christians and Muslims along the Middle Nile. · The British Museum. · 2002
  10. The Qalawunids: A Pedigree · University of Chicago

كتاب متخصص(159)

  1. Yedida Kalfon Stillman, Norman A. Stillman · Arab Dress: A Short History : from the Dawn of Islam to Modern Times · Brill · 2003
  2. Arab painting · New York : Rizzoli · 1977
  3. Arab dress: a short history; from the dawn of Islam to modern times · Brill · 2003
  4. Egypt and Syria in the Fatimid, Ayyubid and Mamluk Eras · Peeters Publishers · 1995
  5. Petersen · Dictionary of Islamic Architecture · Routledge · 1999
  6. Rönesans'ta Osmanlı esintisi · 2004
  7. Ritratti et elogii di capitanii illustri. The portraits engraved by Pompilio Totti; the letterpress by J. Roscius, A. Mascardi, F. Leonida, O. Tronsarelli, and others · 1646
  8. Journal d'un Bourgeois du Caire, vol. II · 1955
  9. The Muslim Diaspora (Volume 2, 1500–1799): A Comprehensive Chronology of the Spread of Islam in Asia, Africa, Europe and the Americas · McFarland · 2015
  10. Flemming · Essays on Turkish Literature and History · Brill · 2017
  11. Eurasian Musical Journeys: Five Tales · Cambridge University Press · 2022
  12. James · Qurʾāns of the Mamlūks · Thames and Hudson · 1988
  13. Warner · The True Description of Cairo: A Sixteenth-century Venetian View · Arcadian Library; Oxford University Press · 2006
  14. Massing · Circa 1492: Art in the Age of Exploration · Yale University Press · 1991
  15. Amitai · Logistics of Warfare in the Age of the Crusades · Ashgate Publishing · 2006
  16. Asbridge · The Crusades: The War for the Holy Land · Simon and Schuster · 2010
  17. A Companion to Islamic Art and Architecture · Wiley Blackwell · 2017
  18. Ayubi · Over-stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East · Bloomsbury Publishing · 1996
  19. Barker · Slavery in the Black Sea Region, C.900–1900: Forms of Unfreedom at the Intersection Between Christianity and Islam · Brill · 2021
  20. Behrens-Abouseif · Cairo of the Mamluks: A History of Architecture and its Culture · The American University in Cairo Press · 2007
  21. Behrens-Abouseif · The Arts of the Mamluks in Egypt and Syria: Evolution and Impact · V&R unipress GmbH · 2012
  22. Behrens-Abouseif · Practising Diplomacy in the Mamluk Sultanate: Gifts and Material Culture in the Medieval Islamic World · I. B. Tauris · 2014
  23. Binbaş · Contact and Conflict in Frankish Greece and the Aegean, 1204–1453: Crusade, Religion and Trade between Latins, Greeks and Turks · Ashgate Publishing · 2014
  24. The Art and Architecture of Islam, 1250–1800 · Yale University Press · 1995
  25. Grove Encyclopedia of Islamic Art & Architecture · Oxford University Press · 2009
  26. Bosworth · New Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual · Edinburgh University Press · 1996
  27. Brummett · Ottoman Seapower and Levantine Diplomacy in the Age of Discovery · State University of New York Press · 1994
  28. Christ · Trading Conflicts: Venetian Merchants and Mamluk Officials in Late Medieval Alexandria · Brill · 2012
  29. Clifford · State Formation and the Structure of Politics in Mamluk Syro-Egypt, 648–741 A.H./1250–1340 C.E. · Bonn University Press · 2013
  30. Clot · L'Égypte des Mamelouks: L'empire des esclaves, 1250–1517 · Perrin · 1996
  31. Conermann · The Cambridge World History of Slavery: Volume 2, AD 500-AD 1420 · Cambridge University Press · 2021
  32. Cummins · History's Greatest Wars: The Epic Conflicts that Shaped the Modern World · Fair Winds Press · 2011
  33. Drory · Mamluks and Ottomans: Studies in Honour of Michael Winter · Routledge · 2006
  34. Elbendary · Crowds and Sultans: Urban Protest in Late Medieval Egypt and Syria · American University in Cairo Press · 2015
  35. The Art of the Qu'ran: Treasures from the Museum of Turkish and Islamic Arts · Smithsonian Institution · 2016
  36. Fischel · Ibn Khaldūn in Egypt: His Public Functions and His Historical Research, 1382–1406, a Study in Islamic Historiography · University of California Press · 1967
  37. Fuess · The Mamluk-Ottoman Transition: Continuity and Change in Egypt and Bilād al-Shām in the Sixteenth Century, 2 · Bonn University Press · 2022
  38. The Cambridge History of Egypt, Volume 1 · Cambridge University Press · 2008
  39. Grainger · Syria: An Outline History · Pen and Sword · 2016
  40. Haarmann · The Mamluks in Egyptian Politics and Society · Cambridge University Press · 1998
  41. Al-Harithy · Muqarnas: An Annual on the Visual Culture of the Islamic World, Volume 13 · Brill · 1996
  42. Hathaway · A Tale of Two Factions: Myth, Memory, and Identity in Ottoman Egypt and Yemen · SUNY Press · 2012
  43. Heng · The Invention of Race in the European Middle Ages · Cambridge University Press · 2018
  44. El-Hibri · The Abbasid Caliphate: A History · Cambridge History Press · 2021
  45. Hillenbrand · Turkish Myth and Muslim Symbol: The Battle of Manzikert · Edinburgh University Press · 2007
  46. A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day · Weidenfeld and Nicolson · 1961
  47. Holt · The Age of the Crusades: The Near East from the Eleventh Century to 1517 · Addison Wesley Longman · 1986
  48. Holt · Muslims, Mongols and Crusaders: An Anthology of Articles Published in the Bulletin of the School of Oriental and African Studies · Routledge · 2005
  49. The Middle East in the Middle Ages: The Early Mamluk Sultanate, 1250–1382 · Southern Illinois University Press · 1986
  50. Isichei · A History of African Societies to 1870 · Cambridge University Press · 1997
  51. Islahi · Economic Concepts of Ibn Taimiyah · The Islamic Foundation · 1988
  52. James · The Arab Book · Chester Beatty Library · 1983
  53. Johnson · Encyclopedia of African History 3-Volume Set · Routledge · 2005
  54. Joinville · Memoirs of John lord de Joinville · Gyan Books · 1807
  55. King · World-Maps for Finding the Direction and Distance to Mecca · Brill · 1999
  56. Levanoni · A Turning Point in Mamluk History: The Third Reign of Al-Nāṣir Muḥammad Ibn Qalāwūn (1310–1341) · Brill · 1995
  57. McCarthy · The Ottoman Turks: An Introductory History to 1923 · Routledge · 2014
  58. McGregor · A Military History of Modern Egypt: From the Ottoman Conquest to the Ramadan War · Greenwood Publishing Group · 2006
  59. Muslu · The Ottomans and the Mamluks: Imperial Diplomacy and Warfare in the Islamic World · I.B. Tauris · 2014
  60. Nicolle · Mamluk 'Askari 1250–1517 · Osprey Publishing · 2014
  61. Northrup · From Slave to Sultan: The Career of Al-Manṣūr Qalāwūn and the Consolidation of Mamluk Rule in Egypt and Syria (678–689 A.H./1279–1290 A.D.) · Franz Steiner · 1998
  62. Northrup · The Cambridge History of Egypt, Vol. 1: Islamic Egypt 640–1517 · Cambridge University Press · 1998
  63. Paine · The Sea and Civilization: A Maritime History of the World · Knopf Doubleday Publishing · 2015
  64. Petry · The Civilian Elite of Cairo in the Later Middle Ages · Princeton University Press · 1981
  65. Petry · Twilight of Majesty: The Reigns of the Mamlūk Sultans Al-Ashrāf Qāytbāy and Qanṣūh Al-Ghawrī in Egypt · University of Washington Press · 1993
  66. Petry · The Cambridge History of Egypt, Vol. 1: Islamic Egypt, 640–1517 · Cambridge University Press · 1998
  67. Petry · The Mamluk Sultanate: A History · Cambridge University Press · 2022
  68. Popper · Egypt and Syria Under the Circassian Sultans, 1382–1468 A.D.: Systematic Notes to Ibn Taghrî Birdî's Chronicles of Egypt, Volume 1 · University of California Press · 1955
  69. Powell · Tell This in My Memory: Stories of Enslavement from Egypt, Sudan, and the Ottoman Empire · Stanford University Press · 2012
  70. Rabbat · The Historiography of Islamic Egypt: (c. 950–1800) · Brill · 2001
  71. Rabbat · The Citadel of Cairo: A New Interpretation of Royal Mameluk Architecture · Brill · 1995
  72. Le Caire · Fayard · 1993
  73. Rodenbeck · Cairo: The City Victorious · American University in Cairo Press · 1999
  74. Sanders · Creating Medieval Cairo: Empire, Religion, and Architectural Preservation in Nineteenth-century Egypt · American University in Cairo Press · 2008
  75. Setton · The Later Crusades, 1189–1311 · University of Wisconsin Press · 1969
  76. van Steenbergen · Egypt and Syria in the Fatimid, Ayyubid and Mamluk Eras IV · Peeters Publishers · 2005
  77. Stilt · Islamic Law in Action: Authority, Discretion, and Everyday Experiences in Mamluk Egypt · Oxford University Press · 2011
  78. Streusand · Islamic Gunpowder Empires: Ottomans, Safavids, and Mughals · Routledge · 2018
  79. Teule · Christian-Muslim Relations. A Bibliographical History, Volume 5 (1350–1500) · Brill · 2013
  80. Varlik · Plague and Empire in the Early Modern Mediterranean World: The Ottoman Experience, 1347–1600 · Cambridge University Press · 2015
  81. Williams · Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide · The American University in Cairo Press · 2018
  82. The Mamluks in Egyptian politics and society · Cambridge University Press · 1999
  83. Ayalon · The Mamluk Military Society · Variorum Reprints · 1979
  84. The Mamluks in Egyptian and Syrian Politics and Society · Brill · 2004
  85. Shoup · The Nile: An Encyclopedia of Geography, History, and Culture · ABC-CLIO · 2017
  86. Naylor · North Africa, Revised Edition: A History from Antiquity to the Present · University of Texas Press · 2015
  87. Abu al-Fida · Tarīkh al-Mukhtaṣar fī Akhbār al-Bashar
  88. Al-Maqrizi · Kitāb al-Sulūk li-Ma'rifat Duwal al-Mulūk · AMS Press · 1969
  89. AlSayyad · Cairo: Histories of a City · The Belknap Press of Harvard University Press · 2011
  90. Ziada · A History of the Crusades: The fourteenth and fifteenth centuries · University of Wisconsin Press · 1975
  91. A History of the Crusades: The fourteenth and fifteenth centuries, edited by ... · Univ of Wisconsin Press. · 1969
  92. Winter · The Mamluks in Egyptian Politics and Society · Cambridge University Press · 1998
  93. Heghnar Zeitlian Watenpaugh · The image of an Ottoman city: imperial architecture and urban experience in Aleppo in the 16th and 17th centuries · Brill · 2004
  94. Caroline Williams · Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide; New Revised Edition · The American University in Cairo Press · 2008
  95. Petry · The Mamluk Sultanate · Cambridge University Press · 2022
  96. Niall Christie · Muslims and Crusaders: Christianity's Wars in the Middle East, 1095–1382, from the Islamic Sources · Routledge · 2014
  97. The Fall of Christendom: The Road to Acre 1291 · Amberley Publishing Limited · 2021
  98. Sultan Baybars der Erste von Ägypten · Longman · 1992
  99. Thorau · Encyclopaedia of Islam, Three · Brill · 2010
  100. Fry · Dictionary of World Biography: The Middle Ages · Routledge · 1998
  101. Amitai · Medieval Islamic Civilization: An Encyclopedia · Routledge · 2006
  102. Ranulph Fiennes · The Elite: The Story of Special Forces – From Ancient Sparta to the War on Terror · Simon and Schuster · 2019
  103. Nader Jamil Jum'a · محيي الدين بن عربي وآراؤه الفقهية في الفتوحات المكية · Dar al-Kutub al-'Ilmiyya · 2020
  104. History of the Arab world and the Crusades · Mosul University Press 1981
  105. Maqrīzī (al-) · Kitāb al-Sulūk li-Ma'rifat Duwal al-Mulūk · Lajnat al-Ta'līf · 1956
  106. Concise History of Humanity(المختصر في أخبار Tarikh al-Mukhtasar fi Akhbar al-Bashar)
  107. Runciman · A History of the Crusades: The Kingdom of Acre and the Later Crusades quoting Magrisi Sultans, I, i, p. 116; Abu al Fida pp. 145–50; Bar Hebraeus p. 439 · CUP Archive · 1987
  108. Dalrymple · In Xanadu · Penguin Books India · 1989
  109. Lock · The Routledge Companion to the Crusades · Routledge · 2013
  110. The Later Crusades, 1189–1311 · Univ of Wisconsin Press · 1969
  111. Thomas Walker Arnold · The Preaching of Islam A History of the Propagation of the Muslim Faith · A. Constable and Company; Harvard University · 1896
  112. F. Broadbridge · Kingship and Ideology in the Islamic and Mongol Worlds Cambridge Studies in Islamic Civilization · Cambridge University Press · 2008
  113. Howard · The Crusades: A History of One of the Most Epic Military Campaigns of All Time · Cambridge University Press · 2011
  114. The Spread of Islam Throughout the World · UNESCO · 2011
  115. Hopkins.Peter · Kenana Handbook of Sudan · Routledge · 2014
  116. State formation and the structure of politics in Mamluk Syro-Egypt, 648–741 A.H./1250–1340 C.E. · V&R Unipress · 2013
  117. Papas · Sufi Institutions · Brill · 2020
  118. Campo · Encyclopedia of Islam · Infobase Publishing · 2009
  119. Kastritsis · Writing History at the Ottoman Court: Editing the Past, Fashioning the Future · Indiana University Press · 2013
  120. Korobeĭnikov · Byzantium and the Turks in the Thirteenth Century · Oxford University Press · 2014
  121. Seignobos · Aegyptus et Nubia Christiana. The Włodzimierz Godlewski Jubilee Volume on the Occasion of his 70th Birthday · Polish Centre of Mediterranean Archaeology · 2016
  122. Werner · Das Christentum in Nubien. Geschichte und Gestalt einer afrikanischen Kirche · Lit · 2013
  123. Rabbat · The Citadel of Cairo · Brill · 2021
  124. Dobrowolski · The Living Stones of Cairo · American Univ in Cairo Press · 2001
  125. Crawford · The 'Templar of Tyre': Part III of the 'Deeds of the Cypriots' · Ashgate · 2003
  126. Michael Chamberlain · Knowledge and Social Practice in Medieval Damascus, 1190-1350 · Cambridge University Press · 2002
  127. Holt · Early Mamluk Diplomacy, 1260-1290: Treaties of Baybars and Qalāwūn with Christian Rulers · BRILL · 1995
  128. Kennedy · The Historiography of Islamic Egypt: (c. 950 - 1800) · Brill · 2001
  129. Ben-Bassat · Developing Perspectives in Mamluk History: Essays in Honor of Amalia Levanoni · Brill · 2017
  130. Burgoyne, Michael Hamilton · Mamluk Jerusalem · British School of Archaeology in Jerusalem by the World of Islam Festival Trust · 1987
  131. Northrup · From Slave to Sultan: The Career of Al-Manṣūr Qalāwūn and the Consolidation of Mamluk Rule in Egypt and Syria (678-689 A.H./1279-1290 A.D.) · 1998
  132. John · Crusading and warfare in the Middle Ages : realities and representations · Ashgate Publishing Limited · 2014
  133. Weatherford · Genghis Khan and the Making of the Modern World · Crown · 2005
  134. Gabriel Ben-Dor · The Palestinians and the Middle East conflict: an international conference held at the Institute of Middle Eastern Studies, University of Haifa, April 1976 · Turtledove Pub. · 1978
  135. International Documents on Palestine · Institute for Palestine Studies · 1973
  136. Boyle · The Saljuq and Mongol Periods · Cambridge University · 1968
  137. Amitai-Preiss · Mongols and Mamluks: The Mamluk-Ilkhanid War, 1260–1281 · Cambridge University Press, Cambridge · 1995
  138. Robert Cowley · The Reader's Companion to Military History · Houghton Mifflin · 2001
  139. Grousset · The Empire of the Steppes: A History of Central Asia · Rutgers University Press · 1970
  140. The Reader's Companion to Military History · Houghton Mifflin · 1996
  141. Hrbek · c. 1050 - c. 1600 · Cambridge University Press · 1977
  142. Cline · The Battles of Armageddon: Megiddo and the Jezreel Valley from the Bronze Age to the Nuclear Age · University of Michigan Press · 2002
  143. Hammer · Warfare in Early Modern Europe 1450–1660 · Routledge · 2017
  144. Irwin · c.1198-c.1300 · Cambridge University Press · 1999
  145. Man · Kublai Khan: From Xanadu to Superpower · Bantam · 2006
  146. Needham · Chemistry and Chemical Technology, Part 7, Military Technology: The Gunpowder Epic · Cambridge University Press · 1986
  147. Nicolle · The Mongol Warlords: Genghis Khan, Kublai Khan, Hülägü, Tamerlane · Firebird books · 1990
  148. Runciman · The Kingdom of Acre and the Later Crusades · Cambridge University Press · 1987
  149. Simon · Crusading and warfare in the Middle Ages : realities and representations · Ashgate Publishing Limited · 2014
  150. Thorau · The Lion of Egypt : Sultan Baybars I and the Near East in the thirteenth century · Longman · 1995
  151. Waterson · The Knights of Islam: The Wars of the Mamluks · Greenhill Books · 2007
  152. al-Yunini · Dāʾirat al-Maʿārif al-ʿUthmānīyah · Dāʾirat al-Maʿārif al-ʿUthmānīyah · 1953
  153. O'Kane · The Mosques of Egypt · American University of Cairo Press · 2016
  154. Behrens-Abouseif · Cairo of the Mamluks : a history of the architecture and its culture · I.B. Tauris · 2007
  155. Verner · Pyramidy, tajemstvi minulosti · Academia, Prague · 1997
  156. Raymond · Le Caire · Fayard · 1993
  157. Clot · L'Égypte des Mamelouks: L'empire des esclaves, 1250-1517 · Perrin · 1996
  158. The Encyclopaedia of Islam · BRILL · 1996
  159. La mosquée du sultan Hassan au Caire · Le Caire · 1899

موقع موثوق(20)

  1. The reception of the Venetian ambassadors in Damascus
  2. Neo-Mamluk Style Beyond Egypt
  3. Hathaway · Encyclopaedia of Islam, Three · Brill · 2019
  4. Baybars I · 2024
  5. Encyclopaedia of Islam, Three – Brill
  6. Rabie · Baybars I | Mamlūk Sultan of Egypt & Syria
  7. The Crusaders in the East · CUP Archive · 1907
  8. Hudson Institute > American Outlook > American Outlook Article Detail
  9. Zahiriyya Madrasa and Mausoleum of Sultan al-Zahir Baybars
  10. Gunpowder Composition for Rockets and Cannon in Arabic Military Treatises In Thirteenth and Fourteenth Centuries · 2008
  11. Tschanz · Saudi Aramco World : History's Hinge: 'Ain Jalut
  12. Ahmad Yousef al-Hassan · Transfer of Islamic Technology to the West Part III: Technology Transfer in the Chemical Industries; Transmission of Practical Chemistry · 2005
  13. Smith Jr. · Mongol Armies And Indian Campaigns · University of California · 1984
  14. Martyn · Khitat 2:316-17
  15. The treasures of Egypt
  16. The Great Pyramid of Giza was once covered in highly polished white limestone, before it was removed to build mosques and fortresses · 2016
  17. Martyn · Rumayla
  18. Mosques in Cairo · egyptopia.com
  19. Sultan Hassan Photo Gallery · egyptopia.com
  20. Sultan Hassan Mosque · Description de l'Égypte

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة