تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

الدولة الأيوبية

~1171 – ~1250 م

9 فصول · 197 دقيقة قراءة · 145 مرجعًا

  1. 1171 م

    المقدّمة

    دقيقتا قراءةالدولة الأيوبية هي دولة إسلامية نشأت في مصر، وامتدت لتشمل الشام والحجاز واليمن والنوبة وبعض أجزاء بلاد المغرب. يعد صلاح الدين يوسف بن أيوب مؤسس الدولة الأيوبية، كان ذلك بعد أن عُيِّن وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد لدين…

    الدولة الأيوبية هي دولة إسلامية نشأت في مصر، وامتدت لتشمل الشام والحجاز واليمن والنوبة وبعض أجزاء بلاد المغرب. يعد صلاح الدين يوسف بن أيوب مؤسس الدولة الأيوبية، كان ذلك بعد أن عُيِّن وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله ونائبًا عن السلطان نور الدين محمود في مصر، فعمل على أن تكون كل السلطات تحت يده، وأصبح هو المتصرف في الأمور، وأعاد مصر إلى تبعية الدولة العباسية، فمنع الدعاء للخليفة الفاطمي ودعا للخليفة العباسي، وأغلق مراكز الشيعة الفاطمية، ونشر المذهب السني.

    بعد وفاة نور الدين زنكي توجه صلاح الدين إلى بلاد الشام، فدخل دمشق، ثم ضمَّ حمص ثم حلب، وبذلك أصبح صلاح الدين سلطانًا على مصر والشام. كانت دولة الأيوبيين قد امتدت إلى بلاد الحجاز، حيث قام صلاح الدين بتحصين جنوب فلسطين، والاستعداد لأي أمر يقوم به أرناط صاحب قلعة الكرك، والذي كان يدبر للهجوم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وكان صلاح الدين قد اعتنى بميناء القلزم وميناء جدة، لأن أرناط كان قد عمَّر أسطولا في ميناء أَيْلَة (العقبة)، وأرسل سفنًا بلغت عِيذاب، فاستولى صلاح الدين على أيلة. استرد صلاح الدين بيت المقدس في 27 رجب 583 هـ الموافق 2 أكتوبر 1187م، بعد ثلاثة أشهر من انتصاره في معركة حطين، عقب ذلك سقطت في يده كل موانئ الشام، ما عدا مينائي إمارة طرابلس وأنطاكية، وانتهت الحرب الصليبية الثالثة بسقوط عكا بيد الصليبيين، وتوقيع صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد.

    توفي صلاح الدين عام 589 هـ بعد أن قسم دولته بين أولاده وأخيه العادل، ولكنهم تناحروا فيما بينهم، وظلوا يقتتلون في ظروف كانت الدولة تحتاج فيها إلى تجميع القوى ضد الصليبيين. بعد وفاة العادل تفرقت المملكة بين أبنائه الثلاثة الكامل محمد على حكم مصر، والمعظم عيسى على دمشق وما حولها، والأشرف موسى على باقي الشام. لم يكد يتوفى العادل أبو بكر حتى انهال الصليبيون على الشام ومصر وخصوصًا مصر في ثلاث حملات صليبية متتابعة أرغمت الكامل محمد على أن يتنازل طواعية عن بيت المقدس للملك فريدريك الثاني سنة 625 هـ الموافق 1228م. اختلف الأشرف موسى مع المعظم عيسى على حدود النفوذ في الشام والجزيرة، ووقعت بينهما الكثير من المشاكل والاضطرابات التي كرست الفتنة وعمقت أسباب الخلاف ومهدت لمزيد من التخبط وفتحت طريق سقوط الدولة.

    وُلِّي بعد وفاة الكامل محمد ابنه الصالح أيوب وذلك سنة 637 هـ، فاسترد بيت المقدس ودمشق وعسقلان بعد تحالفه مع القوات الخوارزمية الهاربة من الغزو المغولي. في آخر حياة الصالح أيوب هجمت الحملة الصليبية السابعة على مدينة دمياط يقودها لويس التاسع ملك فرنسا سنة 647 هـ، فرابط الصالح أيوب في المنصورة، وهناك أصيب بمرض شديد تفاقم عليه حتى مات، فأخفت جاريته أم خليل، الملقبة شجر الدر، خبر موته وأرسلت لولده الأمير توران شاه وكان في الشام، فقاد الجيوش الأيوبية وحقق انتصارًا كبيرًا على الصليبيين، وأسر ملكهم لويس التاسع. لما حقق توران شاه انتصاره على الصليبيين استدار إلى زوجة أبيه وباقي قادة الجيش وكانوا جميعًا من المماليك البحرية، وخطط للتخلص منهم وعزلهم، جعلت هذه الأمور شجرة الدر تتآمر مع المماليك على قتل توران شاه، فهاجموه في ليلة 28 محرم 648 هـ الموافق 2 مايو 1250م وقتلوه، وبذلك انتهت الدولة الأيوبية.

  2. أصول الأيوبيين

    دقيقتا قراءةتحدث المؤرخون عن النسب الأيوبي واختلفوا حول هذا النسب، ولكنهم اتفقوا على أن جد الأيوبيين هو الملك الأفضل نجم الدين أيوب بن شادي (أو شاذي) بن مروان. كتب كل من ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وابن خلكان وغيرهم عن نسب…

    تحدث المؤرخون عن النسب الأيوبي واختلفوا حول هذا النسب، ولكنهم اتفقوا على أن جد الأيوبيين هو الملك الأفضل نجم الدين أيوب بن شادي (أو شاذي) بن مروان. كتب كل من ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم وابن خلكان وغيرهم عن نسب الأيوبيين، ولكنهم لم يجمعوا على رأي واحد، ولم يبتوا نهائيًا في النسب الأيوبي، حتى المعاصرين منهم، فمنهم من قال بأنهم كرد، ومن قال أنهم عرب أمويون، ومن قال أنهم عرب ينتسبون إلى علي بن أحمد المري، ولكن لم يثبت بأن أحدا من الأيوبيين نسب نفسه إلى الأكراد فمنهم من أيد الرأي الثاني وبعضهم أيّد الرأي الثالث وقد نفوا جميعهم الرأي الأول.

    يرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دوين في أرمينية، وقد اختلف المؤرخون في نسب العائلة الأيوبية حيث أورد ابن الأثير في تاريخه أن أيوب بن شاذي بن مروان يرجع إلى الأكراد الروادية وهم فخذ من الهذبانية، ويذكر أحمد بن خلكان ما نصه:، بينما يرفض بعض ملوك الأيوبيين هذا النسب وقالوا:.

    الأيوبيون نفسهم اختلفوا في نسبهم، فالملك المعز إسماعيل الأيوبي صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى بني أمية، وأن نسبهم يرجع إلى أيوب بن شادي (أو شاذي) بن مروان بن الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب قال: «كذب إسماعيل ما نحن من بني أمية أصلاً»، أما الأيوبيون ملوك دمشق فقد أثبتوا نسبهم إلى بني مرة بن عوف من بطون غطفان وقد أحضر هذا النسب على المعظم عيسى بن أحمد صاحب دمشق وأسمعه ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود.

    شرح الحسن بن داود الأيوبي في كتابه «الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية» ما قيل عن نسب أجداده وقطع أنهم ليسوا أكرادًا، بل نزلوا عندهم فنسبوا إليهم. وقال: «ولم أرَ أحداً ممن أدركتُه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النسب». كما أن الحسن بن داود قد رجَّح في كتابه صحة شجرة النسب التي وضعها الحسن بن غريب، والتي فيها نسبة العائلة إلى أيوب بن شاذي بن مروان بن أبي علي محمد بن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هُدْبة بن الحُصَين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مُرَّة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نَشبَة بن غيظ بن مرة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش.

  3. التاريخ

    47 دقيقة قراءةتتفق المصادر التاريخية أن شادي بن مروان أعقب ولدين، الأول: الملك الأفضل نجم الدين أبي الفضل أيوب والد الملوك، الثاني: الملك المنصور أسد الدين أبي الحارث شيركوه، وقد اتصل بحاكم العراق السلجوقي مجاهد الدين بهروز، وذلك في…

    تأسيس الدولة

    تتفق المصادر التاريخية أن شادي بن مروان أعقب ولدين، الأول: الملك الأفضل نجم الدين أبي الفضل أيوب والد الملوك، الثاني: الملك المنصور أسد الدين أبي الحارث شيركوه، وقد اتصل بحاكم العراق السلجوقي مجاهد الدين بهروز، وذلك في عهد السلطان السلجوقي مسعود بن ملكشاه، فأقطعه قلعة تكريت القائمة بين بغداد والموصل، وهي بلدة كردية وسكانها أكراد. لما مات شادي خلفه في حكم قلعة تكريت ابنه نجم الدين أيوب الذي أُتيحت له الظروف خدمة عماد الدين زنكي أمير الموصل وحلب، وذلك عندما انهزم زنكي في الحرب التي خاضها ضد الخليفة العباسي المسترشد بالله سنة 526 هـ الموافق 1132م، وفر مع جيوشه إلى مدينة تكريت ملتجئين إلى نجم الدين أيوب، فأكرمهم وآواهم. وحدث أن تنكر مجاهد الدين بهروز لنجم الدين أيوب، وقد تعددت أسباب هذا التنكر، وكانت النتيجة أن أرسل إليه بهروز يأمره بتسليم القلعة إلى عامل آخر، والخروج مع أهله من تكريت. غادر نجم الدين قلعة تكريت ومعه أخوه أسد الدين متوجهًا نحو الموصل، فأحسن عماد الدين زنكي وفادتهما، وبالغ في اكرامهما وأقطعهما اقطاعات جليلة وكان ذلك عام 532 هـ الموافق 1138م، ويقال أنه في نفس الليلة التي خرج فيها نجم الدين أيوب من قلعة تكريت ولد له يوسف (صلاح الدين) الذي تنسب له الدولة الأيوبية. قابل نجم الدين وأخوه أسد الدين شيركوه مكرمة عماد الدين، بانخراطهما في جيشه، وأخلصا له وأحرزا انتصارات عديدة، ما حدا بعماد الدين بتعيين بنجم الدين أيوب حاكمًا على بعلبك بعد استيلائه عليها سنة 532 هـ 1139.

    بعد مقتل عماد الدين زنكي انقسم ملكه بين ولديه سيف الدين غازي في الموصل ونور الدين محمود في حلب، فاستغل ذلك صاحب دمشق مجيد الدين أبق بن جمال الدين بن تاج الملوك، فحاول استرجاع بعلبك، فسلمه نجم الدين أيوب مقابل تعهده بإعطائه إقطاعًا جليلًا، ثم نزل دمشق وتسلم الإقطاع وهو عبارة عن عشرة قرى بجوار دمشق، بالإضافة لدار يسكن بها في دمشق، ثم أصبح لنجم الدين مركز مرموق في دمشق حتى أصبح قائدًا لقواتها، واستمر يشغل هذا المنصب حتى استولى نور الدين على دمشق عام 549 هـ الموافق 1154م. أما أسد الدين شيركوه فقد بقي في خدمة نور الدين محمود بحلب، حتى أصبح قائدًا لقوات حلب، ثم قام نور الدين بتسيير جيش بقيادة شيركوه للاستيلاء على دمشق عام 547 هـ الموافق 1154م، فوقف نجم الدين أيوب على رأس جيش حاكم دمشق مجيد الدين آبق. قام نور الدين محمود بالطلب من شيركوه بمكاتبة أخيه نجم الدين وحثه على المساعدة، فطلب نجم الدين الحصول على المزيد من الإقطاعات في دمشق، فوعد نور الدين بتنفيذ ما طلب، واستمرت المفاوضة ستة أيام انتهت بتسليم دمشق، فعين نجم الدين حاكمًا على دمشق.

    كانت مصر قبل قدوم صلاح الدين مقرًا للدولة الفاطمية، ولم يكن للخليفة الفاطمي في ذلك الوقت سوى الدعاء له على المنابر، وكانت الأمور كلها بيد الوزراء، وكانت هذه الفترة من أسوأ الفترات السياسية في تاريخ مصر الإسلامي، فقد أصبح الخليفة الفاطمي يشارك في مؤامرات و دسائس ضد وزرائه للتخلص منهم وذلك لضعفه وعدم قدرته على عزلهم بنفسه، فوُجد أن كل طرف كان يتآمر ضد كل الأطراف، ولا يبالي أي طرف من أن يتقوى بالصليبيين ضد منافسه، مما أدى إلي تحريك أطماع الصليبيين في الاستيلاء على مصر. فعندما فشل الصليبيون على الجهة الشمالية (الشام)، اتجهوا صوب الجنوب (مصر)، واستغل الملك الصليبي بالدوين الثالث حالة مصر الضعيفة، وكشر عن أنيابه مهددًا بغزو الديار المصرية، ولم يرجع عن تهديده إلا بعد أن وعده الوزير ابن رزيك باسم الخليفة الفاطمي العاضد بجزية سنوية مقدارها مئة وستين ألف دينار، لما مات بلدوين الثالث تولى حكم مملكة بيت المقدس بعده أخوه أمالريك الأول بدون أن تقوم القاهرة بدفع شيء من الجزية، وكان تولي أمالريك حكم بيت المقدس بداية مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات بين الصليبيين ومصر، حيث أدرك أن سيطرة نور الدين محمود على حلب وحماة وحمص ودمشق قد حالت دون توسع الصليبيين في شمال بلاد الشام، فأصبح الطريق مفتوحًا أمامهم لمصر.

    في هذه الفترة تحركت رغبات نور الدين محمود في ضم مصر إلى الشام في جبهة واحدة ضد الصليبيين، وكان نور الدين قد نجح في توحيد معظم مدن وإمارات الشام تحت إمرته، هذا بالإضافة لتلقيه العهد من الخليفة العباسي عام 549 هـ بإطلاق يده في بلاد الشام ومصر. كان الوزير طلائع بن زريك الأرمني هو الحاكم الفعلي لمصر زمن الخليفة الفاطمي الفائز بدين الله، ولكنه قتل وابنه فحل محله في الوزارة شارو الذي كان حاكمًا للصعيد، ظهر في تلك الفترة ضرغام أبو الأشبال أمير فرقة من الجند المغاربة تخدم في مصر كمنافس فعلي للوزير شاور على كرسي الوزارة زمن الخليفة العاضد لدين الله. استطاع ضرغام خلع شاور من وزارة مصر بمساعدة الخليفة الفاطمي، فوجد أمالريك الفرصة سانحةً أمامه ليتخذ من مسألة الجزية ذريعة لهجوم يشنه على الحدود المصرية، ثم عبر برزخ السويس سنة 558 هـ الموافق 1163م ووصل إلى مصب دمياط، فتصدى له ضرغام، وقطع بعض جسور النيل، وشكلت مياه الفيضانات وأوحال الدلتا عائقًا أمام أمالريك وجعله يتراجع إلى فلسطين. ما كان من شاور إلا أن هرب إلى الشام واستنجد بنور الدين محمود ليعيد إليه الوزارة، ووعده بثلث خراج إيراد مصر، وأن يمنح جنده إقطاعات يقيمون فيها في مصر. بعد فترة من التردد وافق نور الدين على مساعدة شاور لاستعادة الوزارة في مصر شريطة أن يعترف شاور بسيادة نور الدين على مصر، وكان نور الدين يرغب في إعادة مصر إلى المذهب السني وتوحيد مصر والشام ضد الصليبيين. أرسل نور الدين قائده أسد الدين شيركوه على رأس جيش إلى مصر، واصطحب أسد الدين معه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره آنذاك، لما علم ضرغام بأنباء شاور ونور الدين أرسل يستنجد بالصليبيين، فلم يتردد أمالريك بمساندته بعد أن تعهد ضرغام له أن يعقد معه معاهدة تصبح مصر بمقتضاها تابعة للصليبيين مقابل مساعدته.

    تقابل جيش شيركوه وجيش ضرغام عند القاهرة، واستطاع شيركوه أن يهزم قوات ضرغام ويقتله ويعيد شاور إلى الوزارة، و لكن شاور نكث بعهده ورفض الاعتراف بولائه لنور الدين محمود، وطلب من شيركوه أن يعود إلى الشام، ولكن شيركوه توجه بجيشه إلي مدينة بلبيس في دلتا مصر وسيطر عليها وتحصن بها ضد شاور. أرسل شاور إلي أمالريك ملك بيت المقدس الصليبي ليساعده في التخلص من أسد الدين شيركوه، وكان سقوط عسقلان في غزة بوابة مصر الشرقية في يد الصليبيين قد أغرى أمالريك ملك بيت المقدس بالاستيلاء على مصر لتصبح أحد الممالك الصليبية، فوافق أمالريك وسار بجيش إلى مصر وانضم لقوات شاور وتقدم الاثنان لحصار مدينة بلبيس التي كان شاور معسكرًا بها، وانضمت إليه بعض القوات من عرب كنانة بالشرقية، واستمر حصار شاور والفرنج لشيركوه مدة ثلاثة أشهر من مستهل شهر رمضان إلى ذي الحجة، وفي النهاية قبل شيركوه الخروج من مصر مقابل خروج الصليبيين أيضًا. لكن شيركوه الذي رأى ضعف مصر وهوان الخلافة الفاطمية، عاد يلح علي نور الدين ليرسل حملة أخرى إلى مصر، فوافق نور الدين، وبعد سنتين أي في عام 562 هـ الموافق 1167م، أرسل نور الدين جيشًا آخر إلي مصر بقيادة شيركوه ومعه صلاح الدين مرة أخرى. استنجد شاور أمالريك ملك بيت المقدس، الذي خرج على رأس جيش من مملكته، ولكن شيركوه كان الأسرع ووصل إلى القاهرة قبل أن يعترضه جيش أمالريك، أقام شيركوه معسكره في الجيزة، بينما سار أمالريك عن طريق فاقوس وبلبيس حتى وصل إلى مكان بين القاهرة والفسطاط، حيث خرج شاور لاستقباله، وتم عقد معاهدة بين الصليبيين وشاور، أقرها الخليفة الطفل العاضد يتقاضى بموجبها أمالريك مبلغًا كبيرًا من المال يقدر بحوالي مئتي ألف دينار. هاجم شاور والجيش الصليبي قوات شيركوه الذي تقهقر إلى موضع قريب من مدينة المنيا الحالية، ولكن القوات الصليبية لحقت به هناك وألحقت الهزيمة بالجيش الصليبي، وعرفت هذه المعركة باسم معركة البابين، بعد ذلك سار شيركوه صوب الفيوم ومنها إلى الإسكندرية، لكن قوات أمالريك وبعض الأساطيل المعاونة للصليبيين فرضت حصارًا بريًا وبحريًا على الإسكندرية استطاع شيركوه أن ينسل بجيشه خارج الإسكندرية وترك حامية مكونة من ألف رجل يقودها صلاح الدين الأيوبي لتواجه حصار جيش أمالريك وشاور، دام حصار الإسكندرية والحامية أربعة أشهر واضطر شيركوه أن يدخل في مفاوضات مع أمالريك لفك الحصار، وتم الاتفاق على أن ينسحب شيركوه بجيشه من مصر وأن تُدفع ضرائب تبلغ مئة ألف دينار من مصر لملك بيت المقدس في مقابل جلاء القوات الصليبية عن مصر.

    سار أمالريك بجيشه إلى مصر عام 1168م بدعوى أن شاور لم يدفع له الضرائب المتفق عليها، وهزم الجيش الفاطمي بقيادة شاور في بلبيس وسار إلى القاهرة، استنجد شاور بنور الدين محمود لينقذه من الصليبيين، فقرر نور الدين إرسال حملة ثالثة بقيادة شيركوه وصلاح الدين. عندما سار جيش الصليبيين بقيادة أمالريك لاعتراض جيش شيركوه، استطاع شيركوه بقواته أن يفلت منهم وأن يدخل القاهرة في عام 564 هـ الموافق 6 من ديسمبر 1168م بدون مقاومة، فقام أمالريك بسحب جيشه من مصر وعاد إلى بيت المقدس. أصبح شيركوه الحاكم الحقيقي لمصر، ولكنه لم يعزل الخليفة الفاطمي، فقد كان الخليفة الفاطمي مريضًا مرضًا لا يرجي شفاؤه، فآثر شيركوه أن يتركه يموت بسلام، بينما قام صلاح الدين بالقبض على الوزير شاور على مقربة من قبر الإمام الشافعي بالقاهرة، ولما بلغ الخليفة الفاطمي العاضد ذلك طلب منه إرسال رأسه فقتله وأرسل رأسه إليه. بعد تعيينه بشهرين وزيرًا على مصر توفي أسد الدين شيركوه، وخلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي على وزارة مصر في 25 جمادي الآخر 564 هـ الموافق 26 مارس عام 1169م، وكان عمر صلاح الدين وقتها لا يزيد عن اثنين و ثلاثين عامًا، مع أن صلاح الدين اعتلى كرسي الوزارة الفاطمية، إلا أن الفاطميين اختاروه لهذا المنصب بسبب حداثة سنة وما ظنوه من قصور خبرته السياسية، وكان العاضد ظن أنه إذا ولي صلاح الدين وليس له عسكر ولا رجال، كان في ولايته مستضعفاً يحكم عليه ولا يجسر على المخالفة، وأنه يضع على العسكر الشامي من يستميلهم إليه، فإذا صار معه البعض أخرج الباقين، وتعود البلاد إليه، وعنده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج ونور الدين.

    أوجست مملكة بيت المقدس خيفة من تنامي نفوذ نور الدين زنكي في مصر، فقرروا الاستنجاد بملوك أوروبا لإحباط أطماع نور الدين، لكن دعوتهم لم تلق استجابة منهم لانشغال غالبيتهم بمسائل تتعلق بدولهم، فتوجهوا للإمبراطور البيزنطي مانويل كومنينوس الذي رحب بمد يد المعاونة، فتوجهت قوات مملكة بيت المقدس إلى دمياط يعاونهم أسطول بيزنطي مزود بالمؤن والعتاد الحربي، فوصلوا إليها عام 565 هـ الموافق 1169م. أرسل صلاح الدين جنده لدمياط بقيادة ابن أخيه تقي الدين عمر وخاله شهاب الدين محمود، بالإضافة لفرقة من الجنود أرسل بها نور الدين من الشام. لم يتيسر للصليبيين تحقيق غرض حملتهم، وقام نور الدين بمهاجمة حصن الكرك، فأسرع الصليبيون في رفع الحصار عن دمياط. كان أحد أهم نتائج فشل الحملة الصليبية توطئة حكم صلاح الدين لمصر فطلب من نور الدين أن يرسل أباه وأقاربه إليه وكان ذلك عام 1170م، وما لبث أن أسند إلى أبيه بيت المال وأقطع إخوته بعض الأراضي. في عام 1171م أرسل نور الدين محمود إلى صلاح الدين يأمره أن يقوم بتحويل البلاد إلي المذهب السني والدعاء للخليفة العباسي في خطبة الجمعة بدلًا من الخليفة الفاطمي، ولكن صلاح الدين استمهله حتى يُتوفى الخليفة العاضد المشرف على الموت، ولكن نور الدين رفض التأجيل وخشي أن يكون صلاح الدين يماطل فهدده أنه سوف يسير إليه بحملة، وأرسل إمامًا سنيًا من الموصل إلي مصر، فاعتلى المنبر في مسجد القاهرة ودعا للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي. توفي الخليفة العاضد في 10 محرم عام 567 هـ الموافق 1171م، وهو الخليفة الفاطمي الرابع عشر وآخر الخلفاء الفاطميين وانتهت بموته الخلافة الفاطمية في مصر، والتي استمرت حوالي 200 عام.

    صلاح الدين الأيوبي

    توتر العلاقة مع الزنكيين

    ما إن تقلد صلاح الدين مقاليد الحكم في مصر حتى بدأت الوحشة بينه وبين نور الدين محمود، اعتقد نور الدين أن صلاح الدين يعمل للاستقلال بحكم مصر دونه، ومما زاد في الأمر شكًا أن صلاح الدين بعد سقوط الدولة الفاطمية بدأ في تثبيت أقدامه في مصر، فأخذ في إنشاء القلاع والتفكير ببناء سور حول المدن الأربعة التي تألفت منها مدينة الفسطاط، وعزز مقام أقاربه وأبناء عشيرته في الجيش والحكومة، وأزال رجالات الدولة ممن لم يكن يثق بهم، بالإضافة لاختلاف وجهات النظر السياسية بين الرجلين، فقد رأى نور الدين في بلاد الشام أنها بمنزلة الأرض الرئيسية للمعركة ضد الصليبيين، وتطلع إلى مصر كمصدر للطاقة البشرية الإضافية والواردات المادية التي تسد نفقات الجهاد، وخطوة تمهيدية للقضاء على مملكة بيت المقدس وهو لم يناضل في ضمها إلا من أجل هذه الغاية، أمَّا صلاح الدين فقد كان مقتنعًا نتيجة للصراع بين القوى الثلاث الإسلامية والصليبية والبيزنطية حول مصر بأن هذا البلد يشكل في الوقت الراهن مركز الثقل في العمليات العسكرية.

    قرر نور الدين المسير إلى مصر وإخضاعها تحت حكمه في مناسبتين، الأولى: لما خرج صلاح الدين لمهاجمة حصن الشوبك بعد استيلاء الصليبيين عليه، وعرقلة سير التجارة بين مصر والشام، وبعد حصار لم يدم طويلًا، لم تستطع الحامية الصليبية في الثبات والمقاومة، فأعطى صلاح الدين أهل الحصن مهلة من عشرة أيام للتسليم، لكن صلاح الدين لم يلبث أن ينال من الحصن حتى علم بسير نور الدين إليه لمساعدته، وعندئذ خشي صلاح الدين أن يقبض عليه نور الدين إذا رآه، فأسرع بالانسحاب والعودة إلى مصر، معتذرًا باختلال الأحوال في مصر وأنه يخاف عليها إذا بعد عنها. استاء نور الدين من مسلك نائبه وعظم عليه ذلك ولم يقبل عذره، ورأى فيه دليلًا صارخًا على تهربه منه، وظن أن صلاح الدين قد انفصل نهائيًا عنه، فقرر الزحف إلى مصر والاستيلاء عليها، الأمر الذي أخاف صلاح الدين، فعقد اجتماعًا مع أقاربه وبعض خاصته واستشارهم فيما ينبغي أن يُفعل، أشار نجم الدين أيوب على ولده أن يكتب إلى نور الدين بأنه خاضع له ومنفذ لأمره، فعمل صلاح الدين بنصيحة أبيه، وأرسل إلى نور الدين هدايا ثمينة من الحيوانات النادرة والجواهر والأقمشة والمصنوعات والعطر. استلم نور الدين هدية صلاح الدين ومعها كتاب الولاء والطاعة، ولم يعد هناك من حجة يبرر بها الزنكي حملته على مصر. الأُخرى: أراد نور الدين تجربة صلاح الدين فكتب إليه عام 569 هـ الموافق 1173م أن يخرج لغزو الفرنجة في الكرك، على أن يسير هو أيضًا إلى هناك، فأيهما سبق صاحبه أقام إلى أن يوافيه الآخر، ذهب صلاح الدين بجيشه إلى الكرك وحاصرها، ولكنه ما كاد يعلم باقتراب نور الدين حتى رفع الحصار عن المدينة وعاد إلى مصر، وأرسل الفقيه عيسى الهكاري إلى نور الدين يعتذر عنه بأنه اضطر إلى العودة لمرض والده وأنه يخاف أن يحدث عليه حادث الموت، والذي كان يعاني سكرات النزاع، وقد توفي قبل وصول صلاح الدين إلى القاهرة. لم يقتنع نور الدين زنكي باعتذار صلاح الدين وأيقن هذه المرة أن نائبه قد خرج عليه وخلع طاعته، فزاد غضبه ونفذ صبره، وأقسم لينتقمن منه أشنع انتقام، فصمم نهائيًا على فتح مصر والقيام بعمل حاسم ضد صلاح الدين، لكن القدر كان مع صلاح الدين، فما كاد نور الدين يستعد للقيام بحملته على مصر حتى وافته المنية عام 569 هـ الموافق 1174، وفي هذا التاريخ كانت بداية الدولة الأيوبية.

    توحيد الجبهة الإسلامية

    بعد أن زال خطر نور الدين، واجهت صلاح الدين عدد من المؤامرات منها: رفض الجماعات الشيعية المتواجدة في مصر الخضوع للحاكم الجديد، فقاموا عام 567 هـ الموافق 1174م بمؤامرة للانقلاب على حكم صلاح الدين، وكاتبوا شيخ الإسماعيلية الباطنية (الحشيشية) وطلبوا منه أن يُبيِّت له مكيدة وحيلة، واتصلوا بويليم الثاني النورماني ملك صقلية ليهاجم الإسكندرية، بالإضافة لتنسيقهم مع عموري الأول ملك بيت المقدس. لكنهم أخطأوا بإشراكهم في سرهم الفقيه زين الدين علي بن أبي النجا الذي قام بإطلاع صلاح الدين على المؤامرة، فقام صلاح الدين بالقبض على قادة المؤامرة وتصفيتهم، لكن ملك صقلية واصل السير إلى الإسكندرية وحاول اقتحامها، وانتهت المعركة بين الطرفين بانسحاب ملك صقلية. كما واجه صلاح الدين خطر الجيش الفاطمي المؤلف من عدد كبير من الفرسان البيض وحوالي ثلاثين ألفًا من المشاة السود، كان معظم الفرسان البيض من الأرمن الذين خدموا في الجيش الفاطمي في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي، فكثر عددهم وزادت شوكتهم منذ ذلك الحين، فبدأ صلاح الدين في بناء جيش خاص به على حساب الجيش الفاطمي، وذلك بإخراج طوائف السودان والأرمن من القاهرة، وعندما اندلعت حركة التمرد التي أشعلها الجنود السود بقيادة مؤتمن الخلافة جوهر، كان لدى صلاح الدين من القوات النظامية مايكفي للقضاء على معظم قوات التمرد وطرد فلولهم إلى الصعيد، أما الفرسان البيض في الجيش الفاطمي فلم يتحركوا للمشاركة في التمرد، وصاروا فيما بعد جزءً مهمًا من جيش صلاح الدين.

    عندما توفي نور الدين محمود كان وريثه في الحكم ابنه الملك الصالح اسماعيل الذي كان عمره 11 سنة، ولصغر سنه كثر من يطالب بولايته فبدأت المنازاعات في الشام، تطلع لهذه الوصاية عواصم كبرى في العالم الإسلامي آنذلك، فالموصل وحكامها الأتابكة تحت زعامة الملك سيف الدين غازي الثاني الذي سارع لضم البلاد المجاورة له وأعلن نفسه أميرًا على الجزيرة، كما تطلع لضم حلب ودمشق التي كان بها مقدم الجيش شمس الدين محمد الذي اضطر لمهادنة الصليبيين ودفع جزية مالية لهم حتى يتقي هجومهم، وأرسل بطلب المساعدة من صلاح الدين، وحلب التي كان أكبر القواد فيها شمس الدين علي بن الداية، الذي استدعى الملك الصالح بن نور الدين إلى حلب، لكن قائدًا آخر هو سعد الدين كمشتكين قبض على ابن الداية واستبد بأمر الملك الصالح. تحين صلاح الدين الفرصة حتى قرر الخروج إلى الشام عام 570 هـ الموافق 1174، بعد أن ستغاث به قائد الحامية شمس الدين محمد بسبب أطماع الفرنج في دمشق وأعمالها مثل بانياس، فوصل الشام واستولى عليها من غير مدافع وبلا ضربة ولا طعنة. ثم غادر دمشق متوجهًا لحلب، فاخضع في طريقه حمص وحماة، أما حلب فقد استعصت على صلاح الدين حيث لجأ أمراء حلب إلى سنان شيخ الجبل زعيم الحشاشين لاغتيال صلاح الدين وأمدوهم بالأموال التي تغريهم على ذلك، فوثب عليه جماعة منهم أثناء نزوله حلب ولكنه نجا من المحاولة، ثم قام حاكمها كمشتكين بالاستنجاد بريموند الثالث أمير طرابلس، الذي كان يدرك خطورة سقوط حلب بيد صلاح الدين، فقرر مفاوضته، وأرسل إليه يرغبه بالصلح ويلوح له أن الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يدًا واحدة، لكن صلاح الدين رفض الصلح مما دفع بريموند للإغارة على حمص التي كان صلاح الدين قد ضمها إلى دولته، فاضطر لترك حصار حلب لنجدة حمص، فنتج عن ذلك فك الحصار عن حلب. اتجه صلاح الدين نحو بعلبك فدخلها بدون قتال. ثم أرسل إلى الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله رسولًا يشرح فيه سبب قيامه بحملته على الشام، ويقول أن مجيئه للشام مطلبًا قوميًا وليس شخصيًا حيث قال:. ثم أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على مصر والشام بموافقة الخليفة العباسي في أواخر عام 570 هـ الموافق 1175م.

    لم ينس صلاح الدين محاولات الحشاشين لاغتياله، فأغار عليهم في مناطقهم في جبل السماق ثم عاد إلى دمشق. حاول صلاح الدين استمالة الزنكيين ولكنه لم يفلح في مسعاه، فتعرض لخطر كبير من حكام حلب والموصل وحلفائهم الذين جمعوا قواتهم لمهاجمته، فسار بجيشه حتى لقيهم على مسافة قريبة من حلب فدارت وقعة بين الطرفين عام 570 هـ الموافق 1176 انتهت بانتصاره، عاد صلاح الدين لحصار حلب فتجددت الاتفاقية بينه وبين أمراء حلب والموصل على مساعدة كل طرف للطرف الآخر إذا ما اقتضت الظروف، وفي تلك الأثناء جرت محاولة أخرى من جانب الحشاشين لاغتيال صلاح الدين، فلما صالح الحلبين قصد بلاد الحشاشين فهاجم مصياف مقرهم الرئيسي عام 572 هـ وحاصرهم، وقتل منهم أعداد كبيرة وهُدِّمت كثير من قلاعهم. رجع صلاح الدين لمصر بعد أن تزوج من أرملة نور الدين زنكي في دمشق، وفي مصر قضى نحو ست سنوات ينظم فيها الشؤون الداخلية، وانصب اهتمامه على بناء القلعة وأسوار القاهرة الكبيرة لتأمينها من أي هجوم محتمل من جانب الصليبيين. في عام 577 هـ الموافق 1181م توفي الملك الصالح إسماعيل، وعلى الفور خرج صلاح الدين صوب حلب التي أعلن الخليفة العباسي أن حكمها من حقه، وعلم في الطريق أن حكام الموصل قد كاتبوا الفرنج وطلبوا منهم مهاجمة بلاد الشام ليشغلوا صلاح الدين، فعبر نهر الفرات وحاصر الموصل إلا أنه ما لبث أن انصرف منها. في عام 581 هـ الموافق 1185م، اتجه صلاح الدين للموصل فحاصرها، وانتهى الحصار بإعلان الأمير عز الدين مسعود تبعيته لصلاح الدين. وبذلك تحققت لصلاح الدين الوحدة الإسلامية من الفرات إلى النيل.

    كانت شمالي أفريقيا مرتبطة عضويًا بمصر منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، حاول صلاح الدين في عام 568 هـ الموافق 1173م ضمها، حيث أرسل قوة عسكرية إلى المغرب الأدنى بقيادة شرف الدين قراقوش وغلام المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فدخل طرابلس وبرقة وبعض بلاد المغرب الأدنى حتى قابس باستثناء المهدية وسفاقس وقفضة وتونس. كرر قراقوش محاولة التوسع الأيوبي شمالي أفريقيا فضم أوجلة الواقعة جنوبي برقة عام 571 هـ الموافق 1175م والدوحان وغدامس وبلاد هوارة وزوارة ولوتة ونفوسة عام 577 هـ الموافق 1181م. كان ضم اليمن إلى مصر متصلًا في ذهن الأيوبيين بالقضاء على الدولة الفاطمية، فقد استأذن صلاح الدين نور الدين محمود في أن يسير أخاه توران شاه إلى اليمن لقصد عبد النبي بن المهدي صاحب زبيد، أراد صلاح الدين تأمين حدود مصر الجنوبية، لأن ضم اليمن يعد مفتاح بحر القلزم من ناحية الجنوب، وسيؤمن له السيطرة العسكرية والتجارية على الأقاليم الجنوبية، توجه توران شاه إلى اليمن فوصل زبيد عام 569 هـ الموافق 1174م وملكها وقتل عبد النبي بن مهدي، ثم ضم عدن وصنعاء وتعز وسائر اليمن. كانت النوبة مملكة نصرانية عاصمتها مدينة دنقلة، ولما قامت الدولة الأيوبية أراد صلاح الدين فتح النوبة لحماية مصر من التعدي عليها من جهة الجنوب، أرسل صلاح الدين أخوه توران شاه عام 568 هـ الموافق 1173م إلى بلاد النوبة ففتح إبريم وقوص. تطلع صلاح الدين منذ استلامه مقاليد الحكم في تحصين مصر أما موجات الحملات الصليبية المتعددة، فحاول أن يحيط القاهرة والفسطاط بسور واحد حصين بعد أن تهدم أكثره، فعهد ببنائه لبهاء الدين قراقوش الخصي، فبدأ العمل سنة 567 هـ الموافق 1171 وانتهى البناء عام 571 هـ الموافق 1176، وكان السور مبنيًا كله من الحجارة، يبدأ شماله عند قلعة المقس المطلة على النيل، ويظل يطوف بالقاهرة والفسطاط حتى ينتهي عن النيل جنوب الفسطاط، يقول المؤرخون أن محيط السور بلغ تسع وعشرين ألفًا وثلاثمئة وذراعان. ثم قرر بناء قلعة ضخمة على جبل المقطم تكون مركزًا للحكام وملجأ للناس عند الضرورة.

    الصراع مع الصليبيين

    بعد أن تمكن صلاح الدين من تأليف جبهة إسلامية متحدة تمتد من الفرات شرقًا إلى برقة غربًا، ومن الموصل وحلب شمالًا إلى النوبة واليمن جنوبًا، وجه اهتمامه لمحاربة الصليبيين. كانت بداية الصراع الأيوبي الصليبي عام 573 هـ الموافق 1177 عندما هاجم الصليبيون بعلبك وأطراف دمشق، فقام صلاح الدين بمهاجمة غزة وعسقلان، ووقعت بين الأيوبيين والصليبيين بقيادة بلدوين الرابع معركة في تل الصافية القريب من الرملة انتهت بهزيمة صلاح الدين، وفيها يقول صلاح الدين:. في عام 574 هـ الموافق 1178 سار بلدوين الرابع لغزو دمشق، فأرسل صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فرخشاه على رأس جيش كبير استطاع من الحاق الهزيمة بالصليبيين. في عام 576 هـ الموافق 1180 عقد ملك بيت المقدس وصلاح الدين هدنة لمدة سنتين، شملت جميع المدن التي كانت بيد الصليبيين ماعدا طرابلس وأنطاكية، لكن أرناط صاحب الكرك نقض الهدنة وقام بحملة بحرية على شبة الجزيرة العربية هدفها الهجوم على مكة والمدينة، وأخذت سفنه تغير على الموانيء المصرية الصغيرة على بحر القلزم، حتى وصلت إلى ميناء عيذاب، وهناك استولى الصليبيين على سفن تجارية من جدة واليمن وعدن والهند، فقتلوا وأسروا وأحرقوا في بحر القلزم نحو سنة عشر مركبة، ثم نقلوا نشاطهم إلى شاطيء الحجاز وأغاروا على ميناء رابغ القريب من مكة. قام صلاح الدين بتوجيه أخيه العادل في مصر لاعداد أسطول بحري في بحر القلزم تحت قيادة الحاجب حسام الدين لؤلؤ متولي أساطيل مصر، وقام بحصار أيلة وظفر بمراكب الفرنج فيها، ثم تعقب السفن الصليبية عند عيذاب ووحول شواطيء الحجاز، وكان الجزء الأكبر موجودًا على شاطيء الحوراء، فقاتل الفرنج قتالًا شديدًا وانتصر عليهم، وحمل من أسر منهم وعرضوا في شوارع القاهرة راكبين على الجمال ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق، لكن صلاح الدين أقسم ألا يغفر لأرناط فعلته وأن يدمر حصنه ويقتله، فشن هجومين على الكرك، ولكن الهجومين فشلا في تحقيق غرض صلاح الدين. في عام 577 هـ الموافق 1181 عقد صلاح الدين صلحًا مع الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كونتين الثاني، كفل بها عدم مساهمة الأسطول البيزنطي في أية حركة هجومية على مصر، ومن ذلك الوقت استمرت العلاقة بين مصر والبيزنطيين علاقة ود وتعاون حسنة دون حرب. ثم في عام 580 هـ الموافق 1184 وقع الصليبيين هدنة مع صلاح الدين مدتها أربع سنوات.

    كان صلاح الدين يتحين الفرصة لتحرير بيت المقدس. ففي الجانب الصليبي كانت مملكة بيت المقدس والإمارات الصليبية الأخرى تعاني من مشكلات داخلية عصية على الحل، فبذور الشك أصبحت متزايدة بين حاكم مملكة بيت المقدس بلدوين الرابع وبين بوهميند الثالث أمير أنطاكية، وريموند الثالث أمير طرابلس كما جاءت في وقت تعاني فيه مملكة بيت المقدس من مشاكل حول صحة بلدوين الرابع ومشكلة وراثة العرش، قرر البطريرك هيراكليو وأم بلدوين وأخته سيبيلا أن يجعلوا الوصاية على العرش لغي دي لوزينيان زوج سيبيلا، الذي تمكن من فرض سيطرته على مملكة بيت المقدس باستثناء بيت المقدس، لكن بلدوين ما لبث أن تشاجر مع لوزينيان وخلعه من الوصاية على عرش بيت المقدس، ونتيجة لذلك هاجم بلدوين يافا واستولى عليها، ولكن لوزينيان صد هجومه عند عسقلان. على الصعيد الخارجي كانت علاقات صلاح الدين تتوثق مع المدن الإيطالية ومع حاكم الإمبراطور البيزنطية الكيسوس كومنين الثاين، بعد وفاة بلدوين الرابع، تم توقيع معاهدة بين الصليبيين والأيوبيين تنص على سريان هدنة بين الطرفين مدتها أربع سنوات، وتسلم الحكم بلدوين الخامس سنة 1185م، ولكنه توفي بعد ذلك في عام 1186م، لتدخل بعدها مملكة بيت المقدس في صراع على وراثة الحكم شارك فيه أمير طرابلس ريموند الثالث، فثارت شكوك حول وفاة بلدوين الخامس أهي وفاة طبيعية أم أن الأطراف الطامعة في تاج مملكة بيت المقدس كانت وراء هذه الوفاة حيث يشار على أنه مات مسموماً، ووصل الأمر إلى أن أصبح الصليبيون يشكلون معسكرين متعادين حول وراثة حكم مملكة بيت المقدس فريق يؤيد غي لوزينيان وحكمه للقدس، وفريق آخر معارض لهذا الحكم ويرأسه ريموند الثالث أمير طرابلس وبوهيمند الثالث أمير أنطاكية، وبعد عدة تقلبات في الأحداث تولى لوزينان عرش بيت المقدس.

    في عام 583 هـ الموافق 1187 عاد أرناط إلى الاعتداء على قوافل المسلمين والاعتداء على الحجاج المتجهين نحو مكة، فأرسل صلاح الدين إلى نوابه وتابعيه في كافة أنحاء دولته يطلب منهم القدوم بجيوشهم لقتال الصليبيين، وانطلق على رأس قوة كبيرة لحماية قافلة من الحجاج العائدين من الحجاز، وبدأت الفرقة المصرية التي وصلت للانضمام لصلاح الدين بالإغارة على الكرك والشوبك، ثم عاد صلاح الدين إلى دمشق حيث تجمعت الجيوش القادمة من دمشق وحلب وما بين النهرين ومصر وديار بكر لتشن هجومًا على طبرية، وعند صفورية عام 1187م انتصر المسلمون انتصارًا ساحقًا في معركة دارت بين الطرفين، حيث قضى المسلمون تمامًا على القوة الصليبية التي اشتبكوا معها. تجمع الصليبيون أمام عكا في جيش يزيد عن عشرة آلاف مقاتل، في حين رصَّ صلاح الدين قواته عند عشتراء التي كانت تتألف من اثني عشر ألف فارس، وعدد مماثل من القوات غير النظامية، انطلقت قوات صلاح الدين إلى فلسطين حيث عسكرت على التلال المشرفة على بحيرة طبرية، واستولت على مدينة طبرية، عبر صلاح الدين بقواته نهر الأردن ثم عسكر عند كفر سبت، قام الملك جي لوزينان بعقد مجلس حربي انتهى باعطاء أوامره بالتحرك صوب طبرية، حيث عسكر الصليبيون في صفورية بجيش ضخم يقارب جيش المسلمين. في يوم الجمعة تحرك الجيش الصليبي من بساتين صفورية باتجاه طبرية، حتى وصل للهضبة التي تعلوا حطين مباشرة، ولكن صلاح الدين كان قد استولى على موقع المياه في طبرية، وأمر باضرام النيران في الحشائش الموجودة في المنطقة. في يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187م اشتبك الجيشان في حطين، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وأسر الملك غي دي لوزينيان وأخاه أمالريك، أما أرناط فقد قتله صلاح الدين.

    فتح انتصار صلاح الدين في حطين أمامه الطريق لاسترداد المدن الساحلية الواقعة جنوبي طرابلس، فأسرع مستغلًا الموقف وذلك ليقطع الصلة بين الصليبيين وبلاد الشام وبين أوروبا، فاسترد عكا، الذي لم يفكر حاكمها جوسلين في شيء سوى سلامته، وعرض على صلاح الدين تسليم المدينة مقابل تأمين الأرواح والممتلكات، ويافا وقيسارية ويافا، بعد ذلك تحرك الجيش إلى الساحل اللبناني، وكان معظم الناجين من معركة حطين قد فروا إلى مدينة صور، التي كانت مدينة جيدة التحصين، وشن عليها صلاح الدين هجومه الأول ولكنه فشل في الاستيلاء عليها، فواصل سيره نحو صيدا التي استسلمت له، ثم استسلمت بيروت وجبيل. توجه صلاح الدين إلى غزة، واقتحمها وهزم حاميتها، ثم استولى على عسقلان بعد ذلك، في هذا الوقت وصل سفراء أهالي بيت المقدس للتفاوض حول شروط استسلام القدس، لكن المفاوضات فشلت، فأقسم صلاح الدين أن يستولي عليها بالسيف. تولى القائد الفرنسي باليان قيادة جيش بيت المقدس، وقام بتجنيد كل فتى يفوق سنة السادسة عشر، في عام 583 هـ الموافق 1187م اتجه صلاح الدين صوب القدس، وعسكر أمام المدينة، وبدأ هجوم المسلمين، بعد خمسة أيام من الهجوم غير صلاح الدين موقعه إلى جبل الزيتون المطل على القدس، وبعد حصار دام أيامًا، اتفق صلاح الدين وباليان على تسليم المدينة وفق شروط تنص على: أن يدفع الصليبيون فدية عن أنفسهم بمعدل عشرة دنانير للرجال وخمسة دنانير عن كل مرأة ودينارين عن كل طفل، وأن يسمح للمسيحيين الشرقيين من أهل الشام واليونانيين بالبقاء في المدينة. دخل صلاح الدين القدس في ليلة المعراج يوم 27 رجب سنة 583 هـ الموافق 2 أكتوبر سنة 1187م، وبهذا سقطت مملكة بيت المقدس بيد صلاح الدين.

    أرسل صلاح الدين أخوه العادل لحصار حصن الكرك، انتهى الحصار بتسليم الحصن، ثم تحرك الجيش الأيوبي صوب طرابلس وأنطاكية، وأحرز الجيش بعض الانتصارات الصغيرة، وانتهى تحرك الجيش بعقد هدنة بين صلاح الدين وبوهيموند أمير أنطاكية. لم تبقى بأيدي الصليبيين في بلاد الشام سوى صور وأنطاكية وطرابلس. كان لسقوط القدس في يد المسلمين رد فعل كبير في أوروبا. وقد بشر البابا كليمنت الثالث بحرب صليبية لاستعادة القدس وهي ما عرفت بالحرب الصليبية الثالثة، فقام الملك فريدريك بارباروسا في ألمانيا وريتشارد قلب الأسد في إنجلترا وفيليب الثاني في فرنسا بإعداد الحملة الصليبية الثالثة.

    سارت الجيوش الثلاثة كل في طريق منفصل، انحرف ريتشارد ليستولي علي قبرص، أما فريدريك بارباروسا فسار من طريق بلاد البلقان ولكنه غرق عندما كان يعبر نهرًا في صقلية. فضَّل صلاح الدين الدخول في مفاوضات مع الحملة قبل اللجوء إلي الحرب، ولإثبات حسن النية أفرج عن الأسري الصليبيين، ولكن رد الصليبيين جاء بأن يسلم صلاح الدين القدس إلي الصليبيين ويسحب جيشه إلي مصر. فشلت المفاوضات وبادر الصليبيون بالهجوم علي عكا وحصارها، وتدفقت امدادات الصليبيين من ميناء صور، استمر الحصار اثنين وعشرين شهرًا حتى استسلمت عكا في عام 587 هـ الموافق 1191م، وفق شروط هي: تسليم المدينة بما فيها من أسلحة للصليبيين، وأن تدفع فدية مئتي ألف دينار للمسلمين، وأن يطلق سراح ألف وستمئة أسير من الفرسان الصليبيين، وأن يسترد الصليبيون الصليب المقدس، وأن يخرج المسلمون سالمين من المدينة. بتأمين عكا وصور تدفقت الجيوش الصليبية علي طول السواحل، واحتل ريتشارد حيفا وعسقلان، في عام 588 هـ الموافق 1192م عادت الحرب بين الطرفين بعد توقف وتقدم ريتشارد نحو القدس ولكنه لم يستطع احتلالها. تجددت المفاوضات وتمت اتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد سميت بصلح الرملة، وبموجبه اتفق الطرفان على يكون للصليبيين المنطقة الساحلية من صور شمالاً إلى يافا جنوبا بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف، وتكون عسقلان بأيدي المسلمين على أن يجري تخريبها، يتقاسم المسلمون والصليبيون اللد والرملة مناصفة، يحق للنصارى زيارة بيت المقدس بحريَّة، للمسلمين والنصارى الحق في أن يجتاز كل فريق منهم بلاد الفريق الآخر، مدة المعاهدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. اشترط صلاح الدين دخول بلاد الحشيشية في الصلح، بمعنى أن المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء تُعدُّ جزءاً من المناطق الإسلامية التي شملها المعاهدة، وفي المقابل اشترط ريتشارد قلب الأسد دخول كل من صاحب أنطاكية وطرابلس في المعاهدة، وعليه انتقل العرش الصليبي من بيت المقدس إلي إمارة طرابلس التي زادت قوتها بانتقال ملوك بيت المقدس إليها.

    بعد أن تم الصلح، رحل صلاح الدين من القدس، وقام بجولة لبعض مدن الشام قبل أن يصل لبيروت حيث زار فيها بوهمند الثالث صاحب أنطاكية، حيث تم التوقيع على صلح نهائي بين الطرفين. ثم واصل طريقة لدمشق، قضى فيها أربعة أشهر، ثم ما لبث أن مرض وتوفي في 27 صفر 589 هـ الموافق 4 مارس 1193م.

    الدولة بعد صلاح الدين

    العادل أبو بكر بن أيوب

    تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم الشام وفلسطين ومصر إلي التقسيم بعد وفاة صلاح الدين نتيجة التنافس بين أفراد أسرته، فكانت مصر من نصيب ابن صلاح الدين عماد الدين أبي الفتح عثمان الذي لقب بالعزيز، ودمشق من نصيب ابنه الثاني الأفضل نور الدين علي، وحلب من نصيب ابنه الظاهر غازي غياث الدين، والكرك والشوبك من نصيب العادل أخو صلاح الدين، استقل أولاد عم صلاح الدين ببعض مدن الشام واليمن، فاحتفظ سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين باليمن وجزيرة العرب، وأخذ الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه بعلبك وأعمالها، واستمر الملك منصور الأول محمد بن تقي الدين عمر في حكم حماة. تنافس كل من العزيز والأفضل ابني صلاح الدين علي السيطرة علي بيت المقدس، انتهى هذا التنافس بالاتفاق على ترتيب جديد لحكم الأسرة الأيوبية يقضي بأن: يحتفظ الأفضل بدمشق وطبرية، ويتخلى عن بيت المقدس وما جاورها للعزيز، ويتخلى الأفضل عن جبلة واللاذقية لأخيه الظاهر غازي، ويعترف العزيز بسيادة الأفضل، في فترة النزاع الأيوبي على السلطة استولى الصليبيين على مدينة جبيل وقلعتها عام 590 هـ الموافق 1194م، وخرج الملك الأفضل لاستردادها لكنه لم يستطع. ولَّى العزيز الوزارة في مصر لعمه العادل الذي بدأ يثبت أقدامه في الحكم حتى أصبح صاحب السلطة الحقيقية، قام العادل والعزيز بالاستيلاء على دمشق وتجريد الأفضل من إمارته، واتفق الأطراف الثلاثة على أن يأخذ الأفضل صرخد، ويملك العادل دمشق وأواسط الشام، ويتولى الملك العزيز السلطنة وتبقى له مصر وبيت المقدس، استمرت الهدنة حتى توفي العزيز عام 595 هـ الموافق 1200م. بعد وفاة العزيز تولي ابنه ناصر الدين محمد حكم مصر، ولقب بالملك المنصور، وكان الأفضل وصيًا علي ابن أخيه المنصور الذي كان لايزال صغيرًا، ونازعه في الأمر عمه العادل، واتفقا على أن يحكم العادل مصر ويحكم الأفضل ديار بكر. بمجرد حصول العادل علي الوصاية قرر خلع السلطان الصغير وتولى حكم مصر منفرداً سنة 596 هـ الموافق 1200م، ثم قام بعد ذلك ببسط نفوذه علي الشام، وبذلك عادت دولة صلاح الدين تحت حكم سلطان واحد. لم تنقطع إغارات الصليبيين علي المدن التي تخضع تحت سيطرة المسلمين، فكان العادل يرسل بالمدد لأمراء المدن الإسلامية في الشام ليصدوا هجمات الصليبيين، وكان كثيراً ما يخرج بنفسه لقتال الصليبيين ويردهم إلي المهادنة، ومنها حملة هنري السادس إمبراطور ألمانيا، التي وصلت حملته عكا عام 594 هـ الموافق 1197م، ودارت بين الصليبيين والأيوبيين معركة عند تل العجول قرب غزة انتهت بهزيمة الصليبيين، كما انتهت الحملة بموت هنري السادس.

    كان البابا أنوسنت الثالث قد أعرب علنًا عن رغبته في الدعوة إلى حرب صليبية جديدة، في عام 600 هـ الموافق 1203م وصلت سفن الحملة الصليبية الرابعة للقسطنطينية بقيادة ألكسيوس ابن الإمبراطور إسحاق الثاني، واعتقد الصليبيون أن بيزنطة كلها سوف ترحب بهم، ولكنهم اكتشفوا أن جميع أبواب القسطنطينية أغلقت في وجوههم، وأن الجنود البيزنطيين مرابطين فواق أسوارها، وفشلت المحاولات الأولى التي قام بها الأسطول الصليبي لمهاجمة الأسوار، وبعد قتال عنيف تمكن البنادقة من فتح ثغرة في الأسوار، وفكر الكسيوس الثالث من الفرار مع ابنته ولجأ مدينة موزينو في تراقيا، فما كان من حاشية القصر إلا أنهم أخرجوا الإمبراطور المعزول إسحاق من السجن وأعادوه على عرشه وبذلك توقف القتال، وتم الاتفاق على تنصيب الكسيوس الصغير قسيمًا لأبيه في حكم الإمبراطورية وتسمى بعد ذلك الكسيوس الرابع. في عام 602 هـ الموافق 1204م وقعت ثورة في القصر الإمبراطوري، وتم عزل الكسيوس وألقي به في السجن حيث توفي ولحق به أبوه، تولى الحكم الكسيوس الخامس الذي وقف موقفًا مضادًا ضد الصليبيين، ومع هذا التطور اتجه الأخيرون لمهاجمة القسطنطينية، وحل بالمدينة القتل والسلب والتدمير. ثم بدأت محاولة الحملة الصليبية السيطرة على بلاد الشام حيث أرسلت قوات قليلة من القسطنطينية، وهناك تعاونوا مع الصليبين المستوطنين لشن هجوم هزيل ضد مدينة رشيد المصرية ومدينة فوة القريبة منها، عندما علم أمالريك الثاني ملك عكا بعدم قدوم الحملة الصليبية واستقرارها في بيزنطة، سعى أمالريك لعقد هدنة مع الملك العادل الذي رحب بعقد الهدنة، وتم عقد هدنة مدتها ست سنوات في أواخر سنة 1204م. في عام 614 هـ الموافق 1217م بدأت قوات الحملة الصليبية الخامسة في الوصول إلى عكا، وكانت القوات المجرية في طليعة الواصلين بقيادة الملك أندريه الثاني، ولحق به ليوبولد السادس دوق النمسا، ثم لحق بهما هيو ملك قبرص، وأرسل ليوبولد فور وصوله عكا سفارة إلى بوهيموند الرابع، وأحضر معه بعض الأمراء الصليبيين، وتجمع لدى الصليبيين أكبر جيش لهم منذ الحملة الصليبية الثالثة، خرج بعدها الصليبيون من عكا ليشنوا هجومًا مباغتًا ضد دمشق في جيش ضخم، عندما علم العادل بتحركهم خرج من مصر إلى فلسطين وتابع طريقه إلى نابلس آملًا أن يقطع الطريق عليهم عند عين جالوت، لما علم الصليبيون بقدومه غيروا خطتهم واتجهوا نحوه، وساروا إلى مدينة نيسان في الوقت الذي سار فيه العادل نحوها بعد أن تحص بها، نتيجة لتفوق الصليبيين تجنب العادل الاشتباك معهم، فواصلوا هجومهم على المدن الإسلامية وحاصروا بانياس ووصلوا إلى حوران، ثم عادوا إلى عكا. ظل الوضع هادئًا حتى عام 615 هـ الموافق 1218م حين وفدت قوات صليبية جديدة من أوروبا، وقرر مجلس الحرب الصليبي الذي اجتمع في عكا مهاجمة دمياط، وصل الصليبيين دمياط بقيادة الملك يوحنا دي بريان، فنزل أفراده إلى البر، ونصبوا معسكرهم على الضفة الغربية للنيل المواجهة للمدينة، عندما علم الملك العادل بنزول الصليبيين في دمياط، وكان بمرج الصَّفر، انتقل إلى عالقين بظاهر دمشق، وبدأ بإرسال العساكر إلى مصر، حتى أنه لم يبق عنده من العساكر إلا القليل، وطلب من ابنيه المعظم عيسى والأشرف موسى أن يغيرا على معاقل الصليبيين في بلاد الشام ليشغلهم ذلك عن دمياط. ظل الوضع متجمدًا قُرابة أربعة أشهر، نفذ خلالها الصليبيون محاولات عديدة لاقتحام برج السلسلة، انتهت بنجاح الصليبيون في دخول برج السلسلة والاستيلاء عليه، حيث قاموا بإقامة برج على سفينتين أحكم ربطهما معًا بالحبال، وجرت تغطيته بالجلد والنحاس الأحمر لحمايته من النار، ووضعوا فوقه سلمًا متحركًا حتى أضحى كالقلعة العائمة. مات بعدها الملك العادل سنة 615 هـ الموافق 1218م أثناء وجوده في الشام ودفن في أحد المساجد بدمشق، وترك أبناءه الثلاثة يحكمون الدولة الأيوبية في مصر والشام، الكامل في مصر والمعظم عيسى في دمشق والأشرف موسي في حلب.

    الكامل محمد بن العادل

    تولي الكامل بعد أبيه العادل في ظروف حرجة حيث استولي الصليبيون علي دمياط، فراح يستجد بالمسلمين من حوله، ولكن حكام المسلمين كانوا في هول من هجمات المغول التي بدأت تدق أبواب بغداد، فجهز الكامل قوة برية تدعهما عشرات السفن وهاجم المعسكر الصليبي إلا أنه اصطم بخنادق دمياط، ثم نصب جسرًا عظيمًا ليمنع العدو من سلوك النيل، لكنهم استطاعوا من قطعه، وسلكوا النيل ولم يفلحوا في الوصول إلى القاهرة، ولسوء الأحوال الجوية توقف القتال مدة من الزمن. لما علم عسكر الشام بموت الملك العادل، ما كان من العسكر إلا أن اتفقوا مع القائد عماد الدين أحمد بن المشطوب، وعزموا على خلع الملك الكامل وأن يملكوا الديار المصرية أخاه الفائز إبراهيم، ولما أحس الكامل بذلك خرج من معسكره في العادلية توجه إلى الشام، فساد الفزع أرجاء المعسكر وترك الجنود خيامهم وأسلحتهم، ولما علم الصليبيين بذلك خرجوا إلى دمياط وملكوها واستولوا عليها. وصل الملك المعظم عيسى من الشام لنجدة أخيه وانهى تمرد ابن المشطوب. دعا الملك الكامل الجهاد في البلاد الإسلامية فوصله المدد من أخويه المعظم والأشرف، وأخذ يستعد لشن هجوم على الصليبيين لكنه تراجع لهبوب عاصفة عام 616 هـ الموافق 1219م. حال استمرار تدفق الإمدادات والمؤن من الغرب الأوروبي وقبرص على الصليبيين، وتواتر الأخبار من الشرق الإسلامي عن تقدم الجيوش المغولية بقيادة جنكيز خان باتجاه الدولة الخوارزمية، من مواصلة قوات الملك العادل القتال ضد الصليبيين، واقترح الكامل على الصليبيين شروط بالغة السخاء، شملت: أن يتنازل عن أراضي بيت المقدس باستثناء الكرك والشوبك، مقابل أن يخرج الصليبيون من دمياط، وعقد هدنة بين المسلمين والصليبيين مدتها ثلاثين سنة. لم يتردد الإمبراطور فريدريك في أن يقبل هذا العرض، لكن البابا في روما رفض العرض ووبخ الإمبراطور فريدريك علي قبوله للعرض، فعرض السلطان الكامل عرضًا آخر وهو أن يتنازل عن نابلس وصيدا وعسقلان وطبرية واللاذقية وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من بلاد الساحل، دفع مبلغ خمسة عشر ألف مقابل الكرك والشوبك، دفع تكاليف إعادة تحصين بيت المقدس وباقي القلاع التي خربها المسلمون في بلاد الشام، تشكيل مجلس لتحديد تكاليف البناء، إعادة صليب الصلبوت، تستمر الهدنة مدة ثلاثين سنة، وضمانًا لحسن تنفيذ العرض تعهد الكامل بتقديم عشرين رهينة من أقاربه ليحتفظ بها الصليبيون مدة سنتين يتم خلالها إعادة تحقيق ما تقدم. لكن البابا رفض هذا كله وهدد فريدريك أن ينزع منه مملكته في أوروبا إذا عقد صلحًا مع المسلمين، فلم يبق للسلطان الكامل إلا ان يقاتل ليحرر دمياط من الصليبيين. واصلت الحملة حصار دمياط، وتعذر على الكامل إمداد المدينة بالمؤن والمقاتلين، وفي عام 616 هـ الموافق 1219م سقطت دمياط بعد حصار دام تسعة أشهر، واستعد الصليبيون لزحف نحو القاهرة، وكان الموقف ينبيء بانتصار الصليبيين فهم أكثر سلاحًا وعدة، لكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة الأرض المصرية وما تمتلئ به من قنوات الماء. اختار الكامل مكانًا أكثر ملائمة للقتال لوقف الزحف الصليبي باتجاه القاهرة، فنقل معسكره إلى المنطقة التي تقع جنوب بحر أشموم طناح والشاطيء الشرقي للنيل، قبالة قرية جوهر، وبنى فيها قلعة جديدة أسماها المنصورة، من الجانب الصليبي بادروا ببناء حصني تورون وبوتا في دمياط، الذين حدا من نشاط السفن الأيوبية. تحركت القوات الصليبية في عام 618 هـ الموافق 1221م من دمياط إلى العادلية استعدادًا للتقدم جنوب دمياط بحذاء النيل، حتى وصلت فارسكور، فلما تقدم الصليبيون نحو دمياط قام المصريون بفتح سدود المياه من كل جانب فتدفقت المياه وأغرقت القوات الصليبية، ولم يستطيعوا التقدم خطوة واحدة، فشقوا طريقهم وسط الوحل مرتدين إلي الشاطئ، استقر رأي القادة الصليبيين على عرض الصلح على المسلمين، ومال الكامل للقبول بالعرض، وفيه أن تسلم دمياط للكامل وأن يسترد الصليبيون رهائنهم ومنهم ملك عكا، وبذلك فشلت الحملة الصليبية الخامسة.

    كان لتضامن ابنا العادل الكامل والمعظم وتكاتفهما أثر لا يُنكر في تحقيق النصر وإفشال الحملة الصليبية الخامسة، لم تكد تمضي سنوات معدودة حتى شبَّ صراع بين السلطان الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كل منهما بمن يحقق له الظفر، فاستعان المعظم عيسى بالسلطان جلال الدين الخوارزمي سلطان الدولة الخوارزمية، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور فردريك الثاني، وتعهد له بمنحه بيت المقدس، وجميع فتوحات صلاح الدين بساحل الشام، بادر الملك المعظم بتجهيز العساكر في نابلس لحماية القدس من مطامع الإمبراطور، لكن الموت عجل بالمعظم وخلفه ابنه الناصر داود، وانهار التحالف بين خوارزم شاه والمعظم. في عام 625 هـ الموافق 1228م بدأ الإمبراطور فردريك الثاني الحملة الصليبية السادسة على رأس جيش صغير، فمر على قبرص واحتلها، ثم قصد عكا، واحتل صيدا. بعد مفاوضات طويلة بين فريدريك والكامل توصل الطرفان لاتفاق يافا، نصت على: تُسلم القدس للإمبراطور فريدريك على أن تظل أسوار المدينة وتحصيناتها خرابًا وألا تجدد الأسوار، يأخذ الفرنج بيت لحم والناصرة، ألا يكون للفرنج موطئ قدم خارج مدينة القدس، وأن تظل قرى بيت المقدس في أيدي المسلمين، قرى بيت المقدس والضاحية يديرها والي مسلم، وتكون البيرة مقرًا له، يظل الحرم القدسي بما فيه من المعالم، كالصخرة والمسجد الأقصى، في أيدي المسلمين، ويظل شعار الإسلام فيه ظاهرًا، ألا يسمح للفرنج بدخول القدس إلا بغرض الزيارة، يكون المتولون على الأماكن المقدسة من المسلمين، تكون القرى الواقعة على الطريق بين القدس وكل من عكا ويافا تحت إدارة الفرنجة لحماية أرواح الحجاج وضمان سلامتهم، يتعهد الإمبراطور المشاركة في الدفاع عن الملك الكامل ضد أي عدو حتى لو كان من الفرنج وعدم تقديم أية مساعدة لحكام أنطاكية وطرابلس وحكام المناطق الإفرنجية الأخرى في بلاد الشام. دخل فريدريك القدس واستلمها من القاضي شمس الدين يوم الأحد 18 مارس 1229م الموافق 636 هـ، و دخل كنيسة القيامة وتوج نفسه ملكًا علي القدس. بذلك عادت القدس للصليبيين. أكمل السلطان الكامل بناء قلعة الجبل، كما أنشأ مدينة جديدة هي مدينة المنصورة في الموقع الذي انتصر فيه علي الحملة الصليبية الخامسة.

    الصالح نجم الدين أيوب

    ولي العادل الثاني سيف الدين أبو بكر حكم مصر بعد وفاة ابيه السلطان الكامل مما أدي إلي أن يسعي أخوه الأكبر سنًا الصالح نجم الدين أيوب لاستعادة حقه في تولي السلطنة، وواتته الفرصة نتيجة سياسة أخيه التي أثارت مشاعر الأمراء عليه فقبضوا عليه واستدعوا الصالح نجم الدين أيوب الذي أصبح سلطانًا علي مصر عام 637 هـ الموافق 1240م. واجه السلطان الصالح ثورات بعض طوائف الجند، فبدأ في تكوين جيش جديد يخلص له ويطيعه فاشتري آلاف المماليك والأتراك الذين هجروا أوطانهم في آسيا الصغرى بسبب غارات المغول واتخذ الصالح أيوب منهم جيشًا نظاميًا. من أبرز آثار الملك الصالح في مصر قلعة الروضة التي أقام فيها مع مماليكه، وقد تزوج من جارية أرمنية هي شجر الدر والتي كان الخليفة العباسي قد أهداها له. وجد السلطان الصالح أيوب نفسه مهددًا بحلف صليبي مع أمراء دمشق الصالح إسماعيل، والكرك الناصر داود، وحمص المنصور إبراهيم، عمد الصالح أيوب إلى استدعاء الخوارزمية وتحريضهم على مهاجمة دمشق، فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن استعان بالصليبيين مقابل تعهده لهم بأن تكون سيطرتهم على بيت المقدس تامة مطلقة، عبرت القوات الخوارزمية نهر الفرات حتى وصلت دمشق، ثم طبرية واستولوا عليها، ثم إلى نابلس وبيت المقدس، عندها أحس الصليبيون بالخطر الخوارزمي، في عام 642 هـ الموافق 1244م اقتحم الخوارزميون المدينة وجرى قتال شديد، استنجد على أثره الصليبيون بأمير أنطاكية وطرابلس وملك قبرص بحامية عكا وبحلفائهم من المسلمين في دمشق والأردن، فلم ينجدهم أحد سوى ما قام به الناصر داود في توسطه بخروج من يرغب من الصليبيين من القدس إلى الساحل. بعد أن استولى الخوارزمية على بيت المقدس ساروا إلى الملك الصالح يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة في غزة، وسير إليهم عسكرًا من مصر بقيادة ركن الدين بيبرس، فسار إلى غزة وانضم للخوارزمية، وهناك التقى الجيش المصري المتحالف مع الخوارزمية مع جيش حمص ودمشق المتحالف من الصليبيين، واستطاع بيبرس إلحاق الهزيمة بالتحالف الشامي الصليبي. بعد معركة غزة سارع بيبرس للاستيلاء على غزة والساحل، والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار، ثم حاصر دمشق وفيها الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص، وبعد حصار دام ستة أشهر استسلمت دمشق عام 643 هـ الموافق 1245م، وعوض الصالح إسماعيل عنها ببعلبك وبصرى. أما الخوارزمية فقد انقلبوا على الصالح نجم الدين، بعد أن أقطعهم بلاد الساحل وكانوا يطمعون بدمشق، وأعلنوا الثورة على الصالح، وسارع الناصر داود والصالح إسماعيل بالانضمام إليهم، واستطاع نجم الدين الحاق الهزيمة بالخوارزميين بالقرب من حمص، وانتهى خطرهم بشكل نهائي.

    قامت حملة صليبية جديدة تستهدف مصر، وكانت أشرس وأعنف من الحملة الأولى علي دمياط وهي الحملة الصليبية السابعة، وكان علي رأسها ملك فرنسا لويس التاسع الذي كان معروفًا بتدينه وتعصبه، استغرق الأوروبيون ثلاث سنوات وهم يعدون للحملة، وقام لويس بتجهيز أسطول كبير لنقل الجنود والعتاد عبر البحر بعد أن قرر استبعاد الطريق البري، واستأجر عدد من السفن من جنوة ومرسيليا، وغادر على رأس حملته من مدينة باريس إلى ليون، ثم إلى جنوب فرنسا حتى وصل قبرص، خلال هذه الأثناء تسربت أخبار الحملة على مصر، وعلم السلطان الصالح أيوب بأن الصليبيين يحتشدون في قبرص، وقدر أنهم سينزلون دمياط كما فعل اسلافهم، فحشد جيشه تجاه المدينة وقرر أن يحارب حربًا لا هوادة فيها. دخل الصليبيون مدينة دمياط عام 647 هـ الموافق 1249م دون قتال وحولوا مسجد المدينة إلي كنيسة وأقاموا بطريركًا فرنسياً للمدينة، تعود أسباب الاستيلاء السهل لمدينة دمياط من قبل الصليبيين إلى أحد القادة العسكرين في الطرف الإسلامي وهو الأمير فخر الدين بن الشيخ، إضافة لبعض أفراد القبائل العربية التي عهد إليها الصالح أيوب بالدفاع عن المدينة وهم بني كنانة، قد تركوها وانسحب هؤلاء جميعًا إلى حيث يوجد معسكر الملك صالح أيوب في منطقة أسموم طناح، بالإضافة أنهم تركوا أبواب المدينة ممفتوحة وفاتهم عند فرارهم أن يقطعوا الجسر الذي يربطها بالضفة العربية للنيل، وأصبحت دمياط بذلك مدينة مفتوحة. قبيل سيطرة القوات الصليبية على دمياط أرسل الملك لويس رسائل تهديد للصالح نجم الدين، وطالبه فيها بالاستسلام وإرجاع الأراضي المقدسة للصليبيين، واعتبر أن الصالح أيوب ماهو إلا أحد نوابه. كان شهر يونيو شهر فيضان النيل فآثر الملك لويس أن ينتظر حتى ينتهي الفيضان حتى لا يقع فيما وقعت فيه الحملة الخامسة، عندما انتهي موسم الفيضان بدأ لويس زحفه إلي القاهرة، وفي تلك الأثناء مات السلطان الصالح في المنصورة عام 647 هـ الموافق 1249م.

    مرحلة السقوط

    استمرت الحملة الصليبية بعد وفاة الصالح أيوب، واستطاعت شجر الدر أن تخبئ نبأ وفاة السلطان، ودارت بين الأيوبيين والصليبيين معركة المنصورة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا من جهة، والأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري من جهة أخرى، أسفرت المعركة عن هزيمة الصليبين هزيمة كبرى. قامت شجر الدر باستدعاء توران شاه ابن الصالح أيوب ليكون السلطان الجديد بعد موت أبيه، جاء توران مسرعًا من حصن كيفا ومعه خاصة رجاله ومساعدوه، واستلم قيادة البلاد والجيوش فور وصوله وأظهر مقدرة حربية، وبمساعدة المماليك وضع خطة عسكرية محكمة لإجبار الصليبيين على التسليم حيث أمر بحمل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال، ثم أعاد تركيبها وإنزالها خلف خطوط الصليبيين مما أدى لوضع الصليبيين في كماشة أدت لهزيمتهم وأسر ملكهم لويس التاسع. على الرغم من هذا الانتصار العسكري الكبير على الصليبيين إلا إن توران شاه كان يمثل تجسيدًا حقيقيًا لانهيار الأيوبيين الصغار، وبدلاً من أن يستغل الظروف الراهنة في توحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تمامًا، اتجه نحو أمراء المماليك وزوجة أبيه شجر الدر، وأخذ في التخطيط للقضاء عليهم. كان توران شاه كئيبًا متكبرًا سريع الغضب، فأصدر عدة قرارات صادر بمقتضاها إقطاعات الأمراء وحدد عدة أسماء ووضعها على قائمة التصفية، ووصلت أخبار هذه القائمة للأمراء فقرروا التخلص منه. في صباح يوم 27 محرم 648 هـ الموافق 2 مايو 1250م كان السلطان توران في خيمته السلطانية فهجم عليه بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وأقطاي الجمدار وضربوه بالسيوف فهرب منهم لكشك خشبي فأحرقوه عليه فهرب منه ورمى نفسه بالنيل فضربوه بالسهام والنبال فقتل جريحًا غريقًا حريقًا، وبمقتله سقطت دولة الأيوبيين بمصر وقامت دولة المماليك.

    صار المماليك بعد مقتل توران شاه أصحاب الحل والعقد، وكان من الطبيعي أن يعينوا أحدًا منهم لتبوء عرش السلطنة الشاغر، وأخيرًا قرر المماليك حل المشكلة الناجمة عن شغور العرش فاختاروا شجر الدر لتولي العرش. غير أن حكم شجر الدر تعرض للنقد من قبل الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي عاب على المماليك تنصيب امرأة في الحكم، فاقتنعت شجر الدر واقتنع المماليك معها بضرورة تغيير رأس السلطة، فتزوجت من الأمير عز الدين أيبك وتنازلت له عن الحكم، بعد أن دام حكمها ثلاثة أشهر. وقف الأمراء الأيوبيون في الشام موقف العداء للنظام الجديد القائم في مصر، وقد جرت العادة منذ أيام صلاح الدين أن يكون للسلطان في مصر سيطرة على بقية الأمراء الأيوبيون في الشام، لذلك أرسلت شجر الدر عقب مبايعتها الخطيب أصيل الدين محمد لأخذ البيعة لها من أمراء الشام، ظل الأمراء الأيوبيون يعتبرون أنهم أصحاب الحق الشرعي في حكم مصر وبلاد الشام بوصفهم سلالة صلاح الدين، وأن ما جرى يعد خروجًا للسلطنة في مصر على البيت الأيوبي، ورفضوا أن يحلفوا يمين الولاء للسلطانة الجديدة، وشاركهم بعض الأمراء المماليك في بلاد الشام، فقد رفض المماليك القيمرية في دمشق أن يحلفوا يمين الولاء والطاعة، ولم يعترفوا بما جرى في مصر من تغيير في نظام الحكم، فكتبوا إلى الناصر يوسف الأيوبي صاحب حلب يعلمونه بموقفهم الرافض ويستدعونه للقدوم إليهم ليسلموا له دمشق، كما خرج الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان الأيوبي صاحب قلعة الصُبية من الديار المصرية احتجاجًا على ما حصل، فهاجم غزة وأخذها واستقر فيها، وثار الطواشي بدر الدين الصوابي الصالحي نائب الصالح أيوب بالكرك والشوبك، وسلم الحصنين إلى المغيث عمر الأيوبي بعد أن أخرجه من السجن، وخضعت باقي مدن بلاد الشام لأمراء من البيت الأيوبي، فستقر الموحد تقي الدين عبد الله بن توران شاه في حصن كيفا وتصيبين، والكامل ناصر الدين محمد بن المظفر عازي في ميفارقين، والمنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقي الدين محمود في حماة، والأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور إبراهين في تل باشر والرحبة. انتهز الناصر يوسف الفرصة واستجاب لدعوة المماليك القيمرية، فزحف بجيوشه نحو دمشق ودخلها وخلع الأمير جمال الدين بن يغمور، وعلى الأمراء القيمرية وعلى جماعة من الأمراء المصريين من مماليك الصالح أيوب، وبذلك خرجت بلاد الشام من قبضة شجر الدر، وانقسمت الجبهة الإسلامية بين مصر المملوكية وبلاد الشام الأيوبية.

    خشي المماليك على نظامهم الجديد من منافسة الأيوبيين، فتنادوا إلى اجتماع في قلعة الجبل لتدارس الموقف، جدد الأمراء والأجناد الولاء لشجر الدر وللأمير عز الدين أيبك أتابكًا وقائدًا للجيش، وقرروا الخروج من القاهرة للتصدي للأيوبيين، وإبعاد الناصر يوسف عن دمشق، إلا أنهم احجموا عن ذلك، ما حدا بالناصر يوسف الاستعداد لغزو مصر، تحرك الأيوبيون بزعامة الناصر باتجاه مصر لاستعادتها، وعندما علم أيبك بذلك قرر مواجهة الخطر الأيوبي بالطرق السلمية، فاختار بالاتفاق مع كبار المماليك صبيًا صغيرًا من بني أيوب في العاشرة من عمره هو الأشرف موسى بن المسعود بن الكامل، وأقامه سلطانًا ليكون شريكًا له في السلطة، فكانت التواقيع والمراسيم تخرج باسميهما، ويخطب باسميهما على منابر مصر، وضربت لهما السكة على الدنانير والدراهم. لكن الأمراء الأيوبيين أدركوا أن الأشرف لم يكن له غير الاسم، في حين كانت الأمور كلها بيد أيبك، واستمروا في استعداداتهم للزحف نحو مصر. عندئذ أعلن أيبك وضع البلاد تحت سلطة الخلافة العباسية، وأنه يحكم بوصفه نائبًا عن الخليفة المستعصم بالله، وأقدم في الوقت نفسه بإلقاء القبض على الأمراء المماليك بميولهم للأيوبيين. أقدم الناصر يوسف على التماس مساعدة الصليبيين وعلى رأسهم الملك لويس التاسع المقيم في عكا، لكن أيبك بعد أن علم بالأمر أرسل إنذارًا للملك لويس التاسع بأنه سوف يقدم عى قتل الأسرى الصليبيين الذين مازالوا في مصر منذ أيام الحملة على دمياط، إن قام بأي عمل عدائي ضده، غير أن الملك لويس لم يشأ أن يلتزم بشيء نحو أي من الطرفين. لما يَأس الناصر يوسف من استقطاب لويس، زحف بجيشه نحو مصر، ونسي زعماء المماليك البحرية خلافاتهم الداخلية، وتكتلوا وراء أيبك لصد الأيوبيين، خرج أيبك بجيشه والتقى الجيشان الأيوبي والمملوكي في ذي القعدة عام 648 هـ الموافق 1251م عند العباسة بين بلبيس والصالحية، انتهت بانتصار المماليك ورجوع الناصر إلى دمشق، كان لهذه المعركة أثرها في تثبيت عرش أيبك، فقد أرسل بعد شهر جيشًا بقيادة فارس الدين أقطاي واستولى على غزة. استغل الملك لويس الصراع الإسلامي ونجح في ابرام اتفاق بينه وبين أيبك ينص على: أن يطلق كل الأسرى الصليبيين، وأن يعفى الملك عن بقية المبلغ المتبقي من الفدية، واتفق الطرفان على القيام بحملة مشتركة لطرد الناصر من الشام، فاستولى لويس على يافا، وعسكر المماليك في غزة، فأرسل الناصر جيش عسكر عند تل العجول قرب غزة، وكادت أن تقع معركة بين الطرفين لكن الصلح تم بينهما عام 651 هـ الموافق 1253م، بعد تدخل الخليفة المستعصم، وتقرر أن: يعترف الناصر بسلطة أيبك وبسيادة المماليك على مصر وبلاد الشام حتى الأردن، على أن تدخل غزة وبيت المقدس ونابلس والساحل الفلسطيني في حوزة الناصر، وأن يعترف المماليك بسيادة الأيوبيين على بقية الشام. قام أيبك بعد الصلح بالقضاء على فارس الدين أقطاي، ففر أتباعه إلى بلاد الشام للاحتماء بالأيوبيين، ومن بينهم ركن الدين بيبرس وقلاوون الألفي، وحثوا الناصر على مهاجمة مصر، فطلب الناصر من أيبك إعادة المناطق التي أخذها منه، فقرر أيبك إعادة البلاد إلى الناصر، وقرر الخروج من القاهرة للحدود المصرية للتصدي للأيوبيين، لكن الأمر انتهى بتدخل الخليفة العباسي مجددًا، وعقد اتفاق نص على: أن يستعيد أيبك ساحل بلاد الشام، وألا يأوي الناصر أحد من المماليك البحرية. قتل أيبك عام 655 هـ الموافق 1257م فبايع المماليك ابنه نور الدين علي، وتولى سيف الدين قطز القيادة الفعلية لدولة المماليك واستطاع صد هجوم الأيوبيين المتحالفين مع المماليك أكثر من مرة.

    الغزو المغولي

    كان الصراع الدائر في منطقة إقليم الجزيرة بين الملوك والأمراء المحليين الأثر الكبير في تفتيت وحدة الإقليم الأيوبي أمام الزحف المغولي القادم من الشرق، الذي بدأ في غرب آسيا ضمن سياسة توسعية، فقد سيطر على إمبراطورية الصين الشمالية، وأواسط آسيا وفارس وبلاد الكرج والقوقاز والروسيا وبولونيا وآسيا الصغرى. عندما تولى مونكو خان منصب الخان الأعظم على المغول وضع أمامه هدفين، الأول: القضاء على الحشيشة في فارس، والثاني: السيطرة على ما تبقى من العالم الإسلامي حتى أقاصي مصر، وعهد إلى أخيه هولاكو القيام بتنفيذ هذه المهمة بعد أن منحه إقليم فارس والولايات الغربية، وحدد له إطار العلاقات مع الخليفة العباسي، فوضع هولاكو خطته بالقضاء على الحشيشة ثم غزو المناطق الغربية وصولًا إلى مصر، وبعد أن حقق هدفه الأول سار لتحقيق هدفه الثاني وبدأ في غزو العراق. كانت الأوضاع في بغداد سيئة جدًا، فقد اشتهر الخليفة العباسي المستعصم بالله بعدم جديته في إدارة شؤون البلاد العامة، وكانت الأخبار تصل إليه تباعًا عن اقتراب جيوش المغول ومع ذلك لم يستعد لمواجهتهم. حاصرت الجيوش المغولية عاصمة الخلافة بغداد، ثم دخلتها عنوة في شهر صفر عام 656 هـ الموافق شباط/فبراير عام 1258م ودمرتها، وكان الخليفة قد خرج منها وسلم نفسه للزعيم المغولي هولاكو دون قيد أو شرط بعد أن وعده هولاكو بالأمان، انتهت هذه الأحداث بقتل الخليفة وابنيه أبي العباس أحمد وأبي الفضائل عبد الرحمن، وأسر ابنه الأصغر مبارك، وأخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، ثم استسلمت الحلة والكوفة والموصل، وبذلك انتهت الخلافة العباسية في بغداد.

    انتقل الاجتياح المغولي من العراق إلى بلاد الشام، وكان هولاكو قد أرسل أثناء حصار بغداد فرقة عسكرية بقيادة أريق نوين استطاعت الاستيلاء على أربيل، ومن ثم أشرف المغول على بلاد الشام، وقد حرص الزعيم المغولي على أن يقوي سيطرة المغول على إقليم الجزيرة، وأن يخضع بصفة خاصة الأمير الأيوبي الكامل محمد صاحب ميافارقين الذي رفض قبول السيادة المغولية. كانت بلاد الشام تحت سيطرة ثلاث قوى هي: قوة المسلمين المتمثلة بالملوك والأمراء الأيوبيين، وقوة الصليبيين، وقوة الأرمن في قيليقية، أما الملوك والأمراء الأيوبيين فقد حكموا مدن ميافارقين وحصن كيفا والكرك وحلب وحمص وحماة ودمشق، إلا أنهم افتقروا إلى رابطة اتحادية فكان كل أمير يعمل مستقلًا عن الآخر مما أضعف قوتهم. وأما الصليبيون الغربيون فقد وقفوا موقف المتردد في الصراع المغولي الإسلامي، بينما تحالف الأرمن في قيليقية مع المغول وشجعوهم على القضاء على الخلافة العباسية وعلى الأيوبيين في بلاد الشام، واشتركوا معهم في قتال المسلمين.

    كان الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب أقوى الأمراء الأيوبيين، وقد أوجس خيفة من تقدم المغول، وقدَّر أن هولاكو وجنوده سوف يستولون على بلاد الشام عاجلًا أم آجلًا، لذلك رفض تقديم نجدة للكامل محمد صاحب ميافارقين بناءً على طلبه لمقاومة المغول، كما أرسل ابنه العزيز محمد إلى هولاكو يحمل الهدايا والتحف ويقدم الخضوع والولاء، ويطلب منه مساعدة عسكرية لاستعادة مصر من أيدي المماليك، أرسل هولاكو للناصر يوسف رسالة يأمره فيها بضرورة المجيء إليه وتقديم الخضوع دون شرط، لكن الناصر رفض القدوم لهولاكو، فقام هولاكو بقيادة جيشه للاستيلاء على غربي بلاد الشام، فسقطت في يده مدن ميافارقين ونصيبين وحران والرها والبيرة وحارم ثم اتجه إلى حلب وحاصرها من جميع الجهات، رفضت حامية المدينة بقيادة المعظم توران شاه بن صلاح الدين بن العزيز شادي التسليم للجيش المغولي، فقرر المغول الاستيلاء عليها فسقطت عام 658 هـ الموافق 1260م. نتيجة لهذه الانتصارات المغولية السريعة والحاسمة وما صاحبها من قتل وتدمير، أدرك الناصر يوسف استحالة الوقوف وحده في وجه المغول، فقرر أن يطلب المساعدة من المماليك في مصر، وغادر إلى غزة، فانقضت مملكة الناصر يوسف في ذلك اليوم. لما تقدم المغول نحو دمشق كان المدافعون عنها قد هاجروا، كما أن الناصر لم يحاول حماية المدينة قبل مغادرته، فقرر أعيان المدينة تسليمها لهولاكو، لكن قلعة دمشق امتنعت على الجنود المغول وقاومتهم، فاقتحموها عنوه وهدموها. كانت نهاية الناصر يوسف على يد المغول، فقد قتل في جبال سلماس في أذربيجان حيث كان في زيارة لهولاكو وحصل منه على اعتراف بحكم بلاد الشام ومصر، وعندما علم بخبر هزيمة المغول في عين جالوت صادفه أثناء عودته بعض من نجا من الجيش المغولي، فقتلوه عام 658 هـ الموافق 1260م، وقتل معه أخوه الظاهر غازي والصالح سيركوه صاحب حمص وعدد من الأمراء.

    آخر الأمراء الأيوبيين

    نظرًا لاحتلال المغول للعراق والشام قام سيف الدين قطز بعزل المنصور علي واعتلى سدة الحكم، وعندما تقدم المغول نحو فلسطين، تحرك الجيش المملوكي نجاه الشام، وجرت المعركة بين المماليك والمغول عند عين جالوت، وانتصر فيها المماليك، فتقدم قطز نحو بلاد الشام، ودخل دمشق، وكافأ من ناصره من الأمراء الأيوبيون بأن أعادهم إلى إماراتهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق بالطاعة، فأقر الأشرف موسى على حمص والرحبة وتدمر، كما أقر المنصور الثاني صاحب حماة على إمارته، أما السعيد حسن صاحب بانياس الذي تحالف مع المغول فقد قتله قطز. لما تولى ركن الدين بيبرس الحكم خشي قيام ثورة ضده في بلاد الشام من جانب بقايا الأيوبيين، وخشي من طموحات المغيث عمر صاحب الكرك، فعزم على القضاء عليه، وأعد حملة عسكرية من أجل هذه الغاية، لما علم المغيث بنوايا بيبرس كتب إلى الخليفة العباسي في القاهرة يشفع له، فكتب الخليفة إلى ركن الدين كتاب ستشفعه في المغيث، قأبقاه بيبرس على الكرك. لكن المغيث استمر في عدائه للمماليك فكتب إلى هولاكو في فارس يحثه على مهاجمة الشام، لما علم بيبرس بذلك تحايل على المغيث عمر حتى أحضره إلى معسكره في بيسان بفلسطين واعتقله، وعقد مجلسًا قضائيًا عرض فيه الكتب المتبادلة بينه وبين هولاكو، كما شهد الرسل الذين حملوا الكتب بذلك، فحصل بيبرس على فتوى تجيز قتله، فقتله عام 661 هـ الموافق 1263م، وضم بيبرس أملاكه، وبذلك تخلص من آخر الأمراء الأيوبيين المناوئين له.

  4. أنظمة الدولة

    14 دقيقة قراءةكان السلطان الأيوبي يطلب من الخليفة العباسي بصفته الرئيس الأعلى لبلاد المسلمين تفويضًا يجعل حكمه في مصر حكمًا شرعيًا، رغم أن سلطان الأيوبيين على البلاد التي تحت أيديهم كان سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه…

    النظام السياسي

    كان السلطان الأيوبي يطلب من الخليفة العباسي بصفته الرئيس الأعلى لبلاد المسلمين تفويضًا يجعل حكمه في مصر حكمًا شرعيًا، رغم أن سلطان الأيوبيين على البلاد التي تحت أيديهم كان سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن سلاطين الدولة الأيوبية حرصوا على الحصول على هذا التفويض دومًا، وكان الناصر صلاح الدين أول مَنْ اتشح بخلعة الخليفة العباسي من سلاطين مصر الأيوبيين. يُعدُّ صلاح الدين أول مَنْ اتخذ لقب السلطنة من حكام مصر، وقد حصل على لقب سلطان، ولقب محي دولة أمير المؤمنين لأعماله الجليلة التي قام بها في نشر المذهب السني والقضاء على المذهب الإسماعيلي الشيعي، ونجاحه في مناهضة الصليبيين وصدهم عن بلاد المسلمين. اتخذ صلاح الدين من لقب السلطان الملك الناصر لقبًا للتعامل، رغم حصوله على ألقاب عديدة تحمل في طياتها معانى العظمة والأبهة والجاه، مثل: السيد العالم العادل المظفر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، كانت هذه الألقاب تبين عظمة ما بلغه سلاطين الدولة الأيوبية، خاصة أن لكل لقب من هذه الألقاب موقفًا عظيمًا وحادثًا جللا خاضه السلطان فمُنح اللقب على إثره. دُوِّنت الألقاب في الرسائل التي تُبودلت بين السلاطين وملوك أوروبا، وفي الكتابات التاريخية، وعلى السكة والعمائر، والتحف الفنية، وفهارس دار الآثار العربية.

    كان السلطان يقيم مع أسرته وحاشيته ورجال بلاطه في قلعة الجبل، وهو رئيس الدولة الأعلى الذي له الحق في الهيمنة على شئون الأمراء الخاصة والعامة، وفي تدرجهم الوظيفي، وفي توزيع الإقطاعات والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان تعيين موظفي الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر في المظالم وقيادة الجيوش في الحروب. كان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى: مجلس السلطنة، وكان أعضاؤه من كبار موظفي الدولة للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام على تنفيذ المشروعات والخطط، ويتولى أمير المجلس الذي يشبه منصبه منصب كبير الأمناء الآن الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله حق التصرف في شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس في حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة.

    نيابة السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون لأول مرة في التاريخ الإسلامي، واستمرت قائمة بعد ذلك حتى نهاية عصر المماليك، فأصبح النائب كأنه سلطان ثاني، ويشترك مع السلطان في منح لقب الإمارة، وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش في المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من قصر السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن من اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان بالقاهرة أم كان متغيبًا عنها. هناك نوع آخر من النيابة يقول عنه تقي الدين المقريزي:. كما اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية في مصر وزراء لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل جعلوها سلطة مطلقة، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها، وأصبح صاحبها باب الملك المقصود، ولسانه الناطق، ويده المعطاءة. بلغ من استئثار بعض خلفاء صلاح الدين بالسلطنة أن استغنوا أحيانًا عن وظيفة الوزير، ومن ذلك السلطان العادل الذي استوزر الصاحب صفي الدين بن شكر، ولكنه ما لبث أن تغير عليه فأقاله من الوزارة، وترك المنصب خاليًا دون أن يعين فيه وزيرًا حتى مات، وعندما تولى الكامل بن العادل السلطنة أعاد ابن شكر إلى الوزارة، فلما شعر بأن ابن شكر أساء الأمانة وأحدث حوادث كثيرة وحصَّل مالًا جمًا، عزله وأحاط بجميع موجوده ولم يستوزر بهده أحدًا. بالإضافة لوظيفة الوزير وجدت وظائف سامية في الدولة الأيوبية منها: وظيفة الحاجب: ومهمته إدخال الناس على السلطان، ووظيفة الاستادار: ويفوض إليه النظر غي إدارة البيوت السلطانية، ووظيفة الداودار: ويقوم بإبلاغ الرسائل إلى السلطان والحصول على توقيعه على المراسيم والمناشير السلطانية، ووظيفة الناظر الخاص: وهو المكلف بالشؤون المالية للسلطان.

    اعتبرت الدولة الأيوبية أن جميع الأقاليم متساوية في التبعية، وانحصر تعيين ولاتها بين أفراد الأسرة الأيوبية، فأخذ أولاد صلاح الدين الأقاليم المهمة والحساسة مثل مصر ودمشق وحلب، والأقاليم الثانوية كانت من نصيب إخوة صلاح الدين وأولادهم، وقد أطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يسمى ناظرًا أو رئيس، من أهم الدواوين الأيوبية: ديوان الجيش، ديوان الأسطول، ديوان المالية، ديوان الإنشاء، ديوان الأحباس. يتبع ديوان الإنشاء إدارة البريد التي احتل أصحابها مركزًا مرموقًا في هذا العصر. كان لكل ديوان عدد من الموظفين يتبعون الرئيس وينفذون أوامره، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية، مثل: والي القاهرة، والي الفسطاط.

    النظام القضائي

    في سنة 564 هـ افتتح الناصر صلاح الدين مدرستين لتدريس الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعي، وجعل الأخرى للفقه المالكي، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلًا منهم قضاة من الشافعية السنة، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي، كما أن قاضي الشافعية صدر الدين درباس لم يُنب عنه في أقاليم مصر إلا من كان شافعيًا، ومن ثم انتشر المذهب الشافعي في مصر وما يتبعها من أقاليم. كان الذي يتولى منصب القضاء في القاهرة وسائر أعمال الديار المصرية في عهد الأيوبيين قاضٍ واحد هو بمثابة قاضي القضاة، وله حق إنابة نواب عنه في بعض الأقاليم. كان للقاضي في عهد الأيوبيين أعوان يساعدونه على العدل في الحكم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكان منهم الجلواز الذي يستعين به القاضي على تنظيم قاعة الجلسة، وحفظ النظام، وترتيب الخصوم وفق ترتيب حضورهم، ومنعهم من التقدم إلى القاضي في غير دورهم، ومراعاة الآداب في مجلس القضاء، ومنهم الأعوان ومهمتهم إحضار الخصوم إلى المحكمة، والقيام بين يدي القاضي عند نظره في الخصومات إجلالا لمركزه، ومنهم الأمناء ومهمتهم حفظ أموال اليتامى والغائبين، ومنهم العدول ومهمتهم مراعاة دقة عبارات السجلات والعقود ومطابقتها للشرع، وتزكية الشهود.

    النظام الاقتصادي

    كانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد القوي، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد الإسلامية كافة، وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا منها، وبنت القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية في البلاد. غَيَّر الناصر صلاح الدين النظام الاقتصادي الذي كان سائدًا قبله، وقلل من النظام الإقطاعي، فقضى بذلك على استقلال أمراء الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير في ازدهار حالة البلاد الاقتصادية. أولى الأيوبيون الزراعة عنايتهم، فهي عماد حياة البلاد، فطهَّروا الترع، وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الري، لدرجة أن السلطان الكامل كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم السدود والخزانات، وغير ذلك من أعمال الري الخاصة، فنشطت الزراعة دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين تتوقف في سوريا شتاءً، وهو موسم الزراعة في مصر. نشطت التجارة كما ازدهرت الزراعة في العصر الأيوبي، وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع البندقية في سنة 605 هـ الموافق 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية في الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية، في مقابل أن يمنعوا الصليبيين من التقدم نحو مصر، فلما ولي السلطان الكامل حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان العادل مع أهل البندقية، وسمح لهم بتأسيس سوق تجارية في الإسكندرية، سُمِّيت سوق الأيك، ومنح الامتيازات نفسها لأهل بيزة الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى الإسكندرية، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة.

    اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المستوردة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام. يعد النسيج من أهم صناعات مصر في ذلك العصر، حتى أن أنواعًا معينة أحرزت شهرة عالمية مثل قماش الفستان، واحتلت المنسوجات الكتانية مكانة مرموقة بسبب وفرة الكتان، وكانت تنيس تصدر من الأقمشة الكتانية إلى العراق وحدها بثلاثين ألف دينار سنوياً، يضاف إلى ذلك ازدهار المنسوجات الحريرية الموشاة بالذهب، كما اشتهرت صناعة الأقمشة الصوفية، أما القطن فكان معروفًا في العصر الأيوبي، لكنه بقي أقل جودة من الصناعة الكتانية، وفي ذلك يقول الثعالبي:. كانت المصانع النسيجية تنقسم إلى قسمين: مصانع حكومية منتشرة ما بين الوجه البحري والوجه القبلي وفي مصر الوسطى، ومصانع خاصة تم توزيعها في الطوابق العليا من العمائر الضخمة التي شيدت على النيل خارج دمياط. ازدهرت في القاهرة صناعة الحفر على الخشب، تتمثل في رائعة قبة الإمام الشافعي، ومحراب ضريح الملك نجم الدين أيوب، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة الورق، وكانت أهم مراكزها طبرية ودمشق وطرابلس، كما ازدهرت صناعة الزجاج وبالأخص في حلب ودمشق والفسطاط، أما الخزف فقد أخذت صناعته تضمحل. كما ازدهرت صناعة المعادن والفسيفساء.

    مرت مصر بانتكاسة اقتصادية في عهد العادل نتيجة انخفاض مياه نهر النيل الذي ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل العادل جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المباني، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى في مصر والشام، ولكن الأوضاع سرعان ما عادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة 601 هـ الموافق 1204م، فزادت الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده.

    لم يطرأ تغيير كبير على النظام المالي الذي كان سائدًا في مصر منذ العصر العباسي، فبقيت إيرادات الدولة الرئيسية تنقسم إلى قسمين، الخراجي: وهو ما يدفعه المزارع من ضريبة سنوية مفروضة على الأرض التي يقوم بفلاحتها والتي تزرع حبوبًا ونخلًا وعنبًا وفاكهة، وقد أدخل صلاح الدين ما يسمى بالبدل في جميع الخراج، أي أن يؤدي الخراج عينًا فيدفع الفلاح كميات من الشعير أو الحمص بدلًا من القمح. الهلالي: وهو ما يؤخذ من الضرائب على الكلأ وما يصطاد من السمك وكان يعرف الهلالي بالمرافق والمعاون. توسعت الضرائب المستندة من الخراجي والهلالي لتشمل أنواعًا عديدة منها: الأحكار: وهي عبارة عن الأجرة المتحصلة من مساحة الأراضي، وضريبة الغروس: وهي الأماكن التي تقع بالإقطاعات ولا تصل إليها المياه واراد بعض الأفراد استئجارها لقاء مبلغ معلوم، والضريبة على الجهات التي توافر فيها أشجار السنط، فيدفع أهالي تلك المناطق مبلغًا من المال مقابل انتفاعهم بأخشابها، المعادن: فقد تقرر مصادرتها ولا تباع إلا في المتاجر السلطانية بالإسكندرية. من الموارد المالية ضرائب أخرى كالجوالي: وهي ضريبة مفروضة على أهل الذمة، وأموال المواريث، متحصلات ديوان الأوقاف، والضريبة المفروضة على التجار الأجانب القادمين إلى مصر، ضريبة المكوس المفروضة على الحجاج، لكن صلاح الدين رفعها أما سخط الناس. بالرغم من تعدد إيرادات الدولة وتنوع مواردها إلا أن أبواب المصروفات كانت عديدة مما أدى إلى وقوع البلاد في أزمة مالية، لكن صلاح الدين استطاع تدارك الموقف وأصدر عملة ذهبية كاملة العيار، لكن هذا الاستقرار المالي لم يدم طويلًا بسبب أعباء الحروب المضنية بين الصليبيين والأيوبيين، فقام صلاح الدين بإصدار عملة نصفها من الفضة ونصفها الآخر من النحاس، مما دفع الناس للاحتفاظ بما لديهم من الذهب، فانحطت عملية البيع والشراء، مما اضطر الملك الكامل إلى إصدار دراهم نحاسية.

    النظام العسكري

    الجيش

    أسهمت الحملة الشامية النورية في نشوء الجيش الأيوبي سواءً في عهد وزارة شيركوه وصلاح الدين، وقد تطورت وتوسعت قدرات الجيش إلى حد كبير بعد القضاء على الخلافة الفاطمية، يقول المقريزي:، ˆويضيف:، وبلغت نفقات الجيش السنوي (3.670.000) دينار. بدأ صلاح الدين بعد وصوله إلى بلاد الشام بكسب تأييد بقايا الجيش النوري في دمشق، واستطاع أن يخلق منه جيشًا شاميًا تابعًا له يلازمهˆ في تحركاته، وبهذا صارت لصلاح الدين قوتان: قوة مصرية احتياطية لجيش الشام يستخدمها لدى الحاجة الشديدة إليها وللدفاع عن مصر ضد عدوان خارجي محتمل، وهذه القوة هي امتداد للجيش النوري القادم من الشام تحت قيادة شيركوهˆ، والذي كان قوامه ثمانية آلاف فارس وآلاف أخرى من المشاة، ثم انضمت إليها جماعات حتى تضاعف حجمها، ثم قوة أخرى شامية تحت تصرفه المباشر، وهي التي ترافقه في تحركاته العسكرية، وكان مركزها دمشق، ˆوضمت هذه القوة بالدرجة الأولى قوات جيش نورالدين محمود.

    شكل صلاح الدين جيشه من المماليك الأسدية القدماء، وسائره من الأحرار الأكراد الذين دخلوا مصر في حملة شيركوه الثالثة، فضلًا عن المماليك الأتراك الذين اشتراهم لنفسه وسماهم الصلاحية نسبة إلى اسمه وعهد بقيادتهم إلى الأمير أبي الهجاء، صار الصلاحية والأسدية الحرس الخاص لصلاح الدين. تنقسم تشكيلات الجيش الأيوبي إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى: تتألف من الترك والأكراد والتركمان، وكانوا يحصلون على رواتبهم كاملة، الفئة الثانية: تتألف من الكنانية والعساقة الذين هاجروا من جنوب فلسطين بعد سقوط عسقلان في يد الصليبيين، وانضم إليهم من ماثلهم من الأجناد القادمين من خارج مصر، وهؤلاء يحصلون على نصف الراتب، الفئة الثالثة: تتألف من الجند الذين يخدمون في الأسطول البحري، ولا يحصلون إلا على ربع الراتب. يُضاف إلى هذه الفئات الثلاث فرقة من المتطوعين التركمان والأكراد والعرب، وكانوا بمثابة جند غير نظاميين، يعملون مقابل ما يتقاضونه من أجور. أنشأ صلاح الدين ديوانًا للجيش، وجعله مسؤولا عن الشؤون الخاصة بالجيش، فكان هذا الديوان بمثابة وزارة الدفاع في وقتنا الحاضر. اتخذ صلاح الدين عدة خطوات إصلاحية لتدعيم جيشه، أولًا: لجأ إلى تعميم نظام الإقطاع الحربي، أي أنه صار لكل من كبار الأمراء والقادة إقطاع مقابل ما يقدمونه من العساكر، وقد سمي الديوان الذي يشرف على شؤون الجيش بديوانˆ الإقطاع، وهذا يدل على مدى اعتماد التنظيم العسكري الأيوبي على النظام الإقطاعي، ولم يكن هذا الإقطاع وراثيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أنه كان يحدث أن يورث الأمير اقطاعيته لابنه الأكبر الراشد، وإذا كان ابنه قاصرًا رتب له السلطان معه رجلًا يثق إليه فيتولى أمره إلى أن يكبر، ويكون هذا الرجل بمثابة أتابكًا له، ولم يشمل الإقطاع كافة الامراء بل كان يشمل الذين عرفوا بشجاعتهم ونكايتهم بالعدو. ثانيًا: أرسل أخوه ثوران شاه سنة 569 هـ الموافق 1174م إلى اليمن على رأس جيش كبير كي يقع عبئه على كاهل تلك الديار، ثالثًا: تخلص صلاح الدين كثيرًا ممن تبقى من جند الفاطميين الذيم دخلوا جيشه، فبعث بهم إلى أقصى بلاد الصعيد. أعاد صلاح الدين تنظيم جيشه عدة مرات، حيث أن الجيش الأيوبي لم يبق على حال واحد من الكثرة العددية والنفقات طوال العصر الأيوبي، فبعد انتهاء مرحلة الجهاد ضد الصليبيين وعقد صلح الرملة، سرح صلاح الدين أكثر من نصف العساكر المصرية، ثم ازداد الجيش وارتفعت نفقاته أيام السلطان الكامل عندما وقعت الحملة الصليبية الخامسة. لم يستخدم صلاح الدين كل الجيش في حملاته على الشام، لأنه كان مقتنعًا بخطر الصليبيين الداهم لمصر، فاضطر إلى الاستغناء عن نصف الجيش وابقائه داخل البلاد، كانت المرة الوحيدة التي أرسل فيها قسم كبير من جيشه في مصر إلى الشام أثناء حملته على الرملة وما أصابه من هزيمة قاسية.

    البحرية

    عند قيام الدولة الأيوبية كان الأسطول المصري في حالة من الضعف والعجز نتيجة ما تعرض له من الهدم والضرب في أواخر العصر الفاطمي جراء هجمات الأساطيل الصليبية المتكررة على سوحل بلاد الشام. أدرك صلاح الدين هذا الانهيار منذ بداية حملته الأولى على مصر وحصار الصليبيين للإسكندرية وما ترتب عليه من تقهقر قواته داخل المدينة. اهتم صلاح الدين بالأسطول البحري فأنشأ له ديوانًا خاصًا للإنفاق عليه باسم ديوان الأسطول، وخصص للديوان موارد هامة منها متحصلات إقليم الفيوم وإيراد ديوان الزكاة، فضلًا عن حصيلة النطرون وخراج السنط، تولى ديوان الأسطول الإنفاق على المشتغلين بالأسطول وعلى النفقة على دور الصناعات حيث كانت تصنع السفن في مصر في الفسطاط والإسكندرية ودمياط، كما كان في الإسكندرية ديوان سُمي بالمتجر السلطاني، عمله شراء البضائع المستوردة التي تحتاجها الدولة لأغراض عسكرية، ولا سيما في بناء السفن. في سنة 567 هـ الموافق 1172م عمل صلاح الدين على تحسين أحوال رجال الأسطول، فرفع أجورهم لتشجيع الناس على الخدمة بالأسطول، ثم لجأ إلى جمع الموارد الازمة ببناء السفن، فاحتكر غابات أشجار السنط، واعتبرها كأنها معادن ليس لأحد فيها ملك واختصاص فهي لبيت المال، لم يكتفي صلاح الدين بالخشب المحلي في مصر، بل استعان بأخشاب الصنوبر التي استوردها من جبال الشام، فضلًا عن معدن الحديد الذي كان يستخرج من بعض المناطق القريبة من بيروت، كما عقد معاهدات تجارية مع حكومات إيطاليا (البندقية، بيزا، جنوة) حصل بمقتضاها على حاجته من الحديد والخشب والشمع.

    بفضل هذه الإمكانيات أصبح الأسطول الأيوبي قوة كبيرة مزودة بالأبراج والقلاع التي تحمل الواحدة منها 150 رجلًا وتصلح في حالات الهجوم والدفاع، وعشرون طرادة وهي سفن الحركة. قسم صلاح الدين الأسطول لقسمين، الأول: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها حماية شواطئ مصر والدفاع عنها، الثاني: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها مهاجمة الصليبيين وموانيهم بالشام. أرفق الأيوبيون اهتمامهم بالأسطول بتقوية أجهزة الدفاع والحراسات الساحلية كالرباطات والمحارس والمناور والمناظر المعتمدة على طول سواحل مصر والشام، وأصدر صلاح الدين مرسومًا يقول فيه:. أما السفن التي استعملت في عصر الدولة الأيوبية فهي: الطريدة: وكانت خاصة بحمل الخيل، وقد امتازت بكبر حجمها بحيث تستطيع أن تحمل أربعين فرسًا، وهي تختلف عن الطرادة التي كانت صغيرة الحجم سريعة الجريان، الشيني: وهي من السفن الكبيرة التي استعملت لحمل المقاتلين، بلغت سعتها حوالي مئة وأربعين مجدافًا، البسطة: وهي ضرب من المراكب الحربية الكبيرة، تتسع لزهاء 700 جندي، وقد لعبت هذه السفن دورًا كبيرًا في الحروب مع الصليبيين، الحراقة: استعمل هذا النوع من السفن في النقل، وهي سفينة متوسطة تتسع لحوالي مئة جندي، المسطح: نوع كبير من المراكب ذات طابقين مسقوفين يقاتل الجنود على ظهرها والجدافون يجدفون من تحتها، الحمالة: وهي من السفن الخاصة بحمل المؤونة، البركوس: وهي من السفن الصغيرة، ومهمتها الأساسية نقل المياة، الشلندي: مركب حربي مهمته نقل المقاتلة والأسلحة.

    بعد أن أتم صلاح الدين استعداداته الحربية، بدأ الأسطول بعملياته البحرية، فتوغل المسلمون في البحر حتى وصلوا إلى أطراف بيزنطة، وإلى قبرص وكريت والسواحل الجنوبية لآسيا الوسطى، كما قام بعمليات ناجحة ضد الصليبيين بساحل الشام، امتدت حتى جزيرة أرواد، واستولى على سفينتي شحن. قام الأيوبيون عام 575 هـ الموافق 1179م بمهاجمة ميناء عكا واستولوا على عدد من السفن، وظلوا في الميناء يومين كاملين. في المقابل قام الصليبيون بإنزال بحري قرب آيلة، وشرعوا في مهاجمة الموانئ المصرية وخاصة عيذاب، وقامت معركة بحرية بين الطرفين وانتصر فيها قائد الأسطول المصري حسام الدين لؤلؤ. ازدادت فعالية الأسطول البحري بعد معركة حطين، فساعد في الاستيلاء على بعض الموانئ الهامة في بلاد الشام مثل هكا التي رابطت عندها قوة بحرية إسلامية مؤلفة من عشر سفن لمراقبة المسالك المؤدية لفلسطين.

    بعد وفاة صلاح الدين كان موقف خلفائه مناقضًا لنهجه في إدارة الأسطول، فضعف وأُهمل، وأصبحت مصر عاجزة عن مقاومة حملات الصليبيين المتكررة: الحملة الصليبية الخامسة والحملة الصليبية السابعة. أدرك بني أيوب غلطتهم في اهمال الأسطول، وظهر واضحًا في وصية الصالح نجم الدين أيوب لابنه توران:. يقول المقريزي: فلما مات صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلًا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه.

  5. العلاقات مع دُول الجوار

    8 دقائق قراءةتراوحت العلاقة الأيوبية مع الخلافة العباسية بين الجيدة والفتور، بدأ صلاح الدين علاقته الجيدة مع العباسيين عندما كان وزيرًا للخليفة العاضد، فقد طلب منه الخليفة العباسي أن يقطع الخطبة للفاطميين ويدعوا للعباسيين على منابر…

    الخلافة العباسية

    تراوحت العلاقة الأيوبية مع الخلافة العباسية بين الجيدة والفتور، بدأ صلاح الدين علاقته الجيدة مع العباسيين عندما كان وزيرًا للخليفة العاضد، فقد طلب منه الخليفة العباسي أن يقطع الخطبة للفاطميين ويدعوا للعباسيين على منابر مصر. عندما أراد صلاح الدين توحيد بلاد الشام ومصر تحت مظلته، كتب للخليفة العباسي بين جهوده للتصدي للصليبيين ويبرر سبب ضمه لليمن وضرب المهدي المبتدع، ورجائه من الخليفة أن يقلده سلطنة مصر والمغرب والشام واليمن، وقد استجاب الخليفة العباسي لذلك وأرسل إليه رسل دار الخلافة تحمل التشريفات والتقليد والتملك والتفويض. رغم علاقة الخلافة العباسية الجيدة مع صلاح الدين، إلا أن الخليفة لم يمنحه تقليدًا بولاية الموصل، وكان صلاح الدين وجه رسائل عدة إلى بغداد تطالب بتقليد إمارة الموصل، وكل ما استطاع الحصول عليه هو تقليد بإمارة ديار بكر. لم يؤدي هذا الرفض بخلع صلاح الدين الطاعة العباسيين، واستمر بمراسلتهم، وأطلع الخليفة العباسي على انتصاراته في معركة حطين، وخاطبه بالخادم يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم والنصر الكريم. في عام 587 هـ الموافق 1191م وصل كتاب الخليفة العباسي إلى صلاح الدين ينكر ما قام به ابن أخيه تقي الدين عمر في شمالي الجزيرة الفراتية من مهاجمة خلاط، وطلب منه إرسال القاضي الفاضل للتباحث بشأن توضيح بعض القضايا، فأجاب صلاح الدين بأنه غير راضي عن تصرفات ابن أخيه، واعتذر عن إرسال القاضي الفاضل إلى بغداد لأنه كان مريضًا، وكانت هذه المراسلة بداية فتور العلاقة بين الأيوبيين والعباسيين.

    استمرت علاقة الدولتين بالفتور حتى مقتل توران شاه وسقوط الدولة الأيوبية، حيث سيَّر الناصر يوسف الوريث القوي للأيوبيين في الشام جيشًا إلى مصر لقتال المماليك بقيادة السلطان عز الدين أيبك الذي آلت إليه مراسيم حكم مصر، هُزم الناصر يوسف في معركة العباسة التي دارت بين الطرفين، فاتفق أيبك مع الملك الفرنسي لويس التاسع أن يساعده ضد الناصر أيوب مقابل تسليم القدس، عندها تدخل الخليفة العباسي المستعصم بالله بين أيبك والناصر عام 651 هـ الموافق 1253م بحيث تكون مصر وجنوبي فلسطين بما فيها غزة للمماليك، وتكون بقية بلاد الشام للأيوبيين.

    الدولة السلجوقية

    كان السلطان عز الدين قلج أرسلان الثاني يرغب في ضم رعبان وكيسوم بهدف التوسع نحو الجنوب، فأرسل رسولًا لصلاح الدين يطالبه بالحصنين بحجة أنهما كانا سابقًا من أملاك سلاجقة الروم ضمهما والده مسعود ثم اضطر أن يتنازل عنهما لنور الدين محمود. رفض صلاح الدين طلب قلج، الذي قام بمهاجمة رعبان عام 575 هـ الموافق 1179م، لما علم صلاح الدين بالهجوم أرسل قوات نحو المعسكر السلجوقي بقيادة المظفر تقي الدين عمر، انتهت بهزيمة السلاجقة وتثبيت حكم صلاح الدين للحصن. في السنة التالية نشب نزاع بين قلج وصلاح الدين بسبب مشكلة عائلية مع صاحب كيفا، حيث هاجم قلج حصن كيفا، فقام صاحبه نور الدين محمد بطلب المساعدة من صلاح الدين، تقابل الجيشان عند نهر كوك سو، لكن الطرفان جنحا للصلح، فتم الاتفاق المهم بمساعدة صلاح الدين للسلاجقة في حربهم ضد الأرمن في كيليكية.

    عندما أرسل الغرب الأوروبي حملته الصليبية الثالثة كان الإمبراطور الألماني فريدريك بربروسا أحد المشاركين فيها، وحتى يمهد لحملته أرسل رسائل للملوك والأمراء والسلاطين الذين سوف تجتاز حملته بلادهم، ومنهم السلطان قلج أرسلان الثاني، الذي رد عليه يعده بالمساعدة، في حين قام الإمبراطور البيزنطي بإرسال بعثة إلى ألمانيا تعد باجتياز الحملة الأراضي البيزنطية، وفي الوقت نفسه أدت مخاوفه إلى سعيه لمحالفة صلاح الدين ضد فريدريك وقلج، فتعهد له صلاح الدين بوضع الأماكن المقدسة النصرانية في بلاد الشام تحت رعاية رجال الدين الأرثوذكس. عندما وصل الإمبراطور فريدريك البلقان أرسل الإمبراطور البيزنطي رسالة لصلاح الدين تعده بعدم تمكينه من عبور بلاده، لكن فريدريك اجتاز الأراضي البيزنطية ووصل داخل هضبة الأناضول السلجوقية، وقام قلج بتزويد الجيش الألماني بالمؤن وحراستها داخل الأراضي السلجوقية حتى وصلت الحملة أرض الشام. لما آلت السلطة السلجوقية لعز الدين كيكاوس في عهد الملك الأيوبي العادل، طمع بالسيطرة على حلب، فأرسل جيش تقابل مع الجيش الأيوبي على مشارف حلب، انتهت المعركة بهزيمة السلاجقة، فقام عز الدين بسحب جيشه واسترد الجيش الأيوبي بلدة تل باشر ورعبان وتل خالد وبرج الرصاص التي خسرها قبل معركة حلب.

    لما نجح جلال الدين الخوارزمي في إعادة إحياء الدولة الخوارزمية قام بمهاجمة بغداد، ثم تحالف مع بعض الأمراء الأيوبيين على مهاجمة حلب وإقليم الجزيرة، قرر السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الأول التحالف مع الأيوبيين في مواجهة الخوارزميين، نتج عنها وقوع معركة بين الطرفين في منطقة قريبة من خلاط عام 627 هـ الموافق 1230م، انتهت بهزيمة الخوارزميين وانسحابهم إلى أذربيجان. لم يستمر التحالف السلجوقي الأيوبي طويلًا، فقام كيقباد الأول بالاستيلاء على خلاط وتوغل في بلاد الأرمن ودخل تفليس، كما قام بضم العساكر الخوارزمية بعد سقوط الدولة الخوارزمية بيد المغول، تحرك الملك الكامل بجيشه الأيوبي نحو بلاد السلاجقة، ووقعة بين الطرفين حاسمة انتهت بهزيمة الجيش الأيوبي، واستطاع السلاجقة من السيطرة على حصن زياد القريب من نهر الفرات. في عام 633 هـ الموافق 1236م قام الملك الكامل بمهاجمة بلاد السلاجقة واستعاد الرها وحران. استمر تمدد السلاجقة في بلاد الأيوبيين حتى توطد حكمهم في إقليم الجزيرة وسيطرتهم على آمد

    الإمبراطورية البيزنطية

    انتهت بوفاة الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنينوس مرحلة التعاون البيزنطي الصليبي، وبدأت مرحلة التعاون مع الأيوبيين، ففي عام 577 هـ الموافق 1181م أرسل إمبراطور بيزنطة أندرونيكوس الأول كومنينوس مبعوثًا إلى القاهرة لعقد صلح مع صلاح الدين، وكان ذلك قبيل مجيء الحملة الصليبية الثالثة، كان الهدف من الاتفاق هي مقاومة الاتين عمومًا وسلاجقة الروم خصوصًا. في عام 581 هـ الموافق 1185م أرسل أندرونيكوس سفارة إلى صلاح الدين يعرض عليه قيام تحالف بينهما على: أن يتعاون الطرفان في قتال مملكة بيت المقدس، ويتعاون الطرفان في مناوأة السلاجقة، ويبذل الإمبراطور البيزنطي المساعدة لصلاح الدين في نضاله ضد الصليبيين في بلاد الشام. لكن هذا الاتفاق لم يكتب له النجاح بسبب خلع الإمبراطور البيزنطي قبل أن يصل رد صلاح الدين. تولى الإمبراطور إسحاق الثاني أنجيلوس السلطة في القسطنطينية وواصل سياسة التقارب مع صلاح الدين، وأقرت بين الطرفين المعاهدة التي بدأها أندرونيكوس. عندما انتصر صلاح الدين في حطين أرسل سفارة إلى الإمبراطور البيزنطي تخبره بهزيمة الصليبيين في الشام، رد صلاح الدين بسفارة مماثلة جدد فيها المحالفة مع صلاح الدين. عندما بدأت أخبار تجهيز الحملة الصليبية الثالثة في الظهور أرسل صلاح الدين سفارة إلى بيزنطة بشأن قيام تحالف عسكري بين الدولتين للتصدي للغزو الصليبي، أرسل فريدريك بربروسا قائد الحملة رسالة إلى بيزنطة تخبرهم بعزمه اجتياز أراضيها وتقديم مايلزم للانتقال لشواطيء الشام، قام إسحاق الثاني بعقد معاهدة بينه وبين فريدريك في أدرنة يتعهد بموجبها بحماية السفن وتأمين المؤن للجيش الصليبي، ثم كتب لصلاح الدين رسالة يعتذر فيها عن قيامه بالسماح للصليبيين بعبور الأراضي البيزنطية. في عام 587 هـ الموافق 1191م أرسل إسحاق الثاني رسالة إلى صلاح الدين يطلب منه أن يجعل له الإشراف على بيت المقدس، وأن يشترك معه في الهجوم على قونية عاصمة السلاجقة، لكن صلاح الدين رفض أن يكون لمذهب من المذاهب السيادة على بيت المقدس. كانت الحملة الصليبية الرابعة تستهدف غزو الأراضي المقدسة عبر مصر وذلك عام 1202م، لكن في عام 1204م تحول نظر الصليبيين عن مهمتهم في الأرض المقدسة، فحاصروا المدينة الأرثوذكسية الشرقية القسطنطينية، فاحتلوها لستين عامًا. من نتائج العلاقة الجيدة بين البيزنطيين والأيوبيين أنه في عام 577 هـ تم فتح الجامع الإسلامي في القسطنطينية، وإطلاق مئتي أسير مسلم فيها.

    دولة الموحدين

    أرسل صلاح الدين قائده شرف الدين قراقوش لإخضاع المغرب الأدنى تحت الحكم الأيوبي، رأى الموحدون أن اجتياح قراقوش لأفريقيا يشكل تهديدًا خطيرًا لوجودهم، تجسد هذا الخطر من خلال الحلف الذي انعقد بين قراقوش والقبائل العربية في المغرب الأدنى ووقوع العديد من المدن في قبضة القبائل العربية التي أعلنت ولائهم للخلافة العباسية، ودعت للخليفة في المنابر، عندها دارت معارك وصراع طويل بين الموحدين من جهة والقبائل العربية المدعومة من الأيوبيين من جهة أخرى. كان دخول قراقوش لأفريقيا قد أساء إلى العلاقات بين الدولتين، وجعلت من إمكانية التعاون بينهما يكاد يكون مستحيلًا. بعد الانتصار الذي حققه صلاح الدين في حطين واستعادته بيت المقدس، أخذت أوروبا في التحضير لحلف صليبي كبير يضم فرنسا وألمانيا وإنجلترا وبيزا وجنوى بالإضافة لأوروبا الشرقية لاستعادة القدس، وبدؤوا في تسيير الحملة الصليبية الثالثة، هذا الموقف الخطير دفع بصلاح الدين لمخاطبة الخليفة العباسي للحضور بنفسه أرض الشام لبث الحماس في نفوس الجنود المرابطين فيها، ولما شعر صلاح الدين بأهمية الأساطيل البحرية تطلع نحو المغرب آملًا في اسهام الموحدين في الوقوف بوجه أساطيل أوروبا والحيلولة دون وصولهم الشام.

    قام صلاح الدين بإرسال رسالة إلى يعقوب المنصور يطلب منه المساعدة في تخفيف الضغط الصليبي على الشام موضحًا أهمية منع السفن والاساطيل الأوروبية إلى الشام وأن الأمل معقود على الأسطول الموحدي، واقترح على يعقوب أن يعهد إلى واليه في تونس القيام بهذه المهمة، ومما جاء في الرسالة: لم تسفر سفارة صلاح الدين إلى الموحدين عن أية نتائج، أما عن سبب رفض الخليفة الموحدي لنجدة صلاح الدين فيقول ابن خلكان:.

    الحشاشون

    انقسمت الطائفة الإسماعيلية بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر إلى فرقين: النزارية التي اعتقد أتباعها بأحقية ابنه الأكبر نزار بالخلافة، وقد فروا إلى الشرق وكان على رأسهم الحسن بن الصباح الذي أسس في بلاد فارس ما يُعرف بالفرقة النزارية وغلب على اتباعه اسم الحشيشية أو الباطنية، والفرقة الثانية هي المستعلية أتباع المستعلي الابن الثاني للمستنصر. حين وصل الحسن بن الصباح إلى بلاد فارس بدأ بنشر دعوته إلى نزار مخططاً لإنشاء دولة إسماعيلية جديدة في المشرق الإسلامي، قام اتباع الحسن بن الصباح بسلسلة عمليات اغتيال كان ضحيتها الكثير من رجال الدولة العباسية وأمرائها، وتوسعت الحركة الإسماعيلية وامتلكوا عدة حصون هامة في بلاد الشام، مثل: القدموس والعليقة والكهف ومصياف وغيرها.

    أرسلت القيادة الإسماعيلية في قلعة الموت إلى سنان شيخ الجبل ليتولى زعامة الإسماعيلية في بلاد الشام، نَقَم الحشاشون على صلاح الدين الأيوبي لأنه أسقط الخلافة العبيدية الفاطمية، ففي عام 570 هـ الموافق 1174م أرسل رشيد الدين سنان جماعة من أتباعه الفدائيين إلى المعسكر الأيوبي في حلب فاكتشفهم أمير يدعى خمارتكين فقتلوه، ووصلوا إلى خيمة صلاح الدين وحمل عليه أحدهم ليقتله فقتل دونه، واستبسل الباقون في الدفاع عن أنفسهم قبل أن يُقتلوا جميعًا. قام رشيد الدين عام 571 هـ الموافق عام 1176م بإرسال جماعة من أتباعه يتنكرون في زي الجنود، فدخلوا المعسكر الأيوبي أثناء حصار قلعة عزاز، وباشروا الحرب مع جند صلاح الدين واختلطوا بهم يتحينون الفرصة لقتل صلاح الدين، فهجم عليه أربعة من الإسماعيلية، لكنهم لم يستطيعوا من قتله.

    بعد محاولات الاغتيال الفاشلة أخذ صلاح الدين بالاحتراز الشديد، وجهز حملة عسكرية في شهر محرم عام 572 هـ الموافق 1176م، فحاصر حصونهم ونصب المجانيق الكبار عليها ودمرها حتى شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود تكشى صاحب حماة، وكانوا قد راسلوه في ذلك لأنهم جيرانه، فرحل عنهم بعد أن دمر قوتهم.

  6. المظاهر الاجتماعية والثقافية

    16 دقيقة قراءةعمدت الدولة الأيوبية إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني في الإسلام ذروته في تلك الفترة، كانت السياسة التعليمية التي لجأ إليها الفاطميون…

    الحياة الدينية

    عمدت الدولة الأيوبية إلى القضاء على المذهب الشيعي، ومحو أثره وتدعيم ونشر المذهب السني في كافة أنحاء البلاد، وذلك بعد أن بلغ الصراع الديني في الإسلام ذروته في تلك الفترة، كانت السياسة التعليمية التي لجأ إليها الفاطميون لنشر الدعوة لمذهبهم في مصر وما رافقه من تعذيب وتفكيك، قابلها السلاجقة في الشام بتعصبهم للمذهب السني، وأنشأوا المدارس لمكافحة المذهب الشيعي. لم تكد تتم لنور الدين زنكي السيطرة على مصر حتى تعجل صلاح الدين بمحو الخلافة الفاطمية، وتوحيد البلاد تحت راية الخليفة العباسي السني. أخذ صلاح الدين منذ أن ولي مصر للخليفة الفاطمي العاضد بالعمل على نشر المذهب السني، فأنشأ عددًا من المدارس السنية، وقد تجلت ظاهرة التصوف والإكثار من بناء منازل للصوفية عرفت باسم الخوانق. اهتم صلاح الدين بجذب العلماء وكذلك جذب الصوفية فأنشأ أول خانقاه للصوفية في مصر وجعلها برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقف عليهم أوقافًا جليلة، وولى عليهم شيخًا يدبر أمورهم عرف بشيخ الشيوخ، يذكر تقي الدين المقريزي:. وقال الرحالة ابن جبير:. كانت لسياسة صلاح الدين وخلفائه مع المتصوفين الأثر الكبير في تشجيع كثرة الزوايا والربط اللتين اجتذبتا حولهما الأتباع والمريدين، في المقابل كان لكثرة الإقبال على التصوف في العصر الأيوبي بعد ازدياد عدد الوافدين على مصر من زعماء المتصوفة ومشايخهم وبخاصة من المغرب العربي الذين أشاعوا حياة الزهد والتقشف، قد ترك أثرًا خطيرًا في المجتمع المصري نتيجة زيادة العاطلين عن العمل، والذي انعكس سلبًا على الحياة الاقتصادية في الدولة الأيوبية.

    عانى بعض المسيحيين في بلاد المسلمين أشد المعاناة من الصليبيين الغزاة، فعندما احتل الصليبيون مدينة أنطاكية، طردوا الأروام من كنائسهم الكبرى، وطردوا أساقفهم، ثم عينوا بطريركًا وعدة أساقفة، وقام اللاتين المنتصرين بالاستيلاء على أديرة الأرمن والروم والسوريين والجورجيين، كما عاملوا المسيحيين الأرثوذكس معاملة قاسية إذ استولوا على كنائسهم وحولوها إلى كنائس لاتينية، على الرغم من مشاركة الأرمن والسوريان والموارنة في مساعدة الصليبيين. لما احتل الصليبيون القدس منعوا النصارى المصريين من الحج إليها بدعوى أنهم ملحدون، وكتب أحد المؤرخين الأقباط يشكو من هذه المعاملة:. افتتح صلاح الدين عهده في الوزارة بطرد الموظفين الأقباط من مناصبهم، ولكنه سرعان ما أعادهم إليها مرة أخرى، ومن المحتمل أن يكون إخراجه للذميين من وظائفهم هو بمثابة حركة تطهير أجريت ضد الفاطميين أكثر منها بغضًا من النصارى، كما أنه صار لزامًا عليهم أن يتزينوا بزي خاص بهم. كانت سياسة صلاح الدين واضحة بالتسامح مع النصارى الشرقيين، ويعود ذلك إلى أن النصارى سهلوا له مهمة الاستيلاء على بيت المقدس، وذلك بإلحاحهم على الصليبيين بأن يسلموا المدينة، لمَّا كان عددهم يفوق عدد الصليبيين تمكنوا من تحقيق رغبتهم. رافق صلاح الدين في حملته لبيت المقدس عدد كبير من الأقباط، ودخلوا معه القدس كَكُتاب وكعمال مهرة. بعد انتصار صلاح الدين على الصليبيين منحهم ديرًا ملاصقًا للقبر المقدس بالقدس وهو المعروف باسم دير السلطان، مكافئة لمواقفهم النبيلة معه ضد الصليبيين، كما أعاد الأقباط إلى وظائفهم العليا في الدولة، واسترد آخرون أموالهم وممتلكاتهم التي سلبت منهم أيام سقوط الدولة الفاطمية، اختار صلاح الدين قبطيًا هو صفي الدولة بن أبي المعالي الملقب بابن شرقي ككاتب خاص له. كانت أحوال الأقباط في أيام الدولة الايوبية رغم ما تخللها من صعوبات أفضل من غيرها من الدول، حيث شارك المسيحيون العرب في إدارة الدولة الايوبية، ومن أبرزهم: أبو سعيد بن أبي اليمن بن النحال وزير العدل، والأسعد أبو الفرج صليب بن ميخائيل صاحب ديوان الملك الصالح، والطبيب علم الدين أبو النصر جرجس، وأبو الفرج بن ميخائيل رئيس ديوان الملك العادل، وابن المصوف أمين أموال الحكومة في أيام صلاح الدين وغيرهم. أُقيم أول مطران قبطي في القدس سنة 1236م، وذلك مع ازدياد الأقباط في القدس وازدياد ممتلكاتهم من كنائس وأديرة، ولكثرة وجود الأقباط في الشام قام البابا كيرلس الثالث برسامة أول مطران قبطي للقدس سنة 1236م وأعطاه السلطان الرعاية من فلسطين حتى نواحي الفرات، وقبل هذا كانت مصالح الأقباط ترعاها الكنيسة السريانية في القدس.

    أثناء الحملة الصليبية الثالثة ظل اليهود مقيمين في عسقلان وذلك لأنها لم تتعرض للإبادة مثل نظيرتها من المدن، أما القدس فلم يُسمح لليهود خلال هذه الفترة التي أعقبت تأسيس مملكة بيت المقدس إلا بأربع عائلات فقط للسُكنى في المدينة المقدسة. أظهر الملك بلدوين الأول تقاربًا مع اليهود كرعايا، فسمح لهم بدخول المدينة المقدسة، أما بالنسبة لباقي مدن الشام فقد تناقص عدد اليهود عمومًا خوفًا من المذابح والقتل. عُومل اليهود معاملة حسنة ومارسوا أثناء الحكم الصليبي لبلاد المسلمين مهنة الصباغة وصناعة الزجاج وامتلك اليهود سفنًا بخارية والتزم اليهود بدفع الضريبة للحكم الصليبي، وقد استفاد اليهود من الأوضاع السائدة في القرن الثاني عشر الميلادي وأصبحت العلاقات بين الجالية اليهودية والنظام الصليبي إيجابية مما سهل عمليات الهجرة اليهودية وتسهيل عمليات الحج، بقيت القدس المدينة الوحيدة المحرمة على اليهود حتى عام 1178م، عندما دخل صلاح الدين المدينة وسمح لهم بدخولها، واصل خلفاء صلاح الدين نفس السياسة مع اليهود إلى أن سياسة التسامح لم تمنع صلاح الدين من تحويل المعابد اليهودية إلى مساجد على أساس أنها كانت في الأصل مساجد فقام الصليبيون بتدميرها. بقى اليهود في القدس حتى جاء عام 1244م حين تم تحرير المدينة المقدسة على يد الخوارزمين والصالح نجم الدين أيوب، حيث تم إعفاؤهم من الضرائب. كان لليهود دور في مواجهة الحروب الصليبية، حيث تشير الروايات إلى أن السيوف الصليبية لم تفرق بين المسلمين والمسيحيين واليهود العرب في مجزرة بيت المقدس، فقد كانت النظرة الصليبية الدينية تجاه الفريقين على أساس تكفر المسلمين واليهود باعتبارهم أعداء المسيح.

    أقر الأيوبيون للموحدين الدروز بمكانتهم كأمراء حرب على جبل لبنان لمقاومتهم عن المشرق الإسلامي أمام غزو الفرنجة، حيث كان للمقاتلين العرب الدروز وجود ملموس في معركة حطين، فأراد صلاح الدين أن يكافئهم على ذلك مكافأة رمزية، فأوكل لهم خدمة وإدارة شؤون مقام النبي شعيب المجاور لسهل حطين الذي جرت عليه المعركة. لم تقتصر مشاركة الدروز في معركة حطين فقط بل شاركوا في العديد من المواجهات الرئيسية والثانوية ضد الصليبيين، وعندما تقدم صلاح الدين لتحرير المدن التي يحتلها الصليبيون على الساحل السوري الممتد آنذاك من الإسكندرونة وأنطاكية شمالًا إلى ساحل غزة جنوبًا، انضم إليه المقاتلون الدروز بقيادة أميرهم آنذاك جمال الدين التنوخي، فقام صلاح الدين بتعينه حاكمًا على مدينة بيروت وجبل لبنان.

    الحياة العلمية والفكرية

    بالرغم من أن السلاطين الأيوبيين كان همهم الجهاد والكفاح ضد الصليبيين، إلا أنهم اهتموا بالعلم والعلماء، فهذا الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق من شدة رغبته في الأدب وأهله اشترط لكل من يحفظ كتاب المفصل للزمخشري مئة دينار وخلعة. كما أن بهرام شاه فرخشاه صاحب بعلبك كان شاعرًا وأديبًا، والمؤرخ أبو الفداء هو اسماعيل بن علي عماد الدين صاحب حماة. إلى جانب الملوك والأمراء برزت طبقة من الوزراء والكتاب الذين ساهموا مساهمة فاعلة في الحياة العلمية في ذلك العصر، ومنهم: القاضي الفاضل أبو علي محي الدين اللخمي وزير صلاح الدين وصاحب الطريقة الفاضلة في الإنشاء، وكتب عددًا ضخمًا من الرسائل، وعماد الدين الأصفهاني الكاتب والمؤرخ الذي عينه صلاح الدين نائبًا عن القاضي الفاضل، اشتهر بمؤلفاته الأدبية خريدة القصر وخريدة العصر والفتح القسي في الفتح القدس والبرق الشامي، والأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء بني منقذ أصحاب حصن شيرز، الذي ألف كتاب الاعتبار المتضمن لدراسة مقارنة بين عادات المسلمين والفرنجة، وبهاء الدين أبو المحاسن المعروف بابن شداد صاحب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، والأديب ضياء الدين بن الأثير وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين، والمؤرخ عز الدين بن الأثير صاحب كتاب الكامل في التاريخ، وجمال الدين القفطي صاحب كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء، والمؤرخ الدمشقي شهاب الدين أبو شامة المقدسي صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية وما وقع من الحروب الصليبية، والقاضي شمس الدين ابن خلكان صاحب كتاب وفيات الأعيان، والمؤرخ جمال الدين بن واصل الحموي صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، وابن أبي أصيبعة صاحب كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء، وأبي صالح الأرمني وابن عساكر الدمشقي.

    شهد العصر الأيوبي ازدهارًا في علم اللغة، ومن أبرز من برعوا في هذا العلم محمد بن بري، وأبو الفتح البلطي، وابن عبد المعطي الزواوي، وابن الحاجب. أما الشعر فقد طغى عليه طابع الجهاد والكفاح، وأصبحت أغلب القصائد الشعرية في جميع أنحاء الشرق العربي تشيد بالانتصارات وأعمال البطولة، ومن أشهر شعراء العصر الأيوبي الشاعر المصري ابن سيناء صاحب كتاب دار الطرز، وابن شمس الخلافة، وكمال الدين ابن النبيه المصري، والشاعر الصوفي عمر بن الفارض، وجمال الدين يحيى بن مطروح، وبهاء الدين زهير الذي عاش في خدمة الملك الصالح أيوب. أظهر سلاطين بني أيوب عناية كبيرة في اقتناء الكتب شملت المنطق والفلسفة والهندسة والفلك والموسيقى والطب بالإضافة إلى الكتب الدينية، فالملك المؤيد مسعود بن صلاح الدين صاحب اليمن كان مغرمًا باقتناء الكتب حتى اشتملت مكتبته على آلاف الكتب، والمكتبة التي عني بها السلطان الكامل بالقلعة كانت في الأصل تؤلف مكتبة القاضي الفاضل، ثم عني بها ابنه الأشرف أحمد حتى أمر السلطان الكامل بوضع اليد عليها ونقلها إلى القلعة سنة 626 هـ الموافق 1229م، لتصبح نواة مكتبة كبيرة ضمت ثمانية وستين ألف مجلد.

    زادت عدد المدارس زمن الأيوبيين، حتى أصبح بالقاهرة حوالي ثلاثة عشر مدرسة، والواقع أن الأيوبيين لم يبتكروا نظام المدارس، وإنما يعود الفضل في ذلك للسلاجقة الذين استحدثوا هذا النظام لنشر المذهب السني ومكافحة الفكر الشيعي، وتهيئة عقول المسلمين لفكرة الجهاد، وكان نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ملكشاه أول من أسس مدرسة في بغداد. يذهب المؤرخون إلى القول أن صلاح الدين إنما قصد إنشاء المدارس محاربة المذهب الشيعي، وعن كثرة مدارس القاهرة يقول ابن جبير:. أنشأ الأيوبيون مدرستان بالفيوم وأربع وعشرون‌ مدرسة بالفسطاط والقاهرة، وفي الشام أُنشئ أثناء العصر الأيوبي‌ خمسون مدرسة في دمشق واثنتان وعشرون‌ مدرسة في حلب، أما المدارس التي أنشئت بالفسطاط (مصر القديمة) والقاهرة في العصر الايوبي‌ فهي كما يلي: المدرسة الناصرية أو الشريفية أو مدرسة زين التجاري: أنشأها صلاح الدين‌ الايوبي في أول المحرم سنة 566 هـ الموافق 1170م جنوب مسجد عمرو بن العاص، ووقفها على المذهب الشافعي، وكانت أول مدرسة أنشئت‌ بديار مصر تحت اشراف الدولة، وأول من درس‌ بها الفقيه ابن زين التجار. المدرسة القمحية: أنشأها صلاح الدين‌ بجوار مسجد عمرو بن العاص أيضًا ووقفها على المذهب‌ المالكي، ووقف عليها ضيعة بالفيوم كانت تدر قمحًا كثيرًا يوزع على طلابها وعلى العالمين بها، ولذلك سميت بالمدرسة القميحة. المدرسة القطبية: أنشأها الأمير قطب الدين خسرو بالقاهرة، وهو أحد أمراء صلاح الدين ووقفها على المذهب الشافعي‌. مدرسة ابن الارسوقي: أنشأها التاجر العسقلاني ابن الأرسوقي بالقسطاط. المدرسة السيوفية: أنشأها صلاح‌ الدين سنة 572 هـ الموافق 1176م ووقفها على المذهب الحنفي، وكانت قريبة من سوق‌ الصنارقيين. المدرسة الصلاحية أو مدرسة الخيوشاني: أنشأها صلاح الدين بجوار ضريح الإمام الشافعي، ووقفها على المذهب الشافعي، وأشرف على بنائها الشيخ نجم الدين بن الموفق الخبوشاني‌ ودرس بها. مدرسة المشهد: أنشأها صلاح الدين‌ بجوار المشهد الحسيني. المدرسة التقوية: نسبته إلى الملك‌ المظفر تقي الدين عمر ابن أخ صلاح الدين، وقد أنشأها بالفسطاط في المكان المقابل لجزيرة الروضة، ووقفها على المذهب الشافعي‌، وحينما كانت الفيوم اقطاعا لتقي الدين عمر بني بها مدرستين إحداهما للشافعية والأخرى للمالكية. المدرسة الفاضلية: أنشأها القاضي‌ الفاضل عبد الرحيم بن على البيساني بالقاهرة ووقفها على مذهبي الشافعية والمالكية، وجعل لها مكتبة ضخمة قوامها حوالي مائة ألف مجلد. المدرسة العادلية: أنشأها الملك‌ العادل ووقفها على المذهب المالكي. المدرسة الأزكشية: أنشأها الأمير أباز كوج أحد أمراء صلاح الدين، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة الغزنوية: بناها الأمير حسام‌ الدين قايماز مملوك السلطان نجم الدين‌ أيوب، ووقفها على المذهب الحنفي. المدرسة القطبية: أنشأتها السيدة عصمة الدين مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل‌ ووقفها على مذهبي‌ الشافعية والحنفية. المدرسة الشريفية: أنشأها ابن نصر اسماعيلي بن ثعلب ووقفها على المذهب الشافعي. المدرسة الفائزية: أنشئت سنة 612 هـ الموافق 1215م، ووقفت على المذهب الشافعي. المدرسة الصاحبية: أنشأها صفي الدين عبد الله بن شكر، ووقفها على المذهب‌ المالكي وعلم النحو. المدرسة الكاملية: وكانت تعرف‌ بدار الحديث، أنشأها الملك الكامل. المدرسة الفخرية: أنشئت سنة 622 هـ الموافق 1225م. المدرسة السيفية. المدرسة العاشورية. المدرسة المسرورية. المدرسة الصيرمية. مدرسة ابن رشيق: ووقفت على المذهب المالكي. المدرسة الصالحية: أنشأها الملك‌ الصالح نجم الدين أيوب في سنة 640 هـ الموافق 1243م بخط ما بين القصرين قريبًا من الصاغة، ووقفها على المذاهب الأربعة، وهو أول من عمل‌ بديار مصر دروسًا أربعة في مكان واحد، ودخل‌ في هذه المدرسة باب القصر الشرقي الكبير المعروف بباب الزهوتة. بلغت جملة المدارس المعروفة بمصر القديمة والقاهرة في العصر الأيوبي أربعًا وعشرين مدرسة منها: ست مدارس خصصت للمذهب الشافعي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب الحنفي، وثلاث مدارس خصصت للمذهب المالكي، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي‌ والمالكي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهبين الشافعي‌ والحنفي معًا، ومدرسة واحدة خصصت للمذهب المالكي‌ وعلم النحو، ومدرسة واحدة خصصت للمذاهب الأربعة، ومدرسة واحدة خصصت للحديث، سبع مدارس لم تحدد مذاهب الدراسة بها. من المظاهر الهامة ما لوحظ بمصر من قلة المدارس الحنبلية وكثرة المدارس التي يجري بها تدريس المذاهب الثلاثة عكس ما كان جاريًا في دمشق.

    كانت المدارس في العصر الأيوبي أشبه ما تكون بجامعات، فبعد أن كانت تدرس فيها العلوم الدينية، أصبحت مع الأيام تدرس العلوم اللغوية التي اشتملت على النحو واللغة والبيان والأدب، بالإضافة للفلسفة والعلوم الطبيعية. لم يكن يعين بالمدرسة أول الأمر إلا مدرس واحد يختار من مشايخ علماء عصره، ثم صار يعين أكثر من مدرس في المدارس الكبيرة، ففي المدرسة المالكية بالقاهرة والتي كانت تعرف بالقمحية، عين صلاح الدين أربعة مدرسين وجعل كلًا منهم يقوم بالتدريس لعشرين طالبًا. يساعد المدرس عادة معيد، وهو أقل مرتبة من المدرس، وأعظم درجة من عامة الطلبة، وظيفته إعادة الدرس الذي ألقاه عليه المدرس، وقلَّ أن خلت مدرسة من معيد في جميع مدارس العصر الأيوبي، وذكر السيوطي أن المدرسة الصالحية خلت من مدرس مدة ثلاثين سنة، واكتفى فيها بالمعيدين. أما طريقة التدريس فاعتمدت عادة على الإلقاء والتلقين، وبالإضافة للمدارس ذات التعليم العالي، وجدت في العصر الأيوبي كتاتيب لتعليم الصغار القراءة والكتابة وتحفيظهم القران الكريم، يقول ابن جبير:. يقول المقريزي:.

    الحياة الاجتماعية

    لم تعرف الحياة الاجتماعية في مصر في العصر الأيوبي حياة البذخ والترف على غرار ما كان في العصر الفاطمي. تميز صلاح الدين بالبعد عن التلهي والشغف بالحياة، ومما يُروى عن صلاح الدين أنه عندما ولى ابنه الظاهر حلب، عمل وتلهى وشُغف بالمُلك وأحبه، فخاف صلاح الدين أن يسد عليه حبه للمنصب والجاه حسن الخدمة، فعزله عن ولاية حلب وأرسل مكانه أخاه العادل، كما طلب منه الملك العادل أن يكتب له اقطاع حلب كتابًا ككتاب البيع والشراء، فامتنع صلاح الدين وقال له:. تذكر المصادر أن صلاح الدين كان كريمًا ينفق كل ما في يده في جوه الخير، وقد بلغ من فرط كرمه وزهده أنه لم يكن لديه مال يتزكى به، ولما توفي لم يترك وراءه لا دار ولا مزرعة، قال ابن شداد كاتب سيرته:.

    اهتم الأيوبيون في إحياء الأعياد الدينية، مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، ورأس السنة الهجرية، ومولد النبي محمد، وليلة أول رجب وليلة نصفه وليلة شعبان وليلة نصفه، ولكن من غير اسراف، وبدون تهتك ومع مراعاة للجانب الاقتصادي. يُحدِّث المقريزي أن بعض خلفاء صلاح الدين أسرفوا أحيانًا في مد الأسمطة وإحياء بعض الحفلات، ومن ذلك ما اشتهر به العزيز عثمان من إقامة الأسمطة الكبرى لأعيان دولته بين حين وآخر، كما أن السلطان الكامل أقام سمطًا بمناسبة ختان ابنه العادل الصغير وانفق في سبيل ذلك أموالًا باهظة، كما أقام السلطان العادل الصغير سمطًا في الميدان الأسود تحت القلعة، ذبح فيه ألف رأس من الغنم، فضلًا عن البقر والجاموس والإبل، في المقابل قام صلاح الدين في بدايات حكمه لمصر بإلغاء الاحتفال بيوم عاشوراء. مثَّل العصر الأيوبي اهتمامًا بالغًا بالعمران والبناء، فقد أنشأ صلاح الدين في سلطنته الكثير من الكليات والمستشفيات والمدارس المجانية، ولا يكاد يفتح مدينة حتى يؤسس فيها المعاهد والمرافق، ويبني الجسور والترع. يصف القلقشندي المجتمع المصري في العصر الأيوبي بقوله:. ولم يقتصر هذا الاهتمام العمراني على القاهرة دون سواها، فقد ذكر ابن جبير في وصفه بعض مدن الصعيد:. فرض الجهاد وسائل معينة للتسلسة في المجتمع الأيوبي وخاصةً المجتمع الشامي مثل الخروج للصيد، إذ كان الأيوبيون يهتمون بصيد الحيوانات وفق ترتيب كأنه ترتيب الحرب، ومارسوا رياضة الرمي بالبندق التي انتقلت إليهم من العراق، كما مارسوا لعبة الكرة والصولجان التي مارسها السلطان صلاح الدين بشغف، على الرغم من أن الفقهاء لم ينظروا إليها بارتياح، كما حظيت رياضة الفروسية باهتمام الملوك والسلاطين.

    العمارة والآثار

    ازدهر في العصر الأيوبي عنصران من عناصر العمارة الإسلامية، الأول: المدارس التي شيدت لنشر المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي، الثاني: تطور بناء الأسوار والاستحكامات والقلاع بتأثير ما عرفه المسلمون عند الصليبيين. أمر صلاح الدين سنة 1167م ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر (القطائع والعسكر والفسطاط)، وبتشييد قلعة الجبل وجعل الأشراف على هذا البناء للأمير بهاء الدين قراقوش، وجلبت مواد البناء من بعض أهرام الجيزة وساعد في العمل ألوف من أسرى الفرنج، وقد أضيف إلى القلعة بعد صلاح الدين أجزاء كثيرة كما حدث فيها تعديل غير بعض معالمها الأولى. من العمائر التي ترجع إلى العصر الأيوبي قبة الأمام الشافعي التي أنشأها سنة 1211م الملك الكامل محمد، كذلك المدرسة الصالحية التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 1242م ولم يبق منها الآن إلا جزء صغير، كذلك الإيوان المعروف بإيوان الثعالبة، وتعتبر قبة شجرة الدر كذلك من الآثار الأيوبية، يقول ابن جبير الذي زار مصر 578 هـ:. زخرت القاهرة بالدور الضخمة والمنازل الرحيبة والأسواق الممتدة والخوانق الفاخرة، وغالب مبانيها بالأجر وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت مفروشة الأرض بالرخام، وغالب سقوفها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة وكلها أو أكثرها جرى تبيض جدرانها بالكلس الناصع البياض، ولميل أهلها إلى تعلية المساكن، ارتفعت بعض الدور إلى طبقتين وأربع طبقات، وفي كل طبقة مساكن كاملة بمبانيها ومرافقها، ويصف البغدادي الذي زار القاهرة زمن الدولة الأيوبية ما جرى من نشاط في البناء والعمارة فيصف مظاهر الاهتمام ببناء المراحيض بالدور وأحكام قنواتها، حتى إذا تخربت الدار ظلت القناة قائمة، وحرص أرباب الدور على أن يمعنوا في حفر المرحاض حتى يصل إلى الماء الجوفي فلا يحتاج إلى الكسح، ويذكر عن الحمامات بالقاهرة أنه لم يشاهد فيما زاره من البلاد أتقن منها صنعا ولا أحكاما ولا أحسن منظراً.

    تركزت حركة العمارة بفلسطين في العهد الأيوبي بالقدس الشريف والخليل، وعليه فإن العمارة الأيوبية قليلة جدًا في المناطق والمدن الساحلية من فلسطين، واقتصر عملهم في تلك المناطق الداخلية والساحلية على تحويل العمائر القائمة إلى مساجد أو بيمارستان وغيرها. لكن هذا لم يمنع أحيانًا من إقامة رباطات عسكرية في المناطق الساحلية مثل رباطات: غزة وميماس وعسقلان وأسدود ويافا، ففي هذا العصر تركز الاهتمام على الإنفاق على القضايا العسكرية التي تخدم المعركة. بُنيت عمائر هذا العصر وفق مخطط مربع غير منتظم تتوسطها فسحة سماوية طولانية تحيط بها الغرف من ثلاثة أو أربعة جهات، وجعلت في طابقين وأقيم درج في إحدى زوايا هذه الفسحة السماوية، كانت الأساسات والجدران غالبا من الحجر، وتتصل بعضها ببعض بواسطة ملاط مؤلف من الكلس والرمل، وكانت الجدران تورق وتطلى بطلاء أبيض. كانت البيوت الأيوبية خالية من الزخارف، ويمكن القول إن العمارة في هذا العصر تشترك مع عمارة سائر بلاد الشام في أنها تحمل الطابع الإسلامي وهي متعددة الأغراض فلم تقتصر على بناء المساجد التي تُرى شواهدها في القدس والرملة والخليل، بل تعدتها إلى كثير من المباني كالمدارس والبيمارستانات وغيرها، ومن أهم شواهد هذه العمارة: جامع النبي يونس في بلدة حلحول الذي بناه الملك العظيم عيسى بن الملك العادل الأيوبي، وتجديد جامع الخليل (الحرم الإبراهيمي الشريف)، وتجديد عمارة الجامع الأبيض، وقيام صلاح الدين الأيوبي ببناء جامع نابلس الكبير.

    شهدت الشام في العهد الأيوبي حركة عمرانية نشطة، تجلَّت في توسيع المدن وتجديد أسوارها، وتشييد العديد من الحصون والقلاع، وتزويد الطرق العامة بالخانات كمحطات للقوافل، وامتلأت المدن بالمباني العامة كالمساجد والمدارس والخانقاهات والبيمارستانات والحمامات والقيساريات والخانات والترب الفخمة المزودة بالقباب. كان يغلب على المباني الأيوبية طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، ولكنها تميزت بالمتانة والقوة وإتقان التصميم والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة، كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية، حيث فاقت الأبراج والأسوار بحجمها وارتفاعها ومتانتها كل ما هو معروف من قبل ومن بعد، نجد ذلك في قلعتي حلب ودمشق خصوصًا. تأصلت في تصاميم المباني العناصر التي شاعت في العهد السلجوقي، وامتزجت بالعناصر المحلية التراثية، فأصبحت فناءاتُها المزودة ببركة مستطيلة أو مضلعة، محاطةً بالأواوين في عدد من الجهات، وتشترك الأروقة معها أحيانًا، كما في مدرستي الفردوس والطرنطائية في حلب.

    رغم طابع التقشف، فقد ارتقت فنون النقش على الخشب والجص، وتخلَّف عنها نماذجُ رائعة، كمحراب المدرسة الحلوية الخشبي في حلب، وكمنبر جامع الحنابلة في دمشق، وكاللوحات الجصية التي تشاهد في العديد من مباني دمشق الأيوبية، وفي قمة الإنجاز الزخرفي محراب مدرسة الفردوس في حلب المصنوع من الرخام الملون المتشابك الأشكال، الذي يعتبر من أندر محاريب العالم الإسلامي.

  7. معركة حطين

    5 دقائق قراءةكانت مناطق من البلاد الإسلامية والقدس تحديداً قد احتلت من قبل الصليبيين عام 1099 م، وكان الإقطاعيون الصليبيون والفرسان قد نصَّبوا أنفسهم أمراء وملوكاً على تلك المناطق، فكان هذا على مدى قرن دافعاً لتحرير البلاد من…

    دوافعها

    كانت مناطق من البلاد الإسلامية والقدس تحديداً قد احتلت من قبل الصليبيين عام 1099 م، وكان الإقطاعيون الصليبيون والفرسان قد نصَّبوا أنفسهم أمراء وملوكاً على تلك المناطق، فكان هذا على مدى قرن دافعاً لتحرير البلاد من الاحتلال، وكانت غارة لصوصية شنها أحد بارونات الإفرنج البارزين، رينو دي شاتيون (أرناط) السبب المباشر لهجوم المسلمين، رينو دي شاتيون كان مغامراً وقحاً وسبق له أن اجتاح قبرص البيزنطية في سنة 1155 م وعمل فيها سلباً ونهباً، وكان قد أُسِر عند نور الدين زنكي قبل 16 سنة، وبعد إخلاء سبيله استقر في حصن الكرك، وعكف على نهب وسلب قوافل التجار المارّة في الجوار، لأن الحصن كان يقطع الطريق من سوريا إلى مصر والحجاز، وفي أواخر سنة 1186 م ولربما أوائل 1187 م، شن رينو غارة (خلافاً لشروط هدنة عقدت في 1180) على قافلة متجهة من القاهرة إلى دمشق ونهب بضائعها، وأسر أفرادها وزجهم في حصن الكرك، ويروى أن القافلة كانت لأخت صلاح الدين بالذات، فما كان من صلاح الدين إلا أن يطالب في الحال ملك القدس آنذاك غي دي لوزينيان بالتعويض عن الضرر والإفراج عن الأسرى ومحاسبة الناهب، ولكن الملك لم يجازف بمس تابعه القوي رينو، فكان أن قرر صلاح الدين إعلان الحرب على مملكة القدس، إلا إن مرض صلاح الدين أخر بدء القتال في تلك السنة.

    العمليات العسكرية التي سبقتها

    كانت تلك العمليات تهدف إلى توحيد المسلمين، وكان للتوحيد أساليب بالإقناع واللين حيناً أو باستعمال القوة حيناً آخر، في البدء اجتاحت قواته في الربيع الباكر من عام 1187 م مناطق قلعتي الكرك وكراك دي مونريال، وبعد شهرين بدأ القتال ضد الصليبيين، وأعلن صلاح الدين فتح باب التطوع في مصر لمحاربة الصليبيين وأرسل مراسليه إلى الموصل والجزيرة والشام يطلب منهم دعم الجيش وخرج بعساكره الخاصة وعسكر الحلقة وغيرهم من القاهرة وعسكر في دمشق، وعين ابنه الملك الأفضل قائداً للقوات واحتشدت قواته في بصرى وكانت تضم حوالى 12000 فارس و 13000 من المشاة ورجال الاحتياط وأعداداً كبيرة من المتطوعين ثم سار إلى الكرك وأخذ قيادة القلب وأعطى ابن أخيه تقي الدين عمر قيادة الميمنة ومظفر الدين كوكبري قيادة الميسرة وخرج الحاجب لؤلؤ بالأسطول من مصر، ثم خرج الملك العادل من القاهرة إلى بركة الجبل وسار إلى الكرك والتقى مع السلطان. وفي الجانب الآخر حشد الصليبيون 22 ألفاً بين فارس ورجل. والتحق بهم عدد كبير من المتطوعين حتى روي أنه زاد عددهم على الستين ألفاً.

    في أيار مايو 1187 م أبيدت إلى الشمال الشرقي من الناصرة فصيلة كبيرة مؤلفة أساساً من الفرسان الصليبيين، ولقي الأستاذ الأكبر لجمعية الأوسبيتاليين روجيه دي مولان مصرعه.

    عبرت جيوش المسلمين نهر الأردن جنوبي طبريا، وسارت في اليوم التالي إلى تل كفر سبت (كفر سبيت) في الجانب الجنوبي الغربي من بحيرة طبرية، وحاولت الاشتباك مع الصليبيين، فرفضوا القتال، وفي 2 يوليو استولت جيوش صلاح الدين المسلمة على طبرية قاطعاً على عدوه طريقه إلى الماء.

    أحداث المعركة

    أحرق المسلمون الأعشاب والشجيرات في ساحة المعركة، واستولوا على عيون الماء، عملاً على تعطيش الصليبيين وإجبارهم على النزول للاشتباك معهم ولما وصل الصليبيون إلى السهل الواقع بين لوبيا وحطين شن صلاح الدين هجوماً ففروا إلى تلال حطين، فحاصرت قوات المسلمين التلال، وأقبل الليل وتوقف القتال، في اليوم التالي 4 يوليو 1187 وفي قيظ شديد ونقص في مياه الشرب قامت معركة حطين، ولف الفرسان الصليبيون الذين انتظموا على مرتفع حطين سحب الدخان المتصاعد إلى أعلى، فالتحم الجيشان على بعد ميلين من حطين، فتضعضعت صفوف الصليبيين وأهلكت سهام جيوش المسلمين الصليبيين، ثم شن هجوم بالسيوف والرماح، فقتل وجرح وأسر الكثير، فاستسلم الألوف منهم، وقام الصليبيون بمناورة، فتقدم قائد الفرسان ريمون الثالث أمير طرابلس بأمر من غي دي لوزينيان ملك القدس، وزحزح بهجومه هذا قوة يقودها تقي الدين عمر، فظن الصليبيون أنهم فتحوا ثغرة في صفوف صلاح الدين فاندفعوا فيها، وحاصر جيش صلاح الدين جزءاً من الجيش الصليبي فشطره إلى شطرين. ودامت المعركة نحو 7 ساعات على التوالي، سقط فيها الآلاف بين جرحى وقتلى، ووقع الملك غي دي لوزينيان ملك القدس آنذاك في أسر صلاح الدين، بالإضافة إلى العديد من القادة والبارونات، ولم ينج إلا بضع مئات فروا إلى صور واحتموا وراء أسوارها.

    نتائج معركة حطين

    كانت هزيمة الصليبيين في معركة حطين هزيمة كارثية، حيث فقدوا فيها زهرة فرسانهم، وقتل فيها أعداد كبيرة من جنودهم وأسر فيها أعداد كبيرة أيضاً. وأصبح بيت المقدس في متناول صلاح الدين، وكان من بين الأسرى ملك بيت المقدس ومعه مئة وخمسون من الفرسان ومعهم رينو دي شاتيون (أرناط) صاحب حصن الكرك وغيره من كبار قادة الصليبيين، فأحسن صلاح الدين استقبالهم، وأمر لهم بالماء المثلج، ولم يعط أرناط (حاكم الكرك)، فلما شرب ملك بيت المقدس أعطى ما تبقى إلى أرناط، فغضب صلاح الدين وقال: «إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني»، ثم كلمه وذكّره بجرائمه وقرّعه بذنوبه وعرض عليه أن يسلم فرفض أرناط فقام إليه فضرب عنقه، وقال: «كنت نذرت مرتين أن أقتله إن ظفرت به: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة، والأخرى لما نهب القافلة واستولى عليها غدراً». فكان أن برّ صلاح الدين بيمينه وضرب عنق أرناط.

    وبعد المعركة، سرعان ما دخلت قوات صلاح الدين وأخوه الملك العادل المدن الساحلية كلها تقريباً جنوبي طرابلس، عكا، بيروت، صيدا، يافا، قيسارية، عسقلان. وقطع اتصالات مملكة القدس اللاتينية مع أوروبا، كذلك استولى على أهم قلاع الصليبيين جنوبي طبرية، ما عدا الكرك وكراك دي مونريال. وفي النصف الثاني من سبتمبر 1187 حاصرت قوات صلاح الدين القدس، ولم يكن بمقدور حاميتها الصغيرة أن تحميها من ضغط 60 ألف رجل. فاستسلمت بعد ستة أيام، وفي 2 أكتوبر 1187 م فتحت الأبواب وخفقت راية السلطان صلاح الدين الصفراء فوق القدس. في نوفمبر 1188 م استسلمت حامية الكرك، وفي أبريل - مايو 1189 استسلمت حامية كراك دي مونريال، وكان حصن بلفور آخر حصن يسقط، ومنذ ذلك الحين صار ما كان يعرف بمملكة القدس اللاتينية بمعظمها في يد صلاح الدين، ولم يبق للصليبيين سوى مدينتي صور وطرابلس، وبضعة استحكامات وحصن كراك دي شيفاليه (قلعة الحصن) في شرق طرطوس. وقد أدى سقوط مملكة القدس إلى دعوة بابا روما إلى بدء التجهيز لحملة صليبية ثالثة والتي بدأت عام 1189م.

    عامل صلاح الدين القدس وسكانها معاملة أرقْ وأخفْ بكثير مما عاملهم الغزاة الصليبيون، قبل ذلك بمئة عام تقريباً حيث قتل الصليبيون آنذاك كل أهالي القدس من رجال وكهول ونساء وأطفال وقُتل سبعون ألفاً في ساحة المسجد الأقصى. فلم تقع من صلاح الدين قساوة لا معنى لها ولا تدمير، ولكنه سمح بمغادرة القدس في غضون 40 يوماً بعد دفع فدية مقدارها 10 دنانير ذهبية عن كل رجل، 5 دنانير ذهبية عن كل امرأة، ودينار واحد عن كل طفل، وأظهر صلاح الدين تسامحاً كبيراً مع فقراء الصليبيين الذين عجزوا عن دفع الجزية.

  8. 1176 م

    قلعة صلاح الدين الأيوبي (القاهرة)

    40 دقيقة قراءةقلعة صلاح الدين الأيوبي والمعروفة تاريخياً باسم قلعة الجبل، حصن دفاعي شُيَّد في العصور الإسلامية بمدينة القاهرة في مصر. وضع حجر أساسها السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1176م، واستكمل بناء منشآتها وأسوارها الحكام الذين…

    قلعة صلاح الدين الأيوبي والمعروفة تاريخياً باسم قلعة الجبل، حصن دفاعي شُيَّد في العصور الإسلامية بمدينة القاهرة في مصر. وضع حجر أساسها السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1176م، واستكمل بناء منشآتها وأسوارها الحكام الذين تعاقبوا من بعده، لتعد واحدة من أضخم المشروعات التحصينية الحربية في العالم الإسلامي حينذاك. استمدت القلعة أهميتها من موقع جغرافي استراتيجي فوق أحد نتوءات جبل المقطم، مما أتاح لها إشرافاً عسكرياً كاملاً على خط أفق القاهرة وتأميناً شاملاً للمدينة ومداخلها؛ وبفضل موقعها اتُخذت القلعة مقراً رسمياً للحكم وسكناً لسلاطين وملوك مصر لقرابة 700 عام، بدءاً من القرن الثالث عشر الميلادي في عهد الدولة الأيوبية، وصولاً إلى انتقال مقر الحكم إلى قصر عابدين في القرن التاسع عشر.

    تضم القلعة في الوقت الحاضر مجموعة فريدة من المعالم الأثرية والمتاحف التي تعكس حقباً تاريخية مختلفة، ومن أبرزها مساجد ترجع لعصور المماليك والعثمانيين وأسرة محمد علي باشا. ونظراً لقيمتها التاريخية والمعمارية، أُدرجت القلعة ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو بعدها جزءً من نطاق القاهرة التاريخية.

    التاريخ

    لمحة تاريخية عامة

    شُيدت القلعة فوق نتوء جبلي أسفل هضبة المقطم، وهو موقع جعل من اقتحامها أمراً صعباً. وتتركز الأهمية الاستراتيجية لموقعها في بقائها مركزاً للحكم في مصر حتى القرن التاسع عشر. وخلال هذه الحقبة الطويلة، خضع التخطيط المعماري للقلعة لتغييرات وتعديلات متكررة لتلبي متطلبات الحكام والأنظمة المتعاقبة، مما يجعل من الصعب إعادة تصور مخططها الأصلي أو حتى هيئتها في العصور اللاحقة بدقة.

    مرت القلعة بثلاث فترات إنشائية رئيسية شكلت صورتها الحالية؛ أولها الفترة الأيوبية في القرن الثاني عشر حيث بدأها صلاح الدين، وفترة المماليك في القرن الرابع عشر في عهد الناصر محمد بن قلاوون، وفترة القرن التاسع عشر في عهد محمد علي باشا. كفت القلعة عن كونها مقراً للحكم عام 1874م، حين انتقل حاكم مصر الخديوي إسماعيل إلى قصر عابدين المُشيد حديثاً في وسط القاهرة. ورغم تحصيناتها الدفاعية المعقدة، لم تتعرض القلعة لحصار عسكري حقيقي، وإن كانت طرفاً في نزاعات سياسية مختلفة شهدتها القاهرة أو مصر عبر تاريخها.

    التخطيط العام

    ينقسم مبنى مجمع القلعة عمومًا إلى قسمين رئيسين وهما القسم الشمالي ويشغل موقعه حالياً المتحف الحربي القومي؛ والقسم الجنوبي حيث يقع مسجد محمد علي. خُصص القسم الشمالي تاريخياً للثكنات العسكرية وحامية القلعة، بينما تطور القسم الجنوبي ليكون مقراً لسكن السلطان وحاشيته. كما يوجد قسم غربي منخفض كان يضم قديماً الإسطبلات السلطانية للمماليك. ومع ذلك، تلاشت هذه التقسيمات الوظيفية إلى حد كبير في القرن التاسع عشر خلال عهد محمد علي باشا، الذي أجرى عملية إعادة هيكلة شاملة للموقع وشيد عدة مبانٍ ذات وظائف متنوعة في أنحاء القلعة. إلى الغرب والجنوب الغربي من القلعة، كان يمتد ميدان فسيح عرفه المؤرخون باسم "الميدان" أو "ميدان السباق"، واستخدم ساحةً للتدريبات العسكرية عدة قرون لا سيما الفروسية والاستعراضات الحربية. ولا تزال ملامح الميدان ظاهرة في تخطيط الطرق الحالية، وتحديداً في مسار شارع صلاح الدين المحاذي لهذا الجانب من القلعة.

    تقع ساحة أخرى عُرفت تاريخياً باسم ميدان الرميلة عند الطرف الشمالي لهذا الميدان، وتسمى اليوم "ميدان صلاح الدين" أو "ميدان القلعة". استُخدمت هذه الساحة قديماً سوقًا للخيل نظراً لمجاورتها للإسطبلات السلطانية، كما كانت ساحة رسمية للاحتفالات الملكية والدينية. يشغل الميدان اليوم دوار مروري كبير، وتطل عليه المساجد الضخمة مثل مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي.

    تأسيس القلعة والبناء الأيوبي: القرنان الثاني عشر والثالث عشر

    شرع صلاح الدين الأيوبي في بناء قلعة القاهرة بين عامي 1176 و1183م؛ لحماية المدينة من الهجمات المحتملة للحملات الصليبية، ولتكون مقراً محصناً للحكم بعد بضع سنوات من إنهاء الخلافة الفاطمية. استلهم صلاح الدين فكرة القلعة من المدن السورية التي عاصرها مثل دمشق وحلب، إذ كانت القلاع المحصنة تمثل مركز السلطة آنذاك. خطط صلاح الدين كذلك لمد سور بطول 20 كيلومتراً يحيط بكل من القاهرة والفسطاط (العاصمة السابقة)، ونُقل عنه قوله:

    عهد صلاح الدين الأيوبي إلى صديقه المقرب والوزير بهاء الدين قراقوش بمهمة الإشراف على بناء التحصينات الجديدة. شُيدت معظم أجزاء القلعة باستخدام الحجر الجيري المستخرج من تلال المقطم المجاورة، إلا أن قراقوش استعان أيضاً بأحجار مأخوذة من بعض الأهرامات الصغيرة في منطقتي الجيزة وأبو صير لتوفير مواد بناء إضافية، كما اعتمد في أعمال التشييد على الأيدي العاملة من أسرى الحرب الصليبيين. تمثلت القلعة الأولية في عهد صلاح الدين بما يعرف اليوم بالمسح الشمالي، رغم أن الأجزاء الحالية من أسوار هذا المسح ليست جميعها أصلية، وتعد القطاعات الجنوبية الشرقية والشمالية الشرقية هي الأقرب لشكلها الأصلي الأول. ومن الآثار الباقية من تلك الفترة بئر يوسف؛ وهي بئر عميقة يُوصل إليها عبر درج لولبي لتوفير المياه للقلعة.

    يرجح الباحثون أن السور الأصلي في جهة الجنوب الغربي كان يمتد ليحيط بهذه البئر وبموقع مسجد الناصر محمد الحالي، مما يجعل مساحة القلعة الأيوبية أكبر قليلاً من مساحة المسح الشمالي القائم اليوم.

    من المعالم اللافتة في القلعة نقش عقاب ذات رأسين تقع بالقرب من قمة أحد أبراج السور الغربي بجوار متحف الشرطة؛ ويُنسب هذا الشعار شعبياً إلى عهد صلاح الدين، وإن كان من المرجح أنه نُقل من موقعه الأصلي ووُضع في هذا المكان أثناء إعادة بناء الأسوار في عهد محمد علي باشا. تفتقد العقاب رأسيها حالياً، إلا أن المؤرخين سجلوا مظهرها الأصلي في كتاباتهم.

    يعد باب المدرج البوابة الأصلية الوحيدة التي لا تزال قائمة من عهد تأسيس القلعة، حيث يقع حالياً ضمن أسوار المسح الشمالي في المنطقة المحصورة بين قصر الحرم (المتحف الحربي القومي حالياً) وباب الجديد. وبالرغم من أن باب المدرج كان يمثل البوابة الرئيسية للقلعة عند تشييدها، إلا أنه أصبح محجوباً في الوقت الحاضر بفعل الإنشاءات والتوسعات اللاحقة التي تمت في عهد محمد علي باشا، ومن أبرزها باب الجديد. وقد استُمدت تسمية البوابة من الدرجات الحجرية المنحوتة التي كانت تُعرف باسم "الدرج"، والتي كانت تربط القلعة بالمسار الصاعد من مدينة القاهرة أسفل الجبل. صُممت البوابة بنظام "المدخل المنعطف" أو "القبة المنكسرة" لتعزيز قدراتها الدفاعية اتباعاً لنمط العمارة العسكرية الأيوبية. ويظهر في باطن قبة البوابة من الداخل طبقة من الجص تحتوي على نقوش ملونة تعود إلى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون وتؤرخ بعام 1310م. كما تكتسب هذه البوابة أهمية تاريخية خاصة لكونها الموقع الذي عُثر فيه على نص تأسيسي يؤرخ اكتمال بناء القلعة في الفترة ما بين عامي 1183 و1184م، ومع ذلك، فإن أعمال التشييد والتحصين استمرت بأشكال متعددة في عهد خلفاء صلاح الدين من الأيوبيين.

    أعمال الإنشاء في عهد خلفاء صلاح الدين

    استمرت أعمال بناء القلعة الأيوبية في عهد السلطان العادل (1200–1218م)، شقيق صلاح الدين وخليفته، ويُرجح اكتمالها خلال عهد السلطان الكامل ناصر الدين (1218–1238م). وكان العادل قد أشرف على بعض الإنشاءات في عهد صلاح الدين، بينما واصل الكامل العمل على القلعة خلال فترة نيابته على مصر التي بدأت عام 1200م. تميزت العمارة العسكرية في القلعة بتباين أشكال الأبراج؛ حيث تعود الأبراج المستديرة في الأسوار الخارجية للمسح الشمالي إلى فترة التأسيس في عهد صلاح الدين، بينما تعود الأبراج المستطيلة الكبيرة إلى عهد السلطان العادل. ومن أبرز المعالم التي شهدت تطويراً في تلك الفترة برجا الرملة والحديد في الزاوية الشمالية الشرقية، وهما في الأصل من بناء صلاح الدين، إلا أن السلطان الكامل عزز تحصيناتها في عام 1207م.

    شهد عهد السلطان الكامل تحولاً محورياً في تاريخ القلعة، حيث أتم بناء القصور في القسم الجنوبي وانتقل للإقامة فيها عام 1206م، ليصبح أول حاكم يتخذ من القلعة مقراً رسمياً له. وشملت الإنشاءات في عهده مرافق حيوية ضمت مسجداً، ومكتبة ملكية، وقاعة للعدل، بالإضافة إلى تأسيس سوق للخيل في ساحة الرميلة عام 1213م. كما أنشأ ميداناً فسيحاً لتدريبات الفروسية والعروض العسكرية في الجهتين الغربية والجنوبية، وهو نفس الموقع الذي اتخذه أحمد بن طولون لميدانه في القرن التاسع الميلادي. وضعت هذه الأعمال المخطط العام للقلعة الذي استمر لقرون؛ حيث خُصص القسم الشمالي للأغراض العسكرية، والقسم الجنوبي لسكن السلطان وإدارة الدولة، بينما ظلت المنطقة الواقعة عند السفح الجنوبي الغربي ساحة للعروض العسكرية. ويُرجح كذلك أن السلطان الكامل هو من شرع في بناء أول قناطر للمياه تمتد فوق سور صلاح الدين لجلب مياه النيل إلى القلعة.

    انتقل السلطان الصالح أيوب (1240–1249م) للإقامة بعيداً عن القلعة، حيث شيد حصناً جديداً في جزيرة الروضة، والذي أصبح لاحقاً ثكنات للمماليك البحرية الذين تولوا مقاليد الحكم من بعده. ومع مطلع العهد المملوكي، الذي استمر من عام 1250 حتى 1517م، تحولت القلعة لتصبح المقر الدائم والمستقر لسلاطين مصر.

    العصر المملوكي: من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر

    عهد المماليك البحرية المبكر

    شهدت القلعة في عهد المماليك البحرية حركة إعمار مستمرة، حيث توسع القسم الجنوبي خاصة ليضم منشآت جديدة وضخمة. وقد بنى وجدد السلاطين الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل والناصر محمد بن قلاوون "قاعة العرش" والمسجد الجامع والقصور السلطانية. وبخلاف العمارة الأيوبية السابقة، تميزت العمارة المملوكية بضخامة التصميم لتكون مرئية من مسافات بعيدة وتظهر حضورها على خط أفق المدينة. ومع ذلك، لم يتبقَّ من هذه المباني سوى القليل.

    يُعد الظاهر بيبرس (حكم: 1260–1277م) أول من فصل القلعة إلى قسمين ببنائه "باب القلة"، وهو البوابة والجدار الذي يفصل حالياً بين القسمين الشمالي والجنوبي. سُمي الباب نسبةً إلى برج "قلة" بناه بيبرس قريباً منه ثم هدمه قلاوون لاحقاً، فيما أعاد الناصر محمد بناء البوابة الحالية عام 1320م. كان الهدف من البوابة تنظيم الدخول إلى القسم الجنوبي الذي حوله بيبرس إلى مجمع ملكي خاص؛ حيث خُصص جزء منه للنساء أو الحريم (جناح سكن السلطان وعائلته)، بينما خُصص الجزء الآخر للمباني الرسمية والإدارية.

    ومن أبرز ما شيده بيبرس في هذه المنطقة "دار الذهب"، التي استُخدمت قاعةً للاستقبالات الخاصة ويُرجح أنها كانت تقع في نطاق متحف الشرطة الحالي. كما بنى "القبة الظاهرية"، وهي قاعة احتفالات ذات قبة مركزية كانت تُستخدم كقاعة للعرش، ويُعتقد أنها كانت تمهيداً لبناء "الإيوان الكبير" للناصر محمد لاحقاً. كما شيد بيبرس "برج السباع"، وهو برج مستدير يزينه شريط من الرسوم الحجرية للأسود. ورغم تواري البرج خلف منشآت لاحقة، إلا أن بقاياه ومنحوتات السباع أُعيد اكتشافها في أواخر القرن العشرين، وهي مرئية اليوم من الجهة الشمالية الغربية لمتحف الشرطة.

    شهد عهد السلطان المنصور قلاوون (1279–1290م) تغييرات معمارية وإدارية جوهرية في القلعة؛ حيث شرع في إنشاء "دار النيابة"، لتكون مقراً لنائب السلطنة. وفي سياق رغبته في محو آثار من سبقه، هدم قلاوون "القبة الظاهرية" التي شيدها بيبرس، ليقيم مكانها منشأة جديدة عُرفت باسم "القبة المنصورية"؛ أما الأثر الأبرز لفترة حكمه، فتمثل في تأسيس فيالق عسكرية من نخبة المماليك، اختصهم بالسكن في أبراج القلعة، ومن هنا استُمدت تسميتهم بالمماليك البرجية. وقد لعبت هذه الطائفة العسكرية دوراً هاماً في تاريخ مصر لاحقاً، حيث تمكنت في نهاية المطاف من السيطرة على السلطنة وتأسيس دولتهم المستقلة.

    شيد السلطان الأشرف خليل خلال عامي 1291–1292م قاعة استقبال عُرفت باسم "القاعة الأشرفية". وقد كشفت التنقيبات الأثرية في أواخر القرن العشرين عن بقايا هذه القاعة، والتي لا تزال مرئية اليوم إلى الغرب من "باب العلم"، في المنطقة المواجهة لمتحف الشرطة الحالي. تُظهر البقايا الأثرية أن جدران القاعة كانت مكسوة من الرخام الملون في أجزائها السفلية، يعلوها شريط من فسيفساء الرخام المطعمة بصدف اللؤلؤ وزخارف رخامية بارزة. أما الجزء العلوي فكان يزينه لوحات من الفسيفساء الزجاجية التي تصور مناظر للأشجار والقصور، وهي زخارف تستحضر في أسلوبها فسيفساء الجامع الأموي وضريح الظاهر بيبرس في دمشق.

    احتوت القاعة على نافورة رخامية مثمنة التوسط، فيما رُصفت الأرضية بفسيفساء رخامية ذات أنماط هندسية. تُعد هذه القاعة من المباني القليلة التي أبقى عليها الناصر محمد بن قلاوون ولم يهدمها، بل أعاد استخدامها لأغراض متعددة. وفي عهد المماليك البرجية، يبدو أنها حلت محل "دار النيابة" كقصر لنائب السلطنة. وعلى صعيد آخر، هدم الأشرف خليل قبة العرش التي بناها والده قلاوون، وشيّد مكانها منشأة جديدة عُرفت باسم "الإيوان الأشرفي" ويُلاحظ شيوع مصطلح إيوان لوصف هذا النمط من المباني منذ ذلك الحين. وقد تميز إيوان العرش الجديد عن ما قبله بلمسة فنية فريدة؛ حيث زُين بصور أمراء (قادة) الأشرف خليل، مع نقش رتبة كل أمير فوق رأسه.

    عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون

    يُعد السلطان الناصر محمد بن قلاوون المعماري الأكبر للقلعة في العصر المملوكي؛ إذ تولى السلطنة ثلاث مرات على مدار ما يقرب من نصف قرن (بين عامي 1293 و1341م). ويُرجح أن حدود القسم الجنوبي من القلعة قد اتسعت لتصل إلى مخططها الحالي في عهده، استيعاباً لما شيده من قصور ومنشآت ضخمة. وعلى الرغم من كونه المسؤول عن أضخم الأعمال العمرانية في تاريخ القلعة، إلا أن معظمها تداعى خلال العصر العثماني، قبل أن يُهدم نهائياً في عهد محمد علي باشا خلال القرن التاسع عشر. وبالإضافة إلى قصوره الرسمية ومنشآته العامة، خصص الناصر محمد الركن الجنوبي الشرقي من القسم الجنوبي (موقع قصر الجوهرة حالياً) لإقامة مجموعة من القصور والأفنية والحدائق الملحقة بجناح السكن الخاص الحريم، في محاكاة لما نهجه بيبرس سابقاً، وقد عُرفت هذه المجموعة باسم "القصور الجوانية" بمعني القصور الداخلية. ولم يقتصر نشاطه العمراني على ما وراء الأسوار، بل أمر بتشييد قصور لأمرائه المقربين في المناطق المجاورة للقلعة، مما ساهم في ازدهار وتطور الأحياء المجاورة، وفي مقدمتها حي الدرب الأحمر.

    وفي عام 1312م، أمر الناصر محمد بترميم وتطوير قناطر المياه التي تنقل مياه النيل إلى القلعة. وكان السلطان الذي سبقه، الأشرف خليل قد بدأ بناء برج مثمن لرفع المياه على ضفاف النيل لتمر عبر هذه القناطر، لكن الناصر محمد هو من أكمل المشروع. وبفضل هذا التحسين في توفير المياه، تمكن السلطان من تنفيذ مشروعات عمرانية أكبر وأكثر داخل القلعة.

    قصر الأبلق

    قصر الأبلق مبنى من أهم المباني التي شيدها الناصر محمد، بُني القصر عام 1313-1314م. اشتق اسمه من أسلوب "الأبلق" في البناء، وهو استخدام حجارة ملونة بالتبادل الأحمر والأسود في هذا القصر لزخرفة الواجهة الخارجية، ويُعتقد أن تصميم القصر مستوحى من قصر يحمل الاسم نفسه بناه السلطان بيبرس في دمشق، وكان الناصر محمد قد أقام فيه أثناء زيارته للمدينة.

    استُخدم القصر للاستقبالات الرسمية والمراسم الخاصة، وكان متصلاً بالإيوان الكبير عبر ممر خاص يوصل السلطان مباشرة إلى مدخل يقع خلف جدار الإيوان. شكلت جدران القصر جزءاً من السور الخارجي الجديد للقلعة، حيث بُني فوق منحدر يطل على المدينة؛ مما جعل جدران أساساته تعمل جداراً دفاعياً للقلعة في ركنها الغربي. وبسبب هذا الموقع المرتفع، بنى الناصر محمد شرفة في جانب القصر، مكنته من مراقبة ما يدور في الإسطبلات والميدان أسفل القلعة، كما صمم باباً ودرجاً خاصاً يربط القصر بالميدان مباشرة.

    الإيوان الكبير

    هدم الناصر محمد "الإيوان الأشرفي" (قاعة العرش) في عام 1311م وهو الذي كان قد بناه أخوه الأشرف خليل، وشيد مكانه بناءً جديداً عُرف باسم الإيوان الكبير، ويُرجح أن هذا القرار جاء لرغبته في جعل قاعة العرش أكثر ضخامة وبروزاً، ولتستوعب احتفالات أكبر، وأعاد الناصر محمد بناء الإيوان مرة أخرى في عام 1333م (إما كلياً أو جزئياً)، وهذا البناء الأخير هو الذي ظل قائماً حتى القرن التاسع عشر، حين هُدم في عهد محمد علي باشا لإقامة منشآت جديدة. وصف المؤرخون الإيوان الكبير في كتاباتهم بأنه كان أضخم بناء في القاهرة، وأكثر فخامة من معظم المساجد المملوكية في ذلك الوقت. وقد استُخدم كقاعة عرش رسمية للسلطان لإقامة المراسم والاحتفالات العامة، واستمر السلاطين المماليك من بعده في استخدامه للغرض نفسه، وإن كان ذلك أقل انتظاماً في فترات لاحقة.

    مسجد ومدرسة السلطان الناصر محمد

    تعد المساهمة الأبرز والأخيرة للناصر محمد هي جامعه الذي يحمل اسمه، وهو المبنى الكبير الوحيد المتبقي من عهده في القلعة حتى الآن. يقع المسجد في القسم الجنوبي، وقد بُني عام 1318م في موقع مسجد أيوبي قديم كان الناصر قد هدمه ليحل محله هذا الجامع الكبير. وفي عام 1335م، أجرى السلطان عمليات تجديد وتوسعة أخرى للمسجد. استُخدمت في بناء الجامع أعمدة ضخمة جُلبت من مبانٍ تعود للعصور المصرية القديمة، تماماً كما فُعل عند بناء الإيوان الكبير. ومع أن هيكل المسجد وتصميمه المعماري ما زالا قائمين بحالة جيدة، إلا أن معظم زخارفه الرخامية الثمينة قد نُزعت ونُقلت إلى إسطنبول بأمر من السلطان العثماني سليم الأول بعد دخوله مصر.

    العصر المملوكي المتأخر

    استمر السلاطين اللاحقون في بناء وإضافة القصور والمباني الإدارية داخل القلعة، وإن كان ذلك بطموح أقل مما كان عليه الحال في عهد الناصر محمد. فقد بنى السلطان الصالح إسماعيل قاعة مزخرفة عُرفت باسم "الدهيشة" وافتتحت عام 1344م. وبالمثل، شيد السلطان حسن قصراً فخماً عُرف باسم "قاعة البيسرية" عام 1360م، وكان ارتفاعه يتجاوز 50 متراً، ويضم برجاً به سكن خاص للسلطان مُزين بالعاج والأبنوس، بالإضافة إلى لوحات وصور زينت جدرانه. وفي تلك الفترة (بين عامي 1350 و1360م)، بنى السلطان حسن مدرسته وجامعه الضخم الشهير في الجهة الشمالية الغربية للقلعة (ميدان الرميلة). وبسبب ضخامة وارتفاع هذا المسجد، استُخدم في سنوات لاحقة من قِبل المتمردين كمنصة لقصف القلعة بالمدافع في أكثر من مناسبة.

    قلّت حركة البناء في القلعة في عهد المماليك البرجية أو مماليك الشركس، مقارنة بالعصور السابقة. بدأ استغلال الفناء الخاص بسكن السلطان في الجهة الجنوبية الشرقية، لبناء قاعات استقبال جديدة ومنشآت ذات طابع رسمي أكثر. وقد بنى السلطانان قايتباي وقانصوه الغوري قصوراً في هذا الجزء من القلعة (وهو الموقع الذي يشغله حالياً قصر الجوهرة). كما رمم السلطان الغوري العديد من المنشآت داخل القلعة وخارجها، ومن أهم أعماله تجديد قناطر المياه تجديدا كاملا، وتطوير ميدان السباق أسفل القلعة، حيث أنشأ فيه بركة مياه ضخمة كانت تتغذى من مياه القناطر التي رممها.

    العصر العثماني: من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر

    بعد أن بسط العثمانيون سيطرتهم على مصر عام 1517م، دخلت القلعة مرحلة جديدة من تاريخها امتدت لعدة قرون. وفي بداية هذه الفترة، قام السلطان العثماني سليم الأول بنزع المواد الثمينة من المنشآت المملوكية الضخمة، وخاصة الرخام والزخارف الفاخرة، وأمر بنقلها إلى إسطنبول لاستخدامها في مشروعاته العمرانية هناك. وخلال هذا العصر، عانت القلعة من الإهمال وتداعت العديد من مبانيها المملوكية الشهيرة، رغم أنها رمُمت أو مدت بعض أسوارها الخارجية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وبسبب التنافس والصراعات بين الفرق العسكرية العثمانية، قُسمت القلعة إلى ثلاث مناطق منفصلة لتسكين ثلاث فئات مختلفة من الجيش؛ حيث خُصص القسم الشمالي لثكنات الإنكشارية، بينما استخدم الوالي العثماني وقواته الخاصة القسم الجنوبي، وسكنت طائفة "العزب" في القسم الغربي المنخفض الذي يضم الإسطبلات. وكان لكل قسم من هذه الأقسام مسجده ومرافقه المستقلة، بينما ظلت المنطقة الواقعة بينهم شبه مهجورة، حيث ضمت بقايا المباني المملوكية الكبرى التي أصبحت معطلة أو غير مستغلة. ومن أبرز تلك المباني الإيوان الكبير للناصر محمد، الذي انهارت قبته الضخمة عام 1521م ولم ترمم أبداً. وفي المقابل، استُغل قصر الأبلق استغلالًا أكثر إنتاجية، حيث تحول إلى مركز لصناعة كسوة الكعبة الشريفة، وهي الصناعة التي استمرت مصر في توريدها إلى مكة المكرمة حتى القرن العشرين.

    ورغم حالة الإهمال العام، شهدت هذه الحقبة بناء بعض المنشآت الهامة التي ما زالت قائمة؛ ومنها "برج المقطم" وهو البرج المستدير الضخم الذي يقع حالياً بالقرب من مدخل الزوار، وقد بناه إبراهيم باشا وزير السلطان سليمان القانوني عام 1525م. كما يُرجح أن "برج الوسطاني" الذي يقع بين باب القلة والباب الوسطاني يعود إلى هذه الفترة أيضاً. وفي عام 1528م، بُني جامع سليمان باشا الخادم في القسم الشمالي لخدمة طائفة الإنكشارية، وهو أول مسجد يُشيد في القلعة بعد نهاية العصر المملوكي، ويُعد من النماذج الفريدة في القاهرة التي تعكس الطراز المعماري العثماني الكلاسيكي بوضوح.

    أما القسم الغربي المنخفض، الذي يقع حالياً أسفل مسجد محمد علي، فقد كان قديماً هو المكان المخصص لإسطبلات القلعة. ورغم أنه ليس من المؤكد متى أُحيطت هذه المنطقة بالأسوار لأول مرة، إلا أنه يُرجح أنها كانت مسورة منذ العصر المملوكي. وفي العهد العثماني، سكنت طائفة "العزب" العسكرية هذا القسم، ويضم بداخلة جامع العزب الذي بناه أحمد كتخدا عام 1697م، ومن المحتمل أن أحمد كتخدا قد اكتفى بترميم مسجد قديم يعود لأوائل عصر المماليك البرجية وأضاف إليه المئذنة الحالية ذات الطراز العثماني. أما بقية مساحة هذا القسم، فتشغلها الآن مبانٍ متنوعة من القرن التاسع عشر، تشمل مخازن ومصانع قديمة.

    وكان الدخول إلى هذا القسم من جهة الغرب عبر بوابة ضخمة تُعرف بباب العزب، والتي بناها رضوان كتخدا الجلفي عام 1754م، ويُعتقد أنها بُنيت في نفس موقع بوابة مملوكية قديمة كانت تُسمى "باب الإسطبل". وقد صُمم هذا الباب ليحاكي في شكله باب الفتوح (البوابة الفاطمية الشهيرة في شمال القاهرة)، إلا أن واجهته الداخلية أُعيد تشكيلها لاحقاً خلال العصر الخديوي بأسلوب معماري قوطي حديث. أما مدخل الزوار الحالي للقلعة، فيمر عبر بوابة غربية صغيرة تُسمى "باب الجبل"، والتي شيدها الوالي العثماني "يكن باشا" عام 1785م عندما أعد تنظيم المنطقة لبناء قصر جديد له، كما قام يكن باشا أيضاً بإعادة بناء جزء صغير من السور المجاور لهذا الباب من جهة الجنوب.

    عصر محمد علي باشا: القرن التاسع عشر

    جاء محمد علي باشا، وهو قائد عسكري من أصول ألبانية، إلى مصر بتكليف من السلطان العثماني عام 1805م لإعادة النظام بعد رحيل الحملة الفرنسية، لكنه سرعان ما استقل بحكم البلاد فعلياً. ولكي يحكم قبضته على السلطة، نفذ في عام 1811م واقعة شهيرة وعنيفة قضت على ما تبقى من طبقة المماليك التي كانت تسيطر على البلاد. وقد شهدت القلعة الفصل الأكثر دموية في هذا الصراع، حيث دعا محمد علي قادة المماليك إلى مأدبة احتفالية، وأثناء خروجهم عبر الطريق المنحدر المؤدي إلى "باب العزب"، فتحت وحدات من جنوده الألبان النار عليهم من المواقع المرتفعة، في الواقعة المعروفة تاريخياً باسم مذبحة القلعة الشهيرة.

    يُطلق البعض أحياناً على القلعة اسم "قلعة محمد علي" لارتباطها الوثيق به وبأشهر معالمها، وهو جامع محمد علي الذي شيده فوق قمة القلعة بين عامي 1828 و1848م. بُني هذا المسجد المصمم على الطراز العثماني تخليداً لذكرى ابنه طوسون باشا الذي توفي عام 1816م، لكن بناءه كان يعبر أيضاً عن رغبة محمد علي في محو الرموز المعمارية للمماليك ليحل محله إرثه الخاص. ولهذا الغرض، هُدمت العديد من المنشآت المملوكية العظيمة في عام 1825م، ومن أبرزها الإيوان الكبير وقصر الأبلق التابعين للناصر محمد، ليفسح المجال لبناء المسجد وتطوير المنطقة المحيطة به. ومع اكتمال بناء الجامع بـمآذنه الرشيقة الشبيهة بأقلام الرصاص وقبته الضخمة، أصبح هو المسجد الرسمي للقلعة بدلاً من جامع الناصر محمد القريب منه، وتحول إلى واحد من أبرز معالم القاهرة حتى يومنا هذا. وفي نهاية المطاف، دُفن محمد علي باشا نفسه داخل مسجده الذي بناه.

    أحدث محمد علي تغييراً جذرياً في طبيعة استخدام أقسام القلعة؛ فبينما كان القسم الجنوبي في العصر المملوكي مخصصاً لسكن السلاطين والقسم الشمالي مخصصاً للأغراض العسكرية، غير محمد علي هذا التقسيم التقليدي ببناء "قصر الحرم" (الذي يشغله حالياً المتحف الحربي القومي) في القسم الشمالي. كما أعاد بناء أجزاء من الأسوار، ومن أبرز أعماله إعادة بناء "باب القلة" والسور المحيط به، وهو الباب الذي يفصل بين القسمين الشمالي والجنوبي، حيث منحُه مظهره الحالي الذي يحاكي في تصميمه باب الفتوح مع إضافة بعض اللمسات المعمارية العثمانية؛ وفي عام 1825م، شيد محمد علي "الباب الجديد" ليكون مدخلاً لطريق العربات الجديد الذي يربط القلعة من جهة الشمال، وبالتزامن مع ذلك، بنى "الباب الوسطاني" في النقطة التي يمتد منها هذا الطريق وصولاً إلى القسم الجنوبي.

    وظلت القلعة مقراً لحكم مصر حتى عام 1874م، حين اتخذ الخديوي إسماعيل قراراً تاريخياً بنقل مقر الحكم إلى قصر عابدين في حي عابدين الذي كان جزءاً من القاهرة الحديثة آنذاك، لتنتهي بذلك قرون طويلة كانت فيها القلعة هي قلب السلطة في البلاد.

    القرن العشرون والوضع الحالي

    ظلت القلعة لسنوات طويلة، وحتى أواخر القرن العشرين، منطقة عسكرية مغلقة يُحظر على الجمهور دخولها؛ حيث اتخذها الجيش البريطاني قاعدة رئيسية لثكناته إبان فترة الاحتلال، مستفيداً من موقعها الاستراتيجي المشرف على العاصمة. وظل هذا الوضع قائماً حتى عام 1946م، حين جلت القوات البريطانية عن القلعة وتسلمتها القوات المسلحة المصرية لترفع العلم المصري فوق أسوارها، لتستمر منذ ذلك الحين كمقر عسكري ومحصن.

    وفي عام 1983م، وفي إطار توجه الدولة لإعادة إحياء التراث، شهدت القلعة نقطة تحول كبرى بقرار فتح أجزاء واسعة منها أمام الزوار. ولم يقتصر الأمر على فتح الأبواب فحسب، بل انطلقت برامج شاملة للترميم والتطوير تضمنت إزالة الإضافات المعمارية الحديثة التي طرأت على المكان، وتحويل المباني الإدارية والقصور القديمة إلى متاحف متخصصة؛ حيث تحول "قصر الحرم" إلى المتحف الحربي القومي، وقصر الجوهرة إلى متحف للمقتنيات الملكية، كما استُغلت بعض ساحاتها لإقامة فعاليات ثقافية بارزة مثل مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء.

    ومع أن معظم معالم القلعة متاحة للسياحة، فإن القوات المسلحة المصرية لا تزال تشغل بعض أقسامها لأغراض إدارية وعسكرية. وتُعد القلعة حالياً من أبرز المواقع الأثرية في القاهرة، حيث توفر منصاتها المرتفعة رؤية واسعة لأحياء القاهرة. كما أُدرجت القلعة منذ عام 1979 ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو كجزء من القاهرة التاريخية، وهي تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار المحليين والأجانب على مدار العام.

    نظام التحصين والأبراج

    تُشكل أبراج قلعة صلاح الدين الأيوبي وحدات دفاعية مستقلة وظيفياً؛ حيث صُمم كل برج ليعمل بمثابة حصن مصغر يضمن استمرار التغطية العسكري في حال اختراق قطاعات من الأسوار المجاورة. يحيط بالقلعة سور حجري ضخم يتبع في مساره تضاريس الموقع الجبلية غير المنتظمة، ويعكس بتفاصيله تطور هندسة العمارة العسكرية من العصر الأيوبي وصولاً إلى العصر العثماني. تتركز معظم هذه التحصينات في القسم الشمالي من القلعة، ويبلغ عددها 18 برجاً تتباين في خصائصها المعمارية تبعاً لحقبة بنائها وتطويرها. فبينما تتخذ الأبراج الأصلية التي شُيدت في عهد الناصر صلاح الدين أشكالاً نصف دائرية، تمتاز الأبراج التي أضيفت أو وُسعت في عهد الملك العادل بقواعدها المربعة وضخامة بنائها.

    ومن الناحية الوظيفية، تتكون هذه الأبراج من عدة طوابق كانت تُستخدم كمقر لإقامة المقاتلين وإدارة العمليات الدفاعية، ويتخللها فتحات رمي دقيقة تعرف باسم "المزاغل". صُممت هذه الفتحات هندسياً لتسمح للرماة بكشف الميدان الخارجي مع ضمان حمايتهم خلف الجدران الحجرية، مما جعل من هذه الأبراج فضاءات حيوية تجمع بين مهام المراقبة والدفاع عن القلعة، وتنقسم الأبراج الي مجموعتين.

    الأبراج الدفاعية الكبرى

    تتركز هذه الأبراج في السورين الشمالي والشرقي، وهي الأجزاء الأكثر عرضة للمواجهة العسكرية، وتتميز بضخامة البناء وتعدد طبقات الدفاع.

    برج الحداد

    يعد برج الحداد من أشهر أبراج قلعة صلاح الدين وأهمها أثرياً، وهو يقع بالقرب من شبيهه برج الرملة. يعود تاريخ بنائه إلى عهد صلاح الدين الأيوبي، بني من الحجر، ويصل قطره إلى 22 م وارتفاعه إلى 21.70 م. كان تصميمه الأصلي على شكل نصف دائري، وتغير ليصبح شبه مستدير بعد تعديلات وإضافات في عهد الملك العادل سيف الدين.

    يتكون البرج من طابقين، وقد مر بعدة تعديلات وإضافات؛ حيث كان تصميمه الداخلي الأصلي يقتصر على مساحة مركزية مقبية تنتهي بثلاثة مزاغل (فتحات لرمي السهام). تحولت المزاغل إلى مداخل خلال إضافات الملك العادل، وتؤدي إلى ممر نصف دائري يصل بدوره إلى خمسة حجرات مستطيلة مقبية تنتهي بفتحات بالجدران الخارجية للبرج وذلك بكلا الطابقين الأرضي والعلوي. كما زودت الجدران الخارجية بسقاطات؛ جاءت عبارة عن نوافذ بارزة، تستخدم لإلقاء المواد السائلة على رؤوس المهاجمين من أعلى.

    برج الرملة

    يقع برج الرملة عند نقطة التقاء الجانب الشرقي والشمالي لسور القلعة؛ لذا يطلق عليه برج زاوية، يعود تاريخ بنائه إلى عهد صلاح الدين الأيوبي ( 1174- 1193م)، وأشرف على بنائه بهاء الدين قراقوش؛ يبلغ ارتفاع هذا البرج قرابة 20*80 م، وهو مبني من الحجر بناءً شبه دائري يبلغ قطره 18 م. يتكون من طابقين كل منهما مكون من قاعة مركزية تفتح على ثلاث غرف تنتهي بمزاغل، وهي عبارة عن فتحات ضيقة من الخارج وتتسع من الداخل، مخصصة لإطلاق السهام والرماح. وسع الملك العادل (1200- 1218م) البرج حيث تحولت أذرع القاعات إلى فتحات أبواب تؤدي إلى غرف مستطيلة مغطاة بأقبية وتنتهي كل غرفة بفتحة (مزغل). تحتوي المساحة المحصورة بين برج الرملة وبرج الحداد على ممر به دخلات للحراسة، وبكل دخلة فتحة لرمي السهام.

    برج الظفر

    يقع في أقصى الركن الشمالي الغربي، ووظيفته الأساسية هي تأمين الرؤية للطريق الصاعد من القاهرة إلى القلعة. يتميز بوجود طوابق متعددة تحت مستوى سطح الأرض كانت تُستخدم كحجرات أو مخازن سرية، ويُعد من أمنع حصون القلعة.

    برج المربع

    احد الأبراج الضخمة التي أعاد تحصينه الملك العادل، واستخدمه محمد علي باشا لاحقاً كأساس لبناء الجناح الغربي لقصره (قصر الحرم).

    برج مبلط

    أحد الأبراج التي بناها الملك الكامل، ويتميز باستخدام أحجار منحوتة ضخمة في بنائه، وكان الغرض منه حماية خزانات المياه الفرعية التي تغذي الأجزاء العلوية من القلعة.

    أبراج المراقبة والاستطلاع

    خصصت هذه الأبراج لمراقبة الظهير الصحراوي وتأمين الجهات الجبلية، وتتميز بارتفاعها ومواقعها الاستراتيجية.

    برج المقطم

    عُرف في العصر العثماني باسم "برج القلعة"، وهو برج مستدير عالي الارتفاع استُخدم لمراقبة التحركات العسكرية القادمة من جهة شرق القاهرة. اكتسب اسمه من إشرافه المباشر على سفح جبل المقطم، ويُعد نقطة الاتصال الرئيسية بين القلعة ومراكز المراقبة الخارجية.

    برج كركيلان

    أحد الأبراج الأيوبية الهامة في السور الشرقي، يدمج في تصميمه بين الشكلين المربع والدائري. يعكس هذا البرج تجارب العمارة العسكرية التي نقلها المعماريون في عهد صلاح الدين من بلاد الشام، حيث يوفر زوايا رؤية أوسع وأكثر دقة للمناطق خلف القلعة.

    برج المطار أو برج الحمام

    يتكون من زوج من الأبراج نصف الدائرية، ويُنسب للملك الكامل؛ حيث كان مركزاً للحمام الزاجل المستخدم في نقل الرسائل الرسمية.

    برج الصحراء

    يقع في الطرف الشرقي للسور، وهو عبارة عن برج مستطيل من الداخل ومستدير من الخارج، دعمته العمارة العثمانية بحوائط إضافية لمواجهة نيران المدفعية، وكان يُستخدم كنقطة إشارة ليلية عبر النيران.

    برج الصفة

    يقع برج الصفة بقلعة صلاح الدين الأيوبي إلى الشرق من برج المقطم بمسافة 16.60 متراً، ويُنسب إنشاؤه إلى الملك العادل. يمثل البرج نموذجاً للعمارة العسكرية المربعة، على خلاف الأبراج نصف الدائرية التي ميزت عصر صلاح الدين الأيوبي؛ حيث يبلغ طول واجهته نحو 25.80 متراً. كشفت أعمال التنقيب التي أجرتها لجنة حفظ الآثار العربية عام 1953م عن وصول أساسات البرج إلى الأرض الصخرية على عمق 3.30 متراً، مما يرفع إجمالي ارتفاعه الخارجي إلى 18.30 متراً، بينما يصل عمقه من الداخل إلى 25.30 متراً.

    يتسم التصميم الداخلي للبرج بقاعدة ذات تخطيط متعامد الأضلاع (18.38م × 14.38م)، يتوسطها فضاء مربع مغطى بقبو متقاطع، بينما تغطي الأذرع الأربعة أقبية من الحجر المنحوت. وقد أُلحق بالذراع الجنوبي للبرج حجرتان مربعتان خُصصتا للمدافعين، زودت كل منهما بمزغل لرمي السهام. هندسياً يتميز البرج تخطيطه؛ حيث يتعامد محور القاعدة الكبرى تماماً مع الواجهة الخارجية، مع مع التوازي دقيق بين جداري الواجهة والظهر بفارق لا يتجاوز 5 سنتيمترات، مما يعكس تطوراً في القياسات الهندسية العسكرية لتلك الفترة.

    Каир крепость цитадель Kair Fortress Citadel - panoramio (1).jpg Cairo Citadel 004.JPG Cairo Citadel ruins in northern section DSCF8874.jpg Salah El din citadel.JPG Citadel, Cairo, Egypt4.jpg

    أبواب القلعة

    تعددت أبواب قلعة صلاح الدين الأيوبي وتنوعت وظائفها المعمارية تبعاً لتغير الحقب التاريخية؛ فمنها ما خُصص كبوابات دفاعية حصينة للتأمين و الدفاع عن الحصن، ومنها ما استُخدم كمداخل رسمية للمواكب السلطانية أو ممرات خدمية للعربات والمؤن. وتنقسم هذه الأبواب بناء علي الوظيفة التاريخية والمعمارية آنذاك.

    الأبواب الأيوبية والمملوكية

    باب المدرج

    يعد باب المدرج أقدم أبواب القلعة وأكثرها محورية من الناحية التوثيقية؛ إذ شيده الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1183م ليكون المدخل الرئيسي للحصن. نُحتت مسارات الباب في صخر الجبل على هيئة درجات حجرية صاعدة ومن هنا اكتسب تسميته، ويستمد قيمته التاريخية من احتوائه على النص التأسيسي الذي يؤرخ لبناء القلعة بالخط الكوفي. يعد هذا الباب حلقة الوصل الوحيدة بين مركز الحكم ومدينة القاهرة لقرون عديدة، وشهد عبور البعثات الدبلوماسية والمواكب السلطانية حتى بدايات العصر المملوكي.

    باب القلة

    يُعرف باب القلة بكونه الفاصل المعماري الذي يقسم قلعة صلاح الدين إلى جزأين؛ الشمالي الذي خصص قديماً للثكنات العسكرية، والجنوبي الذي ضم القصور ومراكز الحكم. تعود تسمية الباب إلى قلة أي برج مرتفع كان قد بناه السلطان الظاهر بيبرس، ثم شهد الباب عملية ترميم وتطوير شاملة في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون؛ لم يكن الباب مجرد مدخل، بل كان جزءاً من نظام دقيق لتنظيم الدخول إلى جناح السلطان، إذ كان من المعتاد أن يترجل الأمراء والزوار عن خيولهم عند وصولهم إليه، وينتظرون في الردهة أو الملحق الخاص بالباب حتى يُسمح لهم بالمرور. وبذلك، ظل باب القلة لقرون شاهداً على حركة الانتقال اليومية بين حياة الجند في المعسكرات وحياة الدولة في القصور، مما أعطاه مكانة خاصة في تاريخ القلعة المعماري والتاريخي.

    باب الجبل

    يُعد باب الجبل، المعروف تاريخياً باسم باب المقطم، أحد الأبواب الهامة بأسوار قلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة. استحدثه السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 1322م في الجهة الشرقية المواجهة لسفح جبل المقطم؛ ليكون منفذاً حيوياً لنقل الإمدادات الحجرية من المحاجر وتأمين حركة القوات بعيداً عن المناطق السكنية بالمدينة. وعرف الباب في العصر العثماني باسم "باب القلعة" لمجاورته لبرج المقطم، حيث استمر استخدامه مدخلاً خدمياً لنقل المؤن والذخائر والمواد الثقيلة. ومع التطورات المعمارية في عهد محمد علي باشا، خضع الباب والأسوار المحيطة به لعمليات ترميم لتعزيز التحصينات الدفاعية وتجهيزها للمدفعية الحديثة. ويطل الباب في عصرنا الحالي مباشرة على طريق صلاح سالم بمنطقة الأباجية، ويقع في نطاق القسم الشمالي للقلعة خلف موقع متحف الشرطة القومي والحفائر الأثرية لقصر الأبلق.

    الأبواب في عهد محمد علي باشا

    شهدت أبواب القلعة في عهد محمد علي باشا تحولاً في الوظيفة والمعمار؛ حيث استبدلت المداخل المنكسرة الضيقة بمداخل مستقيمة ومتسعة لتلائم حركة المدافع واللحاق بالتطور العسكري الحديث.

    الباب الجديد

    أنشأه محمد علي باشا عام 1826م ليكون المدخل الرئيسي للقلعة بدلاً من "باب المدرج" الأيوبي. جاءت الحاجة لإنشائه ضمن خطة تطوير القلعة لتتناسب مع المعدات العسكرية الحديثة؛ حيث صمم بفتحة متسعة ومسار منحدر ممهد يسمح بصعود العربات والمدافع. يطل الباب حالياً على طريق صلاح سالم، ويعلوه لوحة تذكارية تشير إلى تاريخ بنائه، ويظهر الباب في طرازه مزيجاً بين متطلبات الدفاع التقليدي والسمات المعمارية للقرن التاسع عشر، ولا يزال يمثل المدخل الرئيسي لزوار القلعة حتى اليوم.

    باب العزب

    يعد باب العزب من أشهر أبواب القلعة تاريخياً؛ حيث يطل على ميدان صلاح الدين (ميدان القلعة). تعود أصوله إلى العصر الأيوبي، إلا أن الأمير أحمد كتخدا أعاد بناءه كلياً في عام 1754م فوق أنقاض بوابة أيوبية قديمة ليخدم ثكنات فرقة "العزب" العسكرية، ومنحه مظهراً ضخماً ببرجين نصف دائريين يحاكيان بوابات القاهرة الفاطمية (الفتوح والنصر). وفي عام 1811م، ارتبط اسم الباب بالممر الصخري الضيق الذي يليه، حيث شهد واقعة مذبحة القلعة الشهيرة التي أنهت حكم المماليك. لاحقاً، في عام 1868م إبان عهد الخديوي إسماعيل، شهد الباب أعمال ترميم وتطوير لمظهره المهيب. لا يزال باب العزب حتي اليوم شاهداً معمارياً يربط القلعة بقلب مناطق القاهرة التاريخية.

    باب الوسط

    يُعد باب الوسط او كما يعرف بالباب الوسطاني أحد المداخل الداخلية الثلاثة التي استحدثها محمد علي باشا عام 1826م لتطوير حركة الوصول إلى النطاق السلطاني بالقلعة. شيد الباب فوق أنقاض "باب السر" المملوكي الذي وصفه القلقشندي بكونه مدخلاً خاصاً لكبار الأمراء، كما عُرف في العصر العثماني باسم "باب الشرك" لاستخدامه المشترك بين فرقتي المستحفظان والإنكشارية، وباسم "باب السبع حدرات" نسبة لدرجات ممره الصخري المنحدر. وتعود تسميته بالوسطاني لوقوعه في منطقة متوسطة بين ديواني قايتباي والغوري بحسب توثيق المؤرخ كازانوفا؛ حيث يربط معماريًا بين مسار الباب الجديد والحوش الداخلي لجامعي الناصر محمد ومحمد علي، مشكلاً مع "باب القلة" امتداداً دفاعياً واحداً ينظم الانتقال بين قطاعات القلعة المختلفة.

    نظام إمداد المياه

    بئر يوسف (بئر صلاح الدين)

    لتأمين المورد المائي للقلعة، أمر صلاح الدين الأيوبي بحفر بئر عميقة وصل عمقها إلى 85 متراً، وقد عُرفت تاريخياً ببئر يوسف نسبة إلى اسمه يوسف بن أيوب. وتولى الإشراف على هذا العمل الهندسي الضخم بهاء الدين قراقوش، الذي كان مديراً لأعمال البناء في القلعة وموضع ثقة السلطان؛ وتُصنف هذه البئر كإحدى روائع الهندسة العسكرية في ذلك الزمن، حيث نُحتت بالكامل تقريباً داخل الصخر الطبيعي للقلعة.

    قُسم هيكل البئر إلى قسمين متميزين؛ حيث يتكون الجزء العلوي من مجرى واسع يحيط به درج حلزوني طويل نُحت في الصخر، ويفصل هذا الدرج عن المجرى الرئيسي جدار صخري رقيق، وهو ما جعل البئر تُعرف أيضاً باسم "بئر الحلزون". وصُمم هذا الدرج بطريقة تسمح بتغطيته بالتراب ليتحول إلى ممر منحدر يسهل حركة الثيران ونزولها إلى منتصف عمق البئر. أما الجزء السفلي، فيتكون من مجرى آخر ينحدر لعمق أكبر حتى يصل إلى مستوى المياه الجوفية المتسربة من مياه النيل. واعتمد نظام رفع المياه في البئر على تقنية السواقي المزدوجة التي تعمل بقوة الدواب؛ حيث كانت هناك ساقية عند نهاية الجزء العلوي تديرها الثيران لرفع المياه من قاع البئر إلى حوض وسيط، ثم تقوم ساقية ثانية عند فتحة البئر العلوية بسحب المياه من الحوض الوسيط إلى سطح القلعة، مما يضمن وصول إمدادات المياه باستمرار حتى في حالات الحصار.

    قناطر المياه المملوكية: سور مجري العيون

    لم تكن بئر صلاح الدين كافية لتلبية احتياجات القلعة المتزايدة من المياه في عهد الناصر محمد، خاصة مع التوسع العمراني الكبير وزيادة عدد سكانها؛ ولذلك شرع الناصر محمد في تطوير نظام قناطر المياه المعروف اليوم باسم سور مجرى العيون. بدأ المشروع بترميم القناطر الأيوبية القديمة التي يُرجح أن السلطان الكامل هو من أتمها، ثم مدها بنظام جديد يعتمد على مجموعة من السواقي الضخمة المقامة على ضفاف النيل لرفع المياه إلى أعلى برج مأخذ مثمن الشكل بناه سلفه الأشرف خليل.

    وتتدفق المياه من هذا البرج عبر مجرى علوي محمول على سلسلة من القناطر المرتفعة التي تمتد من منطقة فم الخليج وصولاً إلى قاعدة القلعة، حيث تُرفع المياه مرة أخرى إلى القصور عبر نظام إضافي من السواقي. ورغم أن هذا السور خضع لإعادة بناء شاملة وتوسعة في عهد السلطان الغوري لاحقاً ليتخذ شكله الضخم القائم حالياً، إلا أن الناصر محمد هو من وضع أساس هذا النظام الذي ربط النيل بالقلعة. ومع ذلك، بقيت بئر صلاح الدين مصدراً استراتيجياً لا غنى عنه، لصعوبة تأمين إمدادات المياه عبر القناطر في حالات الحصار العسكري.

    صهريج يعقوب شاه المهمندار

    يقع هذا المبنى الصغير ذو القبة خارج أسوار القلعة مباشرة من جهة الشرق، وقد شيده الأمير يعقوب شاه المهمندار بين عامي 1495 و1496م. ويعقوب شاه هو أمير من أصل تركي من مدينة أرزنجان، التحق بصفوف المماليك في عهد السلطان قايتباي. ورغم أن تصميم المبنى وقبته يعطيان انطباعاً بأنه ضريح، إلا أنه في الواقع منشأة صُممت لتغطية مدخل صهريج مياه.

    ويكتسب هذا المبنى أهمية تاريخية خاصة لوجود نقش كتابي عليه يخلد انتصار جيش السلطان قايتباي على القوات العثمانية في التي وقعت عام 1486م. وفي الوقت الحالي، أصبح الصهريج معزولاً عن القلعة ومنفصلاً عنها؛ حيث يقع وسط منطقة محصورة بين طريقين سريعين (طريق صلاح سالم وكوبري الإباجية) اللذين يمران بمحاذاة الجانب الشرقي للقلعة.

    المساجد

    تضم القلعة حالياً أربعة مساجد رئيسية، يفتح بعضها أبوابه لاستقبال الزوار.

    مسجد محمد علي

    شُيد المسجد في الفترة ما بين عامي 1830 و1848م، وإن لم يكتمل بناؤه نهائياً إلا في عهد سعيد باشا الابن الرابع لمحمد علي عام 1857م. يقع الجامع في القسم الجنوبي من القلعة، وقد أقيم على قسم من أرض قصر الأبلق المملوكي الذي بناه الناصر محمد بن قلاوون، وهو متاح حالياً للزيارة كأحد أبرز معالم القلعة. صمم المسجد المهندس المعماري "يوسف بوشناق" الذي استقدم من إسطنبول، حيث اعتمد جامع السلطان أحمد نموذجاً لتصميمه، وهو ما يفسر ظهور الطراز العثماني الكلاسيكي بوضوح في مآذنه الرشيقة التي تعد من أطول المآذن في مصر بارتفاع يصل إلى نحو 84 متراً.

    يتميز المسجد بكسوته الرخامية، حيث غُطيت جدرانه الداخلية والخارجية بارتفاع 11 متراً برخام الألبستر المستخرج من محاجر وادي سنور ببني سويف، ولذلك يشتهر المسجد أيضاً باسم "جامع الألبستر". كما يضم الصحن الخارجي للمسجد برجاً للساعة من النحاس المزخرف، قدمه الملك لويس فيليب، ملك فرنسا، هدية لمحمد علي باشا عام 1845م، وذلك رداً على إهداء محمد علي مسلة الأقصر التي نُصبت في ميدان الكونكورد بباريس. وفي الركن الجنوبي الغربي من المسجد، يقع ضريح محمد علي باشا، وهو عبارة عن تركيبة رخامية منحوتة من رخام "كارارا" الإيطالي الأبيض المميز بالزخارف، حيث نُقل جثمانه من مدفنه الأصلي بحوش الباشا إلى هذا الضريح في عام 1857م بقرار من ابنه سعيد باشا.

    جامع الناصر محمد بن قلاوون

    يُعد جامع الناصر محمد، الذي شُيد عام 1318م خلال العصر المملوكي البحري، المسجد الرسمي والملكي للقلعة طوال تلك الحقبة؛ حيث كان سلاطين القاهرة يؤدون فيه صلاة الجمعة. يتبع المسجد طراز "المساجد الجامعة" ويتكون من صحن أوسط مكشوف تحيط به أربعة أروقة، ولا يزال يحتفظ بهيكله المعماري الأصلي الذي يعود للقرن الرابع عشر إلى حد كبير، رغم توالي أعمال الترميم عليه.

    يتميز المسجد بمآذنه الفريدة المغطاة ببلاطات "القاشاني" الأخضر والمنقوشة بزخارف هندسية، وهو طراز متأثر بالعمارة في بلاد فارس والمغرب العربي، مما يجعله استثناء في العمارة المملوكية التقليدية. كما يرتكز سقف المسجد على أعمدة رخامية أثرية أُعيد استخدامها من مبانٍ رومانية وقبطية قديمة، في حين تتوسط المسجد قبة ضخمة كانت مكسوة باللون الأخضر قديماً، لكنها انهارت في القرن السادس عشر وأُعيد بناؤها لاحقاً بناءً أبسط. وفي العصر الحديث، خضع المسجد لعمليات ترميم شاملة للجدران المغطاة بالجص، كما جرت محاولات دقيقة لاستعادة الألوان الأصلية للسقف، لا سيما اللون الأزرق الفاتح. يقع الجامع في القسم الجنوبي من القلعة، بالقرب من مسجد محمد علي، وهو متاح حالياً للزيارة أمام الجمهور.

    مسجد سليمان باشا الخادم

    يُعد مسجد سليمان باشا الخادم، الذي شُيد عام 1528م، أول مسجد أُقيم في مصر على الطراز العثماني عقب الفتح العثماني لها. يقع المسجد في القسم الشمالي من القلعة، إلى الشمال الشرقي من "قصر الحرم" (المتحف الحربي حالياً). ويتميز المسجد بكونه أحد النماذج القليلة في القاهرة التي تعكس بدقة الطراز العثماني الكلاسيكي للقرن السادس عشر، حيث تبرز فيه القباب المتعددة المكسوة بالقاشاني الأخضر والمآذن الأسطوانية الرشيقة، بدلاً من الطراز المملوكي الذي كان سائداً في مصر. بُني الجامع على أنقاض مسجد قديم كان قد شيده "أبو منصور قسطة"، أحد أمراء العصر الفاطمي، قبل بناء القلعة نفسها، وهو المسجد المعروف باسم "سيدي سارية". ولا يزال ضريح قسطة الذي يعود تاريخه إلى عام 1140م موجوداً داخل المسجد حتى اليوم.

    مسجد أحمد كتخدا أو مسجد العزب

    يقع مسجد العزب في منطقة شبه معزولة خلف الباب الغربي الرئيسي للقلعة المعروف (باب العزب). وقد استمد المسجد والباب اسماهما من طائفة "العزب"، وهي إحدى الفرق العسكرية العثمانية التي كانت تُعسكر في هذا القسم من القلعة خلال العصر العثماني. شيد المسجد الأمير المملوكي أحمد كتخدا عام 1697م، إلا أن الدراسات الأثرية تُرجح أن هذا البناء قد أقيم على أنقاض منشأة دينية مملوكية أقدم، أو أنه يمثل عملية تجديد شاملة لمسجد سابق كان قائماً في الموقع ذاته. وعلى الرغم من أن المسجد غير مفتوح حالياً للزيارة العامة، إلا أنه يمكن تمييز موقعه بوضوح من خلال مئذنته الرشيقة التي تتبع الطراز العثماني المدبب. ويُعد الجامع جزءاً من منطقة "العزب" التي شهدت أحداثاً تاريخية كبرى، من بينها مذبحة القلعة الشهيرة التي وقعت في الممر الصخري القريب منه.

    المتاحف

    المتحف الحربي المصري

    يُعد المتحف الحربي المصري المؤسسة الرسمية المعنية بتوثيق التاريخ العسكري في مصر. تأسس المتحف عام 1937 في المبنى القديم لوزارة الحربية بوسط القاهرة، ثم نُقل مؤقتاً إلى حي جاردن سيتي، قبل أن يُعاد افتتاحه بصفة دائمة في "قصر الحرم" بقلعة صلاح الدين في نوفمبر 1949. خضع المتحف لعمليتي تطوير شاملتين في عامي 1982 و1993 لتحديث أساليب العرض المتحفي.

    يشغل المتحف مبنى "قصر الحرم" الذي أنشأه محمد علي باشا عام 1827 ليكون مقراً لإقامة أسرته. يتكون القصر معمارياً من ثلاثة أجنحة متصلة، ويجمع في تصميمه بين العناصر المعمارية العثمانية والأوروبية. تُصنف معروضات المتحف وفق تسلسل زمني يمتد من العصور المصرية القديمة حتى العصر الحديث، بالإضافة إلى ساحة عرض مكشوفة مخصصة للمعدات العسكرية الثقيلة، مثل الطائرات والدبابات التي استُخدمت في الحروب المصرية خلال القرن العشرين، ومنها حرب أكتوبر 1973.

    قصر الجوهرة

    يُعد قصر الجوهرة ويُعرف أيضاً باسم "قصر بيجو" من الأبنية التي أمر بإنشائها محمد علي باشا عام 1814م لتكون مقراً لإقامته واستقبالاته الرسمية. أشرف على تصميم القصر وتنفيذه مجموعة من الحرفيين و الفنيين من جنسيات متنوعة شملت اليونانيين والأتراك والبلغار والألبان. ويضم القصر "الديوان الرسمي" أو قاعة الاستقبال التي كان الباشا يستقبل فيها كبار زواره، وهي القاعة التي تتوسطها نجفة ضخمة تزن نحو 1000 كيلوجرام، أهداها له الملك لويس فيليب الأول، ملك فرنسا.

    كما يحتوي القصر على عرش محمد علي باشا، وهو عبارة عن مقعد مذهب كان هدية من ملك إيطاليا. ويتميز القصر بطرازه المعماري الذي يمزج بين العناصر العثمانية والأوروبية، لا سيما زخارف الباروك والروكوكو التي كانت سائدة في ذلك العصر، ويُستخدم القصر حالياً كمتحف يعرض مقتنيات لأسرة محمد علي وبدلات رسمية وأدوات زينة ومنسوجات أثرية.

    متحف المركبات الملكية بالقلعة

    افتُتح متحف المركبات بقلعة صلاح الدين في عام 1983م، وهو يضم مجموعة من العربات الملكية التي تعود لحقب تاريخية مختلفة، تبدأ من عصر الخديوي إسماعيل وصولاً إلى عهد الملك فاروق. يهدف المتحف إلى توثيق تطور وسائل النقل الخاصة بالأسرة العلوية في مصر، ويحتوي بالإضافة إلى العربات على مجموعة من المقتنيات والقطع الأثرية ذات الصلة، مثل أطقم الخيول، والملابس الخاصة بسائقي العربات والمصابيح الزيتية التي كانت تُستخدم في إضاءة المركبات.

    متحف الشرطة

    يقع متحف الشرطة (ويُشار إليه أحياناً بمتحف السجن) شمال "باب العلم" بقلعة صلاح الدين، ويشغل موقعاً مرتفعاً يطل على مدينة القاهرة. يشغل المتحف مبنى السجن السابق للقلعة، ويضم مجموعة من المعروضات التي توثق تاريخ الأجهزة الأمنية المصرية عبر العصور. تتوزع قاعات المتحف لتشمل عرضاً لتاريخ الاغتيالات السياسية الشهيرة، بالإضافة إلى استعراض لبعض الأسلحة المستخدمة في تلك العمليات. كما يحتوي المتحف على نماذج تحاكي القضايا الجنائية الكبرى التي شغلت الرأي العام المصري، ومنها قضية ريا وسكينة، فضلاً عن أقسام مخصصة لتطور زي الشرطة والأوسمة العسكرية والأدوات المستخدمة في مكافحة الجريمة خلال العصور المختلفة لمصر.

    ويضم متحفين فرعيين هما متحف سجن القلعة ومتحف عربات الإطفاء التاريخية.

    متحف مضبوطات الآثار

    تأسس متحف مضبوطات الآثار في منطقة قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة عام 1992م. أُنشئ المتحف نتيجة تعاون بين هيئة الآثار المصرية (وزارة السياحة والآثار المصرية حالياً) وقطاع شرطة السياحة والآثار، بهدف عرض القطع الأثرية التي استردت أو ضبطت أثناء محاولات التهريب والاتجار غير المشروع. شملت معروضات المتحف قطعاً من عصور تاريخية مختلفة، منها المصرية القديمة، واليونانية والرومانية، والقبطية، والإسلامية، بالإضافة إلى مجموعات من العملات والمخطوطات.

    وفي إطار خطة وزارة السياحة والآثار لإعادة تنظيم متاحف القلعة وتطوير المسار السياحي، توقف المتحف عن العمل بصفته كياناً مستقلاً. ونُقلت القطع الأثرية التي كانت معروضة به إلى المخازن المتحفية المركزية، بينما وُزع بعضها للعرض في متاحف أخرى مثل المتحف القومي للحضارة المصرية والمتحف المصري الكبير، وذلك لإدراجها ضمن سياقات عرض أوسع وأحدث. أما الموقع المكاني للمتحف في القسم الشمالي من القلعة، فقد دُمج ضمن مشروع ترميم وتطوير الموقع العام. وانتقل المحتوى التوعوي المتعلق بجهود استعادة الآثار إلى متحف الشرطة القومي المجاور، الذي خصص قاعات لعرض مجهودات ضبط الآثار المهربة وحماية الممتلكات الثقافية.

    الحدائق والساحات

    الحديقة الملكية

    تقع الحديقة الملكية في الجهة الغربية خلف المتحف الحربي (قصر الحرم)، وهي جزء من مجمع القصور التي أمر محمد علي باشا بإنشائها عام 1827م لتكون مقراً لسكن أسرته. تضم الحديقة حالياً مجموعة من التماثيل النصفية لحكام أسرة محمد علي، وتُستخدم كمعرض مفتوح يوثق الشخصيات السياسية التي حكمت مصر داخل القلعة.

    ساحة السور الشمالي

    يحتوي قسم السور الشمالي على ساحة شاسعة تضم النصب التذكاري للجيش المصري، الذي يخلد دور العسكرية المصرية. تضم الساحة أيضاً عناصر معمارية منقولة وقائمة، منها بوابة شيدت تخليداً للزعيم عمر مكرم، وجوسق حجري كان يعلو مئذنة الأمير قايتباي الجركسي المشيدة عام 1441م، بالإضافة إلى نافورة عثمانية ولوحة رخامية نُقش عليها أبيات مدح في الوالي عباس باشا.

    منشآت أخرى

    تضم القلعة عدة منشآت أخرى منها إدارة المتاحف العسكرية بجوار المتحف الحربي، ويقع عند الساحة المؤدية لمسجد سليمان الخادم ضريح للشيخ محمد الكحكي المتوفي في القرن العاشر الهجري. أما منشآت السور الشمالي فهي تضم عدة مبان منها مقر شركة كنوز والجهاز القومي للتنسيق الحضاري ويقابلها ثلاثة أبنية متجاورة تضم مقر إدارة مشروع تطوير القاهرة التاريخية. ويقع مسرح المحكى عند نهاية السور الشمالي بين برج الحديد وبرج الرملة. بينما تقع دار ضرب العملة أو الضربخانة في نهاية السور الجنوبي بالقرب من قصر الجوهرة، ويقع الأسطبل السلطاني بجوار مسجد العزب.

    إدارة المتاحف العسكرية

    يقع مبني إدارة المتاحف العسكرية في مبنى ملاصق للمتحف الحربي القومي بالقرب من (قصر الحرم) في الركن الشمالي الغربي للقلعة. تتولى الإدارة مهام الإشراف الإداري والفني على المتاحف العسكرية داخل القلعة وخارجها، وتنسيق العروض المتحفية التي توثق التاريخ العسكري المصري العصور القديمة، بالإضافة إلى إدارة ساحات العرض المكشوفة للمعدات العسكرية الثقيلة.

    الجهاز القومي للتنسيق الحضاري

    الجهاز القومي للتنسيق الحضاري يشغل مقراً إدارياً ضمن منشآت السور الشمالي للقلعة. تأسس الجهاز بقرار رئيس الجمهورية رقم 37 لسنة 2001، ويهدف إلى الحفاظ على الهوية المعمارية والعمرانية، ووضع الاشتراطات الفنية للتعامل مع المناطق التراثية والميادين العامة، وتوثيق ذاكرة مصر المعمارية. كما يقع في محيطه مقر إدارة مشروع تطوير القاهرة التاريخية وشركة كنوز لإقامة المناسبات.

    الضربخانة

    الضربخانة أو دار ضرب العملة بقلعة صلاح الدين؛ هي المنشأة المسؤولة عن سك العملة في مصر خلال العصرين العثماني والعلوي، وتقع ضمن نطاق قلعة صلاح الدين الأيوبي. يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1710م في عهد الوالي العثماني إبراهيم باشا القبطان، بهدف تنظيم الإصدارات النقدية المحلية. وفي عام 1812م، أجرى محمد علي باشا عملية تجديد وتوسعة شاملة للمبنى، أضاف خلالها وحدات إدارية جديدة، ليصل عدد العاملين بها إلى نحو 500 صانع، وذلك في إطار مشروعه للإصلاح النقدي في مصر.

    يشغل المبنى مساحة مستطيلة تتوسطها فناء مكشوف، تحيط به حجرات متجاورة مسقوفة بقباب من الآجر، زُودت بفتحات علوية تُعرف باسم "المناور"؛ صُممت لتأمين التهوية والإضاءة، بالإضافة إلى دورها كمدخان لتصريف الأدخنة والأبخرة الناتجة عن عمليات صهر المعادن. وعلى الرغم من تعرض أجزاء من القباب للتصدع بمرور الزمن، إلا أن المجلس الأعلى للآثار نفذ مشروعاً لترميمها معمارياً. وتُعد السجلات التاريخية للدار، والتي تغطي الفترة ما بين 1844م - 1913م، مرجعاً أساسياً لتوثيق النظام المالي والإداري في مصر الحديثة.

    الإسطبل السلطاني

    يقع الإسطبل السلطاني في القسم السفلي من القلعة، بالقرب من باب العزب ومسجد العزب. يعود تاريخ الموقع إلى العصر المملوكي حيث عُرف بإسطبل السلطان، وكان مخصصاً لإيواء الركائب السلطانية وإدارة شؤون الفروسية والتدريبات العسكرية. في عهد أسرة محمد علي، أعيد تأهيل الإسطبلات لاستيعاب الركائب الملكية والخيول العربية الأصيلة وتزويدها بالمرافق اللازمة للعناية بها.

    معرض الصور

    Views of Mohamed Ali basha Mosque - لقطات لمسجد محمد علي باشا داخل أسوار قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة. 03.jpg|تصغير|صورة لمسجد محمد علي، الواقع داخل قلعة صلاح الدين. يتميز تصميم المسجد بألواح وأعمدة من الألبستر، مما أكسبه لقبه "مسجد الألبستر". Views of Mohamed Ali basha Mosque - لقطات لمسجد محمد علي باشا داخل أسوار قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة. 01.jpg| صورة مسجد محمد علي باشا من الداخل، يتميز المسجد بتصميم عثماني مزخرف، وقبة مركزية ضخمة، وثريات متدلية.

  9. 1193 م

    صلاح الدين الأيوبي

    63 دقيقة قراءةالملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي (532 هـ - 589 هـ / 1138 - 1193 م)، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي، القائدُ المسلم الذي أسس الدولة الأيوبية التي وحدت…

    الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين والدنيا يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدُويني التكريتي (532 هـ - 589 هـ / 1138 - 1193 م)، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي، القائدُ المسلم الذي أسس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت الراية العباسية، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية التي استمرت 262 سنة. قاد صلاح الدين عدّة حملات ومعارك ضد الفرنجة وغيرهم من الصليبيين الأوروبيين في سبيل استعادة الأراضي المقدسة التي استولى عليها الصليبيون في أواخر القرن الحادي عشر، وقد تمكن في نهاية المطاف من استعادة معظم أراضي فلسطين ولبنان بما فيها مدينة القدس، بعد أن هزم جيش بيت المقدس هزيمة نكراء في معركة حطين.

    كان صلاح الدين يتبع مذهب أهل السنة والجماعة، وبعض العلماء كالمقريزي، وبعض المؤرخين المتأخرين قالوا: إنه كان أشعريًا، شافعي المذهب، يشتهر صلاح الدين بتسامحه ومعاملته الإنسانية لأعدائه، لذا فهو من أكثر الأشخاص تقديرًا واحترامًا في العالمين الشرقي الإسلامي والأوروبي المسيحي، حيث كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالته في عدد من المواقف، أبرزها عند حصاره لقلعة الكرك في مؤاب، وكنتيجة لهذا حظي صلاح الدين باحترام خصومه لا سيما ملك إنجلترا ريتشارد الأول «قلب الأسد»، وبدلاً من أن يتحول إلى شخص مكروه في أوروبا الغربية، استحال رمزًا من رموز الفروسية والشجاعة، وورد ذكره في عدد من القصص والأشعار الإنجليزية والفرنسية العائدة لتلك الحقبة.

    نسبه ونشأته

    وُلِدَ صلاح الدين في تكريت في العراق عام 532 هـ/1138م في ليلة مغادرة والده نجم الدين أيوب قلعة تكريت حينما كان واليًا عليها، ويرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دُوِين القديمة في أرمينيا، والتي نفي منها شاذي عام 524 هـ/1130م عندما استولى أمير تركي على المدينة من أميرها الكردي. اختلف المؤرخون في نسب العائلة الأيوبية حيث أورد المؤرخ الموصلي ابن الأثير الجزري في تاريخه أن أصلهم من الأكراد الرَوَاديَّة وهم فخذ من الهَذَبانِيَّة، القبيلة الكُردية المهيمنة في منطقة دوين آنذاك. ويذكر أحمد بن خلكان ما نصه:، وهو ما يؤكده سعيد عبد الفتاح عاشور وجمال الدين الشيال وعبد المنعم ماجد. في حين وبعد أن استقر الأيوبيون في السلطة، تبنى جماعة من ملوكهم أنسابًا عربية نبيلة وأنكروا النسب الكردي، حيث قالوا، ومع ذلك اختلف هؤلاء في نسبهم فالملك المعز إسماعيل الأيوبي صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى بني أمية وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب قال: «كذب إسماعيل ما نحن من بني أمية أصلاً»، أما الأيوبيون ملوك دمشق فقد أثبتوا نسبهم إلى بني مرة بن عوف من بطون غطفان وقد أحضر هذا النسب على المعظم عيسى بن أحمد صاحب دمشق وأسمعه ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود.

    وكان نجم الدين والد صلاح الدين قد انتقل إلى بعلبك حيث أصبح واليًا عليها مدة سبع سنوات وانتقل إلى دمشق، وقضى صلاح الدين طفولته في دمشق حيث أمضى فترة شبابه في بلاط الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمير دمشق. إن المصادر حول حياة صلاح الدين خلال هذه الفترة قليلة ومبعثرة، لكن من المعروف أنه عشق دمشق عشقًا شديدًا، وتلقى علومه فيها، وبرع في دراساته، حتى قال عنه بعض معاصريه أنه كان عالمًا بالهندسة الإقليدية والرياضيات المجسطية وعلوم الحساب والشريعة الإسلامية، وتنص بعض المصادر أن صلاح الدين كان أكثر شغفًا بالعلوم الدينية والفقه الإسلامي من العلوم العسكرية خلال أيام دراسته. وبالإضافة إلى ذلك، كان صلاح الدين ملمًا بعلم الأنساب والسير الذاتية وتاريخ العرب والشعر، فحفظ ديوان الحماسة لأبي تمام عن ظهر قلب، أيضًا أحب الخيول العربية المطهمة، وعرف أنقى سلالاتها دمًا.

    بدايته

    كانت الدولة العباسية قد تجزأت إلى عدّة دويلات بحلول الوقت الذي ظهر فيه صلاح الدين، في أواسط القرن الثاني عشر، فكان الفاطميون يحكمون مصر ويدعون لخلفائهم على منابر المساجد ولا يعترفون بخلافة بغداد، وكان الصليبيون يحتلون الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط من آسيا الصغرى إلى شبه جزيرة سيناء، والأتابكة يسيطرون على شمال العراق وسوريا الداخلية.

    لمع نجم صلاح الدين في سماء المعارك والقيادة العسكرية عندما أقبل الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي إلى الشام فارًا من مصر، وهربًا من الوزير ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي الملقب فارس المسلمين لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في الوزارة وقتل ولده الأكبر طيء بن شاور، مستغيثًا بالملك نور الدين زنكي في دمشق وذلك في شهر رمضان سنة 558 هـ ودخل دمشق في 23 من ذي القعدة من السنة نفسها، فوجه نور الدين معه أسد الدين شيركوه بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين، ابن الستة والعشرين ربيعًا، في جملتهم في خدمة عمه وخدمة جيش الشام وهو كاره للسفر معهم، وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش هدفان؛ قضاء حق شاور لكونه قصده، وأنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك. وكان نور الدين كثير الاعتماد على شيركوه لشجاعته ومعرفته وأمانته فانتدبه لذلك، وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق على رأس الجيش في جمادى الأولى سنة 559 هـ ودخلوا مصر وسيطروا عليها واستولوا على الأمر في رجب من السنة نفسها، ومن المعروف أن صلاح الدين لم يلعب دورًا كبيرًا خلال هذه الحملة الأولى، بل اقتصر دوره على مهمات ثانوية.

    ولمّا وصل أسد الدين وشاور إلى لديار المصرية واستولوا عليها وقتلوا الوزير ضرغام وحصل لشاور مقصوده وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره، غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالفرنجة عليه فحاصروه في بلبيس ثلاثة أشهر، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها، ولكن تحت ضغط من هجمات مملكة القدس الصليبية والحملات المتتالية على مصر بالإضافة إلى قلة عدد الجنود الشامية أجبر على الانسحاب من البلاد. وبلغ إلى علم نور الدين في دمشق وكذلك أسد الدين مكاتبة الوزير شاور للفرنجة وما تقرر بينهم فخافا على مصر أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد هناك فتجهز أسد الدين في قيادة الجيش وخرج من دمشق وأنفذ معه نور الدين العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين، وكان وصول أسد الدين إلى البلاد مقارنًا لوصول الفرنجة إليها، فاتفقوا مع الفاطميين عليه، فاشتبكوا في أوّل معركة كبيرة في صحراء الجيزة، وفي تلك المعركة لعب صلاح الدين دورًا كبيرًا، حيث كان جيش الفاطميين والفرنجة يفوق جيش الشام عددًا، فرأى شيركوه أن يجعل صلاح الدين على القلب لاعتقاده بأن الفرنجة سيحملون على القلب ظنًا منهم أن شيركوه سيكون في القلب، وتولّى شيركوه قيادة الميمنة مع شجعان من جيشه، وسُلّمت قيادة الميسرة إلى جمع من القادة الكرد. عند بداية المعركة، حمل الصليبيون على القلب، الذين تقهقروا بانتظام أمام هذا الهجوم، ليطوّقهم بعد ذلك شيركوه وجنوده في صورة من صور تكتيك الكماشة. يرى بعض المؤرخين الغربيين أن وعورة الأرض وكثافة الرمال وثقل الجياد الأوروبية والجنود الفرنجة المدرعين، أسهمت في جعل الدائرة تنقلب عليهم، فهزمهم جيش الشام، واستطاع صلاح الدين أسر أحد قادة الجيش الصليبي عندما هاجم جناحه، وهو صاحب قيسارية.

    بعد هذا الانتصار، توجه أسد الدين إلى مدينة الإسكندرية المعروفة بكرهها لشاور، وفتحت له أبوابها. سرعان ما أعاد عموري الأول ملك بيت المقدس، وشاور ترتيب الجيش، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بهما فكان لا يزال جيشهما أكثر عددًا من جيش أسد الدين، وضربوا حصارًا قاسيًا على الإسكندرية. بدأت ملامح المجاعة تلوح في الأفق فقرر أسد الدين التسلل مع حامية إلى خارج الإسكندرية واستخلف صلاح الدين عليها، متوجهًا إلى مصر العليا أملاً بأن تلحق به جيوش عموري إلا أن شاور أشار بأهمية الإسكندرية، ليستمر الحصار عليها. ترى المصادر الصليبية أن أسد الدين تسلل من الإسكندرية لما ساءت الأمور فيها، وأنه أرسل في التفاوض على أن يخرج كلا الجيشين من مصر، وعلى ألا يعاقب أهالي الإسكندرية للدعم الذي قدموه. كان من أهم أسباب موافقة عموري على هذه الصفقة إغارة نور الدين زنكي على إمارة طرابلس، مما أدى إلى خوف عموري الأول على أراضيه في الشام. في حين ترى المصادر العربية أن أسد الدين افترق عن صلاح الدين مباشرة بعد الدخول إلى الإسكندرية، وراح يغير على صعيد مصر. حين اشتد الحصار على الإسكندرية تحرك نحوها، فلقفه الصليبيون في الصلح ووافق على ذلك على أن يخرج جيشا الفرنجة والشام من مصر. ليخرج جيش الشام من مصر في 29 شوال سنة 562 هـ، الموافق 18 أغسطس سنة 1167م.

    عاد أسد الدين من دمشق إلى مصر مرة ثالثة، وكان سبب ذلك أن الإفرنج جمعوا فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون مصر نظرًا لتخلف شاور عن دفع الإتاوة إلى الحامية الصليبية الموجودة في مصر، إضافة إلى وجود شائعات تفيد بأن الكامل بن شاور تقدم للزواج من أخت صلاح الدين. فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين في الشام لم يسعهما الصبر فسارعا إلى مصر، أما نور الدين فبالمال والجيش ولم يمكنه المسير بنفسه للتصدي لأي محاولة من قبل الإفرنج، وأما أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله، وسار الجيش. وكان شاور لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر، سيّر إلى أسد الدين في دمشق يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعًا وكان وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة 564 هـ، ولما علم الملك عموري الأول بوصول أسد الدين على رأس الجيش من دمشق إلى مصر قرر مباغتته عند السويس، لكن أسد الدين أدرك ذلك فاتجه نحو الجنوب متجاوزًا الصليبيين. فما كان من عموري إلا الجلاء عن أرض مصر في 2 يناير سنة 1169م، ليدخل أسد الدين القاهرة في 7 ربيع الآخر سنة 564 هـ، الموافق فيه 8 يناير سنة 1169م، وأقام أسد الدين بها يتردد إليه شاور في الأحيان وكان وعدهم بمال في مقابل ما خسروه من النفقة فلم يوصل إليهم شيئا، وعلم أسد الدين أن شاور يلعب به تارة وبالإفرنج أخرى، وتحقق أنه لا سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج إليه، وفي 17 ربيع الآخر، الموافق فيه 18 يناير، ألقي القبض على شاور وأصدر الخليفة الفاطمي، العاضد لدين الله، أمرًا بقتله وعيّن أسد الدين كوزير.

    تأسيس الدولة في مصر

    تولّي الوزارة وإسقاط الدولة الفاطمية

    كانت مصر قبل قدوم صلاح الدين مقر الدولة الفاطمية، ولم يكن للخليفة الفاطمي بحلول ذلك الوقت سوى الدعاء على المنابر، وكانت الأمور كلها بيد الوزراء، وكان وزير الدولة هو صاحب الأمر والنهي، لذا أصبح أسد الدين شيركوه هو الرجل الأول في البلاد، ودام على هذا الحال وصلاح الدين يُباشر الأمور مقررًا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته طيلة شهرين من الزمن، عندما توفي أسد الدين، أسند الخليفة الفاطمي الوزارة لصلاح الدين. يذكر المؤرخون، وفي مقدمتهم عماد الدين الأصفهاني، أنه بعد وفاة شيركوه وانقضاء مدة الحداد، طالب الزنكيون، أمراء دمشق، طالبوا الخليفة الفاطمي بل ضغطوا عليه حتى يجعل صلاح الدين وزيرًا له، وقد قبل الخليفة ذلك على الرغم من المنافسة الحادة التي كانت الدويلات الإسلامية تشهدها في تلك الفترة من الزمن، للسيطرة على الأراضي العربية، لشدة ضعف الدولة الفاطمية وقوّة الزنكيين وشعبيتهم، وشعبية صلاح الدين نفسه بين الناس وأمراء الشام، بعد ما أظهره من حسن القيادة والتدبير في المعارك. على الرغم من هذا التأييد، لم يمرّ تولّي صلاح الدين وزارة مصر بسلام، فقد تعرّض بعد بضعة أشهر من توليه لمحاولة اغتيال من قبل بعض الجنود والأمراء الفاطميين، وتبيّن أن المحرّض الرئيسي على هذا كان مؤتمن الخليفة الفاطمي وكان خصيًا بقصر العاضد لدين الله، وكان هذا الخصي يتطلع إلى الحكم فيه والتقدم على من يحويه فقُبض عليه وأُعدم، فحاك أرباب المصالح مؤامرة أخرى، حيث ملأوا صدور 50,000 جندي من فوج الزنوج بالحقد والكره، وثاروا حميّةً على الوزير الجديد في القاهرة، لكنه استطاع أن يقمعهم ويكسر شوكتهم، وكانت تلك آخر انتفاضة ضد صلاح الدين تقع في المدينة.

    بعد سقوط مصر في أيدي الزنكيين، بعث الملك عموري رسله لإرسال حملة صليبية جديدة شارحًا خطورة الأمر والتغير في ميزان القوى في المنطقة، فاستجاب البابا ألكسندر الثالث وبعث رسائل إلى ملوك أوروبا، لكنها لم تجد أذنًا صاغية. في حين نجح الرسول المرسل إلى القسطنطينية بسبب إدراك الإمبراطور عمانوئيل كومنينوس اختلال توازن القوى في المنطقة. فعرض تعاون الأسطول الإمبراطوري مع حملة عموري الأول، الذي وجد الفرصة مناسبة بسبب انشغال الملك نور الدين زنكي في مشاكله الداخلية، إضافة إلى وفاة أسد الدين شيركوه وتعيين صلاح الدين خلفًا له والذي كان الملك عموري يراه شخصًا غير محنك.

    استعد صلاح الدين استعدادًا جيدًا، فقد استطاع التخلص من حرس قصر الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله واستبداله بحرس موالين له. وكان ذلك لتأخر الحملة الصليبية ثلاث أشهر منذ انطلاقها في 13 شوال سنة 564 هـ، الموافق فيه 10 يوليو سنة 1169م، بسبب عدم حماسة الأمراء والبارونات الصليبيين للمعركة بعد المعارك الأخيرة التي هُزموا فيها، استهل الصليبيون حملتهم بحصار مدينة دمياط في 1 صفر سنة 565 هـ، الموافق فيه 25 أكتوبر سنة 1169م، فأرسل صلاح الدين قواته بقيادة شهاب الدين محمود وابن أخيه تقي الدين عمر، وأرسل إلى نور الدين زنكي يشكو ما هم فيه من المخافة ويقول:، وقال نور الدين في ذلك:. فسار نور الدين إلى الإمارات الصليبية في بلاد الشام وقام بشن الغارات على حصون الصليبيين ليخفف الضغط عن مصر. وأدت حامية دمياط دورًا رئيسًا في الدفاع عن المدينة وألقت سلسلة ضخمة عبر النهر، منعت وصول سفن الروم إليها، وهطلت أمطار غزيرة حولت المعسكر الصليبي إلى مستنقع فتهيأوا للعودة وغادروا دمياط بعد حصار دام خمسين يومًا، بعد أن أحرقوا جميع أدوات الحصار. وعندما أبحر الأسطول البيزنطي، هبت عاصفة عنيفة، لم يتمكن البحارة - الذين كادوا أن يهلكوا جوعًا - من السيطرة على سفنهم فغرق معظمهم.

    لاحق صلاح الدين وجيشه فلول الجيش الصليبي المنسحب شمالاً حتى اشتبك معهم في مدينة دير البلح سنة 1170م، فخرج الملك عموري الأول وحاميته من فرسان الهيكل من مدينة غزة لقتال صلاح الدين، لكن الأخير استطاع تفادي الجيش الصليبي وحوّل مسيرته إلى غزة نفسها حيث دمّر البلدة التي بناها الصليبيون خارج أسوار المدينة. تفيد بعض الوثائق أنه خلال هذه الفترة، فتح صلاح الدين قلعة إيلات التي بناها الصليبيون على جزيرة صغيرة في خليج العقبة في 10 ربيع الآخر 566 هـ، على الرغم من أنها لم تمثل تهديدًا للبحرية الإسلامية، إلا أن فرسانها كانوا يتعرضون في بعض الأحيان للسفن والقوارب التجارية الصغيرة.

    ثبّت الزنكيون أقدامهم في مصر بعد هذا الانتصار، وأصبح من الواضح أن الدولة الفاطمية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين طالبًا إياه بإيقاف الدعاء إلى الخليفة الفاطمي والدعاء إلى الخليفة العباسي في مساجد مصر. لم يرغب صلاح الدين الامتثال لهذا الأمر خوفًا من النفوذ الشيعي في مصر، وأخذ يراوغ في تأخير الأمر، إلا أن نور الدين هدد صلاح الدين بالحضور شخصيًا إلى القاهرة. فاتخذ صلاح الدين الإجراءات الشرطية اللازمة، لكن لم يتجرأ أحد على القيام بذلك، إلى أن جاء شيخ سني من الموصل زائرا وقام في المسجد الأزهر وخطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله في أول جمعة من سنة 567 هـ، الموافق في شهر سبتمبر من سنة 1171م، لتحذو القاهرة كلها حذوه، في الوقت الذي كان فيه العاضد لدين الله على فراش الموت مريضًا، ولم يلبث العاضد طويلاً حتى فارق الحياة، فأصبح صلاح الدين الحاكم الفعلي في مصر، ليس لأحدٍ فيها كلمة سواه، ونقل أسرته ووالده نجم الدين إليها ليكونوا له أعوانًا مخلصين، وبهذا زالت الدولة الفاطمية تمامًا بعد أن استمرت 262 سنة.

    سلطان مصر

    أخذ صلاح الدين يقوّي مركزه في مصر بعد زوال الدولة الفاطمية، ويسعى من أجل الاستقلال بها، فعمل على كسب محبة المصريين، وأسند مناصب الدولة إلى أنصاره وأقربائه، وعزل قضاة الشيعة واستبدلهم بقضاة شافعيين، وألغى مجالس الدعوة وأزال أصول المذهب الشيعي الإسماعيلي، ثم أبطل الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، وأمر في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة 565 هـ، الموافقة سنة 1169م، بأن يذكر في خطبة الجمعة الخلفاء الراشدون جميعًا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، كما أسس مدرستين كبيرتين في الفسطاط هما المدرسة الناصرية، والمدرسة الكاملية حتى يُثبّت مذهب أهل السنة في البلاد، وكانت هاتان المدرستان تُلقنان علوم الشريعة وفق المذهبين المالكي والشافعي.

    وتخوّف نور الدين زنكي من تزايد قوة تابعه صلاح الدين، وكانت العلاقة بينهما على فتور أصلاً منذ أن تولّى صلاح الدين الحكم في مصر. بدأ هذا التوتر في العلاقة يظهر عندما تأخر صلاح الدين في الخطبة للخليفة العباسي في بغداد، حتى هدده نور الدين بالمسير إليه، وظهر أيضًا عندما أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال: «أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد البلاد». وازداد الخلاف بينهما في سنة 567 هـ، الموافقة سنة 1172م، حتى أصبح وحشةً، وذلك عندما اتفقا على حصار قلعتيّ الكرك ومدينة الشوبك في صحراء الأردن، ورجع صلاح الدين إلى مصر، قبل أن يلتقي بنور الدين، خوفًا من أن يعزله الأخير عن مصر، وأن تؤدي السيطرة على القلعتين إلى فتح الطريق أمام نور الدين إلى القاهرة، فانسحب صلاح الدين متذرعًا بالأوضاع الخطيرة في مصر، فعظم الأمر على نور الدين، حتى قرر المسير إلى مصر. لما علم صلاح الدين بذلك جمع مقربيه وشاورهم بالأمر فمنهم من نصح بمقاتلة نور الدين إلا أن والده وخاله منعوه من ذلك وطالبه والده بإرسال رسائل الاعتذار والتبرير لنور الدين،

    لكن نور الدين لم يقتنع بأي من تلك التبريرات، وعزم على تسيير حملة إلى مصر لخلع صلاح الدين في أقرب فرصة متاحة.

    وفي صيف سنة 1172م، وردت أنباء تفيد بأن جيشًا من النوبيين ترافقه عناصر أرمنيّة قد بلغ حدود مصر ويُحضّر لحصار أسوان، فطلب أميرها المعونة العسكرية من صلاح الدين، فأرسل إليه تعزيزات بقيادة شقيقه الأكبر، توران شاه، أرغمت النوبيين على الانسحاب. عاد الجيش النوبي إلى مصر في سنة 1173م، لكنه رُدّ على أعقابه في هذه المرة أيضًا، بل تعقبه الجيش الأيوبي حتى بلاد النوبة، وفتح بلدة قصر إبريم. وفي ذلك الوقت، كان نور الدين زنكي لم يتخذ أي خطوة عسكرية تجاه صلاح الدين بعد، لكنه طالبه بإعادة مبلغ 200,000 دينار كان نور الدين قد خصصه لتمويل حملة أسد الدين شيركوه التي نجحت في فتح البلاد والقضاء على النفوذ الصليبي والفاطمي فيها، فدفع صلاح الدين 60,000 دينار، وأرفقها بحمل من أفضل البضائع وبعض الجواهر، إضافة لحصان عربي أصيل، وفيل، واعتبر ذلك وفاءً للدين. استغل صلاح الدين فرصة مروره في الأراضي الشامية الصليبية لتوصيل الأموال والهدايا إلى دمشق، وأغار على بعض معاقل البدو في الصحراء ليحرم الصليبيين من فرصة الاستعانة بمقتفي الأثر أو أدلاء محليين يرشدونهم في حال قرروا مهاجمة مصر أو الأراضي الإسلامية المجاورة لهم، وجرى بينه وبين الإفرنج عدّة وقعات. وفي أثناء وجود صلاح الدين في الشام، أصيب والده نجم الدين أيوب بحادث أثناء امتطائه جواده، وتوفي في 27 ذي الحجة 568 هـ، بعد أيام قليلة قبل وصول صلاح الدين إلى مصر. وفي سنة 1174م، الموافقة سنة 569 هـ، بلغ صلاح الدين أن رجلاً باليمن استولى عليها، وملك حصونها يسمى عبد النبي بن مهدي، ولمّا تبيّن له قوّة جيشه وكثرة جنوده، سيّر صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه إلى اليمن، فقتل ابن مهدي، وأخذ البلاد منه، عندئذ أعلنت الحجاز انضمامها إلى مصر أيضًا.

    أخذ نور الدين زنكي يجمع جيشًا ضخمًا في ربيع سنة 1174م، في محاولة لخلع صلاح الدين في مصر على ما يبدو، فأرسل رسلاً إلى الموصل وديار بكر والجزيرة الفراتية يحثون الرجال ويدعونهم للجهاد، غير أن تلك الحملة لم يُكتب لها أن تتم، إذ وقع نور الدين في أوائل شوال من سنة 569 هـ، الموافقة في شهر مايو من سنة 1174م بالذبحة الصدرية وبقي على فراش المرض أحد عشر يوما ليتوفى في 11 شوال سنة 569 هـ، الموافق فيه 15 مايو سنة 1174م، وهو في التاسعة والخمسين من عمره، وبوفاة نور الدين، استحال صلاح الدين سيد مصر الأوحد بشكل فعليّ، حيث استقل عن كل تبعية سياسية، ويُقال أنه أقسم آنذاك أن يُصبح سيفًا مسلولاً على أعدائه وأعداء الإسلام، وأصبح هو رأس أقوى سلالة حاكمة إسلامية في ذلك العهد، هي السلالة الأيوبية، لذا جرت عادة المؤرخين على تسمية المناطق التي خضعت لسلطانه وسلطان تابعيه بالدولة الأيوبية.

    ضم الشام

    فتح دمشق

    كان نور الدين زنكي قد استخلف ولده الملك الصالح إسماعيل ذي الأحد عشر ربيعًا، أميرًا على دمشق، وبعد أن توفي نور الدين كان أمام صلاح الدين خياران أحلاهما مرّ: إما أن يُهاجم الممالك الصليبية من مصر ويتركها مفتوحة وعرضة لهجمات بحرية أوروبية وبيزنطية، أو أن ينتظر حتى يستنجد به الملك الصالح خصوصًا وأنه ما زال صبيًا لا يستقل بالأمر ولا ينهض بأعباء الملك، كذلك كان أمام صلاح الدين خيار حاسم، وهو أن يدخل دمشق ويسيطر عليها ويتولى شؤون البلاد بنفسه، ويُحضرها لقتال الصليبيين، غير أنه تردد في إتيان الخيار الأخير، بما أنه قد يُنظر إليه حينها أنه قد شق عصا الطاعة ونكر المعروف والاحترام المتبادل والثقة التي منحه إياها نور الدين زنكي عندما ولاّه قيادة الجيوش بعد وفاة أسد الدين شيركوه، وساعده على تمكين منصبه في مصر، وعندها قد لا ينظر إليه الجنود والناس أنه جدير بقيادة جيش المسلمين. لذا فضّل صلاح الدين انتظار دعوة من الملك الصالح، أو أن ينذره بنفسه من احتمال تصاعد الخطر الصليبي على دمشق.

    واختلفت الأحوال بالشام، فنُقل الصالح إسماعيل إلى حلب وعُين سعد الدولة كمشتكين، أمير المدينة وكبير قدامى الجنود الزنكيين، وصيًا عليه حتى يبلغ أشدّه، وسرعان ما طمع كمشتكين بتوسيع رقعة نفوذه حتى تشمل باقي مدن الشام الداخلية والجزيرة الفراتية، وقرر فتح دمشق، فراسل أمير المدينة، شمس الدين بن المقدم سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود أمير الموصل وابن عم الملك الصالح إسماعيل، طالبًا منه التدخل للمساعدة، لكنه رفض، فكاتب شمس الدين بن المقدم صلاح الدين، فتجهز من مصر في جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق مظهرًا أنه يتولى مصالح الملك الصالح. تكوّن جيش صلاح الدين من 700 خيّال، عبر بهم الكرك وصولاً إلى بصرى، وفي أثناء الطريق انضمت إلى الجيش جموع من الكرد والعرب من أمراء وأحرار وبدو «سيماهم في وجوههم» كما ورد على لسان صلاح الدين. دخل الجيش دمشق في شهر ربيع الأول من عام 570 هـ، الموافق فيه شهر نوفمبر من سنة 1174م، وأول ما دخل صلاح الدين كان دار أبيه وهي الدار المعروفة بالشريف العقيقي، واجتمع الناس إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالاً جليلاً وأظهر السرور بالدمشقيين، وصعد القلعة وتسلمها من نائب القلعة الطواشي جمال الدين ريحان بعد 4 أيام من وصوله.

    فتوحات الشام الداخلية

    استناب صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين على دمشق قبل انطلاقه لضم باقي مدن الشام الداخلية التي استحالت مستقلة عن أي تبعيّة بحكم الأمر الواقع بعد وفاة نور الدين زنكي، فغنم حماة بسهولة، وعدل عن حصار مدينة حمص لمناعة أسوارها، ثم حوّل أنظاره نحو حلب وهاجمها بعد أن رفض أميرها «كمشتكين» الخضوع، وخرج الصالح إسماعيل إلى الناس وجعل يُخاطبهم ويحثهم ألاّ يسلموا المدينة إلى جيش غاز، وقد قال أحد المؤرخين الأيوبيين أن كلمات الصالح إسماعيل أمام الناس كانت «كأثر سحر ساحر» على السكان.

    راسل كمشتكين شيخ الحشاشين المدعو رشيد الدين سنان، الذي كان على خلاف مع صلاح الدين ويمقته مقتًا شديدًا بعد أن أسقط الدولة الفاطمية، واتفق معه على أن يقتل صلاح الدين في قلب معسكره، فأرسل كتيبة مكونة من ثلاثة عشر حشاشًا استطاعت التغلغل في المعسكر والتوجه نحو خيمة صلاح الدين، إلا أن أمرهم انفضح قبل أن يشرعوا بالهجوم، فقُتل أحدهم على يد أحد القادة، وصُرع الباقون أثناء محاولتهم الهرب.

    وفي أثناء ذلك، تحرّك ريموند الثالث صاحب طرابلس لمهاجمة حمص، وحشد جيشه بالقرب من النهر الكبير الجنوبي، على الحدود اللبنانية السورية الشمالية حاليًا، لكنه سرعان ما تراجع عن تحقيق هدفه، لمّا بلغه أن صلاح الدين قد أرسل فرقة عسكرية كبيرة مجهزة بالعتاد اللازم لتنضم إلى حامية المدينة. وفي غضون هذا الوقت كان أعداء صلاح الدين في الشام والجزيرة الفراتية يطلقون حملات مضادة له ويهاجمونه كلّما سنحت الفرصة، فقالوا أنه نسي أصله، فهو ليس سوى خادم للملك العادل نور الدين زنكي، بل خادم ناكر للمعروف لا يؤتمن على شيء، خان سيده ومولاه ونفى ولده من بلاد أبيه إلى بلاد أخرى، وجعل يُحاصرها بعد ذلك. فردّ صلاح الدين على تلك الحملات الشرسة قائلاً أنه لم يُحاصر حلب ولم يحضر إلى الشام منذ البداية إلا لحماية دار الإسلام والمسلمين من الجيوش الصليبية، وليستعيد ما سُلب من الأراضي المقدسة، وإن هذه مهمة لا يمكن أن يتولاها صبي لم يبلغ أشدّه بعد، ويسهل أن يتلاعب به أصحابُ النفوس الخبيثة. وليُطمئن الناس أكثر، سار صلاح الدين على رأس جيشه إلى حماة ليُقاتل فرقة صليبية أُرسلت لفتح المدينة، إلا أن الصليبيين انسحبوا قبل اللقاء بعد أن بلغهم حجم الجيش الأيوبي، فدخل صلاح الدين المدينة بسهولة، وتسلّم قلعتها في شهر مارس من سنة 1175م، بعد مقاومة عنيفة من حاميتها.

    علم سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل أن صلاح الدين قد استفحل أمره وعظم شأنه بعد هذه الأحداث، وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأنفذ عسكرًا وافرًا وجيشًا عظيمًا وقدّم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد، فلما بلغ صلاح الدين ذلك فك الحصار عن حلب في مستهل رجب من السنة عائدًا إلى حماة استعدادًا للقائهم. وعندما وصل عز الدين مسعود إلى حلب، انضم إلى جيشه عسكر ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، وخرجوا في جمع عظيم، فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه، ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما نالوا به غرضهم، والتقى الجمعان عند قرون حماة قرب نهر العاصي، ووقعت بينهما معركة عظيمة هزم فيها الزنكيون على يد صلاح الدين، وأُسرت جماعة منهم، وذلك في التاسع عشر من شهر رمضان من سنة 570 هـ، الموافقة 23 أبريل من سنة 1175م، ثم سار صلاح الدين عقيب انتصاره ونزل على حلب مرة أخرى، فصالحه الزنكيون على أخذ معرة النعمان وكفرطاب وبارين.

    أعلن صلاح الدين نفسه ملكًا على البلاد التي افتتحها بعد انتصاره على الزنكيين، وخطب له أئمة المساجد يوم الجمعة باسم «الملك الناصر»، وضُربت الدنانير الذهبية في القاهرة باسمه، وعضّد مُلكه بالزواج من أرملة نور الدين زنكي المدعوة عصمة الدين خاتون. وسرعان ما أصبحت سيادة صلاح الدين على البلاد سيادة مشروعة عندما أسند الخليفة العباسي في بغداد إليه السلطة على مصر والمغرب الأدنى والنوبة والحجاز وتهامة وفلسطين وسوريا الوسطى، وخلع عليه لقب «سلطان مصر والشام».

    استمرت الحرب بين الأيوبيين والزنكيين على الرغم من انتصار صلاح الدين في حماة، وحدثت الموقعة الأخيرة بينهما في صيف سنة 1176م. كان صلاح الدين قد أحضر جيوشه من مصر استعدادًا للقاء الحاسم، وجنَّد سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود الرجال في المناطق التي ما زال يسيطر عليها، في ديار بكر وقرى وبلدات الجزيرة الفراتية. عبر الأيوبيون نهر العاصي متجهين شمالاً حتى وصلوا تل السلطان على بعد 24 كيلومترًا (15 ميلاً) من حلب، حيث قابلوا الجيش الزنكي، فاشتبك الجيشان في معركة ضارية، واستطاع الزنكيون دحر ميسرة الجيش الأيوبي، فاندفع صلاح الدين بنفسه تجاه حرّاس سيف الدين غازي وأعمل فيهم السيف، فتشجع الأيوبيون واندفعوا يمزقون صفوف الجيش الزنكي، فذُعر الزنكيون وأخذوا يتقهقرون تاركين في ساحة المعركة الكثير من القتلى، كاد سيف الدين أن يكون من ضمنهم. قُتل في المعركة العديد من ضبّاط الجيش الزنكي وأُسر بعضهم الآخر، وغنم الأيوبيون معسكر الزنكيين بما فيه من خيام وأمتعة وخيول وأسلحة، وعامل صلاح الدين الأسرى معاملة كريمة، فمنحهم هدايا وأطلق سراحهم، ثم وزّع غنائم المعركة كلها على جنوده، ولم يحتفظ بشيء لنفسه.

    سار صلاح الدين بعد انتصاره ليعاود حصار مدينة حلب، وفي أثناء سيره فتح الجيش الأيوبي حصن بزاعة وحصن منبج، ومن ثم توجّه غربًا لإخضاع حصن أعزاز، وعندما ضرب الجيش الحصار على الحصن، اقتحم بعض الحشاشين المندسين المعسكر واستطاع أحدهم الوصول إلى خيمة صلاح الدين وضربه بسكين على رأسه، فحمته الخوذة غير أن السكين مرت على خده وجرحته جرحًا هينًا، واستطاع إمساك الحشاش، فصارعه الأخير أرضًا وحاول نحره، لكن صلاح الدين تمكن منه، وأعانه عليه وعلى رفاقه الجنود الأيوبيون وأقاربه وقتلوهم جميعًا. كان لمحاولة الاغتيال هذه أثر كبير على صلاح الدين، فقد عزم على القضاء على كمشتكين أمير حلب، الذي سبق وتواطأ مع الحشاشين لقتل صلاح الدين، وأصبح شديد الحذر لا يُقابل إلا من يعرفه. يقول أبو شامة المقدسي في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين:

    بعد أن تمّ النصر وافتتح حصن أعزاز في ذي الحجة من سنة 571 هـ، حوّل صلاح الدين أنظاره ناحية حلب وضرب الحصار عليها كي يقتصّ من الأمير كمشتكين، فقاومته الحامية مقاومة شديدة مرة أخرى، ففشل في اقتحام المدينة، غير أنه تمكن من فرض هدنة على كمشتكين والملك الصالح إسماعيل وأبرم حلفًا معهما، وجاء في نص الهدنة أن يحتفظ الزنكيون بمدينة حلب مقابل اعترافهم بسلطان صلاح الدين على كامل الأراضي التي أخضعها، وسرعان ما اعترف أمراء ماردين وجوارها بسيادة صلاح الدين وبملكه على الشام. وعندما انتهت الهدنة أرسل الملك الصالح شقيقته الصغرى الخاتون بنت نور الدين إلى صلاح الدين مطالبة إياه بإعادة حصن أعزاز إلى الزنكيين، فاستجاب لطلبها ورافقها بنفسه حتى بوابة حلب محملة بهدايا كثيرة.

    الحملة على الحشاشين

    بعد أن تحالف صلاح الدين مع الزنكيين وأبرم معاهدة سلام مع مملكة بيت المقدس، لم يبق له من خطر يهدد دولته إلا طائفة الحشاشين بقيادة شيخ الجبل راشد الدين سنان بن سلمان بن محمد، كانت هذه الطائفة تتبع طريقة الاغتيال المنظم للتخلص من أعدائها ومنافسيها. وكان الحشاشون يمتنعون في سلسلة من القلاع والحصون في عدد من المواقع المشرفة الشاهقة في جبال النصيرية، ولمّا عزم صلاح الدين على إبادة طائفتهم وكسر شوكتهم، أرسل بعض الفرق العسكرية إلى جبالهم، وأعاد ما تبقى من جنود إلى مصر، وتولّى صلاح الدين قيادة الجيش بنفسه، وضرب الحصار على جميع قلاع الحشاشين خلال شهر أغسطس من عام 1176م، لكنه لم يتمكن من فتح أي منها، ففك الحصار وانسحب بجيشه مدمرًا كل المعاقل غير الحصينة التابعة لتلك الطائفة أثناء سيره. بينما ذكر ابن كثير وابن الأثير أن صلاح الدين حاصر حصنهم مصياف وقتل منهم وسبى ثم شفع فيهم خاله شهاب الدين محمود بن يكش، فقبل شفاعته فصالح الحشاشين، ثم كرّ راجعًا إلى دمشق. غير أن بعض المخطوطات العائدة لراشد الدين سنان نصّت على أن صلاح الدين انسحب خوفًا على حياته، وإنه كان ينثر الرماد وغبار الطبشور حول خيمته ليلاً عندما حاصر قلعة مصياف، ليعرف ما إذا كان الحشاشون يأتون ليلاً بالقرب منه، وجعل كل حارس من حرّاسه يحمل سراجًا مضيئًا.

    أما بالنسبة لرواية صلاح الدين نفسه، فقد قال فيها أن حرّاسه لاحظوا لمعان معدن على إحدى تلال مصياف ذات ليلة، ومن ثم اختفى بين خيم الجنود، وأفاد صلاح الدين أنه استيقظ من نومه ليرى شخصًا يخرج من الخيمة، وكانت المصابيح فيها قد بُعثرت وبقرب سريره عثر على كعك مرقق، وهي العلامة المميزة للحشاشين، وفي أعلى الخيمة وجد رسالة معلقة بخنجر مسموم كُتب فيها تهديد له إن لم يغادر الجبال فسوف يُقتل. عندئذ صاح صلاح الدين أن سنانًا كان في خيمته وغادرها، وقد جعلته هذه التجربة يُدرك عجزه قتال الحشاشين وإفنائهم بسرعة، فطلب من جنوده أن يراسلوهم كي يُبرم حلفًا معهم، فيكون بهذا قد حقق انتصارًا آخر، ألا وهو حرمان الصليبيين من حليف مهم.

    العودة إلى مصر والغزوات في فلسطين

    انسحب صلاح الدين من جبال النصيرية بعد أن لم يتمكن من فتح قلاعها عائدًا إلى دمشق، وسرّح جنوده الشوام وجعلهم يعودون إلى منازلهم للراحة والاستعداد للحروب القادمة، ثم رحل عن المدينة برفقة حرسه فقط قاصدًا مصر، فوصل القاهرة بعد نحو شهر. كان على صلاح الدين تنظيم كثير من الأمور في الديار المصرية بعدما غاب عنها نحو سنتين قضاها في معارك متواصلة في الشام، وفي مقدمة هذه الأمور تحصين القاهرة وإعادة بناء أقسامها المهدمة، فأقدم على إصلاح أسوارها وإمداد المزيد منها، كذلك شرع في بناء قلعة القاهرة سنة 573 هـ، التي عُرفت فيما بعد بقلعة صلاح الدين والتي أشرف على بنائها بهاء الدين قراقوش، وبئر يوسف البالغ من العمق 85 مترًا (280 قدمًا). ومن أعمال صلاح الدين الأخرى بناء جسر ضخم في الجيزة ليُشكل إحدى خطوط الدفاع الأوليّة ضد غزو مغربي محتمل.

    بقي صلاح الدين في القاهرة يُشرف على الأعمال العمرانية فيها، فبنى إلى جانب المباني العسكرية بضعة مدارس لنشر العلم، وتابع إدارة البلاد الداخلية بنفسه، واهتم بالمؤسسات الاجتماعية التي تساعد الناس وتخفف عنهم عناء الحياة، وتعهد بالإنفاق على الفقراء والغرباء الذين يلجؤون للمساجد للعيش فيها، وجعل من مسجد أحمد بن طولون في القاهرة مأوى للغرباء الذين يقدمون مصر من بلاد المغرب.

    وفي شهر جمادى الآخر سنة 573 هـ الموافق فيه نوفمبر من سنة 1177م أغار الصليبيون على ضواحي دمشق، فاعتبر صلاح الدين أن الهدنة مع مملكة بيت المقدس قد نُقضت وانتهى أمرها، وجمع الرجال وسار إلى فلسطين ليُغير على بعض المواقع الصليبية، فما كان من الصليبيين إلا أن أرسلوا جزءًا كبيرًا من جيشهم إلى مدينة حارم جنوب حلب ليحولوا انتباهه إلى تلك الأنحاء، لكن صلاح الدين استمر بغاراته على بعض المواقع الثانوية في فلسطين بعدما فرغت من الرجال الذين أرسلوا مع الجيش الصليبي شمالاً ثم توجّه إلى عسقلان، التي قال عنها إنها «عروس الشام» بعد أن رأى الوضع مؤاتيًا لهكذا تحرّك. يقول المؤرخ الصليبي وليم الصوري أن الجيش الأيوبي تكوّن من 26,000 جندي، 8,000 منهم كانوا يشكلون النخبة، و18,000 كانوا أرقاء زنوجًا من السودان. واصل صلاح الدين يغزو المواقع الصليبية الثانوية الواحد تلو الآخر، فهاجم الرملة واللد، وبلغ بوّابات القدس.

    الحرب والهدنة مع بلدوين الرابع

    تحرّك ملك بيت المقدس الشاب بلدوين الرابع بن عموري «الأبرص» أثناء وجود صلاح الدين على مشارف القدس، وسار بجمع فرسان الهيكل من مدينة غزة ودخل عسقلان. وصلت هذه الأنباء إلى صلاح الدين فعاد بقسم من جيشه إلى ضواحي المدينة، لكنه تردد في مهاجمة الصليبيين -على الرغم من التفوق العددي للأيوبيين- بسبب وجود عدد من القادة المهرة المخضرمين في صفوفهم، وكان لهذا التردد أثره الكبير، إذ قام الصليبيون تحت قيادة الملك بلدوين وأرناط آل شاتيون صاحب الكرك بهجوم مفاجئ بتاريخ 25 نوفمبر من سنة 1177م، وأخذوا الأيوبيين على حين غرّة وهزموهم في تل الجزر بالقرب من الرملة. حاول صلاح الدين تنظيم صفوف الجيش وحشد الجنود مجددًا، لكنهم تشتتوا، وصُرع في المعركة جميع حرّاسه، فآثر الانسحاب إلى مصر وإنقاذ ما تبقى من العساكر

    استعد صلاح الدين لمنازلة الصليبيين مجددًا بعد عودته إلى مصر، فجمع الجند والعتاد اللازم، ولم تثبط الهزيمة في الرملة عزيمته، بل زادته إصرارًا على القتال. وفي ربيع سنة 1178م نزل الجيش الأيوبي قرب حمص، وحصلت بضعة مناوشات بينه وبين الجيش الصليبي، وفي شهر ربيع الأول سنة 574 هـ الموافق فيه شهر أغسطس سنة 1178م هاجمت فرق صليبية أخرى مدينة حماة والقرى المجاورة وقتلت بعض السكان، لكنها هُزمت على يد حامية المدينة وأُسر كثير من أفرادها، واقتيدوا إلى صلاح الدين الذي أمر بإعدامهم لكونهم «عاثوا فسادًا في أرض المؤمنين». أمضى صلاح الدين بقية العام في الشام دون أي يخوض معارك أخرى، لكن الحال لم يدم طويلاً على هذا النحو، فقد وصلت صلاح الدين أنباء مقلقة من جواسيسه تقول بأن الصليبيين يخططون لشن حملة عسكرية على سوريا الوسطى، فأمر ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب أن يقف على الجبهة الدمشقية ومعه ألف من الجنود استعدادًا لضبط أي هجوم، وألا يلتحم مع الصليبيين في قتال، وإن تقدموا إلى المدينة، فعليه الانسحاب وإضاءة المنارات المنصوبة على التلال المحيطة ليعلم صلاح الدين بمجيئهم فيتحرك لملاقاتهم بنفسه. وفي شهر ذي القعدة سنة 574 هـ الموافق فيه شهر أبريل من عام 1179م تقدم الصليبيون بقيادة الملك بلدوين نحو دمشق متوقعين مقاومة ضعيفة، وشرعوا في مهاجمة القرى والرعاة في مرتفعات الجولان، فتصدت لهم فرقة عسكرية أيوبية بقيادة فروخ شاه، ثم انسحبت من أمامهم، فتعقبوها حتى جنوب شرق القنيطرة حيث كان الجزء الرئيسي من الجيش الأيوبي منتظرًا، فوقعت معركة كان النصر فيها لصالح الأيوبيين. قام صلاح الدين بتعزيز قواته بعد هذا النصر، فطلب من أخيه الأصغر الملك العادل سيف الدين أبي بكر أن يُرسل إليه 1,500 فارس من مصر لينضموا إلى جيش الشام.

    بحلول صيف عام 1179م كان بلدوين الرابع قد أقام حصنًا حدوديًا سماه المؤرخون المسلمون «حصن مخاضة الأحزان» على الطريق المؤدية إلى دمشق ليؤمنها، وعزم على بناء جسر فوق نهر الأردن هو «معبر يعقوب» (يُعرف اليوم باسم جسر بنات يعقوب) ليصل الأراضي الصليبية بسهل بانياس الذي يفصل بين الإمارات الصليبية والأراضي الإسلامية. اعترض صلاح الدين على المشروع واعتبره عملاً عدائيًا تجاه المسلمين، وعرض على بلدوين 100,000 قطعة ذهبية مقابل تخليه عنه، لكن الأخير رفض التسوية، فعزم صلاح الدين على مهاجمة الحصن الحدودي وتدميره، ثم سار بجيشه وجعل مركزه بانياس. هرع الصليبيون للقاء المسلمين بعد تلك الخطوة، لكن جيشهم تشتت، فقد تلكأ المشاة في الخلف، واستمر صلاح الدين يستدرجهم بعيدًا حتى سنحت له الفرصة وتبين أن الجيش الصليبي منهك، فانقض عليه واشتبك الجيشان في معركة طاحنة انتصر فيها المسلمون، وأُسر كثير من كبار الفرسان الصليبيين، ثم تحرّك صلاح الدين صوب الحصن وضرب الحصار عليه، ودخله فاتحًا في 26 ربيع الأول سنة 575 هـ، الموافق فيه 30 أغسطس من سنة 1179م.

    وربيع سنة 1180م وبينما كان صلاح الدين في صفد يُحضّر لغزو بيت المقدس، راسله الملك بلدوين يعرض الهدنة فوافق، والواقع أن القحط في ذلك العام كان دافعًا أساسيًا لكلا الرجلين لإيقاف القتال، حيث ذبلت المحاصيل ولم ينضج منها إلا القليل، فقلّت مؤن الجيشين الصليبي والأيوبي، وأصبح يتعذر على أي منهما ضرب حصار على قلعة أو مدينة تابعة للآخر دون المجازفة بحدوث مجاعة في صفوفه. رفض ريموند الثالث صاحب طرابلس الالتزام بالهدنة بادئ الأمر وأصرّ على القتال، لكنه سرعان ما رضخ بعدما أغار الجيش الأيوبي على إمارته في شهر مايو، وظهر الأسطول الإسلامي بالقرب من مرفأ طرطوس مهددًا بالهجوم.

    القضايا المحلية

    كان صلاح الدين قد حاول التقرّب من أمير حصن كيفا المدعو نور الدين محمد الأرتقيّوني، عندما عرض التوسط بينه وبين عز الدين قلج أرسلان بن مسعود، سلطان سلاجقة الروم، لإنهاء خلاف قائم، حيث كان الأخير قد طالب نور الدين بإعادة بعض الأراضي التي حصل عليها كهدية زفاف بعد زواجه من ابنته، ثم تبيّن أنه يُسيئ معاملتها وأن هدفه من ذلك الزواج لم يكن سوى السيطرة على مزيد من المناطق فحسب، وقد قبل نور الدين وساطة السلطان الأيوبي بينما رفضها قلج أرسلان. وفي شهر يونيو من سنة 1180م، استقبل صلاح الدين الأمير نور الدين محمد وأخاه أبو بكر في محاولة لكسب الود وتوطيد العلاقات مع الأرتقيون تمهيدًا لأي مجابهة يُحتمل وقوعها بين الأيوبيين وأمراء الموصل والأناضول والملوك الصليبيين، وأرفق كلا الأميرين بهدايا قيل بأن قيمتها تخطت 100,000 دينار. بعد هذا اللقاء، راسل السلطان قلج أرسلان صلاح الدين معلنًا قبوله الوساطة ودخوله في الحلف الأيوبي الأرتقيّوني، فابتهج صلاح الدين لهذا الخبر لما تضمنه من بشائر إعادة توحيد الأراضي الإسلامية، لكن فرحه سرعان ما تحوّل إلى غضب عارم، عندما وصلته رسالة من أرسلان يقول فيها أن نور الدين عاد ليُسيئ معاملة زوجته ابنة سلطان آل سلجوق، فهدد صلاح الدين بالمسير إلى ملطية عاصمة نور الدين ليؤدبه بنفسه ولينهي الخلاف القائم بين حاكمين مسلمين في وقت كان المسلمون فيه بأشد الحاجة لأن يتوحدوا، وفي واقع الأمر فإن صلاح الدين لم يرغب بالمسير إلى نور الدين محمد، ذلك أنه تحالف معه ولم يعد يستطيع أن ينقض هذا الحلف، وفي الوقت نفسه كان للسلطان قلج أرسلان كامل الحق في الخوف على ابنته والدفاع عنها ومنع استغلالها لغايات سياسية، فجاء خطاب صلاح الدين حادًا في سبيل إخافة نور الدين وحثه على الخضوع. ولمّا تبيّن لنور الدين محمد أنه لا يقدر على الجيش الأيوبي، خضع لأوامر صلاح الدين وعز الدين قلج أرسلان، ووافق على أن يُرسل امرأته إلى أبيها طيلة سنة من الزمن، خصوصًا بعد أن جاء في رسالة بعثها إليه صلاح الدين، أنه إن خرق هذا الاتفاق فسوف ينقض صلاح الدين الاتفاقية بينهما.

    عاد صلاح الدين إلى القاهرة بداية عام 1181م وترك فروخ شاه ليتولّى شؤون الشام أثناء غيابه؛ يقول أبو شامة المقدسي أن صلاح الدين كان ينوي تمضية شهر رمضان في مصر ذلك العام، ومن ثم يذهب للحج في مكة، لكن لأسباب غير واضحة عدل عن حج البيت الحرام، وشوهد في شهر يونيو وهو يتفقد ضفاف النيل. وفي تلك الفترة حدثت بينه وبين البدو بعض الإشكالات، إذ اتهم بعضهم بالإتجار مع الصليبيين، فصادر محاصيلهم وأرغمهم على مغادرة شرق مصر والسكن في غربها، واستولى على ثلثيّ الأراضي التابعة للإقطاعيين منهم وأعطاها لإقطاعيي الفيوم ليعوضهم عن أراضيهم الخاصة التي هدف أن يجعلها ملكًا عامًا للدولة، كما حوّل بعض السفن الحربية على قراصنة الأنهار من البدو الذين كانوا يغيرون على المزارع والقرى المجاورة للنيل وفروعه.

    في صيف سنة 1181م، قاد أخو صلاح الدين سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب، في فرقة عسكرية لاعتقال نائب توران شاه في بلدة زبيد باليمن، حطان بن كامل بن منقذ الكناني الكلبي، لاختلاس العوائد المالية للبلدة التي يتولّى أمورها، غير أن صلاح الدين قال أنه ليس هناك من دليل يفيد بصحة ما قيل، وأمر بإطلاق سراحه مقابل 80,000 دينار له شخصيًا ومبالغ أخرى لإخوته. كان اعتقال حطان الكناني الكلبي المثير للجدل نتاج استياء بعض المقربين من صلاح الدين من إدارة بلاد اليمن بعد أن غادرها توران شاه؛ فعلى الرغم من أن نائبوه استمروا يرسلون خراج البلاد، إلا أن السلطة الأيوبية على اليمن أخذت تضعف بعض الشيء، حيث برز صراع على السيادة بين عز الدين عثمان صاحب عدن وصاحب زبيد، مما جعل صلاح الدين يقول أنها تُكلّف الدولة الأيوبية مصاريف كبيرة ولا تعود عليها بالفوائد المرجوّة والمتوقعة.

    توسّع الدولة

    فتح أطراف بلاد ما بين النهرين

    توفي سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود في 3 صفر سنة 576 هـ، الموافق فيه 28 يونيو من سنة 1180م، وخلفه شقيقه عز الدين في إمارة الموصل. في 25 رجب سنة 577 هـ، الموافق فيه 4 ديسمبر سنة 1181م، توفي الملك الصالح بن نور الدين زنكي في حلب. قبل وفاته، لما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود بن قطب الدين صاحب الموصل، لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين. رُحّب بعز الدين في حلب، ولكن تملّكه لحلب والموصل كان أمرًا يفوق قدراته، لذا تنازل عن حلب لأخيه عماد الدين زنكي، في مقابل سنجار والخابور والرقة ونصيبين وسروج وغير ذلك من البلاد. لم يحاول صلاح الدين استغلال تلك الظروف احترامًا للمعاهدة التي عقدها في السابق مع الزنكيين.

    وفي 5 محرم سنة 578 هـ، الموافق فيه 11 مايو سنة 1182م، غادر صلاح الدين الأيوبي القاهرة مع نصف الجيش الأيوبي المصري والعديد من المتطوعين إلى الشام. وعندما علم أن القوات الصليبية احتشدت على الحدود لاعتراضه، غير طريقه عبر سيناء إلى أيلة، وهناك لم يلق صلاح الدين أي مقاومة من قوات بلدوين. وعندما وصل إلى دمشق في يونيو، أغار عز الدين فروخ شاه على بلاد طبرية، واحتل دبورية وحابس جلدق، وهو أحد الحصون ذات الأهمية الكبيرة للصليبيين. في يوليو، أرسل صلاح الدين فروخ شاه لمهاجمة كوكب الهوا. وفي أغسطس، شنّ الأيوبيون هجومًا بريًا وبحريًا للاستيلاء على بيروت؛ وقاد صلاح الدين جيشه في سهل البقاع، ولما بدا لصلاح الدين أن الهجوم قد يفشل، فضّل إيقاف هجومه والتركيز على مهمته نحو في بلاد ما بين النهرين.

    دعا مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وهو أحد أمراء حران، صلاح الدين لاحتلال بلاد الجزيرة، الواقعة شمال بلاد ما بين النهرين. ومع انتهاء الهدنة بينه وبين الزنكيين رسميًا في جمادى الأول سنة 578 هـ، الموافق فيه شهر سبتمبر من عام 1182م، وقبل سيره إلى بلاد الجزيرة، كان التوتر قد ازداد بين الحكام الزنكيين في المنطقة، نظرًا لعدم رغبتهم في دفع الجزية لصاحب الموصل. وقبل عبوره الفرات، حاصر صلاح الدين حلب لمدة ثلاثة أيام، بمجرد أن انتهت الهدنة. وما أن وصل إلى قلعة البيرة قرب نهر الفرات، حتى انضم إليه كوكبري ونور الدين صاحب حصن كيفا، واستولت القوات المشتركة على مدن الجزيرة الواحدة تلو الأخرى، فسقطت الرها تلتها سروج ثم الرقة وقرقيسية ونصيبين. كانت الرقة نقطة عبور هامة والتي كانت في يد قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، الذي سبق وخسر منبج أمام قوات صلاح الدين الأيوبي عام 1176م. لما رأى قطب الدين كبر حجم جيش صلاح الدين، لم يُقدم على إبداء أي مقاومة واستسلم على أن يحتفظ بممتلكاته. أثار صلاح الدين الأيوبي إعجاب أهالي المدينة بعدما أمر بإلغاء عدد من الضرائب، حيث قال «إن شر الحكام هم من يسمنون وشعوبهم جياع». من الرقة، غزا ماكسين ودورين وعرابان والخابور، والتي خضعت جميعها له.

    ثم توجّه صلاح الدين لغزو نصيبين التي سلّمت دون مقاومة. كانت نصيبين بلدة متوسطة الحجم، ليست ذات أهمية كبيرة، لكنها كانت تقع في موقع استراتيجي بين ماردين والموصل ويسهل الوصول إليها من ديار بكر. في خضم هذه الانتصارات، وردت صلاح الدين أخبار تقول أن الصليبيين أغاروا على قرى دمشق. فأجاب. وفي الوقت نفسه، في حلب، داهم أميرها الزنكي مدن صلاح الدين في الشمال والشرق، مثل باليس ومنبج وسروج وبوزيع والقرضين، كما دمر قلعته في بلدة أعزاز لكي لا يستخدمها الأيوبيون إن استطاعوا الاستيلاء عليها.

    ضم حلب

    اهتم صلاح الدين بعد الموصل بضم حلب، فأرسل شقيقه تاج الملوك أبو سعيد بوري لاحتلال تل خالد، الواقعة على بعد 130 كيلومتر شمال شرق الموصل، وجهّز لحصارها، إلا أن حاكم تل خالد استسلم مع وصول صلاح الدين نفسه في 17 مايو قبل ضرب الحصار. بعد تل خالد، قام جيش صلاح الدين الأيوبي بالتوجه شمالاً إلى عينتاب لاحتلالها، ومن ثم العودة سريعًا لمسافة 60 كم في اتجاه حلب. وفي 21 مايو، عسكر صلاح الدين خارج حلب، وتمركز بنفسه شرق قلعة حلب، كما طوّقت قواته ضاحية بناقسة في الشمال الشرقي وباب جنان في الغرب، وتمركز باقي رجاله بالقرب من المدينة، على أمل فتحها في أقل وقت ممكن.

    لم يقاوم عماد الدين زنكي بن قطب الدين مودود لفترة طويلة، حيث لم يكن يحظ بشعبية بين رعاياه، ولرغبته في العودة إلى سنجار المدينة التي كان يحكمها سابقًا. عقدت مفاوضات بغرض تبادل الأراضي، على أن يسلّم زنكي حلب إلى صلاح الدين الأيوبي في مقابل استعادة سيطرته على سنجار ونصيبين والرقة وسروج، وأن تحارب قوات زنكي إلى جانب جيش صلاح الدين. وبحلول 18 صفر 579 هـ / 12 يونيو 1183 م، أصبحت حلب في أيدي الأيوبيين. لم يعلم أهل حلب بتلك المفاوضات، لذا فوجئوا حين رأوا راية صلاح الدين الأيوبي مرفوعة فوق قلعة حلب. عندئذ، عرض أميران أحدهما عز الدين جردق الصديق القديم لصلاح الدين خدماتهما على صلاح الدين، الذي رحب بذلك. استبدل صلاح الدين القضاء الحنفي بالقضاء الشافعي، مع وعد بعدم التدخل في القيادة الدينية للمدينة. وعلى الرغم من حاجة صلاح الدين للمال، إلا أنه سمح لزنكي بالمغادرة بكل ما استطاع حمله من خزائن قلعة المدينة، وبيع المتبقي لصلاح الدين نفسه.

    مع أن صلاح الدين تردد فيما مضى في إتمام عملية المبادلة، إلا أنه كان واثقًا من نجاحه لتيقّنه من أن حلب هي «الباب الذي سيفتح له الأراضي» وأن «هذه المدينة هي عين الشام وقلعتها وبؤبؤها». بالنسبة لصلاح الدين الأيوبي، كان الاستيلاء على المدينة يمثّل له نهاية أكثر من ثماني سنوات من الانتظار، فقد قال لفروخ شاه «نحن لا نملك إلا الانتظار، وحلب ستكون لنا.» فمن وجهة نظره، أنه باستيلائه على حلب سيستطيع الآن تهديد الساحل الصليبي كله.

    بعد أن قضى ليلة واحدة في قلعة حلب، سار صلاح الدين إلى حارم بالقرب من أنطاكية الإمارة الصليبية. كانت حارم تحت حكم «سرخك» أحد المماليك صغار الشأن، الذي قدم صلاح الدين الأيوبي له عرضًا بمدينة بصرى وأراضٍ في دمشق في مقابل حارم، ولكن عندما طلب سرخك الحصول على المزيد، أرغمته حامية البلدة على الخروج، حيث ألقى القبضَ عليه تقيُّ الدين نائب صلاح الدين الأيوبي بعد مزاعم بأنه كان يخطط للتنازل عن حارم إلى بوهمند الثالث أمير أنطاكية. بعد استسلام حارم، شرع صلاح الدين الأيوبي في ترتيب دفاعات المدينة استعدادًا للصليبيين، وأوفد إلى الخليفة وأتباعه في اليمن وبعلبك بأنه سيهاجم الأرمينيين. وقبل أن يهم بالتحرك، كان لا بد من تسوية بعض التفاصيل الإدارية، فقد وافق صلاح الدين الأيوبي على هدنة مع بوهمند في مقابل رد أسرى مسلمين كان يحتجزهم، ثم ولّى علم الدين سليمان بن جندر، وهو الأمير الذي انضم إلى صلاح الدين في حلب، إدارة أعزاز، كما ولّى سيف الدين اليزقوج، مملوك عمه أسد الدين شيركوه السابق الذي أنقذه من محاولة اغتيال في أعزاز، إدارة حلب.

    حربه من أجل الموصل

    مع اقتراب صلاح الدين من الموصل، كان عليه تبرير مسألة الاستيلاء على تلك المدينة الكبيرة. استغاث زنكيو الموصل بالخليفة العباسي الناصر لدين الله في بغداد الذي كان وزيره يفضلهم، فأرسل الناصر بدر البدر، وهو شخصية دينية رفيعة المستوى، للتوسط بين الجانبين. وصل صلاح الدين إلى المدينة في 10 نوفمبر سنة 1182م، ولم يقبل عز الدين شروطه لأنه اعتبرها خدعة كبيرة، وعلى الفور ضرب صلاح الدين حصارًا على المدينة المحصنة جيدًا.

    بعد عدة مناوشات طفيفة والمأزق الذي وقع فيه أمام الخليفة، قرر صلاح الدين الأيوبي أن يجد طريقة للانسحاب من الحصار دون أن يلحق ذلك ضررًا بسمعته، لذا قرر أن يهاجم سنجار التي يحكمها شرف الدين أمير أميران هندوا شقيق عز الدين، مع ترك قوة لمواصلة الحصار، فسقطت سنجار بعد حصار دام 15 يومًا في 3 رمضان سنة 578 هـ، الموافق فيه 30 ديسمبر سنة 1182م. لم يلتزم قادة وجنود صلاح الدين بانضباطهم ونهبوا المدينة، وتمكن صلاح الدين بنفسه من حماية حاكم المدينة وضباطه بإرسالهم إلى الموصل. وبعد أن ترك حامية في سنجار، انتظر حتى يجمع جنده من حلب وماردين وأرمينيا لمواجهة عز الدين. توجّه صلاح الدين بجيشه للقاء قواته في حران في شهر ذي القعدة من سنة 578 هـ، الموافق فيه شهر فبراير من عام 1183م، وعندما علم عز الدين بقدوم جيش صلاح الدين، أرسل رسله في طلب السلام، وفرّق قواته.

    كتب العادل أبو بكر بن أيوب من مصر إلى صلاح الدين الأيوبي في 6 ذي القعدة سنة 578 هـ، الموافق 2 مارس سنة 1183م، بأن الصليبيين قد طعنوا قلب الإسلام، فقد أرسل صاحب الكرك أرناط آل شاتيون، سفنًا من خليج العقبة لمداهمة البلدات والقرى قبالة ساحل البحر الأحمر، وعلى الرغم من أن تلك المحاولة لم تكن هادفة لفرض النفوذ الصليبي على البحر أو للتحكم في طرق التجارة، وكانت مجرد قرصنة، كتب عماد الدين بأن الغارة كانت مقلقة للمسلمين لأنهم لم يكونوا معتادين على الهجمات عبر البحر، وأضاف ابن الأثير بأن السكان لم يعهدوا فرنجيًا قط لا تاجرًا ولا محاربًا.

    وقال ابن جبير بأن ستة عشر سفن للمسلمين أحرقها الصليبيون الذين استولوا على سفينة حجاج وقافلة في عيذاب. كما ذكر أيضًا أنهم كانوا ينوون مهاجمة المدينة المنورة ونهب قبر النبي محمد. وأضاف المقريزي إلى أن شائعات انتشرت تزعم بأنهم كانوا سينقلون جثمان النبي محمد إلى الأراضي الصليبية، لجعل المسلمين يحجون إليها. ولحسن حظ صلاح الدين الأيوبي، كان العادل قد نقل السفن الحربية من الفسطاط والإسكندرية إلى البحر الأحمر تحت قيادة حسام الدين لؤلؤ قائد الأسطول المصري، فبدأ بمهاجمة القوات التي هاجمت أيلة وهزمها، ثم سار لقتال من هاجموا عيذاب، فأدركهم في ساحل الحوراء (أملج) ودمر معظم سفنهم، فنزلوا إلى البر محاولين الفرار فهزمهم شر هزيمة. أمر صلاح الدين بقتل الأسرى الصليبيين البالغ عددهم 170 مقاتل في عدد من مدن المسلمين.

    من وجهة نظر صلاح الدين، كانت الحرب ضد الموصل تسير على ما يرام، لكنه لم ينجح بعد في تحقيق أهدافه وبدأ جيشه يتناقص؛ فقد عاد تقي الدين برجاله إلى حماة، وغادر ناصر الدين محمد بن شيركوه بقواته. شجع ذلك عز الدين وحلفائه على الهجوم. فجمع قواته في حرضم الواقعة على بعد 140 كيلومتر من حران. وفي بداية أبريل، ودون أن ينتظر ناصر الدين، بدأ صلاح الدين وتقي الدين تقدمهم ضد قوات عز الدين، متوجهين شرقًا إلى رأس العين دون أن يلقوا مقاومة. وبحلول نهاية أبريل، وبعد ثلاثة أيام من القتال، استولى الأيوبيون على آمد. سلم المدينة نور الدين محمد بن قره أرسلان بخزائنها التي بها 80,000 شمعة، وبرج كامل مملوء بالسهام و1,040,000 كتاب. وفي مقابل إعادته حاكمًا للمدينة، أقسم نور الدين الولاء لصلاح الدين الأيوبي، واعدًا إياه بمساعدته في كل حملاته في الحرب ضد الصليبيين وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمدينة. وبسقوط آمد، قرر حاكم ماردين التحالف مع صلاح الدين الأيوبي، وهو ما أضعف تحالف عز الدين.

    حاول صلاح الدين الحصول على دعم الخليفة الناصر ضد عز الدين من خلال إرسال رسالة للخليفة يطالبه فيها بمرسوم يعطيه الحق في تملّك الموصل والأراضي التابعة لها. حاول صلاح الدين الأيوبي إقناع الخليفة معللاً طلبه بأنه في الوقت الذي فتح مصر واليمن وأعادها تحت راية العباسيين، كان الزنكيون في الموصل يؤيدون صراحة السلاجقة (منافسي الخلافة)، ولم يخضعوا للخليفة إلا وقت حاجتهم إليه. واتهم أيضًا قوات عز الدين بعرقلة الجهاد ضد الصليبيين، مشيرًا إلى أنهم «لا ينوون القتال فقط، بل ويمنعون الذين يستطيعون ذلك». كما قال صلاح الدين الأيوبي بأنه إنما جاء إلى الشام لقتال الصليبيين وإنهاء بدعة الحشاشين ووضع حد لتخاذل المسلمين. كما وعد أنه إذا أعطيت له الموصل، فسيستولي على القدس والقسطنطينية والكرج وأراضي الموحدين في المغرب، حتى تصبح كلمة الله هي العليا وتطهّر الخلافة العباسية العالم وتتحوّل الكنائس إلى مساجد. وأكد صلاح الدين أن كل هذا من الممكن أن يحدث بمشيئة الله، وبدلاً من طلب الدعم المالي أو العسكري من الخليفة، قال أنه سيغزو أراضي تكريت وداقوق وخوزستان وجزيرة كيش و|عمان، وسيعطيها للخليفة.

    الحروب على الصليبيين

    بعد أن نجح صلاح الدين في أن يجمع مصر وسورياوالحجاز وتهامة والعراق في دولة إسلامية موحدة قوية تحيط بمملكة بيت المقدس والإمارات الصليبية من الشمال والشرق والجنوب، واطمأن إلى وحدتها وتماسكها، انتقل إلى تحقيق القسم الثاني من مخططه السياسي، وهو محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد، وجاءَته الفرصة حين تعرّض أرناط آل شاتيون صاحب الكرك لقافلة غزيرة الأموال كثيرة الرجال فأخذهم عن آخرهم ونهب أموالهم ودوابهم وسلاحهم، فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويُقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق الأسرى والأموال، فلما رفض أرسل صلاح الدين، الذي كان آنئذ في دمشق، إلى جميع الأطراف باستدعاء العساكر لحرب أرناط، وتوجه بنفسه إلى بصرى، ومنها إلى الأردن ونزل بثغر الأقحوان.

    عبر صلاح الدين نهر الأردن في 9 جمادى الآخرة سنة 579 هـ، الموافق 29 سبتمبر سنة 1183م، لمهاجمة بيسان التي وجدها خاوية. وفي اليوم التالي، أضرمت قواته النار في البلدة، وساروا غربًا، ليعترضوا تعزيزات الصليبيين من حصني الكرك والشوبك على طول طريق نابلس وأسروا عددًا منهم. وفي تلك الأثناء، كانت قوة الصليبيين الرئيسية بقيادة غي آل لوزنيان، قرين ملكة القدس سيبيلا أخت بلدوين، قد تحركت من صفورية إلى العفولة. أرسل صلاح الدين الأيوبي 500 مقاتل لمناوشة قوات الصليبيين، وسار بنفسه إلى عين جالوت. وعندما تقدمت القوات الصليبية، والتي كانت أكبر قوة جمعتها المملكة من مواردها الخاصة، ولكنها كانت لا تزال أقل من قوات المسلمين، تراجع الأيوبيون تراجعًا غير متوقع إلى عين جالوت. رغم وجود بضع الغارات الأيوبية، بما في ذلك الهجمات على زرعين والطيبة وجبل طابور، لم يشارك الصليبيون بكامل قواتهم في معركة العفولة، التي قاد فيها صلاح الدين رجاله عبر النهر منسحبًا ببطء. ومع ذلك، أثارت المزيد من الهجمات الصليبية غضب صلاح الدين الأيوبي. فقد استمر أرناط آل شاتيون يهاجم القوافل التجارية العائدة للمسلمين وطرق الحج بأسطول في البحر الأحمر، وهو الممر المائي الذي كان من اللازم لصلاح الدين بقائه مفتوحًا. وردًا على ذلك، بنى صلاح الدين أسطولاً من 30 سفينة لمهاجمة بيروت في عام 1182م. هدد رينالد بمهاجمة مدن المسلمين المقدسة مكة والمدينة المنورة، وهو ما رد عليه صلاح الدين بمحاصرة الكرك قلعة أرناط الحصينة مرتين، عامي 1183 و1184، فردّ رينالد بنهب قافلة حجيج عام 1185، ووفقًا لمؤرخ القرن الثالث عشر الإفرنجي وليم الصوري، فقد قبض أرناط على أخت صلاح الدين في تلك الغارة على القافلة، وهو ما لم تثبته المصادر المعاصرة، سواءً الإسلامية أو الأوروبية، وذكرت بدلاً من ذلك أن أرناط هاجم القافلة، وأن جند صلاح الدين حموا شقيقته وابنها حتى وصلوا دون أي ضرر.

    بعد أن استعصى حصن الكرك المنيع على صلاح الدين أدار وجهه وجهة أخرى وعاود مهاجمة عز الدين مسعود بن مودود الزنكي في نواحي الموصل التي كان قد بدأت جهوده في ضمها سنة 1182م، إلا أن تحالف عز الدين مع حاكم أذربيجان ومملكة جبال، والذي أرسل جنوده عبر جبال زاغروس عام 1185م، جعل صلاح الدين يتردد في هجومه. وحينما علم المدافعون عن الموصل، بأن تعزيزات في طريقها إليهم، ارتفعت معنوياتهم وزادوا من جهودهم، وقد تزامن ذلك مع مرض صلاح الدين، لذا ففي شهر مارس من سنة 1186م، وُقِّع على معاهدة سلام.

    معركة حطين

    كان المرض قد اشتد على ملك بيت المقدس بلدوين الرابع، في سنة 1185م وما لبث أن توفي في ذلك العام بعد أن سمّى ابن شقيقته بلدوين الخامس خلفًا له، لكن الأخير ما لبث أن توفي خلال سنة، فتولّت العرش والدته سيبيلا، التي ما لبثت أن توّجت زوجها الثاني غي آل لوزينيان ملكًا، وكان الأخير قد خُطط له أن يكون وصي العرش بعد بلدوين الرابع، لكن تحالفه مع أرناط وخرقهما للهدنة مع صلاح الدين ومهاجمتهما لقوافل المسلمين التجارية وقوافل الحجاج، الأمر الذي جعل صلاح الدين يُحاصر الكرك، جعلت بلدوين الرابع يعدل عن تسميته خلفًا له بعد مماته. وعندما تولّى غي عرش بيت المقدس ظهرت الانشقاقات بين الصليبيين وتوسعت، فلم يكن عدد من الأمراء راضيًا عن توليه، ومن هؤلاء ريموند الثالث «القمص» صاحب طرابلس، الذي دفعه غيظه إلى مراسلة صلاح الدين ومصادقته واتفق معه ألا يحاربه ولا يرفع عليه سيف، فقال له:. فذهب صلاح الدين ونزل قريبًا من طبريا فسلمها له صاحب طرابلس، وسمع ملك الفرنجة المتوج حديثًا ما حدث، فحشد العامة في البلاد مع عساكر الساحل وسار للقاء صلاح الدين، وانضم إليه صاحب طرابلس ليتستر على فعله.

    في يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م، نزل الصليبيون قرون حطين، وكان صلاح الدين قد سبقهم إلى هناك وتمركز جيشه في المنطقة العليا منها حيث نبع المياه، وكانت تجهيزات الفرنجة الحربية الثقيلة هي سبب تأخرهم في الوصول، ولمّا حصل ووصلوا إلى الموقع كانوا هالكين من العطش لدرجة أنهم شربوا الخمر بدلاً من الماء فسكر منهم الكثير، وهاجموا جيش صلاح الدين فقُتل من الفريقين عدد من الجنود، وكان الصليبيون متحمسين في البداية للحصول على الماء فهزموا المسلمين في أول النهار ولكن دارت الدوائر في آخر النهار، فانقض الأيوبيون على الجيش الصليبي ومزقوا صفوفه، واستمرت المعركة ساعات طويلة، وما أن انقشع غبارها حتى تبيّن مدى الكارثة التي لحقت بالصليبيين، فقد خسروا زهرة شباب جنودهم، وقُتل العديد من الفرسان والضبّاط المخضرمين، ووقع الملك غي آل لوزينيان وأخوه وأرناط صاحب الكرك وغيرهم من كبار الصليبيين بالأسر. أما ريموند الثالث صاحب طرابلس، فقد تظاهر بالهجوم على المسلمين، فمر بين صفوفهم وذهب ولم يرجع كأنه انهزم، واتجه إلى مدينة صور ومكث بها.

    بعد هذا النصر جلس صلاح الدين في خيمته، وأمر بإحضار الملك غي وأخوه وأرناط، فلمّا مثلوا أمامه قدّم للملك شربة من جلاّب وثلج، فشربها وكان على أشد حال من العطش، ثم ناولها لأرناط، فقال صلاح الدين للترجمان:، وذلك كون العادة السائدة كانت أنه لو شرب الأسير أو أكل من مال من أسرة أمن، وكان صلاح الدين قد نذر أنه لو ظفر بأرناط قتله بعد أن قتل من المسلمين خلقًا كثيرًا. بعد ذلك أمر صلاح الدين بإحضار بعض الطعام للملك غي، وما أن انتهى حتى أمر بإحضار أرناط، وأوقفه بين يديه ثم قال له:، ودعاه إلى اعتناق الإسلام، فرفض وقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي محمد، فسلّ صلاح الدين سيفه ودق عنق أرناط، وأمسكه الجنود وأخرجوا جثته ورموها على باب الخيمة، ورآه الملك غي يتخبط في دمائه ويلفظ أنفاسه الأخيرة فخاف وشحب لونه معتقدًا أنه لاحق به، فاستحضره صلاح الدين وطيّب قلبه وقال له: ثم استدعى خادمه وسأله أن يحضر شراب فجاء به فأخذه بيده وشرب منه وناوله للملك فشربه وأعطى له ولأصحابه خيمة وجعل عليها حراسًا لحراسته واحتفظ به، وأرسله إلى دمشق أسيرًا، يرافقه القاضي ابن أبي عصرون، حتى تنتهي الحرب وتُفتتح القدس، وأرسل معه أيضًا صليب الصلبوت، وهو الصليب الأعظم عند الصليبيين والذي قيل بأن فيه قطعة من الخشبة التي صُلب عليها المسيح، وكان يُغلّف بالذهب واللآلئ و|الجواهر النفيسة، وكان يتقدم الجيش الصليبي على الدوام، وحملوه معهم يوم حطين، وأودع في قلعة دمشق عند وصوله.

    تحرير الساحل الشامي

    رأى صلاح الدين ألا يتوجه مباشرة لفتح القدس بعد انتصار حطين، وإنما رأى أنه من الأسلم أن يسير لفتح مدن الساحل ومن ثم الهجوم على القدس، فرحل طالبًا عكا وكان نزوله عليها يوم الأربعاء، وقاتل الصليبيين بها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة 583 هـ، فأخذها وأنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، وكانوا أكثر من 4 آلاف شخص، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع كونها كانت المرفأ التجاري الرئيسي للصليبيين ونافذتهم على وطنهم الأم في أوروبا. ثم تفرقت الجنود الأيوبية في الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة، ففتحوا نابلس وحيفا والناصرة وقيسارية وصفورية بعد أن خلا معظمها من الرجال إما لمصرعهم على أرض المعركة أو لوقوعهم في الأسر أو لهربهم من أمام الجيش الأيوبي بعد أن قل عددهم. ولمّا استقرت قواعد عكا، قسّم صلاح الدين أموالها بين أهلها، وأبقى بعض القادة الصليبيين في الأسر وأطلق سراح بعض الجنود، ثم سار يطلب قلعة تبنين، فوصلها يوم الأحد في 11 جمادى الأولى من نفس السنة، فنصب عليها المناجيق وضيّق عليها الحصار، وقاومت حاميتها مقاومة عنيفة قبل أن تستسلم ويدخلها الجيش الأيوبي، ثم ارتحل بعد ذلك قاصدًا صيدا وتسلمها في اليوم التالي لوصوله.

    وفي أثناء توجه صلاح الدين لفتح بيروت في سنة 1187م، لقيه الأمير جمال الدين حجي التنوخي في بلدة خلدة وسار معه لحصار المدينة، فضرب الاثنان عليها الحصار ودخلوها بعد 7 أيام، وكافأ صلاح الدين الأمير التنوخي على ولائه له وثبته على إقطاعات آبائه وأجداده وزاد عليها حتى شملت منطقة الغرب كلها، الممتدة من جنوبي بيروت حتى أعالي جبل لبنان، وكذلك فعل مع الأمراء الشهابيين في سهل البقاع، فقد كان هؤلاء يقاتلون الصليبيين طيلة فترة من الزمن انتهت باستيلائهم على حاصبيا وما حولها، فسُرّ صلاح الدين بذلك وولّى الأمير منقذ الشهابي على البلاد التي فتحها. وفي أثناء حصار صلاح الدين لبيروت، كانت فرقة عسكرية أيوبية قد استرجعت جبيل من أيدي الصليبيين، ولمّا فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده عسقلان أولى لأن حصارها وفتحها أيسر من حصار صور، فأتى عسقلان وتسلّم في طريقه إليها مواقع كثيرة كالرملة والداروم، وأقام في عسقلان المناجيق وقاتلها قتالاً شديدًا حتى استسلمت حاميتها، وأقام عليها إلى أن تسلّم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، وهكذا كان صلاح الدين قد استرجع أغلب ساحل الشام، ولم يصمد في وجهه غير مدينتيّ طرابلس وصور وقسمًا من إمارة أنطاكية.

    فتح القدس

    ظل صلاح الدين في عسقلان حتى نظم إدارتها وسلمها إلى أحد مماليكه واسمه علم الدين قيصر، وأعطاه ولاية عسقلان والقطاع الذي حولها ورحل منها وتوجه إلى القدس لفتحها، ووصلها يوم الخميس في 11 رجب سنة 583 هـ، الموافق فيه 20 سبتمبر سنة 1187م، من جهة عين سلوان حتى يكون الماء قريب من جيشه وأمر جنده بمحاصرة المدينة في هيئة دائرية، وصلى المسلمين على الجبل الذي حولها يوم الجمعة، وزحفوا للقتال بعد الصلاة، ولم يكن في المدينة المقدسة قوة كبيرة لحمايتها من الهجوم الأيوبي، حيث لم يزيد عدد الجنود عن 1400 جندي، أما الباقون فكانوا من الفقراء والأهالي الذين لا خبرة لديهم في القتال وكان باليان بن بارزان فارس من فرسان الفرنجة الكبار يسكن مدينة القدس ويتولى شؤونها منذ أن غادرها الملك غي، وكان باليان هذا هو صاحب مدينة الرملة، وقاد القتال في ذلك اليوم وانضم إليه الكهنة والشمامسة، وكان ماهرًا في إدارة القتال وتوجيه المقاتلين أمام قوات صلاح الدين، وكان خوفه الأكبر أن يقتل المسلمين كل مسيحيي القدس عند دخولهم كما فعل الصليبيون عندما فتحوا المدينة قبل ما يزيد عن قرن من الزمن، فحث السكان أن يدافعوا عن حياتهم ومقدساتهم حتى الرمق الأخير، وعندما أرسل له صلاح الدين أن يسلم المدينة ويطلب الأمان لم يفعل، وأصر على القتال واستمر في الحرب لمدة 14 يومًا.

    ولما رأى صلاح الدين أن الحرب ستكون شديدة ولم يقدر على احتلال مدينة القدس، أحضر يوسف البطيط، وهو رجل مسيحي أرثوذكسي مقدسي، انتقل إلى مدينة دمشق وسكن فيها وكان له معرفة بأمراء مسلمين وفرنجة، وكان ممن يعرفهم صلاح الدين، وكان يعرف كذلك أبوه وعمه أسد الدين شيركوه وهم بدمشق في خدمة نور الدين زنكي قبل أن يحكموا مصر، ولما ملك صلاح الدين مصر وحكمها، جاء إليهم ليعمل معهم فاستخدمه الملك العادل أبو بكر أخو صلاح الدين وأعطاه عطايا، وسكنًا في قصر الخليفة في قاعة باب الذهب في القصر الشرقي بالقاهرة، واستخدمه صلاح الدين لمراسلة الفرنجة، وكان يعرف أحوال البلاد وأهلها كما كان يعرف كبار فرسان تلك البلاد، فطلب منه أن يتفق مع المسيحيين الأرثوذكس من عرب وروم يوعدهم بالخير والعفو عنهم إذا لم يساعدوا الفرنجة في القتال وأن يسلموا المدينة لصلاح الدين من الجهة التي يسكنون بها في القدس فيُهلكوا الفرنجة، الذين رفض صلاح الدين أن يعفي عنهم بحال فتح المدينة، حتى هدد باليان بقتل الرهائن المسلمين، والذين يُقدّر عددهم بأربعة الآف مسلم، وتدمير الأماكن الإسلامية المقدسة، أي قبة الصخرة والمسجد القبلي، اللذان يُشكلان المسجد الأقصى، إذا لم يعف صلاح الدين عنهم.

    استشار صلاح الدين الأيوبي مجلسه وقبل هذه الشروط، على أن تُدفع فدية على كل من فيها مقدارها عشرة دنانير من كل رجل وخمسة دنانير من كل امرأة ودينارين عن كل صبي وكل صبية لم يبلغ سن الرشد، فمن أدى ما عليه في المهلة التي قدرها أربعين يومًا، صار حرًا. ثم سمح صلاح الدين بعد أن انقضت المهلة لمن لم يستطع الدفع منهم بالمغادرة دون فدية، ولكن بِيعت معظم المقاتلة منهم عبيدًا. دخل صلاح الدين المدينة في ليلة المعراج يوم 27 رجب سنة 583 هـ، الموافق فيه 2 أكتوبر سنة 1187م، وسمح لليهود بالعودة للمدينة، وهو ما دفع سكان عسقلان من اليهود للسكن بالقدس. وأغلق صلاح الدين كنيسة القيامة بوجه الفرنجة بعد فتح المدينة، وأمر بترميم المحراب العمري القديم وحمل منبر مليح من حلب كان الملك نور الدين محمود بن زنكي قد أمر بصنعه ليوضع في المسجد الأقصى متى فُتح بيت المقدس، فأمر صلاح الدين بحمله من حلب ونُصب بالمسجد الأقصى، وأزيل ما هناك من آثار مسيحية منها الصليب الذي رفعه الإفرنج على قبة المسجد، وغُسلت الصخرة المقدسة بعدة أحمال ماء ورد وبُخّرت وفُرشت ورُتّب في المسجد من يقوم بوظائفه وجُعلت به مدرسة للفقهاء الشافعية، ثم أعاد صلاح الدين فتح الكنيسة وقرر على من يرد إليها من الفرنج ضريبة يؤديها.

    وقد ابتهج المسلمون ابتهاجًا عظيمًا بعودة القدس إلى ربوع الأراضي الإسلامية والخلافة العباسية، وحضر ناس كثيرون ليسلموا على السلطان ومن هؤلاء الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن مفرج النابلسي، الشاعر المشهور، فأنشد صلاح الدين قصيدة طويلة من مائة بيت يمدحه ويُهنئه بالفتح، ومما جاء في القصيدة:

    حصار صور وعكا

    كان معظم أمراء الفرنجة وفرسانها يذهبون إلى المدن الحصينة التي ما زالت في أيديهم مثل أنطاكية وصور، وكانت الأخيرة يحكمها ملك من ملوك أوروبا هو كونراد مركيز مونفيراتو، ويقول البعض أنه رومي ابن اخت إمبراطور القسطنطينية. وكانت صور أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية من القدس، لذا كان من المتوقع أن يقوم صلاح الدين بفتحها أولاً، لكنه فضّل استرجاع المدينة المقدسة أولاً ليرفع من معنويات المسلمين قبل التوجه لحصار المدينة المحصنة. وقبل حصار صور توجّه صلاح الدين بجيشه إلى قلعة صفد وحاصرها سبعة شهور، ولمّا نفذ الطعام وجاعت الحامية اضطروا أن يسلموا القلعة له وطلب الأمان، وعندما غادرها جنود الفرنجة وفرسانهم ذهبوا إلى صور وكانت كل قلعة أو حصن أو مدينة تطلب الأمان ويسلمونها إلى صلاح الدين، كان الفرنجة يغادرونها إلى صور فقويت بوجود فرسان الفرنجة فيها، فصمدت في وجه صلاح الدين سنة كاملة، أضف إلى ذلك أن المركيز ظلّ يقوّي ويحمي ويدبر احتياجات المدينة طيلة أيام الحصار، حتى دبّ اليأس إلى فؤاد السلطان، ففك الحصار عنها مؤجلاً تحقيق الفتح إلى فرصة قادمة. وفي سنة 1188م أطلق صلاح الدين سراح الملك غي آل لوزينيان وأعاده إلى زوجته سيبيلا، فذهبا ليعيشا في طرابلس، ثم توجها إلى أنطاكية، قبل أن يُقررا الذهاب إلى صور، لكن كونراد رفض السماح لهما بالدخول إلى المدينة كونه لم يعترف بشرعيّة ملكيّة غي.

    وبعد أن انصرف صلاح الدين عن صفد واصل فتح المدن والقلاع ففتح جبلة واللاذقية وحصون صهيون وبكاس والشغر وسرمينية وبرزية ودرب ساك والكرك وكوكب، كما سعى بوهمند الثالث صاحب أنطاكية لمهادنة صلاح الدين لمدة ثمانية أشهر، فقبل صلاح الدين ذلك على أن يطلق بوهمند من عنده من أسرى المسلمين. لما ضجت صور بمن لجأ إليها من الفرنجة، قام بعض رهبانهم وقسيسيهم بشحن الفرنجة للثأر لفقدان بيت المقدس، فرأوا أن يهاجموا عكا، فجمعوا قواتهم وضربوا عليها حصارًا بريًا بحريًا في 15 رجب 585 هـ الموافق 28 أغسطس 1189م. استنجدت حامية المدينة بصلاح الدين فأرسل إلى عماله وحلفاؤه يطالبهم بالإسراع إلى نجدة المدينة، فوافاه عسكر الموصل وآمد وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة وحران والرُّها، كما وافاه أخاه الملك العادل أبو بكر بن أيوب في جند مصر والأسطول المصري بقيادة حسام الدين لؤلؤ، فدارت بين الفريقين معارك عظيمة لم يكتب فيها الغلبة لأي من الفريقين.

    الحملة الصليبية الثالثة

    كانت معركة حطين وفتح القدس سببين رئيسيين لخروج الحملة الصليبية الثالثة، حيث حثّ البابا غريغوري الثامن ملوك أوروبا على شن حملة صليبية جديدة لاستعادة بيت المقدس، فكان أول من لبى النداء الإمبراطور الألماني فريدريش بربروسا الإمبراطور الروماني المقدس الذي سار بجيشه برًا عبر المجر ورومانيا حتى بلغ القسطنطينية، والتي كان إمبراطورها إسحق الثاني قد تحالف سرًا مع صلاح الدين، ألاّ يسمح أحدهما لأي قوّات بتهديد أراضي الآخر، إلا أنه لم يقوى على منع قوات فريدريش لكثرة عددهم، لكنه لم يسمح بتزويدهم بالمؤن. راسل فريدريش أبناء سلطان سلاجقة الروم قلج أرسلان الثاني وقد كانوا قد حجروا على أبيهم، للمرور من خلال أراضيهم، فسمحوا له، وأرسل قلج أرسلان الثاني يعتذر لصلاح الدين على عدم قدرته على منع الألمان من المرور من أراضيه، فبلغت الرسل صلاح الدين وهو يحاصر عكا.

    رغم ذلك، فقد فشلت حملة فريدريش في الوصول إلى الشرق، لطول المسافة وحلول الشتاء على الجيش المرتحل ومقاومة بعض أمراء المناطق التي مرت بها الحملة للجيش الغازي وقلة المؤن، خاصة بعد امتناع إسحق الثاني إمبراطور الروم عن إمدادهم بالمؤن، إضافة إلى غرق فريدريش بربروسا نفسه في أحد الأنهار بالقرب من أنطاكية، والخلافات التي تبعت وفاته على من يخلفه، وقد أثارت أنباء فشل حملة بربروسا الغبطة في المعسكر المسلم المدافع عن عكا.

    لم تتوقف الحملة عند ذلك، بل تصدى لتلك الحملة أيضًا ملكان من أكبر ملوك أوروبا في ذلك الوقت هما ريِتشارد الأول «قلب الأسد» ملك إنجلترا وفيليپ أغسطس ملك فرنسا، اللذان مُوِّلاها بفرض ضريبة خاصة عُرفت بعشور صلاح الدين، في إنجلترا وأجزاء من فرنسا، وانضما إلى حصار عكا، التي سقطت في عام 587 هـ، الموافق لعام 1191م، أمام القوات التي يقودها ريتشارد، وأُعدم فيها ثلاثة آلاف سجين مسلم منهم نساء وأطفال. ردّ صلاح الدين بقتل كل الفرنجة الذين أسرهم بين 28 أغسطس و10 سبتمبر، وفي 15 شعبان سنة 587 هـ، الموافق فيه 7 سبتمبر سنة 1191م، اشتبكت جيوش صلاح الدين مع جيوش الصليبيين بقيادة ريتشارد قلب الأسد في معركة أرسوف التي انهزم فيها صلاح الدين، إلا أن الصليبيين لم يتمكنوا من التوغل في الداخل وبقوا على الساحل، وبقيت الحرب سجال بين الفريقين، وفشلت كل محاولات الفرنجة لغزو القدس.

    لجأ الفريقان بعد ذلك إلى الصلح، وعقدت هدنة في 20 شعبان سنة 588 هـ، الموافق فيه 1 سبتمبر سنة 1192م، لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر تبدأ من ذاك التاريخ، بعد أن أجهدت الحرب الفريقين، التي بموجبها تنحصر مملكة بيت المقدس الصليبية في شريط ساحلي ما بين يافا وصور، وتظل القدس في أيدي المسلمين مع السماح للمسيحيين بالحج إليها. ومع ذلك، كانت علاقة صلاح الدين مع ريتشارد يسودها الاحترام المتبادل والشهامة بعيدًا عن التنافس العسكري، فعندما أصيب ريتشارد بالحمى، عرض صلاح الدين الأيوبي عليه خدمات طبيبه الشخصي، وأرسل إليه فاكهة مثلجة. وفي أرسوف، عندما فقد ريتشارد جواده، أرسل إليه صلاح الدين الأيوبي اثنين محله. كما عرض ريتشارد على صلاح الدين فلسطين موحدة للمسيحيين الأوروبيين والمسلمين عن طريق تزويج أخت ريتشارد الأول بأخي صلاح الدين وأن تكون القدس هدية زفافهما، على أن يكون ما فتحه المسلمون تحت حكم العادل وما بيد الفرنجة تحت حكم أخت ريتشارد، إلا أن الأمر لم يتم. إلا أن الرجلين لم يلتقيا أبدًا وجهًا لوجه وكان التواصل بينهما بالكتابة أو بالرسل.

    ولما تم الصلح سار صلاح الدين إلى بيت المقدس وحصّن أسوارها، وأدخل كنيسة صهيون داخل أسوارها، وبنى فيها مدرسة ورباطًا للخيل وبيمارستان، وغير ذلك من المصالح، وقضى بالمدينة شهر رمضان من سنة 588 هـ، ثم تركها في 5 شوال متوجهًا إلى دمشق حيث قضى آخر أيامه.

    وفاته

    كانت المواجهة مع الملك ريتشارد ومعاهدة الرملة آخر أعمال صلاح الدين، إذ أنه بعد وقت قصير من رحيل ريتشارد، مرض صلاح الدين بالحمى الصفراوية يوم السبت في 20 فبراير سنة 1193م، الموافق فيه 16 صفر سنة 589 هـ، وأصابه أرق فلم ينم الليل إلا قليلاً، وأخذ المرض يشتد ويزيد، حتى قال طبيبه الخاص، أن أجل السلطان أصبح قاب قوسين أو أدنى، واستمر المرض يشتد حتى انتهى إلى غاية الضعف، وبعد تسعة أيام حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب، ولمّا كان اليوم العاشر حُقن دفعتين، وحصل له من الحقن بعض الراحة، لكنه عاد واشتد عليه المرض حتى يأس الأطباء من حاله. توفي صلاح الدين فجر يوم الأربعاء في 4 مارس سنة 1193م، الموافق فيه 27 صفر سنة 589 هـ، فأفجع موته المسلمين عمومًا والدمشقيين خصوصًا، وبكاه الكثيرون عند تشييعه وقيل إن العاقل حتى كان ليُخيل له أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا من شدة البكاء، وغشي الناس ما شغلهم عن الصلاة عليه، وتأسف الناس عليه حتى الفرنج لما كان من صدق وفائه، ودُفن بعد صلاة عصر ذلك اليوم في المدرسة العزيزية قرب المسجد الأموي في دمشق، إلى جوار الملك نور الدين زنكي، وعندما فُتحت خزانته الشخصية لم يكن فيها ما يكفي من المال لجنازته، فلم يكن فيها سوى سبعة وأربعين درهمًا ناصريًا ودينارًا واحدًا ذهبًا، ولم يخلف ملكًا ولا دارًا، إذ كان قد أنفق معظم ماله في الصدقات.

    في ساعة موته، كتب القاضي الفاضل، قاضي دمشق، إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب رسالة قال فيها:.

    وكان ڤيلهلم الثاني إمبراطور ألمانيا عندما زار دمشق توجه إلى مدفن صلاح الدين ووضع باقة زهور جنائزية على قبره عليها نقش معناه «ملك بلا خوف ولا ملامة، علّم خصومه الفروسية الحقيقية»، كما أهدى نعشًا رخاميًا للضريح إلا أن جثمان صلاح الدين لم يُنقل إليه، وبقي في النعش الخشبي، وذلك لأن الإسلام يُحّرم نبش القبور وإخراج الأموات لأغراض غير شرعيّة ويُصنّف ذلك انتهاكًا لحرمة القبر، لهذا بقي النعش الهدية في الضريح خاويًا إلى اليوم.

    الدولة الأيوبيّة بعد صلاح الدين

    قسّم صلاح الدين دولته قبل وفاته بين أولاده وأفراد من عائلته، فجعل إمارة دمشق لابنه الأفضل نور الدين علي، وهو أكبر أولاده، وأوصى له بالسلطنة، وجعل الديار المصرية لولده العزيز عثمان، وإمارة حلب لولده الظاهر غازي غياث الدين، وترك الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدانًا كثيرة قاطع الفرات لأخيه العادل، وحماة لابن أخيه محمد بن تقي الدين عمر، وحمص والرحبة وغيرها لحفيد عمه شيركوه، أسد الدين شيركوه بن ناصر، واليمن بمعاقله ومخاليفه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين. ولم يلبث الخلاف أن دبّ بين أولاد صلاح الدين، مما جعل عمهم العادل يعزلهم ويقوم بتوحيد البيت الأيوبي تحت رايته. وكما فعل صلاح الدين من قبل، فعل أخوه الملك العادل، فقسّم أراضي دولته بين أبنائه وهو على قيد الحياة، ولكن هؤلاء الإخوة لم يكونوا على وفاق بعد وفاة أبيهم، فكانوا يُحاربون بعضهم بعضًا، بالرغم من أن الصليبيين كانوا يفيدون من هذا الخلاف، وبعدهم جاء أولادهم، فلم يكونوا خيرًا من آبائهم في صلاتهم فيما بينهم وبين أبناء عمهم، ولكن واحدًا منهم استطاع أن يلمع في ظلام هذا الخلاف، ذلك هو «الصالح أيوب»، حفيد الملك العادل، الذي أعاد توحيد دولة صلاح الدين تحت سلطانه. ولمّا مات الصالح أيوب تولّى ابنه توران شاه السلطنة، لكن مماليكه ائتمروا به وقتلوه، ثمّ نصبوا زوجة أبيه «شجرة الدر» سلطانة عليهم، وبهذا زالت الدولة الأيوبيّة في مصر وقامت مكانها دولة المماليك.

    أسرته

    وفقًا لعماد الدين الأصفهاني، فقد أنجب صلاح الدين الأيوبي خمسة أبناء قبل مغادرته مصر عامَ 1174م. ابنه الأكبر الأفضل وُلد عامَ 1170م من زوجته شمسة التي اصطحبها معه إلى الشام، وولده عثمان وُلد عامَ 1172م في مصر، ثم أنجبت طفلاً آخر عامَ 1177م. بينما ذكر أبو العباس القلقشندي، أن ولده الثاني عشر وُلد في مايو سنة 1178م، بينما ذكر الأصفهاني، أن هذا الطفل كان ابن صلاح الدين السابع. كما وُلد له مسعود عامَ 1175م ويعقوب عامَ 1176م، وهذا الأخير من زوجته شمسة. تزوج صلاح الدين من أرملة نور الدين زنكي عصمة الدين خاتون في سبتمبر سنة 1176م، وأنجبت له إحدى زوجاته غازي وداود في عامي 1173م و1178م على التوالي، وأنجبت له أخرى إسحق في عام 1174م وولدًا آخر في شهر يوليو من سنة 1182م.

    صلاح الدين في التراث

    في الوعي العربي

    بالرغم من أن الدولة التي أسسها صلاح الدين لم تدم طويلاً من بعده إلا أن صلاح الدين يُعَدُّ في الوعي العربي الإسلامي محرر القدس، ومع تصاعد مشاعر القومية العربية في القرن العشرين، ولا سيما في وجود الصراع العربي الإسرائيلي، اكتسبت بطولة صلاح الدين وقيادته أهمية جديدة، فقد كان في تحريره للقدس من الصليبيين مصدر إلهام لمعارضة العرب في العصر الحديث للصهيونية. كما استُلهمت شخصيته في الملاحم والأشعار وحتى مناهج التربية الوطنية في الدول العربية، كما أُلِّفَت عشرات الكتب عن سيرته، وتناولتها المسرحيات والتمثيليات والأعمال الدرامية. لا يزال صلاح الدين مضرب المثل: قائد مسلم مثالي واجه أعداءه بحسم ليحرر أراضي المسلمين، دون تفريط في الشهامة والأخلاق الرفيعة.

    علاوة على ذلك، كان يُنظر إلى وحدة العالم العربي تحت راية صلاح الدين رمزًا مثاليًا للوحدة الجديدة التي سعى إليها القوميون العرب، بقيادة جمال عبد الناصر. لهذا السبب، أصبح عقاب صلاح الدين رمزًا لدولة ما بعد الملكية في مصر، واعتمد لاحقًا كشعار لعدد من الدول العربية الأخرى مثل العراق وفلسطين واليمن وسوريا. بل إن هناك محافظة في العراق سُمّيت على اسمه، إضافة إلى جامعة صلاح الدين في أربيل أكبر مدن كردستان العراق.

    يوجد عدد قليل من المباني منذ عهد صلاح الدين ما زالت باقية في المدن الحديثة. فقد كان صلاح الدين الأيوبي أول من حصّن قلعة القاهرة (1175-1183) مدخلا ذلك الطراز المعماري العسكري إلى مصر الذي لم تعرف قبله سوى القصبات الشمال أفريقية، ونموذج آخر عليه وإن كان أصغر قلعة الجندي في سيناء، والتي تشرف على طريق القوافل الذي يربط مصر بالشرق الأدنى. في تلك القلعة، عثر فريق آثار فرنسي عام 1909م، على عدد من الغرف المقببة الكبيرة المنحوتة في الصخر، بها بقايا متاجر وصهاريج مياه. وآثار سور مجرى العيون بالقاهرة لا زالت باقية إلى اليوم.

    كذلك يُطلق بعض المسلمين على أولادهم الذكور اسم «صلاح الدين» تيمنًا بهذا القائد، على الرغم من أن هذا الاسم كان لقبًا للسلطان الأيوبي خُلع عليه بعد إسقاطه الدولة الفاطمية وقتاله الصليبيين.

    في الوعي الأوروبي

    بالرغم من كون صلاح الدين خصمًا للأوروبيين، فإنه ظل في الوعي الأوروبي نموذجًا للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي، حتى أنه توجد ملحمة شعبية شعرية من القرن الرابع عشر تصف أعماله البطولية. فمع أن الصليبيين ارتكبوا مذابح عندما انتزعوا القدس في عام 1099م، فقد عفا صلاح الدين وسمح للمسيحيين الغربيين بالمغادرة مع بقايا الجيش المسيحي المنهزم، طالما أنهم كانوا قادرين على دفع الفدية التي فرضها عليهم. كما عومل الأرثوذكس (ومنهم مسيحيون عرب) معاملة أفضل لأنهم عادة ما كانوا يعارضون الغزو الأوروبي الصليبي.

    امتدح القادة المسيحيون صلاح الدين مع أن العقيدة مختلفة، خصوصًا ريتشارد قلب الأسد، الذي يُروى أنه قال عنه أنه أمير عظيم وأنه بلا شك أعظم وأقوى قائد في العالم الإسلامي؛ كما يُروى أن صلاح الدين ردَّ بأنه لم يكن هناك قائد مسيحي أشرف من ريتشارد. وبعد معاهدة الرملة، تبادل صلاح الدين وريتشارد الهدايا كرمز للاحترام المتبادل، ولكنهما لم يلتقيا قط وجهًا لوجه.

    قال عنه المؤرخون الأوروبيون أنه «من الحق أن كرمه وورعه وبعده عن التعصب؛ تلك الليبرالية والنزاهة التي كانت النموذج الذي ألهم مؤرخينا القدماء؛ هي ما أكسبه احترامًا في سوريا الإفرنجية لا يقل عن الذي له في أرض الإسلام.»

    وعلى النقيض، ووفقًا لبعض المصادر، فخلال الحرب العالمية الأولى، أعلن القائد البريطاني إدموند ألنبي بفخر أن «اليوم انتهت الحروب الصليبية» رافعًا سيفه نحو تمثال لصلاح الدين الأيوبي بعد الاستيلاء على دمشق، وهي العبارة التي لازمت ألنبي طوال حياته، وهو ما احتج عليه بشدة ضد من يصفون غزوه لفلسطين عام 1917م بالحملة الصليبية. وفي عام 1933م، ذكر ألنبي أن أهمية القدس تكمن في أهميتها الاستراتيجية، ولم يكن هناك دوافع دينية لتلك الحملة. وبعد أن دخل الفريق أول الفرنسي هنري غورو المدينة في شهر يوليو من عام 1920م، ركل قبر صلاح الدين الأيوبي وهو يصيح «استيقظ يا صلاح الدين، قد عدنا تواجدي هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال».

    مما يُروى عنه

    ذكر بهاء الدين الأصفهاني، أنه في شهر أبريل من سنة 1191م، كانت امرأة من الفرنجة قد سرق منها طفلها الذي يبلغ من العمر ثلاثة شهور، وبيع في السوق، فنصحها الفرنجة بالتظلم لصلاح الدين الأيوبي نفسه، فأمر صلاح الدين باستعادة الطفل من ماله الخاص لأمه، وأعادها إلى مخيمها.

    صلاح الدين في الإعلام والأدب

    الإعلام

    ظهرت شخصية صلاح الدين في عدد من الأفلام السينمائيّة والمسلسلات التلفزيونية، وفي أغلب الأحيان أدّى الأدوار ممثلون عرب من سوريا أو مصر، أما أبرز الأعمال الفنية المرئية التي تناولت شخصية صلاح الدين: الناصر صلاح الدين، وهو فيلم يعود لسنة 1963م من إخراج يوسف شاهين، وبطولة الممثل المصري أحمد مظهر، الذي أدّى دور صلاح الدين، ومسلسل صلاح الدين الأيوبي من بطولة الممثل السوري جمال سليمان. أما أبرز الأعمال الفنية السينمائية التي تناولت شخصية صلاح الدين، فكان فيلم مملكة السماء للمخرج البريطاني السير ريدلي سكوت، وفيه أدّى الممثل السوري غسان مسعود دور صلاح الدين، وقد استُقبل هذا الفيلم بالترحيب في العالمين العربي والإسلامي، وقال رواد دور السينما إنه يقدم شيءًا مختلفًا عن الصورة النمطية للعرب والمسلمين في أفلام هوليوود بوصفهم إرهابيين، كذلك أُثني على أداء غسان مسعود لدور القائد التاريخي، وعلى نص وإخراج ريدلي سكوت، الذي صوّر صلاح الدين بأمانة شديدة وأظهر جوانب الفروسية في شخصه، والاحترام المتبادل بينه وبين بلدوين الرابع ملك بيت المقدس، وقد قال بعض النقّاد أن غسان مسعود كان سيترك انطباعًا أفضل إذا ما أعطاه سكوت مساحة أكبر «فقد رأينا لمحات من بطولته، وذلك لا يلبي كل الطموحات، ولكن لا نستطيع أن نطلب من ريدلي سكوت أن يقدم كل شيء، حسبه إنه قدم صورة بها قدر من التوازن».

    الأدب

    أثارت رواية طارق علي «كتاب صلاح الدين الأيوبي»، الاهتمام بصلاح الدين والعالم الذي عاش فيه. كما أن الشاعر دانتي أليغييري مؤلف الكوميديا الإلهية قد وضعه في المطهر مع عدد من الشخصيات التي عدها كافرة - وفق معتقده المسيحي الكاثوليكي - لكنها في نظره شخصيات صالحة وسامية أخلاقيًا (وضع دانتي الرسول محمد في المطهر كذلك). كما أن صلاح الدين يُصوَّر تصويرًا مقبولًا في رواية والتر سكوت «التعويذة» المكتوبة سنة 1825م.

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (145)بحث أكاديمي9جهة رسمية12كتاب متخصص105موقع موثوق19

بحث أكاديمي(9)

  1. Painting in the Fatimid Period: A Reconsideration · Journal of the Royal Asiatic Society · 2022
  2. The Iconography of a Military Elite (Part II) · Mamluk Studies Review · 2016
  3. Parker · Coptic Language and Identity in Ayyūbid Egypt · Al-Masāq · 2013
  4. Taagepera · Expansion and Contraction Patterns of Large Polities: Context for Russia · International Studies Quarterly · 1997
  5. The Aghānī Miniatures and Religious Painting in Islam · The Burlington Magazine · 1953
  6. Briggs · The Architecture of Saladin and the Influence of the Crusades (A.D. 1171–1250) · The Burlington Magazine for Connoisseurs · 1921
  7. Kahil · The Architect/s of the Sultan Ḥasan Complex in Cairo · Artibus Asiae · 2006
  8. Al-Harithy · The Complex of Sultan Hasan in Cairo: Reading between the Lines · Muqarnas · 1996
  9. Cazel · The Tax of 1185 in Aid of the Holy Land · Speculum · 1955

جهة رسمية(12)

  1. Ayyubid dynasty battle scene · British Museum
  2. Poetry on Enamelled Glass: The Palmer Cup in the British Museum.' In: Ward, R, (ed.), Gilded and Enamelled Glass from the Middle East · British Museum Press · 1998
  3. Text and Image on Middle Eastern Objects: The Palmer Cup in Context (in A Rothschild Renaissance: A New Look at the Waddesdon Bequest in the British Museum) · British Museum Research Publications · 2017
  4. Bassin au nom du sultan al-'Adil II Abu Bakr · Louvre Museum · 1238
  5. Basin
  6. Saladin coin British Museum
  7. Pen-box British Museum
  8. 'Saladin' (in full, 'Salah ad-din yusuf ibn ayyub,' meaning 'righteousness of the faith, Joseph, son of Job') (c. 1137–1193) · Brown University
  9. Torky · Aqueduct · 2019
  10. Egypt Military Museum in the Citadel · Ask-aladdin
  11. Pen and Parchment: Drawing in the Middle Ages – Exhibition Images » Saladin's Capture of the True Cross · Metropolitan Museum of Art
  12. (PDF) Saladin's Christian hostages and prisoners | Filippo Donvito - Academia.edu

كتاب متخصص(105)

  1. The Oxford Handbook of Islamic Law · Oxford University Press · 2018
  2. The Oxford World History of Empire: Volume One: The Imperial Experience · Oxford University Press · 2020
  3. Empires and Communities in the Post-Roman and Islamic World, C. 400–1000 CE · Oxford University Press · 2021
  4. Cahen · La Syrie du nord à l'époque des croisades et la principauté franque d'Antioche · P. Geuthner · 1940
  5. Radpey · Towards an Independent Kurdistan: Self-Determination in International Law · Taylor & Francis · 2023
  6. Satō · State and Rural Society in Medieval Islam: Sultans, Muqtaʻs, and Fallahun · Brill · 1997
  7. The Coinage of the Ayyubids · Royal Numismatic Society · 1980
  8. Men-at-arms series 171 – Saladin and the saracens · Osprey publishing · 1997
  9. The atlas of the Crusades · New York : Facts on File · 1991
  10. Les périples de Kalila et Dimna: quand les fables voyagent dans la littérature et les arts du monde islamique · Brill
  11. Arab Painting: Text and Image in Illustrated Arabic Manuscripts · Brill · 2010
  12. Dress and Dress Code in Medieval Cairo: A Mamluk Obsession · 2024
  13. Minorsky · Studies in Caucasian History: I. New Light on the Shaddadids of Ganja II. The Shaddadids of Ani III. Prehistory of Saladin · CUP Archive · 1953
  14. Arab painting · New York : Rizzoli · 1977
  15. The Cambridge History of Africa · Cambridge University Press · 1975
  16. Sato · State and Rural Society in Medieval Islam: Sultans, Muqta's and Fallahun · BRILL · 2021
  17. The Life of Saladin · Committee of the Palestine Exploration Fund · 2014
  18. Hillenbrand · The Crusades: Islamic Perspectives · Psychology Press · 1999
  19. Werthmuller · Coptic Identity and Ayyubid Politics in Egypt, 1218–1250 · American Univ in Cairo Press · 2010
  20. Korn · Encyclopaedia of Islam, Three · Brill · 2007
  21. Ruggles · Tree of pearls: The extraordinary architectural patronage of the 13th-century Egyptian slave-queen Shajar al-Durr · Oxford University Press · 2020
  22. Behrens-Abouseif · Cairo of the Mamluks: A History of Architecture and its Culture · The American University in Cairo Press · 2007
  23. Abun-Nasr · A history of the Maghrib in the Islamic period · Cambridge University Press · 1987
  24. Baadj · Saladin, the Almohads and the Banū Ghāniya: The Contest for North Africa (12th and 13th centuries) · Brill · 2015
  25. Studies in Kurdish History: Empire, Ethnicity and Identity · Taylor & Francis · 2017
  26. Öpengin · The Cambridge History of the Kurds · Cambridge University Press · 2021
  27. Saladin · Bloomsbury Publishing · 2011
  28. Rabbat · The Citadel of Cairo: A New Interpretation of Royal Mamluk Architecture · Brill · 1995
  29. Raymond · Cairo · Harvard University Press · 2000
  30. Williams · Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide · The American University in Cairo Press · 2018
  31. The House of War: The Struggle between Christendom and the Caliphate · Bloomsbury Publishing · 2024
  32. Humphreys · From Saladin to the Mongols: The Ayyubids of Damascus, 1193–1260 · State University of New York Press · 1977
  33. Morton · The Crusader States and Their Neighbours: A Military History, 1099–1187 · Oxford University Press · 2020
  34. Minorsky · Studies in Caucasian History · Cambridge University Press · 1953
  35. Michael Haag · The Tragedy of the Templars: The Rise and Fall of the Crusader States · Profile Books · 2012
  36. Arab Historians of the Crusades · University of California Press · 1984
  37. Caldwell Ames · Medieval Heresies · Cambridge University Press · 2015
  38. J. Spencer Trimingham · The Sufi Orders in Islam · Oxford University Press · 1998
  39. Nathan Hofer · The Popularisation of Sufism in Ayyubid and Mamluk Egypt, 1173–1325 · Edinburgh University Press · 2015
  40. The life and legend of the Sultan Saladin · 2019
  41. Saladin and the fall of the Kingdom of Jerusalem · Рипол Классик · 1903
  42. E. J. Brill's First Encyclopaedia of Islam, 1913–1936 · Brill · 1993
  43. Gabrieli · Arab Historians of the Crusades · University of California Press · 1984
  44. Richards · The Rare and Excellent History of Saladin or al-Nawadir al-Sultaniyya wa'l-Mahasin al-Yusufiyya by Baha' al-Din Ibn Shaddad · Taylor & Francis · 2002
  45. Anecdotes et Beaux Traits de la Vie du Sultan Youssof, Recueil des Historiens des Croisades, Orientaux Tome III · les Soins de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres Historiens · 1884
  46. Tyerman · God's War · Harvard University Press · 2006
  47. Madden · The New Concise History of the Crusades · Rowman and Littlefield Publishers · 2006
  48. Bishop · The Middle Ages · Houghton Mifflin Harcourt · 2001
  49. Queens, Eunuchs and Concubines in Islamic History, 661-1257 · Edinburgh University Press · 2019
  50. Kitāb al-rawḍatayn fī akhbār al-dawlatayn · Maṭbaʻat Wādī al-Nīl · 1871
  51. The art and architecture of Islamic Cairo · Garnet · 2006
  52. Gunter, Michael M. · Historical Dictionary of the Kurds · Scarecrow Press · 2010
  53. Hillenbrand, Carole · The Crusades: Islamic Perspectives · Psychology Press · 1999
  54. Catherwood, Christopher · Making War in the Name of God · Kensington Publishing Corp. · 2008
  55. Dunnigan, James F. · A Quick & Dirty Guide to War: Briefings on Present and Potential Wars · Quill/W. Morrow · 1991
  56. Introduction to the History of the Muslim East: A Bibliographical Guide · University of California Press · 1965
  57. Baha ad-Din ibn Shaddad · The Rare and Excellent History of Saladin · Ashgate · 2002
  58. Imad ad-Din al-Isfahani · Conquête de la Syrie et de la Palestine par Salâh ed-dîn · Brill · 1888
  59. Dictionary of World Biography: The Middle Ages · Routledge · 1998
  60. Dunphy · History as Literature: German World Chronicles of the Thirteenth Century in Verse · 2003
  61. Eddé · Saladin · Harvard University Press · 2011
  62. Ehrenkreutz · Saladin · State University of New York Press · 1972
  63. Gillingham · Richard I · Yale University Press · 1999
  64. Grousset · The epic of the Crusades · Orion Press · 1970
  65. Master Narratives of Islamist Extremism · Palgrave Macmillan · 2011
  66. Lane-Poole · Saladin and the Fall of the Kingdom of Jerusalem · G. P. Putnam's Sons · 1906
  67. Saladin: The Politics of the Holy War · Cambridge University Press · 1982
  68. Pringle · The Churches of the Crusader Kingdom of Jerusalem: A–K (excluding Acre and Jerusalem) · Cambridge University Press · 1993
  69. The Crusades: A History · Yale University Press · 2005
  70. The Crusades, Christianity and Islam · Columbia · 2008
  71. Rossoff · Where heaven touches earth: Jewish life in Jerusalem from medieval times to the present · Guardian · 2001
  72. Runciman · A History of the Crusades: The Kingdom of Jerusalem and the Frankish East 1100–1187 · Penguin · 1990
  73. Chronicle of Jewish history: from the patriarchs to the 21st century · KTAV Pub. House · 1997
  74. Spevack · The Archetypal Sunni Scholar: Law, Theology, and Mysticism in the Synthesis of Al-Bajuri · State University of New York Press · 2014
  75. Constructions of Power and Piety in Medieval Aleppo · Pennsylvania State University Press · 1997
  76. Wapnewski · Walther von der Vogelweide. Gedichte. · Fischer · 1962
  77. Willey · The Castles of the Assassins · Craven Street Books · 2001
  78. Duval · Saladin the Strategist: How the Crusaders Lost the Holy Land · Byzantine Emporia, LLC · 2022
  79. Gibb · The Life of Saladin: From the Works of Imad ad-Din and Baha ad-Din · Clarendon Press · 1973
  80. Husain · Muslim heroes of the crusades: Salahuddin and Nuruddin · Ta-Ha · 1998
  81. Reston · Warriors of God: Richard the Lionheart and Saladin in the Third Crusade · Anchor Books · 2001
  82. Hindley · Saladin: Hero of Islam · Pen & Sword · 2007
  83. Phillips · The Life and Legend of the Sultan Saladin · Yale University Press · 2019
  84. Raymond · Le Caire · Fayard · 1993
  85. Goldschmidt · Historical Dictionary of Egypt · Scarecrow Press · 2013
  86. Ades · A Traveller's History of Egypt · Arris Publishing Ltd. · 2007
  87. Behrens-Absouseif · Islamic Architecture in Cairo: An Introduction · Brill · 1989
  88. Levanoni · A Turning Point in Mamluk History: The Third Reign of al-Nasir Muhammad Ibn Qalawun (1310-1341) · E.J. Brill · 1995
  89. Lyster · The Citadel of Cairo: A History and Guide · The Palm Press · 1993
  90. Lonely Planet: Egypt · Lonely Planet · 2018
  91. Cairo · Harvard University Press · 2000
  92. Behren-Abouseif · Cairo of the Mamluks: A History of its Architecture and its Culture · The American University in Cairo Press · 2007
  93. Blue Guide Egypt · A & C Black · 1988
  94. Egyptian Palaces and Villas · Abrams · 2006
  95. Nicolle · Hattin 1187. Saladin's greatest victory · Bloomsbury USA · 1993
  96. Payne · The Crusades · Wordsworth Editions · 1998
  97. Nicholson · The Knights Templar · Sutton Pub. · 2004
  98. France · Hattin: Great Battles Series · Oxford University Press · 2015
  99. Hamilton · The Leper King and His Heirs: Baldwin IV and the Crusader Kingdom of Jerusalem · Cambridge University Press · 2000
  100. Ibn Khallikan · Kitab wafayat ala'yan - Ibn Khallikan's Biographical Dictionary · 1843
  101. Mayer, Hans Eberhard · The Crusades · Oxford University Press · 1988
  102. God's Warriors: Knights Templar, Saracens and the Battle for Jerusalem · Osprey Publishing · 2006
  103. Richard · The Crusades, c. 1071-c. 1291 · Cambridge University Press · 1999
  104. Tibble · The Crusader Armies, 1099–1187 · Yale University Press · 2018
  105. Hosler · The Siege of Acre, 1189–1191: Saladin, Richard the Lionheart, and the Battle that Decided the Third Crusade · Yale University Press · 2018

موقع موثوق(19)

  1. Kalam · 1987
  2. Peacock · Rawwadids · 2017
  3. Humphreys · Ayyubids · 2017
  4. RAWWADIDS
  5. 'Abd al-Qadir al-Jilani · Futuh al-Ghayb ("Revelations of the Unseen") · 2019
  6. Who2 Biography: Saladin, Sultan / Military Leader · Answers.com
  7. acsearch.info – Auction research
  8. Copper alloy dirham of Saladin, Nisibin, 578 H. · American Numismatic Society
  9. Mausoleum of Saladin
  10. The Book of Saladin
  11. Ghazi Salahuddin (1939)
  12. Civilization IV: Civilizations · Civilization Fanatics Center · 2009
  13. Civilization VI: Saladin Leads Arabia
  14. Into the Renaissance | Scenarios – Sid Meier's Civilization V – Gods & Kings Game Guide · 2016
  15. GREAT NEGOTIATORS PACK · 2K
  16. Salah al-Din Yusuf - Paradox Interactive
  17. The Mosque of Muhammad Ali (history)
  18. Saladin's Triumph: The Battle of Hattin, 1187 - History Today
  19. San Nicasio Camuto de Burgio Patrono e Protettore della Città di Caccamo Cavaliere dell'Ordine

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة