تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

الدولة الفاطمية

~969 – ~1171 م

13 فصلًا · 171 دقيقة قراءة · 312 مرجعًا

  1. 969 م

    المقدّمة

    3 دقائق قراءةالدَّوْلَةُ الفَاطِمِيَّةُ أو الخِلَافَةُ الفَاطِمِيَّةُ أو الدَّوْلَةُ العُبَيْدِيَّةُ هي إحدى دُولِ الخِلافةُ الإسلاميَّة، والوحيدةُ بين دُولِ الخِلافةِ التي اتخذت من المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها. قامت…

    الدَّوْلَةُ الفَاطِمِيَّةُ أو الخِلَافَةُ الفَاطِمِيَّةُ أو الدَّوْلَةُ العُبَيْدِيَّةُ هي إحدى دُولِ الخِلافةُ الإسلاميَّة، والوحيدةُ بين دُولِ الخِلافةِ التي اتخذت من المذهب الشيعي الإسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها. قامت هذه الدولة بعد أن نشط الدُعاة الإسماعيليّون في إذكاء الجذوة الحُسينيَّة ودعوة الناس إلى القتال باسم الإمام المهديّ المُنتظر، الذين تنبأوا جميعًا بظُهوره في القريب العاجل، وذلك خلال العهد العبَّاسي فأصابوا بذلك نجاحًا في الأقاليم البعيدة عن مركز الحُكم خاصّةً، بسبب مُطاردة العبَّاسيين لهم واضطهادهم في المشرق العربي، فانتقلوا إلى المغرب حيثُ تمكنوا من استقطاب الجماهير وسط قبيلة كتامة البربريَّة خصوصًا، وأعلنوا قيام الخِلافةِ بعد حين. شملت الدولة الفاطميَّة مناطق وأقاليم واسعة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فامتدَّ نطاقها على طول الساحل المُتوسطيّ من بلاد المغرب إلى مصر، ثُمَّ توسَّع الخُلفاء الفاطميّون أكثر فضمّوا إلى مُمتلكاتهم جزيرة صقلية، والشَّام، والحجاز، فأصبحت دولتهم أكبر دولةٍ استقلَّت عن الدولة العبَّاسيَّة، والمُنافس الرئيس لها على زعامة الأراضي المُقدَّسة وزعامة المُسلمين.

    اختلفت المصادر التاريخيَّة حول تحديد نسب الفاطميين، فمُعظم المصادر الشيعيَّة تؤكِّد صحَّة ما قال به مؤسس هذه السُلالة، الإمام عُبيد الله المهدي بالله، وهو أنَّ الفاطميين يرجعون بنسبهم إلى مُحمَّد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق، فهُم بهذا عَلَويّون، ومن سُلالة الرسول مُحمَّد عبر ابنته فاطمة الزهراء ورابع الخُلفاء الرَّاشدين الإمام عليّ بن أبي طالب. بالمُقابل، أنكرت مصادر أُخرى هذا النسب وأرجعت أصل عُبيد الله المهدي إلى الفُرس أو اليهود. أسس الفاطميّون مدينة المهدية في ولاية إفريقية سنة 300هـ المُوافقة لِسنتيّ 912 - 913م، واتخذوها عاصمةً لدولتهم الناشئة، وفي سنة 336هـ المُوافقة لِسنة 948م، نقلوا مركز الحُكم إلى مدينة المنصوريَّة، ولمَّا تمَّ للفاطميين فتح مصر سنة 358هـ المُوافقة لِسنة 969م، أسسوا مدينة القاهرة شمال الفسطاط، وجعلوها عاصمتهم، فأصبحت مصر المركز الروحيّ والثقافيّ والسياسيّ للدولة، وبقيت كذلك حتّى انهيارها.

    أظهر عددٌ من الخُلفاء الفاطميّين تعصُّبهم للمذهب الإسماعيلي، فعانى أتباع المذاهب والديانات الأُخرى خِلال عهدهم، وبالمُقابل اشتهر غيرهم بتسامحه الشديد مع سائر المذاهب الإسلاميَّة ومع غير المُسلمين من اليهود والنصارى الأقباط واللاتين والشوام من رومٍ وسُريانٍ وموارنة، واشتهر الفاطميّون أيضًا بقدرتهم على الاستفادة من كافَّة المُكونات البشريَّة لدولتهم المُنتمية لتكتُلاتٍ عُنصريَّة مُتنوِّعة، فاستعانوا بالبربر والتُرك والأحباش والأرمن في تسيير شؤون الدولة، إلى جانب المُكوِّن العُنصري الرئيسي، أي العرب.

    شكَّل العصر الفاطمي امتدادًا للعصر الذهبي للإسلام، لكنَّ قُصور الخُلفاء لم تحفل بالعُلماء والكُتَّاب البارزين كما فعلت قُصور بغداد قبلها. وكان الجامع الأزهر ودار الحكمة مركزين كبيرين لنشر العلم وتعليم أُصول اللُغة والدين. وأبرز عُلماء هذا العصر كان الحسن ابن الهيثم كبير عُلماء الطبيعيَّات، والأخصَّائي بعلم البصريَّات، وقد جاوزت مؤلَّفاته المائة في الرِّياضيَّات وعلم الفلك والطب. أخذت الدولة الفاطميَّة تتراجع بسُرعةٍ كبيرة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، فاستبدَّ الوُزراء بالسُلطة وأصبح اختيار الخُلفاء بأيديهم. وكان هؤلاء الخُلفاء غالبًا من الأطفال أو الفتيان، واختلف عددٌ كبيرٌ من الوزراء مع قادة الجيش ووُلاة الأمصار ورجال القصر، فعاشوا في جوٍ من الفتن والدسائس، تاركين الناس يموتون من المجاعة والأوبئة المُتفشية. وخلال ذلك الوقت كانت الخِلافة العبَّاسيَّة قد أصبحت في حماية السلاجقة، الذين أخذوا على عاتقهم استرجاع الأراضي التي خسرها العبَّاسيّون لصالح الفاطميين، ففتحوا شمال الشَّام وسواحلها وسيطروا عليها لفترةٍ من الزمن قبل أن يستردَّها الفاطميّون، لكنَّها لم تلبث بأيديهم طويلًا، إذ كانت الحملة الصليبيَّة الأولى قد بلغت المشرق، وفتح المُلوك والأُمراء الإفرنج المُدن والقلاع الشاميَّة الواحدة تلو الأُخرى، وبلغ أحد هؤلاء المُلوك، وهو عمّوري الأوَّل أبواب القاهرة وهددها بالسُقوط. استمرَّت الدولة الفاطميَّة تُنازع حتّى سنة 1171م عندما استقلَّ صلاح الدين الأيوبي بمصر بعد وفاة آخر الخُلفاء الفاطميين، وهو أبو مُحمَّد عبدُ الله العاضد لدين الله، وأزال سُلطتهم الإسميَّة بعد أن كانت سُلطتهم الفعليَّة قد زالت مُنذُ عهد الوزير بدر الدين الجمالي.

  2. أُصول الفاطميين

    11 دقيقة قراءةأُثيرت حول أُصول الفاطميين عدَّة قضايا مُعقَّدة لم يصل الباحثون فيها إلى نتائج مُوحدة. فهذا اللقب، أي «الفاطميين» الذي عُرف به خُلفاء عُبيد الله المهدي، يدُلُّ، للوهلة الأولى، على أنَّهم من ذُريَّة عليّ بن أبي طالب رابع…

    أُثيرت حول أُصول الفاطميين عدَّة قضايا مُعقَّدة لم يصل الباحثون فيها إلى نتائج مُوحدة. فهذا اللقب، أي «الفاطميين» الذي عُرف به خُلفاء عُبيد الله المهدي، يدُلُّ، للوهلة الأولى، على أنَّهم من ذُريَّة عليّ بن أبي طالب رابع الخُلفاء الراشدين وأوَّل أئمة الشيعة، وفاطمة الزهراء بنت الرسول مُحمَّد، فهُم عَلَويّون. على أنَّ قضيَّة نسب الأُسرة الفاطميَّة، كان ولا يزال، موضوعًا لم يتفق المؤرخون، لا في الماضي ولا في الحاضر، على رأيٍ واحدٍ فيه، وذلك بفعل واقعين: الأوَّل هو التباين السياسي والمذهبي الذي ساد بين المُسلمين بعد وفاة الرسول، والثاني هو امتناع الفاطميين، مُدَّةً من الزمن، عن إعلان أنسابهم، بالإضافة إلى تعمُّدهم إخفاء أسماء أئمتهم من مُحمَّد بن إسماعيل حتّى عُبيد الله المهدي في المُدَّة التي اتخذوا فيها مبدأ ستر الإمام. وذهب كُلُّ مصدر مذهبًا خاصًّا في تحديد اسم ونسب عُبيد الله المهدي قبل أن يكون مهديًّا، وبعد أن صار كذلك. فبعضُ المصادر تنفي عنه النسب العَلَوي، وتعزوهُ إلى الفُرس أو المجوس، وتصفه أحيانًا بأنَّه ابن يهودي، وترجع في نسبه إلى ميمون القدَّاح فارسيّ الأصل. وهي وإن اختلفت في تحديد اسمه قبل استلامه رئاسة الدعوة الفاطميَّة، إلَّا أنَّها تتفق على أنَّ اسمه بعد أن أصبح رئيسًا للفاطميين هو عُبيد الله، وعلى هذا الأساس دعت هذه المصادر الدولة الفاطميَّة باسم «الدولة العُبيديَّة». وفي المُقابل تؤكد مصادر أُخرى، مُعظمها شيعيَّة، صحَّة نسب عُبيد الله المهدي، وتُرجعه إلى مُحمَّد بن إسماعيل بن جعفر الصَّادق.

    رأي المُنكرين لنسب الفاطميين إلى عليّ وفاطمة

    وفقًا لما ذكره المؤرِّخ ڤلاديمير إيڤانوڤ في بحثه عن تُراث الإسماعيليَّة المُتعلِّق بظهور الفاطميين، فإنَّ اسم الفاطميين هو الذي أُطلق على الإسماعيليَّة في بداية الأمر. ويذكُرُ الطبريُّ أنَّ بدو بني الأصبغ في بادية الشَّام، اتخذوا هذا الاسم تحت زعامة القُرمطي الإسماعيلي يحيى بن زكرويه. ويُمكنُ التماس أُصول الحركة الفاطميَّة التي أوصلت الفاطميين إلى السُلطة في إفريقية بزعامة عُبيد الله المهدي في أُصول العقائد الشيعيَّة الإسماعيليَّة التي تُمثِّلُ في الوقت نفسه أبعادًا سياسيَّة وفلسفيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة، والتي يتوقَّع مُعتنقوها ظُهور المهدي المنتظر من سُلالة الرسول مُحمَّد من خلال عليّ وفاطمة مُرورًا بفرع إسماعيل بن جعفر الصَّادق. والواضح أنَّ إسماعيل بن جعفر الصَّادق الذي توفي في حياة أبيه، كان أوسع نشاطًا من إخوته، وأعظمهم تأثيرًا في بناء العمل السياسي للشيعة الإسماعيليين، واتبع مبدأ التقيَّة، فعمل في خفاءٍ تامٍّ، وأحسن اختيار دُعاته وبخاصَّةً مُحمَّد بن أبي زينب مِقلس الأجدع الأسدي المعروف بأبي الخطَّاب، الذي ادَّعى أنَّ الإمام جعفر الصَّادق جعلهُ قيِّمًا ووصيًّا على ابنه. ووضع إسماعيل بمُساعدته أُسس المذهب الإسماعيلي، وهو أوَّل من تصوَّر الإمامة الشيعيَّة على أنَّها سيادة العالم الإسلامي، أي أنَّهُ حوَّل الإمامة إلى معنى سياسيّ شبيه بالخِلافة، ووضع الخِطط السريَّة للوُصول إلى الحُكم.

    وضبط مُحمَّد بن إسماعيل المذهب، ونظَّم الدعوة في عهد الخُلفاء العبَّاسيين: أبو عبدَ الله مُحمَّد المهدي، وأبو مُحمَّد موسى الهادي، وبداية عهد هٰرون الرشيد بمُساعدة حُجَّته ميمون القدَّاح الذي تقول عنه المصادر السُنيَّة أنَّه الديصاني ثنويّ المذهب، الذي أسلم أو أظهر الإسلام مدفوعًا بعاملين: سياسي يتمثَّل بإعادة النُفوذ إلى الفُرس عن طريق الشيعة، وديني يهدف إلى هدم الدين الإسلامي عن طريق الفلسفة الإغريقيَّة، وانتسب إلى الدَّعوة الإسماعيليَّة وأضحى من كبار الدُعاة. ويُرجع الإسماعيليّون نسبه إلى الصَّحابيّ سلمان الفارسيّ. وطوَّر أُسس المذهب، ووضع الخِطط التي أوصلت الفاطميين إلى الحُكم، ونظرًا لأنَّه كان أحد تلامذة الفلسفة الإغريقيَّة، فقد استغلَّ التعاليم الأرسطاليسيَّة والأفلاطونيَّة لوضع التعاليم الإسلاميَّة في قالبٍ جديدٍ، وأسس حركةً سريَّةً لإحاطة الأئمَّة بستارٍ كثيفٍ.

    ويبدو أنَّ الإقامة في المدينة المُنوَّرة أو عاصمة الخِلافة، أو أيُّ حاضرة من الحواضر المشرقيَّة أضحت مُستحيلة بعد حملة الاعتقالات التي نفَّذها الخليفة هٰرون الرشيد، فغادر مُحمَّد بن إسماعيل إلى فرغانة ثُمَّ نيسابور حيثُ تزوَّج وأنجب ابنه عبدُ الله الرضيّ الذي تولّى الإمامة بعده، ونصب له حجبًا وأمرهم بأن يتسمّوا باسمه للتستّر عليه. وخلف ميمون القدَّاح بعد وفاته ابنه عبدُ الله، والكان حجَّة للإمام عبدُ الله الرضيّ بن مُحمَّد بن إسماعيل، فتابع عمل أبيه، واستطاع أن يجمع مُعظم الفِرق العَلَويَّة المُنقسمة على نفسها في جبهةٍ واحدة، وضمَّ إلى جماعته كُلُّ العناصر السَّاخطة على العبَّاسيين ليُشكِّل منهم جماعة تُخلص لإسماعيل بن جعفر، مدفوعًا بشعوبيَّته الفارسيَّة المُتطرِّفة ضد العرب، ثُمَّ نقل مقرُّ الدعوة والإمام عبدُ الله الرضيّ وابنه أحمد إلى مدينة الأحواز. وعندما انتقل الإمام إلى بلدة سلميَّة في الشَّام بين حمص وحماة في أواخر عهد الخليفة العبَّاسي أبو جعفر عبدُ الله المأمون خشيةً من مُلاحقة العبَّاسيين له، ظلَّ حُجَّته عبدُ الله القدَّاح يُقيم في الأحواز تستُرًا عليه، ثُمَّ لحق به إلى سلميَّة التي أضحت مركز الدعوة الإسماعيليَّة. اشتهر لعبدِ الله القدَّاح ثلاثة أولاد، هم: أحمد والحُسين وعليّ، اعتمد عليهم في نشر الدعوة الإسماعيليَّة. فجعل ابنه الحُسين في سلميَّة مع الإمام الحسين بن أحمد لزيادة التستّر عليه. وكان أحمد المُلقَّب بأبي الشلعلع مسؤولًا عن الدعوة في العراق والأحواز، فادَّعى أنَّهُ من نسل عُقيل بن أبي طالب لاستقطاب الشيعة، وكان قد أحكم النسب في البصرة. واختصَّ الابن الثالث عليّ بنشر الدعوة في خُراسان، ونهايته مجهولة. وعندما توفي الحُسين بن عبدُ الله القدَّاح، عهد أبوه عبدُ الله إلى ابنه أحمد برئاسة الدعوة في سلميَّة بالإضافة إلى العراق، ثُمَّ انتقلت إليه رئاسة الدعوة بعد وفاة أبيه، وأصبح وصيًّا على ابن أخيه سعيد بن الحُسين الذي تقلَّد منصب الحجَّة أو نائب الإمام عقب وفاة عمِّه أحمد، ولم يكن قد تجاوز العشرين من العُمر، فأظهر إخلاصًا وتفانيًا للمذهب الإسماعيلي، ولذلك كان موضع ثقة الإمام المستور الذي قلَّده إمامة الإسماعيليَّة استيداعًا لا استقرارًا، واتخذ اسم عبدُ الله، وادَّعى أنَّهُ من السُلالة الشيعيَّة، وأنَّهُ المهدي، وهو عُبيدُ الله أوَّل الخُلفاء الفاطميين في إفريقية. وبهذا فإنَّ المصادر سالفة الذِكر تنسب الفاطميين إلى القدَّاحيَّة، وهي مُستقاة من رواية أبي عبد الله مُحمَّد بن عليّ بن رزَّام الطائيّ الكوفيّ في ردّه على الإسماعيليَّة أواخر القرن الرابع الهجري، ونقلها ابن النديم في مؤلفه «الفهرست»، وأخذها عنه من جاء بعده من المؤرخين. أيضًا، هُناك اعترافٌ من شخصٍ عَلَويٍّ عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، هو الشريف أبو الحُسين مُحمَّد بن عليّ بن الحُسين المعروف بأخي مُحسن، ينفي فيه نسب الفاطميين إلى عليّ وفاطمة، ويذكر أنَّ مذهب الإسماعيليَّة لم يكن سوى غشٍ لعبدُ الله بن ميمون القدَّاح الذي استهدف، بفضل تعليمٍ خفيٍّ تدريبيٍّ في سبع درجاتٍ، القضاء على الإسلام.

    رأي المُؤيدين لنسب الفاطميين إلى عليّ وفاطمة

    يرى الإسماعيليَّون وغيرهم من الباحثين أنَّ الطعن الذي تمتلئ به كتب مُخالفيهم من المذاهب الأُخرى قد بُنيت بشكلٍ كبيرٍ على التنكيل وتعمُّد الاستناد إلى معلوماتٍ غير صحيحة. وهذا يحصل لأسبابٍ دينيَّةٍ وسياسيَّةٍ بسبب قيام الدولة الفاطميَّة وسيطرتها على أنحاء واسعة من الديار الإسلاميَّة، وأيضًا بسبب السريَّة الكبيرة التي تميَّزت بها الحركة الإسماعيليَّة حيثُ أنَّ دراسة الإسماعيليَّة كانت تنحصر بالمصادر والروايات التي أنتجها أعدائهم. حسب المصادر الإسماعيليَّة فإنَّ جعفر الصَّادق قد أعطى الإمامة إلى ابنه الأكبر إسماعيل الذي توفي سريعًا بعد ذلك، فانتقلت الخلافة بعده إلى ابنه مُحمَّد. وبسبب قمع الدولة العباسيَّة ومحاولتها الحثيثة لاغتياله، بدأ مُحمَّد مرحلةً مُهمَّةً وأساسيَّةً في تاريخ الإسماعيليَّة والمعروفة «بمرحلة الستر» حيثُ عمد إلى ترك المدينة المُنوَّرة وإخفاء هويَّته عن عامَّة الناس إلَّا عن قلَّة قليلة من الذين يثق بهم. ومن أهم هؤلاء ميمون القدَّاح ثم ابنه من بعده عبدُ الله بن ميمون. الذين عملوا بشكلٍ كبيرٍ على حماية مُحمَّد بن إسماعيل وكانوا حلقة الوصل بينه وبين عددٍ كبيرٍ من الناس. يرفض المُستشرق المُختص بالدراسات الإسماعيليَّة ڤلاديمير إيڤانوڤ الفكرة القائلة بأنَّ ميمون القدَّاح لم يكن مُسلمًا وانما ديصانيّ يهدف إلى هدم الإسلام، فيقول إنَّ الفاطميين أخفوا أنسابهم وفروع ذوي قُرباهم خوفًا من أعدائهم، وأنَّ قصَّة ميمون وولده هذا ليست إلَّا خُرافةً وأُسطورة. وقد ورد ذكر اسم ميمون القدَّاح وابنه في كتُب الرجال الخاصة بالشيعة الإثنا عشرية لتصف ميمون بأنَّه من أصحاب الإمامين الباقر والصَّادق المُقرَّبين، وتثُني عليه، ويظهر في تلك المصادر أنَّهُ من مكَّة (من بني مخزوم تحديدًا). كما يذكر الذهبي وابن حجر اسم عبدَ الله بن ميمون القدَّاح ويؤكد انتسابه إلى مكَّة وبني مخزوم ويكتفي باعتباره «ضعيف». وفي خطاب المُعز لدين الله إلى داعي السند، ينفي فيه ما ادعاه مناوئية برعاية الدولة العباسيَّة من انتساب الخُلفاء الفاطميين إلى ميمون القدَّاح ويؤكد نسبه إلى عبدُ الله بن مُحمَّد بن إسماعيل، ويُشير إلى أنَّ عبدَ الله بن مُحمَّد كان يُلقَّب «عبدُ الله الميمون».

    يُشيرُ بعضُ المؤرخين إلى أنَّ الغُموض والاختلاف والاضطراب يكتنف المصادر المؤيِّدة لنسب الفاطميين إلى عليّ والزهراء، وأنَّ تلك المصادر ليست واحدة دائمًا، إذ يوجد اختلاف في أسماء الأئمَّة، من ذلك أنَّ اسم والد عُبيد الله المهدي غير مُتفق عليه بين هذه المصادر. فثمَّة رواية واحدة تذكر أنَّهُ ابنُ «أحمد» وليس ابنُ «الحُسين»، بل أنَّ عُبيد الله المهدي يظهر أحيانًا بوصفه عليّ بن الحُسين. ففي الرسالة التي أرسلها عُبيد الله المهدي إلى اليمن وكشف فيها النقاب عن نسب الفاطميين وذكر أسماء الأئمَّة المستورين، أظهر النسب الفاطميّ بصورةٍ مُغايرة لما قدَّمه التُراث الإسماعيلي المُتعلِّق بأنساب الفاطميين، فيذكر أنَّ جدّه الأعلى هو عبدُ الله أخو إسماعيل الأكبر، وأنَّ الإمام جعفر الصَّادق عيَّن عبدَ الله وليس إسماعيل وريثًا شرعيًّا له، إذ أنَّ جعفرًا خلَّف أربعة أولاد، هم: عبدُ الله وإسماعيل وموسى ومُحمَّد، وأنَّ صاحب الحق فيهم كان عبدَ الله، ولمَّا أراد هؤلاء إظهار دعوة الحق خشوا من اضطهاد العبَّاسيين، فتسمّوا بغير أسمائهم، فكانوا يحملون ألقابًا، وأحيانًا أسماء حركيَّة تُخفي حقيقتهم، وأطلقوا على أنفُسهم ألقاب: مُبارك وميمون وسعيد. فلقب ميمون الذي أُطلق على أحد أولاد جعفر الصَّادق هو الذي قاد إلى هذا الخلط، وقد علَّل الداعي المُطلق إدريس عمادُ الدين هذا الأمر بقوله:. وبناءً عليه فإنَّ تسلسل الأئمَّة يُصبح كالآتي: عبدُ الله بن جعفر الصَّادق، ثُمَّ عبدُ الله بن عبدُ الله، ثُمَّ أحمد بن عبدُ الله، ثُمَّ مُحمَّد بن أحمد، وتسمَّى كُلُّ واحدٍ من هؤلاء بمُحمَّد لأنَّ المهديّ سيكونُ مُحمَّد بن إسماعيل، فكان كُلَّما قام فيهم إمام تسمّى بمُحمَّد باستثناء عبدُ الله بن جعفر، فقد تسمّى بإسماعيل، إلى أن يظهر صاحب الظُهور الذي هو مُحمَّد بن إسماعيل، فتزول التقيَّة.

    ويُشيرُ جعفر بن منصور اليمني الذي حفظ هذه الرِّسالة، أنَّ الإمام مُحمَّد بن أحمد أوصى إلى ابن أخيه، وأعطاهُ باختيار الله، أمره كُلُّه، وتسمَّى بسعيد بن الحُسين، وصارت إليه الدعوة زمانًا. فلمَّا آن وقت الظُهور، أظهر مقامه، وأظهر اسم «عُبيد الله»، وظهر معه كذلك أبو القاسم مُحمَّد القائم بأمر الله. ويتوافق نسب عُبيد الله المهدي الذي أورته في رسالته مع ما جاء في بعض كُتب الأنساب والفِرق، فيذكر العلَّأمة عليّ بن حزم الأندلُسيّ أنَّ وُلاة مصر قد ادَّعوا في أوَّل أمرهم، إلى عبدُ الله بن جعفر بن مُحمَّد، فلمَّا صحَّ عندهم أنَّ عبدَ الله لم يعقب إلَّا ابنةً واحدة اسمها فاطمة، تركوه وانتموا إلى إسماعيل بن جعفر بن مُحمَّد. ويذكر النوبختي والقِمّي أنَّ عبدُ الله لم يُخلِّف أولادًا، ولكنَّ الثاني يذكر في مكانٍ آخر أنَّ عبد الله وُلد له ولدٌ اسمه مُحمَّد، وأنَّه أرسله إلى جهة اليمن، وانتقل بعد وفاة والده إلى خُراسان، وأنَّه الإمام بعد أبيه، وهو القائم بأمر الله. ويذكر الدَّاعي المُطلق إدريس عمادُ الدين أنَّ الإمام عبدَ الله الرضيّ بن مُحمَّد بن إسماعيل استخلف أخاهُ الحُسين مكانه، وأمر أتباعه بطاعته، غير أنَّ الحُسين قُتل في حياة أخيه، فعُهد إلى ابنه أحمد بالإمامة، وهو الإمام التقي أحمد بن عبدُ الله الذي رُزق بولدٍ سمَّاه الحُسين، وهو الإمام الزكي ووالد المهدي. ولمَّا شعر الإمام الحُسين بدُنوّ أجله، عيَّن أخاه مُحمَّدًا المُلقَّب بسعيد الخير وصيًّا على ابنه الإمام المهدي. وأراد سعيد الخير أن يجعل الإمامة في عقبه، ويُحوِّلها عن الإمام المهدي، لكنَّه فشل في ذلك. واستنادًا إلى كتاب التراتيب فإنَّ أسماء الأئمة تختلف عن غيرها ممَّا جاء في غالبيَّة المصادر الإسماعيليَّة وغير الإسماعيليَّة، فذُكر أنَّ إسماعيل ستر على نفسه حجابًا لِعِظم الفترة وتغلُّب الضِّد. وانتسب الإمام الحق بعد إسماعيل إلى ابن أخيه، وهو مُحمَّد. ولمَّا حضرته الوفاة، سلَّم هذا الأمر إلى ولده الرضيّ، وهو أوَّل الأئمَّة المستورين، فقام أحمد بالإمامة، وكان حاجبه الذي احتجب به، وسِتره الذي سَتَره، والذي نصَّبه وأقامه مقامه، هو ميمون القدَّاح، وأمره الإمام أن يأخذ العهد لنفسه، أي لميمون سالِف الذِكر، ففعل ما أمره به الإمام، ولم يزل قائمًا بالأمر إلى أن توفي أحمد، فسلَّم الإمامة إلى ابنه مُحمَّد، وأمر عبدُ الله بن ميمون القدَّاح أن يقوم مقامه، ويأخذ العهد لنفسه كفعل أبيه، فلم يزل قائمًا بالأمر حتّى توفي مُحمَّد، فسلَّم الأمر إلى ابنه أحمد، فعيَّن الأخير أخاهُ إمامًا مُستودعًا، على أن يقوم مقام ولده مُحمَّد المهدي ويكون حاجبًا له، فقام المهدي بالإمامة، وقام عمِّه بالخِلافة. وحاول هذا العمُّ أن يُحوِّل الإمامة إلى أولاده ففشل في ذلك.

    وهُناك أمرٌ آخر غير مؤكَّد فيما يتعلَّق بصِلة القرابة بين عُبيد الله المهدي، وبين مُحمَّد القائم بأمر الله الذي خلفه في الحُكم. فقد يكون القائم ليس ابنًا لعُبيد الله المهدي، مع أنَّ الأخير كان يُعدَّه ابنًا له من الناحية الرسميَّة، وكان تصرُّفه تجاهه عندما دخل رُقاده، يُشير إلى أنَّهُ يُعدَّهُ المهدي المُنتظر، فقد عامله بتوقيرٍ شديدٍ، ورفع مقامه عن مقامه هو شخصيًّا. ففي حين تؤكِّد كُتب الظاهر المُوجهة للعامَّة أنَّ الخليفة الفاطميّ الثاني، أي القائم بأمر الله، هو ابن عُبيد الله المهدي، تنفي بعض النُصوص الباطنيَّة المُوجَّهة للخاصَّة والمُطلعين على الأسرار، بُنوَّته إلى عُبيد الله المهدي، وتُنسب الأخير إلى أصلٍ غير عَلَويّ بل ميمونيّ. وعليه، كان دور عُبيد الله المهدي حمل الوديعة، أي الإمامة، ليرُدَّها إلى مُحمَّد القائم بن الحُسين بن أحمد، وبالتالي يكونُ عُبيد الله المهدي الوحيد الذي لا ينتسب إلى عليّ بن أبي طالب. ويقول المُؤرِّخ برنارد لويس أنَّ التناقض بين النسب الرسمي والنسب الذي يربط الفاطميين بميمون القدَّاح مردُّه وجود إمامتين ظهرتا بعد وفاة الإمام إسماعيل بن جعفر الصَّادق: الإمامة المُستقرَّة والإمامة المُستودعة، فالمُستقرَّة بدأت مع مُحمَّد بن إسماعيل وتُفضي إلى القائم بأمر الله، وهي إمامة حقيقيَّة في ذُريَّة الحُسين، أمَّا المُستودعة فقد بدأت مع عبدُ الله بن ميمون القدَّاح وتُفضي إلى عُبيد الله المهدي، وهي إمامة بالوصاية في أعقاب عائلة القدَّاح. والإمامُ المُستقر هو المُؤهَّل لنقل الإمامة إلى ابنه الذي يحجُبه الإمام المُستودع إلى أن يأتي اليوم الذي يُسلِّمها فيه إليه. وبناءً على ذلك، فإنَّ عُبيد الله المهدي، الذي هو الإمام المُستودع، لم يكن سوى الوصيّ والأب الروحيّ لمُحمَّد القائم بأمر الله، الذي هو الإمامُ المُستقر، وقد سلَّمه عُبيدُ الله الإمامة المُستودعة لديه. فالحاكم الأوَّل المكشوف والإمام الفاطميّ الشرعيّ وفق هذا التفسير هو مُحمَّد القائم بأمر الله، أمَّا عُبيد الله المهدي فهو مُستودعه، وينتمي إلى أُسرة القدَّاح. وقد نقض ڤلاديمير إيڤانوڤ نظريَّة برنارد لويس، وقال أنَّها وُضعت أيَّام الأئمَّة المكشوفين لتبرير انتقال الإمامة بالوراثة، وعلى هذا الأساس فإنَّ الخُلفاء الفاطميين بما في ذلك عُبيد الله المهدي، ينتمون إلى نسبٍ علويٍّ صحيح.

  3. التاريخ

    27 دقيقة قراءةكانت شمال أفريقيا أرضًا صالحةً لنصرة المذهب الإسماعيلي، ذلك أنَّ التشيُّع العَلَويّ تركَّز مُنذ نشأته في المشرق، وظهر في بيئة الكوفة مُتعددة الأجناس والقوميَّات، وانتشر بين الموالي، ثُمَّ انتقل غربًا بعد المُلاحقات التي…

    خلفيَّة تاريخيَّة

    كانت شمال أفريقيا أرضًا صالحةً لنصرة المذهب الإسماعيلي، ذلك أنَّ التشيُّع العَلَويّ تركَّز مُنذ نشأته في المشرق، وظهر في بيئة الكوفة مُتعددة الأجناس والقوميَّات، وانتشر بين الموالي، ثُمَّ انتقل غربًا بعد المُلاحقات التي تعرَّض لها الشيعة من قبل العبَّاسيين، وكانوا جميعًا من فرع الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وتمركزوا في شمال أفريقيا حيثُ ضعُفت السيطرة العبَّاسيَّة لبُعد المسافة عن مركز اتخاذ القرار في بغداد، ولصُعوبة المُواصلات، ونشروا التعاليم المُشتركة للمذهب الشيعيّ ومآثر العَلَويين ممَّا أدّى إلى انتشار هذا المذهب بين البربر الذين أدّوا دور الموالي من الفُرس في المشرق، على الرُّغم من وجود فوارق كُبرى بين الفئتين في طبيعة دعمها للعَلويين بعامَّة، وفي مؤسساتهما ومُنظماتهما، وفي أهدافهما وعقائدهما. ورُبَّما كان العطف على آل بيت الرسول مُحمَّد، والاعتقادُ بفضائلهم، كبيرًا في المغرب من أيِّ مكانٍ آخر، وقد أتاح للأدارسة السَّيطرة على المغرب الأقصى بدون مشقَّة وتأسيس دولتهم المُستقلَّة. كما اشتمل المغرب الأوسط في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، باستثناء الأراضي التابعة لإمام تاهرت، على إماراتٍ شيعيَّةٍ بلغ عددها تسعُ إماراتٍ، ممَّا هيَّأ الأرضيَّة الخصبة لزرع وتنمية الدعوة الشيعيَّة. لكنَّ المذهب الإسماعيلي دخل إلى إفريقية بصورةٍ أكثر تنظيمًا وسريَّةً قبل نحو مائةٍ وخمسةٍ وثلاثين سنة من قُدوم أبي عبدِ الله الدَّاعي، وذلك في أواسط القرن الثاني الهجري المُوافق للقرن الثامن الميلادي، وتركَّز في ديار القبيلة البربريَّة كتامة في المغرب الأوسط، التي عُرفت بأنَّها أكثرُ القبائل عددًا وأصعبها مُراسًا، إذ كانت تسكُن جبال الأوراس الوعرة في شمال إفريقية، وهي البلادُ المُمتدَّة من طرابلس الغرب إلى طنجة. مرَّت الدعوة الإسماعيليَّة في بداية انطلاقتها، بمرحلتين: مرحلة الإعداد العقائدي النظري، وتولَّاها اثنان هُما أبو سُفيان الحسن بن القاسم وعبدُ الله بن عليّ بن أحمد، المشهور بالحلواني، ومرحلة الدور العمليّ، وقامت على أكتاف الدَّاعي أبي عبد الله المُحتسب المشهور بالشيعي الصنعاني.

    فيما يتعلَّق بالمرحلة الأولى، فقد بعثت القيادة في المشرق أبا سُفيان والحلواني إلى شمال أفريقيا سنة 145هـ المُوافقة لِسنة 762م، وأمرتهما بأن يُبسطا ظاهر علم الأئمَّة وينشُرا فضلهم، وأن يتجاوزا إفريقية إلى حُدود بلاد البربر، وأن لا يعملا في منطقةٍ واحدة. وقد رجَّح البعض أن يكون الإمام جعفر الصَّادق نفسه هو من أرسلهما وزوَّدهما بهذه التعليمات. استقرَّ أبو سُفيان في قريةٍ زراعيَّةٍ يُقال لها «تالة» وهي من ضواحي قرية مرماجنَّة الهواريَّة البربريَّة، وتقع إلى الشمال من مدينة تونس المُعاصرة، وتشغلُ مركزًا تجاريًّا هامًّا، فابتنى فيها مسجدًا وتزوَّج بامرأةٍ من أهلها واشترى عبدًا وأمة، وعاش حياةً مثاليَّة زاهدة، واشتهر بالفضل والعِبادة والذِكر، ممَّا لفت إليه الأنظار، فهرع إليه سُكَّانُ المناطق المُجاورة يسمعون فضائل أهل البيت منه، ويأخذونها عنه. ودعا إلى الإمام عليّ بن موسى الرضا من آل البيت، وبشَّر بقرب ظُهوره ونعتهُ بالمهدي المُنتظر، وأضحت مرماجنَّة، بتأثيره، دار هجرةٍ للشيعة. وبفضل موقع المدينة التجاري، استقطب أبو سُفيان التُجَّار وأدخلهم في دعوته التي انتقلت بعد ذلك إلى مدينة نفطة، وكثُر فيها التشيُّع حتّى غدت تُعرفُ باسم «الكوفة الصُغرى»، ثُمَّ انتشر المذهب الشيعي في الأربس شمالًا. بالمُقابل، توغَّل الحلواني في بلاد البربر، واستقرَّ في الناظور على مشارف أرض قبيلة كتامة البربريَّة، أقوى قبائل تلك الناحية. وسلك نهج زميله أبا سُفيان، فاشتهر ذكره، وأقبل النَّاسُ عليه، وتشيَّع كثيرٌ منهم على يديه وبخاصَّةٍ من قبائل كتامة ونفزة وسماتة، وكان يقولُ لهم:. وتوفي أبو سُفيان قبل وصول الدَّاعي أبي عبد الله الشيعي، أمَّا الحلواني فعاش دهرًا طويلًا ومات في الناظور تاركًا ابنة وعددًا من المعارف، عاش بعضهم طويلًا وأدركوا وصول الدَّاعي أبي عبد الله.

    خلال تلك الفترة، كانت القيادة الإسماعيليَّة في سلميَّة قد أرسلت الداعي أبو عبد الله سالِف الذِكر إلى اليمن ليتدرَّب على يد الحسن بن فرج بن حوشب بن زادان، أبرزُ دُعاة تلك البلاد، فاستقبله وقرَّبه منه، وكان قد تعرَّف عليه في الكوفة. ولم تمضِ أكثر من سنة، حتَّى انضمَّ أبو عبد الله إلى قافلة الحُجَّاج اليمنيين وخرج معهم إلى مكَّة في سنة 279هـ المُوافقة لِسنة 893م. ذلك أنَّ رؤساء الدعوة الإسماعيليَّة اتفقوا بعد مُشاوراتٍ مُستفيضةٍ على إرساله إلى المغرب لمُتابعة العمل بعد وفاة أبي سُفيان والحلواني، والاستيلاء على الحُكم بمُساعدة قبيلة كتامة. وصل أبو عبد الله إلى مكَّة، واجتمع بحُجَّاج كتامة في مِنى، وكانت الجماعة الكتاميَّة تضم شخصين ينتميان إلى بطنٍ كبيرٍ من بطون كتامة، هما حُريث الجميلي وموسى بن مكارم، اللذين اعتنقا المذهب الشيعي بتأثير الحلواني، ودار حديثٌ مُطوَّلٌ بين الطرفين حول فضائل الإمام عليّ وبنيه، وتكرَّرت اللقاءات وتزايد إعجاب الكتاميين بصديقهم الجديد. ولمَّا انتهى موسم الحج، واستعدّوا للرحيل، غادر أبو عبد الله مع الكتاميين مُتظاهرًا بالتوجه إلى مصر، وخلال الرحلة استقى منهم بعض المعلومات المُتعلِّقة بوضعهم السياسي والاجتماعي، وكُل ما من شأنه أن يُفيد مُهمَّته، ولم يكشف لهم عن نواياه ودوافعه الحقيقيَّة. ولمَّا وصلوا إلى مصر، تظاهر بأنَّهُ يُريد الإقامة فيها لتعاطي مهنة التعليم، فاقترحوا عليه أن يسير معهم إلى بلادهم ليُعلِّم أبناءهم، ووعدوه بمُساندته ومنحه مزايا أكثر مُلائمةً، فاعتذر ببُعد المسافة، ووعدهم باقتفاء أثرهم إن خابت آماله في الحُصول على عملٍ كمؤدبٍ في الكُتَّاب، فغاب عنهم بعض الوقت ثُمَّ عاد وقال لهم أنَّه لم يجد في تلك البلاد ما يُريد، وأنَّه قرر السير معهم إلى المغرب. مكث أبو عبد الله الشيعي في قلعةٍ صغيرةٍ يُقالُ لها «إيكجان» تقعُ في فج الأخيار قُرب قسنطينة وتُقيمُ بها قبيلة سكتان البربريَّة، وأخذ يعمل على دعوة الناس إلى اعتناق المذهب الإسماعيلي، فأحرز نجاحًا كبيرًا وتخطَّت شهرته حدود إيكجان، رُغم مُعارضة بعض زُعماء القبائل الذين خشوا على سُلطانهم ونُفوذهم. ومع اتساع نطاق الدعوة وتكاثر عدد المُنضوين إليها، كان من الطبيعي أن تتولَّد ردود فعلٍ عنيفة لدى بعض أصحاب السُلطان في بلاد البربر ولدى صاحب إفريقية. وعند هذه المرحلة بلغت مُهمَّة الداعي أبي عبد الله الروحيَّة ذُروة الحسم، وأصبحت مقرونة بمُهمَّة دُنيويَّة خالصة، ذلك أنَّهُ لم يعد فحسب الزعيم الديني للمجموعة التي اجتهد في تكوينها في إيكجان، بل أصبح على أهبة التحوّل إلى زعيمٍ سياسيٍّ يسعى إلى بعث حركةٍ ثوريَّةٍ في إفريقية ضدَّ السُلطة الأغلبيَّة.

    قيام الدولة

    انفجر الصراع بين الأغالبة والدَّاعي أبي عبد الله بسبب موقف حاكم مدينة ميلة من الدعوة الإسماعيليَّة في أرض كتامة. وكانت ميلة تحت حُكم موسى بن عيَّاش الذي اشتهر بعدائه لأبي عبد الله الشيعي، خشيةً على مركزه، وشارك في جميع المؤامرات التي حاكها الأغالبة للتخلُّص منه. وكانت ميلة المذكورة تُشكِّلُ مركزًا عربيًّا في قلب بلاد كتامة البربريَّة، وكانت الأُسر الحاكمة العربيَّة في المغرب تُوالي السُلطة المركزيَّة في بغداد، لذلك كانت أوَّل عائق أمام انطلاق الدعوة إلى الخارج، ولا بُدَّ من تذليلها، فشنَّ عليها الداعي حربًا وانتصر على حاميتها العسكريَّة، ودخلها خلال شهر ذي القعدة من سنة 289هـ، المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 902م، وولّى عليها أبا يُوسُف ماكنون بن ضُبارة الأجاني. وهكذا سقطت أوَّل مدينة أغلبيَّة مُحصَّنة في يد الدَّاعي. لكن سُرعان ما استعادها الأغالبة مُجددًا، بعد أن هزموا جيش الدَّاعي في بلدة «ملوسة». وخلال شهر رجب سنة 290هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 903م، اشتبك الأغالبة مع الإسماعيليين في معركةٍ قاسية حالف النصر فيها أبا عبدُ الله، وتراجع الجيش الأغلبيّ بعد الهزيمة إلى سطيف، وفي أوائل سنة 291هـ، المُوافقة لأواخر سنة 903م، استأنف الدَّاعي عمليَّاته العسكريَّة، فاستولى على سطيف، وهي أقرب مدينة مُحصَّنة من إيكجان بعد ميلة، وكانت مدينةً مُعرقلةً لتحرُّكاته العسكريَّة، وتُمثِّلُ قاعدةً لقوَّات العدو. وفي آخر شهر ذي الحجَّة سنة 293هـ، المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 906م، استولى أبو عبد الله على مدينة «طُبنة» في طرف إفريقية، وهي قاعدة نهر الزَّاب الكبير، وإحدى أكبر وأغنى المُدن الأغلبيَّة بعد القيروان، وعيَّن عليها عاملًا شيعيًّا هو يحيى بن سُليمان، كما فتح بلزمة. وبسقوط هاتين المدينتين، نجح الإسماعيليّون في فتح ثغرة في الحُصون الغربيَّة التي تحمي إفريقية، ولم يبقَ منها سوى حصن باغاية في أقصى إفريقية بين مجَّانة وقسنطينة، الذي يؤدي إلى داخل البلاد، ولا بُدَّ من مُهاجمته. وفي سنة 296هـ المُوافقة لِسنة 908م، هاجم الدَّاعي وجُنوده وأتباعه الحصن المذكور واستولوا عليه، ثُمَّ تحرَّكوا قاصدين الأربس وهزموا الجيش الأغلبيّ هزيمةً قاصمة ودخلوا المدينة عنوةً، فاستولى الهلع على أمير إفريقية أبو مُضر زيادة الله الثالث وكِبار رجال دولته وأصحاب الدواوين والموالي والعبيد، فانسحبوا إلى القيروان وسوسة وبعض المُدن الأُخرى. ولمَّا وصلت أخبار هروب زيادة الله الثالث، وما حصل في دولته من الفوضى، إلى مسامع أبي عبد الله الشيعي، تحرَّك بسُرعةٍ باتجاه القيروان ورقَّادة واستولى عليهما، وأبطل ذِكر اسم الخليفة العبَّاسي في خِطبة الجُمعة. وبهذا زالت الدولة الأغلبيَّة وبالتالي سُلطة العبَّاسيين الإسميَّة والفعليَّة عن هذه البلاد، ودخلت إفريقية في مرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها.

    نجح الدَّاعي أبو عبد الله بالقضاء على دولة الأغالبة في إفريقية سنة 296هـ الموافقة لِسنة 908م، بعد حربٍ شديدة دامت خمس سنوات. ثُمَّ التفت بعد هذا النجاح إلى العمل على إصلاح النظام السياسي في إفريقية بعد الفوضى التي نجمت عن إنهيار الدولة الأغلبيَّة، فحرص على إقامة نظامٍ جديدٍ وإضفاء الصبغة الشيعيَّة على مؤسسات الدولة الجديدة، وتركيز السُلطة في يده. فأمَّن الناس على حياتهم وأرزاقهم ومُمتلكاتهم، وأقرَّ عدَّة إجراءات لتهدئة وتأمين كُل خائفٍ كان يتولّى منصبًا في الدولة الأغلبيَّة، فاطمأنَّ إليه الكثير من الرجال ودخلوا في خدمته، وأوصى دُعاته الكتاميين أن لا يُكرهون أهل السُنَّة على التشيُّع، وأن يستعملوا معهم الإقناع عوض ذلك، وكان يُردد قولهُ المعروف:. وعاش حياةً مُتواضعةً بعيدةً عن أُبَّهة المُلك، فشعر النَّاسُ أنه قريبٌ منهم، وأضاف عدَّة علامات عقائديَّة شيعيَّة على نمط الحياة اليوميَّة، فأمر بأن تتضمَّن خِطبة الجُمعة الصَّلاة على الرسول مُحمَّد وعلى آله وعلى أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب وولداه الحسن والحُسين، وزوجته فاطمة الزهراء، وأن يُزاد في الآذان عِبارة «حيَّ على خيرِ العمل». وأنفذ أبو عبد الله الدَّاعي الرُسل إلى سلميَّة، يُخبرُ الإمام المستور (عُبيد الله المهدي) بما فُتح من المُدن والأقاليم، ويدعوه للحُضور إلى إفريقية. وفي الأساس، حدثت عدَّة تطوُّراتٍ سياسيَّةٍ خِلال تلك الفترة دفعت الإمام عُبيد الله المهدي إلى مُغادرة مركز الدعوة في سلميَّة، فخرج في شهر رجب سنة 289هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) سنة 902م مُصطحبًا معه القائم وعددٌ من أتباعه، ويمَّم وجهه صوب المغرب. ولمَّا وصلت هذه الجماعة إلى سجلماسة أقامت في ضيافة واليها حينًا من الزمن قبل أن يُلقي القبض عليها بعد أن اكتشف أمرها. وفي يوم الخميس 15 رمضان سنة 296هـ المُوافق فيه 7 حُزيران (يونيو) سنة 909م، خرج الدَّاعي أبو عبد الله على رأس جيشٍ كبيرٍ لاستقدام عُبيد الله المهدي وتنصيبه على العرش، ففتح بطريقه تاهرت وقضى على الإمارة الرُستميَّة، ثُمَّ تابع زحفه ووصل إلى سجلماسة يوم السبت في 6 ذو الحجَّة المُوافق فيه 6 آب (أغسطس) من السنة سالِفة الذِكر. اشتبك الجيش الإسماعيلي مع قوَّات والي سجلماسة وأنزل بها هزيمةً فادحة، وفي اليوم التالي دخل الدَّاعي المدينة وأطلق سراح المهدي ورجاله. مكث عُبيد الله المهدي مُدَّة أربعين يومًا في سجلماسة، توجَّه بعدها إلى إيكجان وأقام فيها. ثُمَّ خرج من إيكجان إلى رقَّادة فوصلها يوم الخميس 20 ربيع الآخر سنة 297هـ المُوافق فيه 6 كانون الثاني (يناير) سنة 910م، واستقرَّ في قصر الصحن الذي كان الدَّاعي قد أقام به من قبل، وذُكر اسمه على المنابر يوم الجُمعة، وتلقَّب «بالمهدي أمير المؤمنين»، وأبطل ذِكر اسم الخليفة العبَّاسي في الخِطبة. وهكذا نجح الشيعة الإسماعيليّون في إقامة دولتهم في طرابلس الغرب وإفريقية والزَّاب.

    التوسّع والفُتوحات

    بعد أن استقرَّت أمور الفاطميين في إفريقية، أرادوا توسيع دولتهم لتضمَّ المغرب الأقصى (مُرَّاكش)، وقد تمكنوا من بسط سيطرتهم على معظم أنحائه بعد نزاعٍ مع حكَّامه الأدارسة، إذ تمكن القائد الفاطمي «موسى بن أبي العافية» من هزيمتهم سنة 312هـ. وقد تمرَّد بن أبي عافية على الفاطميّين بعد فتح المغرب، وحوَّل ولاءه إلى عبدُ الرحمٰن الناصر لدين الله أمير الأندلس الأمويّ، لكن عُبيد الله المهدي أرسل ابنه «أبا القاسم» سنة 315هـ فتمكَّن هذا الأخير من استعادة سيطرة الفاطميّين على المغرب. اضطرَُ الفاطميون لاحقاً لخوض حروبٍ كثيرة مع الخوارج بالمغرب، فقد ثار عليهم خارجيٌّ يدعى «أبا زيد» انتشرت ثورته انتشارًا كبيرًا، وتوفيَّ خلال أيام هذه الثورة عبيد الله، فورث عنه حكم دولة الفاطميين ابنه أبو القاسم مُحمَّد القائم بأمر الله، واستمرَّ بمحاربة الخوارج، لكنه توفي سنة 334هـ دون تمكِّنه من هزيمتهم. فخلفه ابنه المنصور بنصر الله الذي تمكَّن أخيرًا من القضاء على ثورة أبي يزيد في سنة 336هـ، وأسَّس مدينة «المنصوريَّة» بإفريقية ليجعلها عاصمة الفاطميين. توفي الخليفة المنصور سنة 341هـ، فخلفه ابنه المعز لدين الله، رابع الخلفاء الفاطميّين وأحد أهم حُكاَّم الدولة الفاطمية.

    كانت تحكم مصر في زمن ظهور الفاطميين الدولة الإخشيدية، ومنذ بداياتهم حاولوا عدَّة مرة الاستيلاء على مصر، فأرسلوا إليها حملاتٍ عسكريَّة في سنوات 302 و307 و321 و322 و332هـ، وقد تمكَّنت بعض هذه الحملات من السيطرة على أجزاءٍ كبيرة من البلاد، بل إنَّ بعضها نجحت بالاستيلاء على الإسكندرية، إلا أنَّ الفاطميين كانوا يضطرُّون للانسحاب في كلِّ مرَّة أمام جيوش محمد بن طغج الإخشيدي. رغم ذلك، كان هناك دعاةٌ منتشرون في مصر طوال العهد الإخشيديّ، يدعون الناس لاتباع الدولة الفاطميَّة. إلا أنَّ الدولة الإخشيدية قد شهدت مع موت أحد آخر حكامها أبي المسك كافور الإخشيديَّ (سنة 357هـ) انحدارًا كبيرًا وانهيارًا اقتصاديًا شديدًا، فانتشر الغلاء والمجاعات والأمراض، وكثر الموت بين الناس. أدَّت هذه الأحوال المتردية إلا سخط أهل مصر على الإخشيديين، ووصلت أنباء هذه الحال إلى معز الدين الفاطميّ، فبادرَ على الفور باستغلال الفرصة بإرسال جيشٍ فاطمي على رأسه جوهر الصقلي لضمِّ مصر إلى دولته. لم يبدي المصريُّون أيَّ مقاومة تذكر للفتح الفاطمي نتيجة هذه الأوضاع، وقد استبشروا بقدوم حكامٍ جددٍ لهم عوضًا عن الإخشيديين، خصوصًا بعد خطبة قالها جوهر الصقلي باسم معزّ الدين الفاطمي عندما دخل مصر، فقد قدَّم في هذه الخطبة وعوداً عديدة بينها تجديد سكَّة النقود لتجنُّب الغش فيها، وتخفيف الضرائب الشديدة التي فرضها الإخشيديون، وحماية المصريّين من خطر دولة القرامطة بالمشرق، ومنح أهل السنَّة الحرية بممارسة مذهبهم على طريقتهم. جهَّز الفاطميون جيشًا من 100,000 جندي لأخذ مصر بقيادة جوهر الصقلي، وقد كان هذا الجيش متعددًا عرقيًا بدرجةٍ كبيرة، إذ اشتمل على رجالٍ من البربر والصقالبة والروم والسودان، وصرف معزُّ الدين الفاطمي عليه ملايين الدنانير. وصل جوهر الصقلي أول دخوله مصر إلى بلدةٍ تسمَّى «منية الصيادين» تقع قربَ الإسكندرية، فاستقبله وفدٌ من أهلها على رأسه وزيرٌ إخشيديٌّ بارز يُدعَى «جعفر بن الفرات»، فسلَّموا له وقبلوا بأخذه بلادهم دون مقاومة.

    إلَّا أنَّ الحاكم الإخشيدي «أبا الفوارس بن الإخشيد» رفض الاستسلام، وبدأ بجمع جيشٍ لالتقاء الفاطميين، فسارعَ جوهر بالذهاب إلى قاضٍ معروف بالإسكندرية يدعى «أبا الطاهر محمد بن الأحمد» واستشاره بما يفعله مع الإخشيديين متذرِّعاً بالجهاد قائلًا:، فوافق القاضي، وأصدر فتوى تحلُّ له قتال الإخشيديين. قاد ابن الإخشيد جيشًا إلى وراء النيل في جهةٍ قريبةٍ من الجيزة، والتقى هناك بجيش جوهر، إلا أنَّ الفاطميين سرعان ما انتصروا انتصارًا كبيرًا، ودخلوا الفسطاط بسهولة، ثم فتحوا ما تبقَّى من مصر دون مقاومةٍ تذكر، وقد فرح الناس بهزيمة ابن الإخشيد بعد ما عانوه بسببه، ونهبوا قصور الإخشيديين بعد أن فرَّ هؤلاء إلى بلاد الشام.

    أمر جوهر الصقليُّ فور ضمِّ مصر ببناء مدينةٍ جديدةٍ ليستقرَّ فيها جنوده، وذلك تجنُّباً لأيّ مشاكل أو توترات قد تنجم عن اختلاط العساكر بأهل البلاد. وقد قسَّم المدينة الجديدة إلى أقسامٍ ليفصل كل مجموعةٍ عرقيَّة عن الأخرى، فكان هناك حيٌّ خاص بالبربر، وواحد للصقالبة، وآخر للروم، وهلُمَّ جرًا. وبعد أن استقرَّت الأمور في مصر، قرَّر معز الدين نقل عاصمة دولته من المهديَّة بإفريقية إلى هذه المدينة الجديدة، وهكذا تأسَّست مدينة «القاهرة المعزِّيَّة» في 17 شعبان سنة 358 هـ ودخل معز الدّين الفاطمي مصر في سنة 362هـ المُوافقة لسنة 972م، لتصبح مقرَّ حكم الفاطميين حتى نهاية دولتهم. قبل أن يرحل المعزّ لدين الله عن إفريقية لينتقل إلى عاصمته الجديدة في مصر، عيَّن بلكين بن زيري واليًا عليها مكانه، وكان ذلك في سنة 362هـ المُوافقة لسنة 972م. وقد استولى أبناؤه من بني زيري على مجمَل شمال أفريقيا فيما بعد، وانقسموا بعد بعض الخلافات الداخلية إلى قسمَين اثنين: «بنو زيري» في إفريقية، و«بنو حماد» في المغرب الأوسط (الجزائر حاليًّا). لكن الزيريِّين استقلوا لاحقًا عن الدولة الفاطميَّة، وحوَّلوا ولاءهم عوضًا عنها إلى الخلافة العبَّاسيَّة في المشرق. بعد أن استقرَّت الأمور في مصر للفاطميِّين، انتقل صراعهم إلى دولة القرامطة في الشَّرق. فقد غزا القرامطة بدعمٍ بويهيٍّ مصر عدَّة مرات، وكادوا يصلون إلى القاهرة، لكنَّ جوهر الصقلي نجح بصدّ هجماتهم. وخلال السنوات الآتية أخذ الفاطميُّون بالتوسُّع تدريجيًّا على حساب القرامطة وباقي الدول الأخرى في المنطقة، فتمكَّنوا من انتزاع بلاد الشام في سنة 363هـ المُوافقة لسنة 973م من الحُسين بن أحمد القرمطي حاكم القرامطة، وضمُّوها حتى مدينة حلب شمالًا بعد القضاء على دولة الحمدانيّين، واستولوا على الحجاز بعد هزيمة أشرافها، فباتت رقعة الدولة الفاطميَّة ممتدّة من المغرب إلى مشارف العراق.

    العصر الذهبي للدولة

    بلغت الدولة الفاطميَّة ذُروة عزِّها وكمالها في عهد الخليفة الخامس، أبو منصور نزار العزيز بالله، وإليه يُعزى تمكين السيطرة الفاطميَّة على مصر والشَّام، ونشر السلام والرَّخاء في مُختلف أرجاء الدولة، التي بلغت في عهده أقصى اتساعها. كان العزيز مسؤولًا عن إرساء الدولة الفاطميَّة وتشكيل هويَّتها، إذ يمكن تشبيه دوره بدور أبي جعفر المنصور في الدولة العبَّاسيَّة، وقد بدأ عهده في سنة 365 هـ الموافقة لِسنة 975م. من بين 270 سنة تقريبًا عاشتها الدولة الفاطميَّة من صعودها إلى سقوطها، يُعتبر أنَّ عصر قوتها الحقيقيَّة استمرَّ لنحو 115 سنةً منها، بعدها قرابة 70 سنةً عاشتها في ازدهارٍ حضاري لكن بضعفٍ سياسي، قبل أن تبدأ بالانحطاط والسُّقوط. شهد عهد العزيز إنجازاتٍ إدارية وتنظيميَّة متنوعة. فقد رُتِّبت الدواوين بدقَّة لتسهيل الإجراءات الإدارية. وأحاط العزيز نفسه بمظاهر الترف وأغدق الأموال على قصوره وممتلكاته. واستحدث منصب الوزراء، فعمل على اختيار رجالٍ كفؤين لشغل هذا المنصب، إلا أنَّه اختارهم من الطائفتين اليهوديَّة والنصرانيَّة، لكي لا يكون لهم نفوذٌ كبير يسمح لهم بالانقلاب عليه (وقد كان أوَّلهم وأحد أشهرهم يعقوب بن كلس). وكذلك عدَّل تركيبة الجيش العرقية، فقد كان الجيش الفاطمي بأكمله تقريباً مؤلَّفا من البربر، فخشي أن يتكاتفوا معًا عليه إذا ما اضطَّربت الأمور، لذا شكَّل جيشًا جديدًا خاصًا به من الجنود التُرك والأكراد والسُّودان، وكلَّف هذا الجيش بإدارة معظم ولايات دولته عوضًا عن الجيش البربري. وقد وقعت نتيجةً لذلك فتنةٌ في الجيش بين المغاربة والأعراق الأخرى. وقد أراد العزيز أن يكون مذهب الدولة الرسميُّ هو المذهب الإسماعيليّ، فعمل على نشره في دولته بكلُّ ما استطاع، وسمح بسبِّ الصحابة. شهد عصره بعض الإنجازات العسكريَّة أيضًا، فقد قاد جوهر الصقلي عدَّة حملاتٍ على الشام والعراق، تمكَّن خلالها من ضمّ مدن شيزر وحمص وحماة، بل وقد نجح ببلوغ الموصل وإجبار جوامعها على الدعاء للخليفة الفاطمي لفترةٍ قصيرة. توفّي العزيز نتيجة مرض في القولون سنة 386هـ الموافقة لسنة 996م.

    خلف العزيز ابنه الحاكم بأمر الله، فاتَّبع أباه في بداية عهده، ونجح بتثبيت أركان الدولة وتهيئة أمورها، وحسَّن علاقته مع أهل السُنَّة، فجالس علماءهم وبنا لهم دور علم. وقد كان متديِّنًا كثيرًا لحدّ المُغالاة، حتى أنه حظر زراعة العنب خشية استعماله بصناعة الخمر، ومنع النسوة من المشي في الشوارع، واضطَّهد المسيحيّين واليهود. إلا أنَّ شخصيته تقلَّبت فيما بعد، فغيَّر منهجه مع أهل السُنَّة، ولم يعد شديد التديُّن، بل إنَّه أصيب بالغرور حتى شبَّه نفسه بالإله وسمح لأتباعه بوصفه بأوصافٍ إلهية، ممَّا أساء لسمعته وسمعة الإسماعيليَّة في مصر والعالم الإسلامي، وأثار سخط النَّاس عليه، فثاروا عليه وكرهوه، وانتشرت الفوضى بمصر، فوقعت اشتباكاتٌ بين السكان وجيش الحاكم بأمر الله، ودبَّت الفوضى. وأخيراً قرَّر الحاكم الخروج من القاهرة، وكان ذلك في شوَّال سنة 411هـ الموافقة لِسنة 1021م، واختفى اختفاءً غير مفسَّرٍ بعد خروجه منها بفترةٍ قصيرة. وهناك العديد من الروايات والنظريات حول سبب اختفائه، لكن الأرجح أنَّه اغتيل. منذ نهاية عهد الحاكم، أخذت قوَّة الفاطميين السياسيَّة بالانحدار شيئا فشيئًا، وكان معظم الحكام الذين تبعوه صغارًا لم يبلغوا سنَّ الرُّشد بعد، لذا فقد افتقروا إلى السُّلطة، وأصبحت الدولة فعليًّا في أيدي الوزراء الفاطميّين أو أقارب حكامها صغار السِّن.

    خلف الحاكم بقيادة الدولة الفاطميَّة ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، إلا أنَّه كان حدثًا لم يبلغ سنَّ الرشد، فأصبحت عمَّة له تُدعَى «ست الملك» الحاكمة الفعليَّة للدولة، وتمكَّنت من إدارة شؤون الدولة بصورةٍ جيِّدة، إلا أنَّها توفّيت في منتصف عصره سنة 415هـ. وقد سار عهده بهدوءٍ في البداية، إلى أن بدأت الثورات ضدَّه، فخرج صالح بن مرداس في الشام وانتزع منه حلب، ثمَّ جاء حاكم الرملة «حسان بن المفرج البدوي» فانتزع معظم أنحاء الشام. وقد دام حكم الظاهر لخمسة عشرة سنة، ثم توفِّي صغيرًا.

    تولَّى ابنه معد المستنصر بالله الخلافة وهو لا يزال في السَّابعة من العمر، وقد دام حكمه نحو 60 سنة، ليكون أطول الخلفاء الفاطميِّين عهداً على الإطلاق. في بداية عهده، كانت أمُّه وبعض وزرائه هم الحكام الفعليِّين للدولة. كان النصف الأول من خلافة المستنصر مزدهرًا ازدهارًا عظيمًا، فوصلت فيه الدولة الفاطميَّة أوج قوَّتها واتّساعها، وامتدَّت حدودها من المغرب إلى العراق، بل وقد تمكَّن سنة 450هـ الموافقة لسنة 1058م رجلٌ من حلفاء الفاطميّين يدعى «أبا الحارث البساسيري» من الاستيلاء على بغداد والقبض على الخليفة العباسي، فأقام الخطبة فيها للخليفة الفاطمي المستنصر، وكانت تلك أوَّل وآخر مرَّة في التاريخ تقام بها الخطبة ببغداد للفاطميين. إلا أنَّ الأمور بدأت بالاضطَّراب فيما بعد، فأصيبت مصر بمجاعةٍ هائلة استمرَّت سبع سنوات من سنة 457 إلى 464هـ (الموافقتين لسنتي 1065 إلى 1071م)، وهي تُعرَف باسم «الشدَّة العظمى» و«الشدَّة المستنصريَّة». وبدأت العديد من أقاليم الدولة بالتمرُّد على الفاطميّين، فانقطعت الخطبة عن المستنصر في مكة والمدينة سنة 462 هـ الموافقة لسنة 1070م ليُخطَب عوضاً عنه للخليفة العباسي مجدَّدًا، وكانت الحال نفسها في المغرب، فقطع أمير بني زيري المعز بن باديس علاقته بالفاطميِّين وحوَّل ولاءه إلى الخلافة العباسيَّة، أمَّا بغداد التي كانت قد انضمَّت للفاطميين حديثًا، فقد قتل حاكمها البساسيري على يد سُلطان السلاجقة طغرل بك القادم من الشرق، لتنتهي سلطة الفاطميِّين عليها حتى نهايتهم. ولم يتوقَّف السلاجقة عند هذا الحدّ، بل تابعوا التقدُّم غربًا ليصطدموا بالدَّولة الفاطمية مرة أخرى في بلاد الشام، ونجح سلطانهم جلال الدولة ملكشاه بانتزاع معظم بلاد الشام من الفاطميين - بما فيها القدس وفلسطين - سنة 463 هـ (1070م). وتسبَّب عجز المستنصر عن السيطرة على هذه الأحداث بانهيار هيبته تمامًا في الدولة. وعلاوةً على هذه الخسارات الكبيرة، فقد وقعت الفتنة سنة 466 هـ بالجيش بين المغاربة أولاً، والتُرك ثانيًا، والسُّودان ثالثًا، ووقعت معاركة كبيرةٌ بينهم وكثر القتل.

    بدأت الدَّولة تخرج تمامًا عن السَّيطرة، وأخذ التُرك يصبحون الحكَّام الفعليِّين للدولة عوضًا عن الخليفة نفسه، فقرَّر المستنصر الاستعانة بحاكم عكا الأرمنيّ بدر الدين الجمالي، وهو أشبه بدكتاتورٍ يُعرَف بشدَّته وقدراته الإدارية والتنظيميَّة العالية. استدعى المستنصر بدر الجمالي ليتسلَّم منصب وزراة الدولة الفاطمية وقيادة جيشها، فوافق هذا الأخير، وجاء إلى مصر، وكان وزيرًا قويًّا ومهيبًا، فأعاد للدَّولة قوَّتها واستقرارها وثبَّت أركانها من جديد. ووصلت الدولة في عهده أوج قوَّتها وازدهارها، فشيِّدت القصور وازدهر العلم والحضارة وعادت الأموال الكثيرة إلى مصر، فارتفع الخراج من مليوني دينارٍ في سنوات المجاعة إلى أكثر من ثلاثة ملايين. من جهةٍ أخرى، فشل بدر الجمالي في بعض النواحي العسكريَّة، إذ لم يستطع حماية بلاد الشام من تقدُّم السلاجقة التُرك شرقًا والصليبيّين الأوروپيَّين شمالاً، فخسر الفاطميُّون كُل الشَّام ما عدا مدينة عسقلان. لم يكن مجيء بدر الجماليِّ جيِّدًا تمامًا للمستنصر، فقد بدأ ينازعه على السُّلطة، وتنامى نفوذه بدرجةٍ كبيرةٍ جدًّا، حتى أصبح أقرب إلى الحاكم الفعلي للدولة الفاطميَّة، واستمرَّت الحال هكذا حتى وفاة المستنصر سنة 487 هـ الموافقة لسنة 1094م، فبدأ بذلك «العصر الفاطمي الثاني»، الذي كان الوزراء فيه هم الحكَّام الفعليِّين للدولة.

    الانحسار

    حسب النظام المتبَّع في الدولة الفاطمية، كان أكبر أبناء الخليفة هو الذي يُعيَّن وليَّا للعهد، ولذا كان من المفترض أن تؤول الخلافة بعد وفاة المستنصر إلى ابنه الأكبر نزار المصطفى لدين الله. إلا أنَّ المستنصر كان - بعد ضغوطاتٍ وجهودٍ حثيثة من وزيره الملك الأفضل شاهنشاه - قد قرَّر عوضًا عن ذلك نقل ولاية العهد إلى ابنه الأصغر أحمد المستعلي بالله، وأدَّى هذا الخلاف إلى وقوع شقاقٍ في المذهب الإسماعليّ لا زال موجودًا حتى الآن، حيث انقسم الإسماعيليُّون بين مؤيّدي خلافة نزار بناءً على أحقيَّته (النزارية) ومؤيدي خلافة المستعلي بناءً على توصية والده (المستعلية). وكان الملك الأفضل (وهو ابن الوزير الفاطمي الشهير بدر الجمالي وقد ورث عنه منصب الوزارة) قد رفض خلافة نزار بسبب خلافٍ وقع بينهما، وكانت هذه واحدةً من ملامح نفوذ الوزراء الشَّديد بالدولة الفاطمية وسيطرتهم عليها، التي استمرَّت منذ وفاة المستنصر وحتى نهاية الدَّولة. حصل في حين وقوع هذه الأحداث أن الحسن بن الصباح جاء إلى مصر لتحصيل علوم المذهب الإسماعيلي، فشهد الخلاف الذي وقع بين الإسماعيليَّة والنزاريَّة، ودعا بأحقيَّة نزار بالخلافة، فغضب عليه الملك الأفضل وسجنه. وقد تمكَّن حسن الصباح من الفرار لاحقًا، فرحل إلى بلده أصبهان ليدعو بإمامة نزار وأسَّس هناك جماعة الحشَّاشين.

    حدث في عهد المستعلي أن وصلت الحملة الصليبية الأولى إلى المشرق، وغزا الصليبيُّون سواحل بلاد الشام وأسَّسوا فيها إمارتي الرها وأنطاكية. عندما وصل الصليبيون إلى الشام كان يحكمها السلاجقة، إلا أنَّ السلاجقة أنفسهم كانوا قد انتزعوها من الفاطميين قبل نحو ثلاثين سنة، وعندما رأى الملك الأفضل أنَّهم هزموا أمام الزَّحف الصليبي، طمعَ بأن يعيد هذه الأراضي إلى سلطان الدولة الفاطمية مجدَّدًا، فحشد جيشًا وحاصر القدس وأخذها من السلاجقة، وبسط سيطرته على كامل فلسطين حتى منطقةٍ قريبة من بيروت. إلا أنَّ الجيوش الصليبية سرعان ما وصلت، وكان قوامها نحو 40,000 رجل، فضربت الحصار على القدس لمدَّة شهر، ثم تمكَّنت من دخول المدينة، ووقعت مذبحةٌ عظيمةٌ في جيوش الفاطميّين راح ضحيَّتها عشرات الآلاف، وسقطت القدس بذلك في شهر يوليو سنة 1099م (492 هـ). وقد فقد الفاطميُّون إثر هذه المعركة آخر أملاكهم في بلاد الشام، وأصبحت دولتهم تقتصر تقريبًا على مصر وحدها.

    لم تدم خلافة المستعلي طويلاً، فقد توفي خلال سبع سنين، فخلفه ابنه البكر الآمر بأحكام الله ذي الخمس سنوات، بناءً على رغبة وزير الدولة الملك الأفضل. كان الأمر خليفةً قويًّا، فما إن بلغ سنَّ الرشد حتى بدأ بفرض ثقله في الدَّولة، وقد أحسَّ بنفوذ وزيره الشَّديد في دولته، فدبَّر لاغتيال الملك الأفضل، وعيَّن مكانه المأمون البطائحي. إلا أنَّه رغم ذلك لم يحسن السِّيرة، فساءت أوضاع الدولة في عهده. وقد قتل اغتيالاً سنة 524 هـ (1130م).

    وفي حين مقتله، كان قد عهد الأمر بالخلافة من بعده لابنه الطيب أبو القاسم والذي لم يكن قد ولد حتى، بل كان لا يزال رضيعًا في رحم أمُّه، ولم يكن للآمر ابنٌ آخر يتولَّى الخلافة، فعُيِّن أخوه الحافظ لدين الله نائبًا للخليفة ليتولَّى شؤون الحكم حتى بلوغ الطيّب سنَّ الرشد. وأخطأ الحافظ باختيار أحمد بن الملك الأفضل وزيرًا له، فما إن تولَّى هذا الوزارة حتى قبض على الحافظ وزجَّ به في السجن، واستبدَّ الوزير بالدولة ولم يعد للخليفة المسجون كلمةٌ فيها. لكنَّ هذه الحال لم تَطُل، فسُرعَان ما اغتال الإسماعيليُّون أحمد بن الأفضل، وحرَّروا الحافظ لدين الله من سجنه، فعاد لتولّي شؤون الخلافة سنة 526 هـ. لكنَّ الحافظ ظلَّ بعد ذلك يعاني من نفوذ الوزراء الشديد في دولته، فكان وزراءه هم الذين يحكمون الدَّولة طوال عصره. ففي سنة 529 هـ أراد «بهرام الأرمنيّ» (أحد ولاة الدولة الفاطميَّة) أن يصبح وزيرًا، فسار بجيشٍ إلى القاهرة وضرب عليها الحصار، حتى اضطرَّ الحافظ للرضوخ وتعيينه وزيرًا، رغم أنَّه لم يكن مسلمًا حتى. وقد جاء من بعده «رضوان بن ولخشي»، إذ سار إلى القاهرة سنة 530 هـ فنجح بإزاحة بهرام، وأجبر الحافظ على تعيينه وزيرًا جديدًا، لكن نشب فيما بعد خلافٌ بينهما، فزجَّ رضوان بالحافظ في السِّجن مجدَّدًا وسيطر على الدولة الفاطمية لسبع سنين، وأخيرًا نجح الحافظ بطرده وقتله سنة 542 هـ. ونصَّب الحافظ فيما بعدُ ابنه الحسن وزيرًا، فأفسد في الدولة وقتَّل العديد من الأمراء، ثمَّ تمرَّد على والده وخاض معه حربًا، لكن الحافظ فاز بالنِّهاية، وظلَّ خليفةً حتى وفاته سنة 544 هـ (1149م). في سنة 558 هـ - خلال عهد الخليفة الثاني عشر الظافر بدين الله - حدث أن طُرِدَ وزير للدَّولة الفاطميَّة يُدعَى شاور بن مُجير السعدي من مصر، فلجأ هذا الوزير إلى نور الدين زنكي حاكم دمشق، وطلب منه عونًا عسكريًّا يمكنِّه من استعادة السيطرة على مصر، شريطة أن يعطيه ثلث خراجها. ووافق نور الدين، فأرسل حملةً بقيادة أسد الدين شيركوه تمكَّنت من السيطرة على الدولة الفاطمية سنة 559 هـ. إلا أنَّ شاور نقض اتفاقه مع نور الدين، ولم يدفع له شيئًا من خراج مصر، فأرسلت حملةٌ جديدةٌ بقيادة شيركوه تمكَّنت من استعادة مصر سنة 562 هـ، وكان ممَّن شاركوا في هذه الحملة صلاح الدين الأيوبي. ولأنَّ نجم صلاح الدين برز أثناء هذه الحملات وحروبٍ أخرى في الشام، فقد ضغط الزنكيون لتعيينه وزيرًا بالدولة الفاطميَّة، وكان لهم ما أرادوه، فأصبح صلاح الدين وزيرًا للخليفة الفاطمي الرَّابع عشر والأخير العاضد لدين الله.

    خاتمة الدولة

    بِتولّي صلاحُ الدين منصب الوِزارة في مصر، كآخر وزيرٍ سُنيٍّ في الدولة الفاطميَّة، وصل المدُّ السُنيّ الذي بدأهُ السلاجقة قبل نحو مائة سنة، وأكمله ورثتهم الزنكيّون، إلى مصر. وجرى من الأحداث في مصر، بعد تولية صلاحُ الدين منصب الوزارة، أنَّ البلاد كانت تجتاز مرحلةً خطيرةً في تاريخها. فالدولة الفاطميَّة لا زالت موجودة يُساندها الجيش الفاطميّ وكبار رجال الدولة، والخطر الصليبي لا يزالُ جاثمًا على مقربة من أبواب مصر الشرقيَّة، فكان عليه أن يُثبِّت أقدامه في الحُكم، ليتفرَّغ لِمُجابهة ما قد ينشأ من تطوراتٍ سياسيَّةٍ. ولم يلبث أن أظهر مقدرةً كبيرةً في إدارة شؤون الدولة، وهو عازمٌ على الاستئثار بكافَّة الاختصاصات حتّى التي تخصُ منصب الخِلافة، ونفَّذ عدَّة تدابير كفلت له الهيمنة التامَّة، فاستمال قُلوب سُكَّان مصر بما بذل لهم من الأموال والإصلاحات، فأحبوه، وأخضع مماليك عمّه أسد الدين شيركوه، وسيطر بشكلٍ تامٍّ على الجُند، بعد أن أحسن إليهم، وقوّى مركزه بما كان يمُدُّه به نورُ الدين محمود من المُساعدات العسكريَّة، وقد وصل أخوهُ شمسُ الدين توران شاه بن أيّوب مع إحدى هذه المُساعدات. وقد أدَّت التدابير التي نفَّذها صلاحُ الدين إلى تقوية قبضته على مُقتدرات الدولة، وزادت من تراجع نُفوذ الخليفة العاضد لدين الله، وبالتالي مركز الإمامة، وأثارت استياء كبير الطواشيَّة، مؤتمن الخِلافة، وهو نوبي، وقائدُ الجُند السودان، وقد أدرك أنَّ نهج صلاح الدين في الحُكم سوف يقضي، في حال استمراره، على الدولة الفاطميَّة إن عاجلًا أو آجلًا، فحاول الاتصال بعمّوري الأوَّل، ملك بيت المقدس، لتحريضه على مُهاجمة مصر، آملًا، في حال الاستجابة، أن يخرج صلاحُ الدين إلى لقائه، فيقبض هو على من يبقى من أصحابه في القاهرة، ويثب على منصب الوِزارة. غير أنَّ صلاح الدين علم بِخيوط المؤامرة، فقبض على مؤتمن الخِلافة وترقَّب الفُرصة للتخلُّص منه، غير أنَّ أنباء اهتزاز مركزه في مصر شجَّعت الصليبيين على القيام بمُحاولةٍ أُخرى لمُهاجمة البلاد.

    أدرك عمّوري الأوَّل خُطورة الوضع بعد أن تمكَّن نور الدين الزنكي من توحيد الشَّام ومصر تحت سُلطانه، وشعر الصليبيّون أنَّهم وقعوا فعلًا بين فكيّ الكمَّاشة، فحاول الملك عمّوري الاستعانة بالغرب الأوروپي، فراسل مُلوك وأباطرة أوروپَّا الغربيَّة يطلب منهم الإسراع بالقيام بحملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ تُنقذُ الموقف الصليبيّ المُتدهور في المشرق. على أنَّ الأوضاع السياسيَّة في غربيّ أوروپَّا، آنئذٍ، لا سيَّما فيما يتعلَّق منها بالنزاع بين البابويَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، حالت دون تحقيق السفارة الصليبيَّة أهدافها، فاضطرَّ عمّوري الأوَّل إلى الالتفات نحو الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة طالبًا مُساعدة قيصر الروم الإمبراطور عمانوئيل الأوَّل كومنينوس. وكان الإمبراطور سالف الذِكر أشد حماسًا من الصليبيين لغزو مصر، ولم يكن أقل انزعاجًا لاتحاد الشَّام ومصر تحت راية الزنكيين، ما أدّى إلى انقلابٍ خطيرٍ في توازن القوى بالمشرق، فعرض على عمّوري الأوَّل تعاون الأسطول البيزنطي في الحملة التالية، فوافق الملك على هذا الاقتراح، وتمَّ إعداد أسطولٌ عظيم مُدجج بالرجال والسلاح، وأبحر من القُسطنطينيَّة مُتجهًا إلى دُمياط. كان صلاحُ الدين قد تلقَّى تحذيرًا مُبكرًا بالغ الكفاية عن الحملة، فاستعد لمُواجهتها بأن حصَّن الإسكندريَّة والقاهرة وشحن بلبيس بالعساكر اعتقادًا منه أنَّ هذه الحملة سوف تسيرُ على درب الحملات السَّابقة، وبقي في القاهرة خشية قيام مؤامرةٍ فاطميَّة ضدَّه، وحتَّى يكفل الأمن لنفسه، أمر بإلقاء القبض على مؤتمن الخِلافة وإعدامه، ثُمَّ عزل موظفي القصر من السودان المعروفين بولائهم للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، وأحلَّ مكانهم رجالًا من أتباعه. عزَّ على الجُند السودانيين استبعادهم وضياع نُفوذهم، كما غضبوا لمقتل مؤتمن الخِلافة، فثاروا على صلاح الدين، لكنَّه تمكَّن من قمعهم وكسر شوكتهم، فاضطرّوا إلى طلب الأمان منه فأجابهم إلى ذلك. تراوح موقف العاضد لدين الله الذي شهد هذه الأحداث بين الإحجام عن مُساعدة صلاحُ الدين وتأييد خطوته، وفقًا لتطوّر الأحداث. ذلك أنَّهُ ظنَّ في بادئ الأمر أنَّ الجُند السودانيين سوف ينتصرون، ويُنقذونه من قبضة صلاح الدين، فأمر من في القصر أن يقذفوا العساكر الشاميَّة بالنشَّاب والحجارة. ولمَّا هدَّد توران شاه، أخو صلاح الدين بإشعال النار بالقصر، لم يسعه إلَّا أن يُغيِّر موقفه.

    وفي يوم 1 صفر 565هـ المُوافق فيه 25 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1169م، وصل الصليبيّون والبيزنطيّون إلى دُمياط، وما أن علم صلاحُ الدين بوصول القوَّات المُتحالفة إلى المدينة سالِفة الذِكر حتّى أرسل إليها الرجال والسلاح والمؤن، كما أرسل عددًا من السُفن الحربيَّة اتخذت طريقها نحو الشمال في فرع دمياط من نهر النيل، وبعث في الوقت نفسه رسالة إلى نورُ الدين محمود الزنكي في دمشق يُخبره بما حدث، ويلتمس منه المُساعدة، فسيَّر إليه نورُ الدين العساكر تباعًا، كما قام بالإغارة على مواقع الصليبيين في الشَّام لتخفيف الضغط عن دُمياط. وعلى الرُغم من الاستعدادات الكثيرة والتحضيرات الكثيفة، فشلت الحملة المُشتركة في تحقيق أي هدفٍ من أهدافها لعدَّة عوامل، فقد دافعت حامية دُمياط عن المدينة بشراسة، وتراجع مخزون المؤن البيزنطي بسبب طول الرحلة من القُسطنطينيَّة، وفشل الأُسطول في دخول فرع دُمياط بقدرٍ يسمح له بمُهاجمة المدينة، فعجز عن تقديم المُساعدة العسكريَّة المطلوبة للقوَّات الصليبيَّة البريَّة، وهبَّت عاصفة شديدة مصحوبة بأمطارٍ غزيرة أغرقت المُعسكر الصليبي وحوَّلتهُ إلى مُستنقع، فاستغلَّ المُسلمون هذا وانقضوا على الأُسطول وأنزلوا به خسائر فادحة، فاضطرَّ الملك الصليبي وقيصر الروم أن يطلبا الصُلح، وانسحبا عائدين إلى بلديهما يوم 28 ربيع الأوَّل 565هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1169م، أي بعد أن مكثا بجيوشهما أمام دُمياط أكثر من خمسين يومًا.

    بعد هذا النصر، أرسل نورُ الدين الزنكي إلى صلاحُ الدين يطلب منه أن يقطع الخِطبة للفاطميين فورًا ويُرجعها للخليفة العبَّاسي، فاعتذر له بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الاستجابة إلى ذلك لميلهم إلى العَلَويين، إذ أنَّ المؤثرات الشيعيَّة في مصر كانت قويَّةً في ظل الحُكم الفاطميّ الذي استمرَّ قرنين من الزمن. لكنَّ نورُ الدين أصرَّ على تابعه أن يفعل ذلك في سبيل تحقيق الوحدة الإسلاميَّة والاستفادة من إمكانات مصر الاقتصاديَّة والبشريَّة في الجهاد ضدَّ الصليبيين، وأرسل إليه إنذارًا نهائيًّا في شهر ذي الحجَّة سنة 566هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 1171م يأمُرهُ بإسقاط الخِطبة للخليفة الفاطميّ العاضد، وإقامتها للخليفة العبَّاسيّ أبو مُحمَّد الحسن بن يُوسُف المُستضيء بأمر الله، وألزمهُ إلزامًا لا فُسحة له في مُخالفته. ورأى صلاحُ الدين أن يستجيب لطلب سيِّده في دمشق نظرًا لأنَّ الغالبيَّة العُظمى من سُكَّان مصر لم تتشيَّع، ولأنَّ الدولة الفاطميَّة أصبح من الواضح أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولم يعد لديها القدرة على التحرُّك بعد القضاء على الجُند السودان. وجاءت الخُطوة الحاسمة يوم 7 مُحرَّم سنة 567هـ المُوافق فيه 10 أيلول (سپتمبر) سنة 1171م، عندما قطع صلاحُ الدين الخِطبة بمصر للخليفة الفاطمي وأقامها للخليفة العبَّاسي، وأعاد السَّواد شعارُ العبَّاسيين. وقد تمَّ هذا التحوّل بهُدوء تام، وبذلك عادت مصر إلى كنف الدولة العبَّاسيَّة، وأُعيدت الوحدة المذهبيَّة في الشرق الأدنى. وكان العاضد لدين الله أثناء ذلك مريضًا يحتضر، فلم يشأ صلاحُ الدين إزعاجه ومُضاعفه همّه، فأمر رجاله بألَّا ينهوا إليه بالأنباء. ولم تكد تمضي أيَّام على قطع الخِطبة للفاطميين حتّى توفي الخليفة العاضد لدين الله، فكانت تلك نهاية الدولة الفاطميَّة فعليًّا، فزالت من الحياة السياسيَّة بعد أن دامت 262 سنة.

  4. نظام الحُكم

    5 دقائق قراءةكانت الخلافةُ الفاطميَّة خلافةً مذهبيَّةً شيعيَّةً شعارها الإمامة الدينيَّة، وكان لهذه الصفة المذهبَّية أثرها في صوغ كثير من النظم والرسوم التي اختصت بها. كان نظامُ الحُكم في ظل الخلافة الفاطميَّة، كما كان في سائر الدول…

    الخِلافة والإمامة

    كانت الخلافةُ الفاطميَّة خلافةً مذهبيَّةً شيعيَّةً شعارها الإمامة الدينيَّة، وكان لهذه الصفة المذهبَّية أثرها في صوغ كثير من النظم والرسوم التي اختصت بها. كان نظامُ الحُكم في ظل الخلافة الفاطميَّة، كما كان في سائر الدول الإسلاميَّة الأُخرى، خلال العصور الوسطى مُنذُ انقضاء الخلافة الراشدة، نظامًا مُطلقًا يستأثرُ فيه الخليفة بجميع السُلطات الرُوحيَّة والزمنيَّة، وقد سارت الخِلافة الفاطميَّة على هذا النحو منذ قيامها بالمغرب، ثمَّ بعد ذلك مُنذ قيامها بمصر، فكان الخليفة الفاطميّ، هو الدولة، وهو صاحب السُلطات المُطلق. وكانت نظريَّة الحُكم الفاطميَّة تقُومُ على المبدأ القائل: «إنَّ طاعة الإمام جامعة للمُلوك والرَّعايا، والرَّعايا تجمع الأعطاء والطَّاعة، وإنَّ الوزير يجمع السياسة والجباية، والجباية جامعة للوُزراء والعُمَّال، وأن الملك يجمع الطاعة والسياسة، والعاملُ يجمع الجباية والأعطاء، وإنَّ الأعطاء جامعٌ للعُمَّال والرعايا، وإنَّ السياسة مُشتركة». يتضح من ذلك أنَّ الأمام هو رئيس الدولة الأعلى، وقد يكون هو الإمام الروحيّ والملكُ الزمني معًا، وقد يكون تحت رياسته ملوكٌ آخرون، يُدينون له بالطاعة الدينيَّة والدُنيويَّة، وهو الحاكم المُطلق، ومن تحته تتدرجُ السُلطات من أعلى إلى أسفل. انطلاقًا من هذا، فإنَّ الخليفة الفاطميّ كان يحكُمُ حُكمًا مُطلقًا، مثل الخُلفاء الأُمويين والعبَّاسيين قبله، لكنَّهُ تميَّز عنهم بالهالة الدينيَّة المُعظَّمة التي فاقت تلك الهالة التي أحاطها العبَّاسيون بالخليفة، فالأخيرة ظهرت لظروفٍ سياسيَّة، بينما قداسة الخليفة عند الفاطميين أصلٌ من أُصول الإيمان، فالخليفةُ الفاطميُّ هو في الوقت نفسه إمام المذهب الإسماعيلي، وهو معصومٌ عن الخطأ وِفق المُعتقد الشيعي، وهو قائمُ الزمان، وقيامه يرجع إلى مشيئة الله.

    واتخذ الفاطميّون ألقابًا تعكسُ مكانتهم وأحقيَّتهم في حُكم المُسلمين كلقب «إمام» و«صاحب الزمان» و«السُلطان الشريف»، بالإضافة إلى لقب «أمير المؤمنين» الذي كان مُرادفًا للقب الخليفة منذ عهد عُمر بن الخطَّاب، كما أنَّهم حرصوا على إضافة نعوتهم الخاصة إلى لفظ الجلالة كما فعل العبَّاسيّون قبلهم، فكان الخليفة الفاطميّ يتلقب بألقاب مثل: «المُعز لدين الله»، و«العزيز بالله»... وما إلى ذلك. وقال ابن خلكان:. وسار الخُلفاء الفاطميّون على نظام الحُكم الوراثي بتفويضٍ من الله، كما كان حالُ الخُلفاء العبَّاسيين، وكان قصرُ الخِلافة الفاطميّ يقعُ في منطقة خان الخليلي بشارع بين القصرين المُعاصر. دُفن عددٌ من أئمَّة الإسماعيليَّة والخُلفاء الفاطميين في مسجد الإمام الحُسين بالقاهرة، وتحديدًا من الإمام التاسع التقي مُحمَّد إلى الإمام العُشرون والخليفة العاشر منصور الآمر بأحكام الله، وذلك في موضع يُقال له «باب مُخلفات الرسول» حيثُ يُعتقد أنَّ بعضًا من شعر رأس الرسول مُحمَّد قد حُفظ، وحيثُ قيل أنَّ رأس الإمام الحُسين بن عليّ قد نُقل.

    الولاية

    بعد سُقوط دولة الأغالبة، عمِل الخليفة عُبيد الله المهدي على تنظيم دولته الجديدة بما يؤهلها لمهامٍ أكبر من مُجرَّد السيطرة على المغرب، أي للتوسُّع شرقًا مُستقبلًا. فأعدَّ لها تنظيماتٍ على المُستوى المُتقدِّم كدولةٍ ناشئةٍ مُتطوِّرة، فأعاد تقسيم البلاد الخاضعة له بشكلٍ يُناسبُ الظُروف الواقعة، وعيَّن الحُكَّام لأقاليمها ووُلاةً لإدارة أجزائها الواسعة، ويذكُرُ المقريزي بعضًا من ذلك، فأشار إلى أنَّ المهدي استعمل العُمَّال على الأقاليم، فعيَّن على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خِنزير، فوصل إلى «مارز» يوم 10 ذي القعدة 297هـ المُوافق فيه 20 تمّوز (يوليو) 910م، فولّى أخاهُ على جرجنت. وقد توسَّع ابن خِنزير سنة 298هـ، فسار في عسكره إلى «دفش»، فغنم وسبى وأحرق، ولم يُحسن العمل، فعيَّن المهدي بدلًا منه عليّ بن عُمر البلوى. وقد وزَّع المهدي أعيان الكتاميين والرجال المُقربين منه على ولايات الدولة حتَّى غدت مُتماسكة الأجزاء قويَّة البُنيان. وقسَّم الفاطميّون الدولة إلى عدَّة ولايات أعمال هي: ولاية عسقلان، وهي أجلُّ الولايات، وولاية قوص، وولاية الشرقيَّة، وولاية الغربيَّة، وولاية الإسكندريَّة، وولاية إفريقية، وولاية صقلية، وولاية الحرمين، وولاية اليمن. وقد فقدت الدولة ولاية عسقلان لصالح الصليبيين، لكنَّها حافظت على ولايات قوص والشرقيَّة والغربيَّة والإسكندريَّة حتّى أواخر أيَّامها، أمَّا الولايات المغربيَّة فقد سقطت من أيديهم قبل ذلك، إذ ما لبثت أن قامت دولة المُرابطين في المغرب سنة 1040م، وتخلَّى حُكَّامها عن المذهب الشيعي. ولبِثت صقلية كذلك تابعةً من الناحية الشرعيَّة للخِلافة حتَّى انتهت بالسُقوط في يد النورمان في سنة 462هـ المُوافقة لِسنة 1072م. وكانت أعمال الحرمين واليمن أيضًا تابعة للخِلافة الفاطميَّة من الوجهة المذهبيَّة، يُدعى فيها للخليفة الفاطميّ، ولكنَّها كانت مُستقلَّة بشؤونها.

    الوزارة

    كانت الوزارة في العهد الفاطميّ الأوَّل وزارة تنفيذ لأنَّ السُلطات كُلَّها كانت بيد الخليفة. ولم يكن الوُزراء إلَّا مُعاونين للخليفة يُنفذون سياسته وأوامره. أمَّا في العهد الفاطميّ المُتأخر، فقد زاد نُفوذُ الوُزراء وأصبحت لهم كلمةٌ في تسيير الأمور واتخاذ القرارات. ولعلَّ أهم ما يُمَيز منصب الوزارة في العصر الفاطميّ هو أن الكثير من وزراء الفاطميين كانوا من النصارى واليهود، مثل: عيسى بن نسطورس، ويعقوب بن كلس، وعسلوج بن الحسن. وخِلال النصف الثاني من العصر الفاطميّ تغلَّب الوُزراء وسيطروا على شؤون الدولة كُلَّها، وسلبوا الخُلفاء كُلَّ سُلطانٍ ونُفوذِ، حتَّى أطلق البعض على هذا العصر اسم «عصر الوزراء العظام». وبلغ من نُفوذ الوزراء في ذلك العصر أن غلب سُلطانهم على سُلطان الخُلفاء بشكلٍ عام، وزاد نُفوذ الوُزراء حتَّى أنَّهم كانوا يُعينون بعض الخُلفاء ويعزلونهم، بل ويتآمرون عليهم، كما اتخذوا ألقابًا كلقب «الملك» وألقاباً أُخرى تفيد مزيدًا من التفضيل مثل «الأكمل» و«الأفضل» و«الأشرف»، وأصبحت الوزارة أهم وظائف الدولة وأكبرها، حيثُ تضاءلت إلى جانبها وظيفة الخليفة. وأوَّل هؤلاء الوُزراء كان بدرُ الدين الجمالي، الذي جمع بين إمارة الجيش والوزارة، وكان الأمر الناهي في الدولة ما عدا في الشؤون الدينيَّة.

    القضاء

    أدى تأسيس الدولة الفاطميَّة إلى ظهور خلافةٍ جديدة في العالم الإسلامي، تتبع المذهب الشيعيّ عوضًا عن المذهب السنُّي الذي كانت تتبعه الدولة العباسية، وبالتالي فقد ظهر منصب قاضي قضاةٍ جديدٍ بين المسلمين يوازي قاضي بغداد، إلا أنَّه يتبع المذهب الإسماعيلي ويستند إليه في أحكامه عوضًا عن الحنفيّ. وكان يستقرُّ قاضي القضاة عادةً في الجامع الأزهر الذي بناه الفاطميُّون بعد فتحهم لمصر مباشرة. كان أول قاضي قضاةٍ فاطمي هو النعمان بن محمَّد الذي عيَّنه الخليفة المعز لدين الله، وقد كان أول من يؤسِّس نظامًا قضائيًّا بالدولة الفاطمية. عندما كانت لدى المواطنين مظالم على أمرٍ ما، فإنَّهم كانوا يتجهون إلى حاجب الخليفة، فينظر الحاجب في المظالم، فإذا كانت صغيرةً فإنَّه يحولها إلى قضاة أو ولاة الدولة، أما إن كانت غير ذلك فإنَّه يجمعها ويعرضها على الخليفة. أما الأحكام الشرعيَّة فإنها تؤول إلى قاضي القضاة ليحكم فيها، والذي كان يمثِّل أعلى سلطةٍ قضائيَّة في الدولة. كما كان يوجد منصبٌ يلي قاضي القضاة مباشرة في أهميَّته وقوته، هو داعي الدُّعاة. اندثر المذهب الإسماعيليُّ في مصر مع زوال الدولة الفاطمية، وزال معه منصب قاضي القضاة بمصر وسائر المؤسَّسة القضائية الفاطمية.

  5. النظام العسكري

    دقيقتا قراءةكان الدَّاعي أبو عبد الله الشيعي أوَّل من نظَّم الإسماعيليَّة تنظيمًا عسكريًّا دقيقًا ضمن قيادةٍ مُوحَّدةٍ، إذ كان الإسماعيليّون من كتامة وغيرهم مُتناثرين مُتباعدين مكانيًّا، يقومُ على إدارتهم مجموعةٌ من المُتنفذين،…

    كان الدَّاعي أبو عبد الله الشيعي أوَّل من نظَّم الإسماعيليَّة تنظيمًا عسكريًّا دقيقًا ضمن قيادةٍ مُوحَّدةٍ، إذ كان الإسماعيليّون من كتامة وغيرهم مُتناثرين مُتباعدين مكانيًّا، يقومُ على إدارتهم مجموعةٌ من المُتنفذين، ممَّا جعلهم غير قادرين على التحرُّك الفعَّال ضدَّ القوى المحليَّة، فأخرج أبو عبد الله الشيعي هذا التشتُت ليُشكِّلَ وحدةً عسكريَّةً ذات قيادة مُوحدة، وانطلق بهم من فج الأخيار قوَّة مُوحَّدة فعَّالة. أقام أبو عبد الله الشيعي مراكز تدريبٍ عسكريَّةٍ بعد التنظيم الذي أحدثهُ في فرز قياداتٍ تدريبيَّةٍ وتسليحٍ قويٍّ، مُستمدًّا ذلك من أموال الزكاة وتلك المفروضة على المُنتمين للدعوة، وهكذا بدت القوَّة العسكريَّة المُعدَّة ذات فاعليَّة أرعبت الحُكَّام المُجاورين.

    شكلت كتامة العنصر الأساسي في الجيش الفاطمي في مرحلة قيام الدولة، ثم انضمت إليه عناصر من عرب إفريقية وزويلة والمصامدة والبرقية، وهي العناصر التي دخل بها جوهر الصقلي مصر بالإضافة إلى بعض الروم والصقالبة. وفي عهد العزيز بالله، أدخل العزيز الترك والديلم في جيشه، وأكثر من الاعتماد عليهم. وزاد عليهم الحاكم بأمر الله طائفة من العبيد وبالأخص السود، ثم تضاعف عدد هؤلاء العبيد حتى بلغ عددهم 50,000 في عهد المستنصر بالله. ومع تولّي بدر الدين الجمالي الوزارة، أدخل الأرمن في خدمة الجيش الفاطمي. وقد بلغ قوام الجيش الفاطمي في آخر أيام الدولة 40,000 فارس، و36,000 رجل وعشر سفن محملة بعشرة آلاف مقاتل. وقد انقسم الجيش الفاطمي إلى ثلاث طبقات. الأمراء وهم قادة الألوف والمئات والعشرات، فخواص الخليفة وحرسه الخاص، ثم الجنود.

    أما الأسطول، فبدأ الفاطميون الاهتمام به منذ بداية دولتهم، فأسسوا دار للصناعة في المهدية للسيطرة على غرب حوض المتوسط. وبعد أن انتقلوا إلى مصر، ابتنوا دارين أخريين في القاهرة، وثالثة في دمياط ورابعة في الإسكندرية، كانوا يصنعون فيهم المراكب الحربية من مختلف الأحجام تولت تلك السفن حماية الثغور الفاطمية في البحرين المتوسط والأحمر، وكانت تتمركز في قواعد رئيسية في الإسكندرية ودمياط وعيذاب. وكان يتولى إدارة الجيش والأسطول ديوان عُرف بديوان الجيش يتولى حصر الجند من حيث الأحياء والأموات والمرض، بالإضافة إلى تنظيم الرواتب وتوزيعها.

  6. العلاقات مع دُول الجوار

    12 دقيقة قراءةكان الحمدانيّون، وهُم سُلالة عربيَّة شيعيَّة اثنا عشريَّة، يحكُمون الجزيرة الفُراتيَّة وشمال الشَّام بحُلول زمن الفتح الفاطمي لِمصر، واتخذوا من حلب عاصمةً لهم. ولمَّا سقطت الدولة الإخشيديَّة بمصر وبسط الفاطميّون حُكمهم…

    مع الدولة الحمدانيَّة

    كان الحمدانيّون، وهُم سُلالة عربيَّة شيعيَّة اثنا عشريَّة، يحكُمون الجزيرة الفُراتيَّة وشمال الشَّام بحُلول زمن الفتح الفاطمي لِمصر، واتخذوا من حلب عاصمةً لهم. ولمَّا سقطت الدولة الإخشيديَّة بمصر وبسط الفاطميّون حُكمهم على القسم الجنوبي من الشَّام بما فيه فلسطين ودمشق ولُبنان، توجَّس الحمدانيّون خوفًا من التمدد الفاطميّ شمالًا، رُغم أنَّ أُمراء بني حمدان كانوا يُقيمون الخِطبة للخليفة الفاطميّ في حِمص وحلب، ويرفعون الأذان «بحيَّ على خير العمل مُحمَّد وعليّ خيرُ البشر»، إلَّا أنَّهم عارضوا الوُجود الفاطميّ في بلادهم، لذلك كثيرًا ما ساعدوا القرامطة في حربهم ضدَّ الفاطميين، كما ساعدوا أفتكين التُركي، أحد موالي مُعزّ الدولة أحمد بن بويه، الذي حالف الخُلفاء العبَّاسيين لاحقًا، في حربه ضدَّ الفاطميين، لمَّا تغلَّب عليهم وبسط نُفوذه على الشَّام سنة 364هـ المُوافقة لِسنة 975م. ولمَّا حاول الفاطميّون مدَّ حُكمهم إلى شمال الشَّام، وقف أميرُ حلب «سعدُ الدولة أبو المعالي شريف الحمداني» في وجههم، فلم يخسر سوى حِمص التي انضمَّ واليها الحمداني إلى الفاطميين. ولمَّا توفي سعد الدولة، خلفه ابنه أبو الفضائل سعيد الدولة، فرأى الفاطميّون أنَّ الوقت قد حان لضمِّ بقيَّة الدولة الحمدانيَّة إلى دولتهم، فأرسلوا جيشًا كبيرًا لتحقيق هدفهم. فلم يكن من سعيد الدولة إلَّا أن استنجد بالبيزنطيين الذين كانوا يُعاملونه على أساس مُعاهدة صُلح عُقدت بينهما. وقد لبّى قيصر الروم الإمبراطور يوحنَّا الأوَّل زمسكيس، الشهير «بابن الشمشقيق» طلبه وأرسل إليه نجدة كبيرة، مُغتنمًا الفُرصة أيضًا ليُحقق سياسة سلفه الإمبراطور نقفور الثاني فوقاس القاضية باسترجاع الأراضي المُقدَّسة من أيدي المُسلمين. وقد بقيت حلب عصيَّةً على الفاطميين حتّى توفي سعيد الدولة يوم 15 صَفَر 392هـ المُوافق فيه 3 كانون الثاني (يناير) 1002م، فخلفهُ مولاه لؤلؤ الخادم السيفي، ولمَّا توفي هذا الأخير في آخر ذي الحجَّة سنة 399هـ المُوافق فيه 27 تمّوز (يوليو) 1009م، اعترف ابنه وخليفته منصور بسُلطان الخليفة الفاطميّ، فأقام الدَّعوة له في حلب. وفي وقتٍ لاحق، عيَّن الحاكم بأمر الله عزيز الدولة فاتك أميرًا على حلب، ولقَّبهُ بأمير الأُمراء، ليكون بذلك أوَّل حاكمٍ فاطميٍّ على المدينة. لكنَّ الأخير سُرعان ما أخذ يسيرُ بإمارته نحو الاستقلال، وما لبث أن خرج عن طاعة الحاكم بأمر الله سنة 409هـ المُوافقة لِسنة 1018م، واستقلَّ بحُكم حلب وضرب النُقود باسمه ودعا لنفسهِ على المنابر. ولم يتمكَّن الحاكم بأمر الله من التفرُّغ لحلب بفعل ثورة الأهالي عليه في مصر والشَّام، غير أنَّه أمر بإعداد الجُيوش إلى المدينة، لكن حصل اختفائه بعد ذلك بوقتٍ قصير، فلم تُسيَّر العساكر الفاطميَّة إلى الشَّام. وبعد مقتل عزيز الدولة فاتك، استعاد الفاطميّون مدينة حلب وأخضعوها لحُكمهم طيلة ثماني سنوات، إلى أن سقطت بيد المرداسيين يوم السبت في 13 ذي القعدة 415هـ المُوافق فيه 18 كانون الثاني (يناير) 1025م. وبقيت حلب طيلة فترةٍ من الزمن تتأرجح بين الحُكم الفاطمي وحُكم أُمراء محليين إلى أن سقطت بيد السلاجقة في نهاية المطاف.

    مع الدولة الأُمويَّة الأندلسيَّة

    في إطار سياسة الفاطميين التوسعية، حرص الفاطميُّون على إرسال بعض عيونهم للتمهيد لدعوتهم ونشر المذهب الإسماعيلي في الأندلس كأبي جعفر أحمد بن محمد بن هٰرون البغدادي الذي دخل الأندلس واعظًا وداعيًا، والذي زعم المؤرخ ابن الفرضي أنه دخل الأندلس متجسسًا. غير أن ترسّخ المذهب المالكي بين أهل الأندلس، ومحاربة الدولة للمذهب الشيعي حال دون انتشار هذا المذهب. استفاد الفاطميون أيضًا من مشاهدات الرحالة ابن حوقل الذي وصف وضع الأندلس السياسي والاقتصادي والعسكري خلال رحلته، في تحديد الوضع الداخلي للأندلس في تلك الفترة. كما لجأ الفاطميون إلى أساليب أخرى لزعزعة الداخل الأندلسي، عن طريق مُساندة الثائرين على سلطة الأمويين في الأندلس ودعمهم ماديًا كعمر بن حفصون الذي نجح الأمير عبد الرحمٰن بن محمد في ضبط عدد من السفن المحملة بالمؤن التي أمدّ الفاطميُّون بها ابن حفصون، وأحرقها.

    جاءت ردة الفعل الأموية لهذه المحاولات الفاطمية للتدخل في الشأن الداخلي الأندلسي، بأن أعلن الأمير عبد الرحمٰن بن محمد الخلافة الأموية في الأندلس سنة 316هـ، ليُثبت أن دولته ليست أقل من الخلافة العبَّاسيَّة أو الخلافة الفاطميَّة، ومساندة دول قبائل بني يفرن ومغراوة الزناتيَّة في المغرب الأقصى ماديًّا وعسكريًّا لمُجابهة قبائل صنهاجة وكتامة البرنسيتين المواليين للفاطميين، ولتقف كحاجز أمام التوسع الفاطمي غربًا، بالإضافة إلى الاستيلاء على مرفأ مليلة سنة 314هـ، وسبتة سنة 319هـ، ثم طنجة وهي الموانيء المُقابلة لأرض الأندلس، لتكون خط دفاع أوّليٍّ أمام أيِّ مُحاولة عبورٍ للفاطميين. ومن ناحيةٍ أُخرى، تحالف عبد الرحمٰن مع بعض أُمراء البربر ومنهم موسى بن أبي العافية أمير مكناسة، وأمدّهم بالمال والسلاح، في معاركهم أمام هجمات الفاطميين. كما كان لدخول الأدارسة حُلفاء الفاطميين في طاعة الخليفة عبد الرحمٰن الناصر لدين الله سنة 332هـ، ضربة قاصمة لأطماع الفاطميين في الاستيلاء على تلك المنطقة.

    لم تتوقف محاولات الفاطميين عند هذا الحدّ ففي سنة 344هـ، هاجمت بعض سُفن الفاطميين شواطئ ألمرية، وردّ الأسطول الأندلسي على ذلك بالإغارة على شواطئ إفريقية. وفي سنة 347هـ، هاجم الأسطول الأندلسي مجددًا شواطئ إفريقية، فردّ الفاطميّون الهُجوم بتسيير جيشٍ ضخمٍ بقيادة جوهر الصقلي مدعومًا من قبائل صنهاجة، زحف به جوهر إلى المغرب، فبلغ بجيشه المحيط، إلا أن هذا الجيش عاد أدراجه دون الاحتفاظ بما اكتسبه من أراضٍ. وفي سنة 373هـ، أمر الخليفة الفاطمي أبو منصور نزار العزيز بالله نائبه بلقين بن زيري بدعم الحسن بن كنون زعيم الأدارسة لاستعادة ما فقده من أراضٍ على أيدي الأمويين وحلفائهم من زناتة، فسيّر له الحاجب المنصور جيشًا كثيفًا، انهار أمامه جيش ابن كنون سنة 375هـ، الذي استسلم لهذا الجيش، إلا أنَّ المنصور أمر قائد جيشه بقتل ابن كنون، وطرد الأدارسة من المغرب. وفي سنة 387هـ، دعّم الحاجب المنصور حملة زيري بن عطية المغراوي للتوسّع شرقًا في أراضي قبائل صنهاجة الموالية للفاطميين باسم الخليفة هشام المؤيد بالله. إلَّا أنَّه مع انتقال عاصمة الفاطميين إلى مصر في أواخر القرن الرابع الهجري، خفَّت حدة الاهتمام الفاطمي في التوسع غربًا على حساب دولة الأمويين في الأندلس وحلفائهم.

    مع الدولة العبَّاسيَّة

    شهدت العلاقة بين الدولتين الفاطمية والعبَّاسيَّة تباينًا واضحًا. اعتمدت قوة وضعف تلك العلاقة بين البلدين على مدى قوة تأثير البويهيين وسيطرتهم على الخلافة العبَّاسيَّة. ففي بداية عصر الدولة الفاطميَّة، كان البويهيون في أوج قوتهم وتحكّمهم في دولة الخلافة العبَّاسيَّة. وكان انتماء البويهيين للمذهب الشيعي الزيدي سببًا في التقارب بين الفاطميين والبويهيين، حيث سمح البويهيون لدُعاة الفاطميين بنشر عقائد الإسماعيليَّة في أماكن نفوذهم، بل واتجه تفكير معز الدولة البويهي لاستبدال الخلافة العبَّاسيَّة بالفاطميَّة، غير أنه تراجع عن تلك الفكرة خشية غدر الفاطميين به متى تمكنوا من الأمر.

    غير أنه ومع ضعف دولة بني بويه، وتمكّن الخُلفاء العباسيَّون من التدخل في السياسة مُجددًا، ساءت العلاقات بين الفاطميين والعبَّاسيين. ففي سنة 382هـ، أوقف الخليفة العبَّاسي القادر بالله النواح والبكاء في بغداد في يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح. وفي سنة 398هـ، قمع القادر بالله تمردًا مسلحًا للشيعة في بغداد دعوا فيه لخلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي. وفي سنة 401هـ، خلع حاكم الموصل طاعة الخليفة العباسي، ودعا للفاطميين، فأرسل القادر بالله جيشًا نجح في إعادة الموصل إلى طاعة العبَّاسيين. كما أصدر القادر بالله سنة 402هـ مرسومًا يطعن في نسب الفاطميين، ويحمل توقيع كبار الفقهاء ونقيبي الطالبيين الأشراف الشريف الرضي والشريف المرتضى. ظل ذلك العداء مستدامًا حتى نهاية دولة بني بويه بدخول طُغرل بك السُلجوقي بغداد سنة 447هـ.

    مع الدولة القِرمِطيَّة

    القرامطة طائفةٌ سياسيَّةٌ - دينيَّةٌ عُرفت بذلك نسبةً إلى أحد دُعاتها: حمدان بن الأشعث المُلقَّب «بقِرمِط». كانت العلاقة بين القرامطة والفاطميين علاقةً وثيقةً بادئ الأمر، لكنَّها انقلبت وأصبحت دمويَّةً لاحقًا، وقد نشبت بين الطرفين عدَّة مواجهات مُسلَّحة لأسبابٍ مذهبيَّةٍ وسياسيَّة، نظرًا لأنَّ القرامطة انشقوا عن الحركة الإسماعيليَّة الأُم واعتقدوا بعودة الإمام مُحمَّد بن إسماعيل بصورة المهدي المُنتظر، وظنّوا بأنَّ الإمام عُبيد الله المهدي خدعهم، فأوقفوا الدعوة له، وعارضوه في مسألة العِصمة، إذ لم تكن عِصمة الأئمَّة معروفة لأحد عند القرامطة. وكان القرامطة يُبيحون سفك دماء خُصومهم، فأثاروا الرُعب والإرهاب في البصرة والأحواز خلال ثورة الزَّنج، وفي سنة 286هـ المُوافقة لِسنة 899م تمكَّن القرامطة برئاسة أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنَّابي من تأسيس دولةً مُستقلَّةً في البحرين. وأخد أبو سعيد يعمل بشكلٍ شبه مُستقل عن الإمام عُبيد الله المهدي مُستوحيًا مصلحتهُ الخاصَّة، وكان ذلك يتعارض مع سياسة الفاطميين وزعامتهم. والرَّاجح أنَّ أبا سعيد لم يكن راضيًا عن زعامة عُبيد الله المهدي للحركة الإسماعيليَّة وإن كان قد اعترف بسُلطته بوصفه الرئيس الأعلى للطائفة. وشعر عُبيد الله بهذا الفُتور من جانب أبي سعيد، فشكَّ في إخلاصه له، وعمل على التخلُّص منه، كما حاول في الوقت نفسه إلغاء مبدأ الوراثة في الحُكم بين القرامطة كما أرادها زُعماؤهم، تجنُبًا لاستبداد هؤلاء بالأُمور دون الفاطميين. وفي سنة 301هـ المُوافقة لِسنة 914م، اغتيل أبو سعيد في الأحساء، ووُجِّهت أصابع الاتهام إلى الفاطميين نظرًا لأنَّ القاتل كان خادمًا صقلبيًّا، والغلمان الصقالبة كانوا غير مُنتشرين في المشرق، بل في المغرب والأندلس، على أنَّهُ يُحتمل أيضًا أن يكون المُحرِّض هو الخليفة العبَّاسي. وأشار بعضُ المُؤرخين أنَّ القرامطة حافظوا، رُغم كُلِّ شيءٍ على علاقةٍ شبه طبيعيَّة مع الفاطميين نظرًا لأنَّ الهدف الأسمى لكُلٍّ منهما يبقى الإطاحة بالعبَّاسيين، وقد توافقت مصالحهما من هذه الناحية، فقيل أنَّ اتفاقًا سريًّا عُقد بين زعيم القرامطة أبو طاهر سُليمان والإمام عُبيد الله المهدي، بأن يُهاجم الأوَّل البصرة ليصرف نظر العبَّاسيين عن الحملات الفاطميَّة على مصر، ويُثير إرباكُهم ويشغُلهم عمَّا يجري في المغرب. لكنَّ أبا طاهر بالغ في حملاته العسكريَّة، وأثبت أنَّهُ كان يعمل لمصلحته الخاصَّة من دون التنسيق مع الفاطميين عندما أغار في شهر ذي الحجَّة سنة 317هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) سنة 930م، على مكَّة، فعبث بالحجَّاج وقتلهم في المسجد الحرام، ونهب أموالهم، واقتلع الحجر الأسود من الكعبة وحملهُ إلى هجر بالأحساء. فأثار ذلك العمل الخليفة الفاطميّ الذي كتب إلى زعيم القرامطة مُستنكرًا ومُحذرًا، وأمرهُ بردِّ الحجر الأسود فورًا وإعادة كسوة الكعبة ورد الأموال التي أخذها من الحُجَّاج، فلم تلقى رسالتهُ آذانًا صاغية. وفي سنة 332هـ المُوافقة لِسنة 944م، شهدت الحركة القُرمطيَّة انقسامًا حادًّا، فنادى قسمٌ من القرامطة بإمامة الخليفة الفاطميّ، بينما نادى قسمٌ آخرٌ بالتقارب مع العبَّاسيين، وبالتحديد مع بني بويه المُسيطرين على مُقتدرات الخلافة العبَّاسيَّة. فانتصرت النزعة المُناهضة للفاطميين وسادت، ودخل القرامطة في نزاعٍ سافرٍ معهم، رُغم أنَّهم أعادوا الحجر الأسود إلى مكَّة سنة 339هـ المُوافقة لِسنة 951م. وفي أيَّام العزيز بالله تفاقم خطر القرامطة بالشَّام، وكان قد استعصى أمرهما على أبيه المُعز لدين الله من قبل، ولم يكد العزيز يوطد سُلطته في مصر حتى وجّه عنايته لاسترداد الشَّام وفلسطين بعد سيطرة القرامطة عليهما، فوجّه جوهرًا الصقليّ إلى القرامطة، لكنّه هزُم ولم يستطع استرداد الشَّام وفلسطين، ثم أشار جوهر على العزيز بحرب القرامطة بنفسه، فالتقى بجيوشهما في الرملة فهزمهم وذلك في مُحرَّم سنة 368هـ، وأراح الدولة من شُرورهم.

    مع الدولة السَّلجوقيَّة

    بعد أن أسقط السلاجقة السنيون دولة بني بويه الشيعية، سادت حالة من الاستياء في مصر الفاطمية، واتجهت سياسة الفاطميين لدعم ثورة أبي الحارث أرسلان البساسيري ماديًا، فتمكن من هزيمة جيش العباسيين في سنجار عام 449 هـ، ثم دخل بغداد عام 450 هـ مستغلاً خروج طغرل بك إلى الموصل لإنهاء تمرد أخيه إبراهيم ينال. حينئذ، أجبر البساسيري الخليفة العباسي القائم بأمر الله على كتابة عهد يقر بأحقية الفاطميين في الخلافة دون العباسيين، وخُطب للخليفة الفاطمي المستنصر بالله في بغداد. لم يطل الأمر كثيرًا، فبمجرد عودة طغرل بك من قتال أخيه، حتى هزم البساسيري وقتله وأعاد للخليفة العباسي مكانته.

    وفي عام 463 هـ، قرر السلطان ألب أرسلان غزو حلب، فرأى أميرها الشيعي محمود بن مرداس الموالي للفاطميين خلع طاعة الفاطميين، وأقام الخطبة للخليفة العباسي القائم بأمر الله والسلطان ألب أرسلان. غير أن ألب أرسلان أصر على أن يكون الأذان على مذهب أهل السنة، فامتنع ابن مرداس عن ذلك، فضرب ألب أرسلان الحصار على حلب، إلى أن يأس ابن مرداس وسلّم لألب أرسلان، ليخسر بذلك الفاطميون ظهيرًا شيعيًا حال بينهم وبين السلاجقة. وفي العام نفسه، استطاع أتسز بن أوق الخوارزمي ضم الرملة وبيت المقدس من أيدي الفاطميين، بينما صمدت دمشق أمام حصار السلاجقة.

    وفي عام 468 هـ، استطاع أتسز الخوارزمي دخول دمشق، وعيّن السلطان ملكشاه أخاه تتش حاكمًا عليها لتتأسس دولة سلاجقة الشام، وتدخل المواجهة المباشرة مع الفاطميين. وفي عام 491 هـ، نجح الأفضل شاهنشاه في استعادة بيت المقدس إلى مُلك الفاطميين، غير أن لم يدم طويلاً، ففي العام التالي سقطت المدينة في أيدي الصليبيين لتنتقل المواجهة المباشرة مع الفاطميين هذه المرة إلى عدوهم الجديد الصليبيين.

    مع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة

    دخلت العلاقات البيزنطيَّة - الفاطميَّة مرحلة التأزُّم مُنذ أن فتح الفاطميّون جزيرة صقلية، وتمكنوا من دحر الروم وبسط سيطرتهم على البحر المُتوسِّط، فانزوى الروم في موقفٍ دفاعيٍّ ضد الفاطميين. وحاول الخليفة عُبيد الله المهدي أن يدعم موقفه في مُواجهة البيزنطيين عبر عقد تحالفٍ مع البلغار، خُصوم بيزنطة، فزارت بعثة دبلوماسيَّة بِلاط الخليفة في مدينة المهديَّة، ولكن سفينتهم، وبرفقتها السُفراء الفاطميّون، وقعت في أسر الروم أثناء رجوعها إلى بلادها، فأُجهض مشروع التحالف. وفي منتصف القرن الرابع الهجري، تزامنت توسعات البيزنطيين على حساب الحمدانيين جنوبًا مع توسعات الفاطميين في الشام شمالاً والتي بلغت دمشق. وفي سنة 384هـ، حاصرت قوات العزيز بالله الفاطميّ عاصمة الحمدانيين حلب لمُدَّة 13 شهرًا، فلجأ أميرها أبو الفضائل بن سعد الدولة الحمداني للاستنجاد بالإمبراطور باسيل الثاني البيزنطي فأمده بجيش، إلا أنه هُزم أمام جيش الفاطميين، فأثار ذلك باسيل، فتوجه بنفسه للشام لقتال الفاطميين. كان جيش الفاطميين قد انسحب قبل ذلك إلى دمشق لنقص المؤن، فاكتسح البيزنطيون الأراضي حتى بلغوا طرابلس ثم قفلوا عائدين إلى القُسطنطينيَّة. غضب العزيز وخرج بجيشه يريد قتال البيزنطيين، إلا أنه توفي في الطريق سنة 386هـ. وفي عهد الحاكم بأمر الله، دارت معركتان بين الفاطميين والبيزنطيين، الأولى بحرية في صور سنة 388هـ، والثانية برية بالقرب من أنطاكية، انتهتا بانتصار الفاطميين، مما دفع البيزنطيين إلى طلب الصلح، وعقدت هدنة لعشر سنين بين الدولتين.

    وفي عهد الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي، دبت الفوضى في الشَّام، فأغار البيزنطيون على الشَّام، فلجأ الظاهر إلى إبرام هدنة مع الإمبراطور قسطنطين الثامن يعيد الظاهر بموجبها بناء كنيسة القيامة التي هدمها الحاكم بأمر الله الفاطمي، ويُجدد قسطنطين الثامن بناء جامع القسطنطينية الذي كان مُسلمة بن عبدُ الملك قد بناه سنة 96هـ المُوافقة لِسنة 714م بعد حصاره للقُسطنطينيَّة، وأن تقام الخِطبة في الجامع للخليفة الفاطمي. وفي سنة 446هـ أثناء الشدة المستنصرية، أرسل المُستنصر الفاطمي إلى ثيودورا الثالثة إمبراطورة بيزنطة يدعوها إلى إسعاف مصر بالغلال، فاشترطت أن يكون مُقابل ذلك أن يدعمها المُستنصر بالجند في حالة تعرضت لثورة داخلية، وهو ما رفضه المُستنصر، ولم يتم الاتفاق. غضب المُستنصر وجرّد جيشًا أغار على أعمال أنطاكية، فبعثت بيزنطة بثمانين سفينة هزمت الفاطميين، وأُسر قائد جيشهم، فطلب المُستنصر الهدنة. ومع بدأ الحروب الصليبية، انقطعت الصلات المباشرة بين الدولتين، بعد أن تباعدت مناطق نفوذ الدولتين بعد تكوّن الإمارات الصليبية.

    مع مملكة بيت المقدس

    وصلت جيوش الحملة الصليبية الأولى إلى مدينة القدس عام 492 هـ (1099م) في وقتٍ كانت المدينة فيه تحتَ سلطان الدولة الفاطميَّة، وقد خاضت جيوش الفاطميين معركةً قويَّة للدّفاع عن المدينة، إلا أنَّ المعركة انتهت بهزيمة ساحقة ومذبحة راح ضحيَّتها عشرات الآلاف من المقاتلين وسكان المدينة المسلمين على حدّ سواء. وفقد الفاطميون بعد سقوط بيت المقدس آخر أملاكهم في بلاد الشام، ممَّا جعل سلطانهم ينحصر في مصر وحدها تقريبًا لمعظم ما تبقَّى من عصرهم. بعد سقوط القدس بشهور، خاض الفاطميُّون معركةً أخرى للدّفاع عن مدينة عسقلان، وقاد الجيش الفاطمي وزير الدولة الفاطمي الملك الأفضل بنفسه، إلا أنَّه خسر المعركة خسارةً ساحقة. عادت عسقلان فيما بعد إلى سلطان الفاطميِّين لمدة قصيرة، دامت حتى عام 548 هـ (1153م)، عندما تمكَّن الصليبيون من انتزاعها مرَّة أخرى. رغم أنَّ فلسطين ظلَّت تحت سيطرة مملكة بيت المقدس خلال معظم ما تبقَّى من العصر الفاطمي، إلا أنَّ الخلفاء الفاطميِّين كانوا يحاولون باستمرارٍ استرداد بعض المدن منها، واستمرُّوا بتسيير الحملات العسكريَّة إلى فلسطين مرارًا وتكرارًا، مع أنَّ الصليبيين كانوا ينجحون بصدِّها. مع مرور الوقت، أخذت الدولة الفاطميَّة تضعف وتنهار من الداخل، أما على الجانب الآخر من الأملاك الصليبيَّة في الشام، فقد انبثقت دولة الزنكيين التي نجحت بتوحيد المنطقة تحت سلطةٍ قويَّة ومتماسكة، وبدأت بإضعاف النفوذ الصليبيّ في المشرق باستمرار. توجَّهت أنظار الصليبيين نتيجة هذه التغيرات إلى مصر، لأنَّها أصبحت الحلقة الأضعف بالمشرق، وكانت من نتائج ذلك سقوط عسقلان سنة 1153م، إلا أنَّ أمد الدولة الفاطمية لم يطل بعد ذلك، فتابع صلاح الدين الأيوبي الحرب مع مملكة بيت المقدس حتى زوالها.

  7. المُجتمع والثقافة

    13 دقيقة قراءةقسّم المقريزي المجتمع الفاطمي اجتماعيًا إلى طبقة الأغنياء وتضم رجال الدولة وكبار التجار، وطبقة متوسطة وتضم متوسطي الحال من التجار وأصحاب المحال والمزارعين، وطبقة الفقراء وتشمل الفقهاء وطلاب العلم والأجراء والحرفيين وذوي…

    الحياة الاجتماعيَّة

    قسّم المقريزي المجتمع الفاطمي اجتماعيًا إلى طبقة الأغنياء وتضم رجال الدولة وكبار التجار، وطبقة متوسطة وتضم متوسطي الحال من التجار وأصحاب المحال والمزارعين، وطبقة الفقراء وتشمل الفقهاء وطلاب العلم والأجراء والحرفيين وذوي الحاجات من المساكين. أما عرقيًا فقد كان المجتمع المصري قبل وصول الفاطميين يتكون من الأقباط واليهود وأهل السُنَّة، ثم دخل البربر والروم والصقالبة مع دخول المُعز لدين الله إلى مصر، ثم التُرك والديلم في عهد العزيز بالله، فالسود والأرمن في عهد المُستنصر بالله.

    شهد العصر الفاطمي عددًا من مظاهر العظمة والأبهة في أوساط الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة كأماكن الاستجمام التي كانوا ينتقلون إليها وقت الفيضان ومواكب الاحتفالات التي كان لها مواعيد محددة من كل عام. وقد استحدث الفاطميون عددًا من الأعياد كرأس السنة الهجرية ومولد النبي والاحتفال بقافلة الحج، إضافة إلى المناسبات الشيعية كعاشوراء ومولد الحُسين ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي ومولد الحسن ومولد الإمام الحاضر وعيد غدير خم، كما كانوا يحتفلون بالاحتفالات المصريَّة كرأس السنة القبطية، وأعيادٌ أُخرى كعيد النيروز. وسنَّ الفاطميّون عدَّة سُنن أصبحت جُزءًا لا يتجزّأ من الثقافة الإسلاميَّة عمومًا والمصريَّة خصوصًا، وما زال المُسلمون المصريّون تحديدًا وغيرهم من المُسلمين في الدُول والأقاليم المُجاورة يُحيون هذه السُنن، ولعلَّ أبرزها هو فانوس رمضان، فقد أعطى الفاطميّون هذا الشهر اهتمامًا خاصًّا، فإلى جانب المغزى الديني الكبير، حصل أن وقعت خلاله عدَّة أحداث بارزة في التاريخ الفاطمي، كفتح مصر قُبيل حلوله بأيَّام، ووضع حجر الأساس للجامع الأزهر (14 رمضان 359هـ) وإقامة الصلاة فيه لأوَّل مرَّة (7 رمضان 361هـ)، ووُصول الخليفة المُعز لدين الله للفسطاط مساء يوم 7 رمضان سنة 362هـ، حيثُ تجمَّع الناس وهم يحملون الفوانيس لكي يُنيروا له الطريق. ونقل العامَّة عن الخاصَّة وأهل الحُكم الاهتمام برمضان، ولمَّا كان السهر يحلو خلال ذلك الشهر، كان لابد من الفوانيس.

    وكانت الفوانيس سالِفة الذِكر أيضًا تُنير المساجد في الليالي، وتُغلَّف بالزُجاج المُلوَّن لتُعطي تأثيرًا بهيجًا للناظر، وكان الاهتمام بتزين المساجد يصل أقصى درجاته خلال شهر رمضان. كما كانت الفوانيس والقناديل تُضيئ الشوارع الرئيسيَّة المسقوفة، وإلى جانبها البيوت المؤلَّفة من عدَّة طبقات. وكان يُفرض على أصحاب الحوانيت أسعار مُحددة للبيع، فإذا غشَّ أحد الباعة عوقب على الشكل الآتي: يُطاف به على جمل أو على حمارٍ أو بغلٍ في الأسواق ويُجبر على أن يُنادي هو بذنبه، وعُرفت هذه العُقوبة لاحقًا باسم «الجُرصة». وكان الأمنُ سائدًا في أكثر الأحيان، إلى حدِّ أنَّ الحوانيت كانت تُترك مفتوحة ليلًا.

    الحياة الفكريَّة والعلميَّة

    شهدت الحياة الفكرية في العصر الفاطمي تنوعًا في الإسهامات، فشملت عددًا من الرسائل الأدبية النثرية كرسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري في إطار خيالي خصب ردًا على رسالةٍ لابن القارح تخيّل فيها المعري رحلة للرجلين في الجنة والجحيم، إضافة إلى الرسالة المصرية لأمية بن أبي الصلت الداني الذي تناولت مصر والمصريين، ذكر فيها محنته في سجن الأفضل شاهنشاه. واهتموا بلون آخر من الكتابة، وهو كتابة السير الذاتية. من أمثلة هذه السير، سير كافور الإخشيدي والعزيز بالله الفاطمي لأحمد بن عبد الله الفرغاني، وسير أحمد بن طولون وابنه خمارويه ومحمد بن طغج الإخشيدي وسيبويه وكافور الإخشيدي وجوهر الصقلي والمعز لدين الله الفاطمي والعزيز بالله لابن زولاق وسيرة المعز لدين الله للقاضي النعمان والاعتبار لأسامة بن منقذ وهو سيرة ذاتية لكاتبه. وقد برز من أدباء وكُتّاب ذاك العصر الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي الذي اختصر كتاب «إصلاح المنطق» لابن السكيت وأسماه «المنخّل»، وكتاب «أدب الخواص» الذي احتوى على قديم الشعر وأخبار القدماء وأنسابهم وبعض المواضيع في علوم اللغة، وأبي سعد محمد بن أحمد العميدي الذي ألّف عدد من الكتب في البلاغة والعروض والقوافي وابن الصيرفي الذي صنّف بعض الكتب مثل «منائح القرائح» الذي كتبه مدحًا في الخلفاء الفاطميين و«الإشارة إلى من نال الوزارة» الذي ذكر فيه من تولى الوزارة في مصر إلى عصره والرُقيّق القيرواني الذي صنّف كتابًا في تاريخ إفريقية والمغرب منذ الفتح الإسلامي وحتى القرن الخامس الهجري. وقد أرخ للدولة الفاطمية الكثيرون كالمسبحي الذي كان له تاريخ يدون به الأحداث والمشاهدات اليومية، إضافة إلى وصف لمصر وأبنيتها وعجائبها وأطعمتها ونيلها وأشعار الشعراء وأخبار المغنين ومجالس القضاة والحكام والأدباء. إضافة إلى غيره من المؤرخين كابن زولاق وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي. أما اللغويين، فبرز منهم علي بن أحمد المهلبي وابن بابشاذ وأبو عبد الله محمد بن جعفر القيرواني وابن القطاع الصقلي وأبي بكر الإدفوي.

    لعب الشعر أيضًا دورًا هامًا في الحياة الفكرية عند الفاطميين، حيث كان الشعر أحد أدوات دعوتهم السياسية، فخصصوا لهم ديوانًا يتولى أمورهم، واستخدموهم في مدح مذهبهم الديني وعقائدهم وأصولهم وحقهم السياسي في الخلافة، كما اتخذهم الخلفاء والوزراء أداه للمباهاة بالسلطان. وقد تنوعت موضوعات الشعر عند الفاطميين بين مديح للخلفاء والقادة، والتركيز على الأمور السياسية كإبراز أفضلية الفاطميين على العباسيين وأحقيتهم بالخلافة، والدينية كالحديث عن وصاية علي وفضل يوم الغدير. ومن أشهر شعرائهم الرسّيون وهم من الأشراف العلويين وينتسبون إلى الشريف الرسيّ الذي دخل مصر في عهد كافور الإخشيدي، وابن وكيع التنيسي والشريف العقيلي وابن أبي الجوع وابن مكنسة. وقد شجعت عطايا الفاطميين للشعراء الكثيرين على الوفود على بلاطهم طمعًا في عطاياهم كابن هانيء الأندلسي وابن الرقعمق الأنطاكي والرقيق القيرواني وعبد المحسن الصوري وصريع الدلاء البغدادي وأبي الفتيان بن حيوس وأمية بن أبي الصلت وابن القطاع الصقلي وعمارة اليمني. ولم يقتصر قرض الشعر على الطامعين في الهبات، بل برز من الفاطميين ووزرائهم من يحسن قرض الشعر كتميم بن المعز والوزير طلائع بن رزيك.

    وفي إطار سعي الفاطميين لنشر المذهب الإسماعيلي، أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة في 10 جمادى الآخرة 395 هـ، وأجلس فيه الفقهاء والقرّاء والمنجمين وعلماء اللغة والنحو والأطباء، وخصص للدار قائمين عليها وخدم وفرّاشين، كما نُقلت لها الكتب من خزائن القصور. ظلت الدار مفتوحة للعوام حتى أغلقها الأفضل شاهنشاه في ذي الحجة 516 هـ، خوفًا من فتنة دينية، إلى أن أمر الخليفة الأمر بأحكام الله وزيره المأمون البطائحي بإعادة فتحها بعد وفاة الأفضل. لم يكن ذلك هو الاهتمام الفكري الوحيد من جانب الحكام الفاطميين، فقد استهواهم جمع الكتب، فكانت لهم خزانة كتب في القصر الشرقي الكبير احتلت أربعين غرفة منه، واحتوت على مليون وستمائة ألف مجلد منها 2,400 نسخة مزخرفة وملونة من القرآن ومنها بضع وثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد منها نسخة بخط الفراهيدي، وعشرين نسخة من تاريخ الطبري منها نسخة بخطه، ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد. وقد احتوت المكتبة على الآف الكتب في الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة والحديث والتواريخ وسير الملوك والتنجيم والروحانيات والكيمياء. رغم ذلك، لم تسلم محتويات المكتبة من السلب والنهب، فتعرضت لنهب جنود الدولة نفسها في فترات الفوضى وضعف هيبة الخلفاء، فيحملون منها ما أمكنهم ويبيعونه في السوق، بل واستخدموا جلودها أحيانًا لصنع خفافًا لأحذيتهم.

    لعب الأزهر والمساجد في العصر الفاطمي دورًا هامًا في الحركة العلمية الدينية، حيث اتخذها الفاطميون قواعد لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، فأجلسوا فيه دعاة مذهبهم لشرح قواعد الفقه الإسماعيلي للحاضرين. لم يقتصر دور الأزهر الفاطمي على نشر المذهب الإسماعيلي، بل ضم حلقات علمية للمذاهب الأخرى، فكانت به خمس عشرة حلقة للمالكية ومثلها للشافعية وثلاث حلقات لأصحاب أبي حنيفة. لم يقتصر نشر العلوم على المساجد فقط، بل وكانت قصور بعض الوزراء كيعقوب بن كلس الذي كان محبًا للعلم، فكان يجمع العلماء يكتبون القرآن والحديث والأدب والطب، ويُشكّلون المصاحف ويُنقّطونها. بل وألّف ابن كلس بنفسه كتبًا في القراءات والأديان وآداب الرسول والطب.

    وفي مجال العلوم، فبرز عددًا من الأسماء كابن رضوان الذي برز اسمه في الطب والفلك، وابن يونس الذي برع في الرياضيات والفلك، ووضع زيجًا فلكيًا أسماه الزيج الحاكمي وابن الهيثم رائد علم البصريات وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وعلي بن عيسى الكحال صاحب كتاب تذكرة الكحالين وابن المقشر وماسويه المارديني وابن بطلان وهم من الأطباء البارزين.

    الحياة الاقتصاديَّة

    كان الإمام عُبيد الله المهدي أوَّل من نظَّم ماليَّة الدولة تنظيمًا دقيقًا، فقد وضع جميع الأموال المجموعة في الأمصار تحت تصرُّفه جاعلًا لها بيت مالٍ مُوحَّدٍ، فلمَّا وصل الإمام إلى بلاد كتامة وحلَّ في إيكجان، أمر بإحضار الأموال التي كانت عند الدُعاة وأُمراء القبائل والمشايخ، فأحضروها إليه فقبضها، وبعد ذلك نظَّم الجباية والضرائب والمُكوس، ثُمَّ شدَّ المال أحمالًا سيَّرها معه حيثُ استُخدمت لصالح الدولة. وقد أقام ديوانًا للماليَّة يُشرفُ على تسيير أُمورها، فانتعشت الدولة وبدأ فيها الرفاه.

    اعتنى الفاطميّون بالزراعة لأنَّها مورد مصر والشَّام الأوَّل. ومن أهم ما أنتجتهُ ضِفَّتا النيل الخصبتان: القمح، والذُرة، والقُطن، وقصب السُكَّر. واشتهرت سواحلُ الشَّام بالحمضيَّات على أنواعها، كما اشتهرت سُفوحُ جبالها بالتُفَّاح، وكثُرت في سُهولها الداخليَّة أنواع العنب. كما عُرفت ألبانُ الشَّام وعسلها بالجودة. وأهمُّ الصناعات الفاطميَّة كانت صناعة البناء، وصناعة الحفر على العاج والخشب، وصناعة التماثيل من البرونز والنُحاس. والمنسوجات صناعةٌ فاطميَّةٌ مشهورة، وقد كثُرت فيها صُور الحيوانات كالغزلان والأرانب والسِّباع، كما كانت تُزخرف بالخط العربي. ويُلاحظ أنَّ الفاطميين في هذا المجال خالفوا دُول الخِلافة السَّابقة عليهم، فقد استباحوا تصوير الكائنات والأشخاص على مُنتجاتهم وحرفيَّاتهم على عكس أهل السُنَّة، الذين كثيرًا ما تجنَّبوا ذلك خوفًا ممَّا جاءت به الأحاديث النبويَّة من مُعاقبة المصورين يوم القيامة، ولكن نظرًا لاختلاف تأويل بعض الأحاديث بين أهل السُنَّة والشيعة، ومُعارضة الفاطميين لعددٍ من التعاليم الفقهيَّة السُنيَّة، فقد زاولوا مهنة التصوير، وتأثَّرت مصنوعاتهم تأثُرًا كبيرًا بالمصنوعات الفارسيَّة الساسانيَّة القديمة. من أبرز الصناعات الفاطميَّة التي شاعت في الشَّام أيضًا: صناعة الثياب المُقصَّبة وصناعة الطنافس. وتفوَّقت مدينة صور بصناعة الخرز والزُجاج واستخراج السُكَّر، كما اشتهرت طرابلس بصناعة الورق للكتابة. وكانت مرافئ السَّاحل اللُبناني سوقًا رائجة لكُل المُنتجات الزراعيَّة والصناعيَّة، كما كانت مركزًا لتصديرها إلى مُدن حوضُ البحر المُتوسِّط. ومن الصناعات الرائجة الأُخرى خلال العهد الفاطمي: صناعة الخزف وتجليد الكُتب والرسم على الأطباق المعدنيَّة. وقد نشطت هذه الصناعات بفعل رواج الحركة التجاريَّة، فقد كان التُجَّار يتنقلون بين مصر والشَّام شرقًا إلى العراق وفارس وخُراسان والهند والصين، وبين مصر والمُدن الأوروپيَّة، وخاصَّةً جنوة والبُندقيَّة في إيطاليا. أُصيب الازدهار الاقتصادي الفاطمي بنكسةٍ عظيمة زمن المُستنصر بالله، فأُصيبت البلاد بقحطٍ مُروعٍ أتى على الأخضر واليابس فعمَّت المسغبة البلاد وتضوَّر الناسُ جوعًا وقد أطلق المؤرخون على هـذا القحط اسم الشدَّة العُظمى لفظاعته وهوله، و«الشدَّة المُستنصريَّة» كونها وقعت في عهد المُستنصر. وآل الأمر إلى أن باع المُستنصر كُلَّ ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره وصار يجلس على حصيرٍ، وتعطَّلت دواوينه وذهـب وقاره وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن «الجوع ! الجوع!» تردن المسير إلى العراق فتسقطن عند الُمصلى وتمتن جوعًا. واضطرَّ المستنصر إلى بيع حلية قبور آبائه حتَّى، واستمرَّ الوضع هكذا حتَّى انتهى القحط وتساقطت الأمطار وعاد النيلُ للجريان.

    الحياة الدينيَّة

    كان دينُ الدولة الفاطميَّة الرسمي هو الإسلام، ومذهبُها هو المذهب الشيعي الإسماعيلي، وهو مذهبُ الخُلفاء وكِبار رجالات الدولة، واعتنقهُ قسمٌ من الشعب المُوالي للسُلطة، كالكتاميين البربر وبعضٌ من الصقالبة والروم وغيرهم من الأجانب الذين دخلوا مصر جنودًا في الجيش الفاطمي. وكانت مذاهب أهلُ السُنَّة والجماعة: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشَّافعيَّة، والحنبليَّة، هي الأكثر انتشارًا على المُستوى الشعبي، ومردُّ ذلك أنَّ الفاطميّون في بداية عهدهم اتبعوا وصيَّة الدَّاعي أبو عبد الله الشيعي القائلة:، فلم يفرضوا التشيُّع بالقوَّة، بل عمدوا إلى الدعوة ونشر الدُعاة في طول البلاد وعرضها لحث الناس على اعتناق المذهب الإسماعيلي. وكان الدُعاة الفاطميّون نوعين: الدُعاة الشعبيّون ولهم أعمال تتعلَّق بالإعداد الشعبي لإثارة النَّاس ضدَّ الحُكم، والدُعاة الدينيّون المُختصون بنشر فكرة الدعوة الإسماعيليَّة في صُفوف الشعب. وقد نشط الدُعاة نشاطًا عظيمًا في بداية عهد الدولة وخِلال عصرها الذهبي، فاستجابت لهم بعضُ قبائل كنانة في الفسطاط وجنوبها، وأخذت تُنادي بالخليفة الفاطمي المُعز لدين الله إمامًا وارتبطوا به عقائديًّا. وقد أمدَّ الخُلفاء الفاطميّون هذه الدعوات بكُلِّ ما تحتاجه من تمويلٍ ماديٍّ ومعنويٍّ خلال عصر الدولة الذهبي، واشتهر المُعز لدين الله بعنايته الشديدة لجهاز الدعوة المذكور، حتَّى أُشير بأنَّ الدُعاة وصلوا الأراضي الصينيَّة الخاضعة لأُسرة سونگ في أيَّامه. وكان الخُلفاء يخلعون على الدُعاة النعم والأموال تقديرًا لخدمتهم المذهب الإسماعيلي وإخلاصهم للإمام، فها هو ذا أحد أشهر الدُعاة والمُلقَّب بفيلسوف الدعوة أحمد حميدُ الدين الكرماني يتحدثُ عن النعم الكثيرة التي أولاه إيَّاها الحاكم بأمر الله فيقول:. ودرجاتُ الدُعاة عند الإسماعيليَّة سبع، هي:

    أمَّا بالنسبة للمُسلمين من غير الشيعة، ولِغير المُسلمين، فلا يُمكن الحديث عن ملامح عامَّة لأوضاعهم، وذلك لتبايُن أُسلوب التعاطي معهم من خليفةٍ إلى آخر، فبعضُ الخُلفاء كان مُتسامحًا لأبعد الحُدود مع أهل السُنَّة ومع النصارى واليهود، فأطلق لهم الحُريَّة الدينيَّة والمذهبيَّة، واستوزر منهم ورفع شأنهم، وبعضهم الآخر اضطهدهم اضطهادًا شديدًا. فعلى سبيل المِثال، اشتهر الخليفة المنصور ومن بعده المُعز لدين الله بتسامُحه الكبير مع أقباط مصر، وباستمالتهم إليه ومُولاتهم له بعد أن اتصل بقيادتهم الدينيَّة وأعلمهم بأنَّهُ سيمنحهم الحُريَّة الدينيَّة بعد أن نالهم الضيم جرَّاء المُمارسات القمعيَّة التي انتهجها الأخشيديين ضدَّهم أواخر عهد دولتهم. ولمَّا فتح الفاطميّون مصر، سلك جوهر الصقليّ سُلوكًا دبلوماسيًّا هادئًا مع المصريين، فأعلن في خِطبة الجُمعة الأمان لأهل السُنَّة وللمسيحيين واليهود، واستقبل مُمثِّلُ الأقباط الذي كان يرفع صوته ويقول:. وكان المُعز لدين الله، ابن العزيز، أكثر تسامحًا مع أهل الكتاب من غير المُسلمين، فقد جعل عيسى بن نسطورس وزيرًا له، وتزوَّج من امرأةٍ مسيحيَّةٍ ملكانيَّة، وهي أُمُّ ولده الحاكم وشقيقة اثنين من البطاركة: أحدهما بطريرك كنيسة الإسكندريَّة، والآخر بطريرك كنيسة بيت المقدس، وكان يحتفلُ مع النصارى ويُشاركهم أعيادهم. ومن شدَّة تسامح الخُلفاء الفاطميين الأوائل مع أهل الكِتاب، قيل بأنَّهم كانوا يُشجعون إقامة الكنائس والبيع والأديار، بل ربما تولوا إقامتها بأنفسهم أحيانًا. تغيَّر وضعُ اليهود والنصارى مع تولّي الحاكم بأمر الله شؤون الخِلافة، فقسا عليهم في المُعاملة، ويُحتمل أن يكون ذلك بسبب ضغط المُسلمين بعامَّةً الذين ساءهم أن يتقرَّب الخُلفاء من غير المُسلمين ويُعينوهم في المناصب العُليا، فأصدر الحاكم أمرًا ألزم أهل الذمَّة بلبس الغيار، وبوضع زنانير مُلوَّنة مُعظمها أسود، حول أوساطهم، ولبس العمائم السود على رؤوسهم، وتلفيعات سوداء، وذلك لتمييزهم على المُسلمين. وفي وقتٍ لاحق منعهم من الاحتفال بأعيادهم، وأمر بهدم بعض كنائس القاهرة، كما صدر سجل بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس.

    كان أهل السُنَّة يُشكلون غالبيَّة الشعب الفاطميّ، وكانت أوضاعهم مُتقلِّبة كأوضاع أهل الكِتاب، وفق سياسة الخليفة الفاطمي، وما تُمليه عليه طبيعة الأُمور. فمن مظاهر تسامُح الخُلفاء الفاطميين تعيين بعض عُلماء أهل السُنَّة في مناصب الوزارة والقضاء، فعلى سبيل المِثال، أنشأ الحاكم بأمر الله مدرسةً لتعليم الفقه المالكيّ، وأهداها دار كُتبٍ، وعيَّن أبا بكرٍ الأنطاكيّ ناظرًا لها، وخلع عليه وعلى مُدرِّسيها وأجلسهم في مجلسه. كما أقدم على تعيين ابن أبي العوَّام قاضيًا للقُضاة، وعندما قال أعوانه له: «إنَّهُ ليس على مذهبك ولا على مذهب من سلف من آبائك»، قال: «هو ثقةُ مأمونٍ مصريٍّ عارفٍ بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يُصلحُ لهذا الأمر غيره». ومن مظاهر التعصُّب ضدَّ أهلُ السُنَّة شُيوع سبّ الصحابة وكتابة ذلك على جُدران المساجد والحوانيت والمقابر والدور، وتلوينها بالأصباغ والذهب، ومنع صلاتيّ التراويح والضُحى في جميع مساجد مصر زمن الخليفة سالِف الذِكر، تحت طائلة ضرب وتشهير من يؤديها. وكان الوُلاة والأُمراء يُطبقون سياسة الخليفة في ولاياتهم القاضية بالتساهل أو التشدد مع أهل السُنَّة، فقد قبض نائب دمشق «تموصلت الأسود البربريّ» على رجلٍ مغربيٍّ في المدينة وضربه لارتكابه ذنبًا لم يذكره المؤرخون، لكن يُرجَّح أنه مذهبيّ، بدليل أنَّهُ طيف به في شوارع المدينة، ونودي عليه: «هذا جزاءُ من يُحب أبا بكرٍ وعُمر».

    ظهرت خِلال العصر الفاطمي عدَّة طوائف وجماعات دينيَّة انشقت عن الإسماعيليَّة، ومن هذه الطائفة الدُرزيَّة، وتفصيل ذلك أنَّ الحاكم بأمر الله أرسل إلى الشَّام داعيةً اسمه «مُحمَّد بن إسماعيل الدَرَزي» لينشر الدعوة بين أبنائها، فنزل الدَرَزي في وادي التيم من البقاع، حيثُ كثُر أتباعه، ولكنَّ الدَرَزي شذَّ عن الدعوة التي أوفده الحاكم لنشر مبادئها، ودعا لنفسه، فنبذه أتباعه وقتلوه وتبرَّأوا من الانتساب إليه. وكثُر الدُعاة وكثُر الموحدون الدروز في وادي التيم، ومنه انتشروا في صفد وجبل لُبنان وحوران والكرمل. وكان من أبرز الدُعاة حمزة بن عليّ الزوزني، الذي يعود الفضل إليه في توطيد الدعوة وصيانتها ووضع أُسس المذهب وفلسفته.

    العمارة والآثار

    ترك الفاطميُّون آثارًا معماريَّة كبيرة في المناطق التي حكموها، خصوصًا في عاصمتيهم بمصر وتونس. ظهرت العديد من الأنماط والأفكار المعماريَّة للمرَّة الأولى أثناء العصر الفاطمي، منها على سبيل المثال بناء واجهات المساجد بالحجر المنحوت والمزخرف عوضًا عن الطوب، كما هي الحال في مسجد الحاكم بأمر الله. وقد كانت تُبنَى القباب صغيرةً وبسيطة، وأصبحت تُشيَّد بشكلٍ مضلَّع في الفترة المتأخرة من العصر الفاطمي. أسَّس الفاطميون مدينة القاهرة على ضفاف نهر النيل سنة 358 هـ (969م)، وذلك بعد فتحهم لمصر مباشرةً، ليجعلوها العاصمة الجديدة لدولتهم. وقد أمر جوهر الصقلي بعد تأسيس المدينة ببناء أربعة أبوابٍ للقاهرة، هي باب النصر والفتوح وباب زويلة والقوس، وكذلك أمر بالشُّروع ببناء الجامع الأزهر عام 359 هـ. وتوسَّعت القاهرة مع الزَّمن، لتتحد بثلاث مدنٍ كانت قد بُنِيت سابقًا في المنطقة ذاتها، هي: الفسطاط من عصر الفتح الإسلامي، والعسكر من العصر العباسي، والقطائع من العصر الطولوني، وإنَّ اتحاد هذه المدن كلُّها مع القاهرة الفاطمية هو الذي أدَّى إلى ظهور القاهرة الحديثة. وازدهرت العمارة ازدهارًا كبيرًا في القاهرة، ومن أبرز الآثار المعماريَّة الباقية للفاطميين فيها الجامع الأزهر وجامع الحاكم بأمر الله.

    تجمعُ العمارة الفاطميَّة، وفقًا للپروفسور إيرا لاپيديوس الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، بركلي، بين عناصر شرقيَّة وغربيَّة، من أوائل عُصور الخِلافة الإسلاميَّة وحتّى العصر العبَّاسي، الأمر الذي يجعل من الصعب على أيِّ باحثٍ تصنيفها ضمن فئةٍ مُحددة. ومن أبرز المؤثرات في العمارة الفاطميَّة: العمارة العبَّاسيَّة في سامرَّاء، والعمارة القِبطيَّة في مصر، والعِمارة الروميَّة في الشَّام وبيزنطة. وكانت أغلبُ المباني الفاطميَّة تُشيَّدُ بواسطة الطوب في بادئ الأمر، ثُمَّ تحوَّل المُهندسون إلى استعمال الحجر النافر. وعني الفاطميّون بإنشاء وتشييد المشاهد والمزارات المُقدَّسة لآل البيت، فزيّنوا عاصمتهم القاهرة بعددٍ منها، استُعمل بعضُها لدفن الخُلفاء أنفسهم، وما زال عددٌ من هذه المزارات قائمٌ في مصر حتّى الزمن الحالي فيما زال بعضُها الآخر.

  8. الإرث الفاطمي

    دقيقة قراءة واحدةيدَّعي المُنتسبين إلى البُهرات: الداوديَّة، والسُليمانيَّة، والعلويَّة، أنَّ دُعاتهم مُتحدرون من الإمام الإسماعيلي الحادي والعشرين الطيب أبو القاسم بن المنصور، ابن الآمر بأحكام الله، وقسمٌ كبيرٌ منهم اليوم يتمركز في…

    يدَّعي المُنتسبين إلى البُهرات: الداوديَّة، والسُليمانيَّة، والعلويَّة، أنَّ دُعاتهم مُتحدرون من الإمام الإسماعيلي الحادي والعشرين الطيب أبو القاسم بن المنصور، ابن الآمر بأحكام الله، وقسمٌ كبيرٌ منهم اليوم يتمركز في ولاية گُجرات بالهند مُنذ أن أرسلت ملكة اليمن أروى بنت أحمد بن مُحمَّد بن جعفر بن موسى الصليحي الإسماعيليَّة دُعاتها إلى غرب الهند لنشر الدعوة الإسماعيليَّة خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلاديّ. وفي الزمن الحالي، فإنَّ إمام الإسماعيليَّة يُلقَّب آغا خان، ووفقًا للباحث والأكاديمي الإيراني فرهاد دفتري، فإنَّ هذا اللقب كان لقبًا تشريفيًّا خلعه الشاه فتح علي بن مُحمَّد خان القاجاري على حسن علي بن خليلُ الله شاه، إمامُ النزاريَّة السَّادس والأربعون، وتلقَّب به خُلفائه مُنذ ذلك الحين، وآخرهم شاه كريم بن عليّ سلمان الحُسيني، إمامُ الإسماعيليَّة الحالي.

    أمَّا من الناحية المذهبيَّة، فقد أعاد الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي إحياء عددٍ من السُنن المذهبيَّة الشيعيَّة التي سنَّها الفاطميّون، عندما فتح مدينة تبريز سنة 907هـ المُوافقة لِسنة 1501م، وفرض المذهب الشيعي الاثنا عشري مذهبًا رسميًّا موحدًا للبلاد، فضرب النُقود باسمه وكتب عليها: «لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسولُ الله عليٌّ وليُّ الله»، ثُمَّ أمر الخُطباء والمؤذنين بإضافة تشهُّد الشيعة في الآذان كما كان الأمر يجري في الدولة الفاطميَّة، أي «أشهدُ أنَّ عليًّا وليُّ الله» و«حيَّ على خيرِ العمل»، وقد سارت على أثره باقي السُلالات الشاهانيَّة الإيرانيَّة، واستمرَّ الأمر خلال عهد الجمهوريَّة الإسلاميَّة، كما سار عليه شيعة العالم في مساجدهم.

  9. آراء وأقوال بالدولة الفاطميَّة

    4 دقائق قراءةتضاربت الآراء في الدولة الفاطميَّة لقلَّة الوثائق والمراجع العلميَّة الحياديَّة، فالأبحاث المُتوافرة اعتمدت إمَّا آراء أعداء الفاطميين والذين شككوا في نسبهم وطعنوا في تصرُّفاتهم، أو آراء المُغالين في التشيع لهم. ومُعظم…

    تضاربت الآراء في الدولة الفاطميَّة لقلَّة الوثائق والمراجع العلميَّة الحياديَّة، فالأبحاث المُتوافرة اعتمدت إمَّا آراء أعداء الفاطميين والذين شككوا في نسبهم وطعنوا في تصرُّفاتهم، أو آراء المُغالين في التشيع لهم. ومُعظم المُؤرخين نقل المعلومات دون مُناقشة، وقليلٌ منهم من درس التاريخ الفاطميّ دراسةً أكاديميَّةً من بدايته إلى نهايته. لذا فإنَّ الآراء والأقوال المُتعلقة بهم وبدولتهم كثيرًا ما تكون إمَّا مُذمَّة أو كثيرة المدح، وبعضها القليل يقفُ موقفًا وسطيًّا، فيذكر ما للفاطميين من فضل على الحضارة الإسلاميَّة، وما كان لها من عُيوب. وقد بدأت الدراسات التاريخيَّة العربيَّة تُنصف الدولة الفاطميَّة بعض الانصاف بعد التدقيق في تاريخ هذه السُلالة، فعلى سبيل المِثال يقول الدكتور عبد المنعم ماجد، وهو أستاذ التاريخ الإسلامي بكُليَّة الآداب في جامعة عين شمس، أنَّ تاريخ الخلافة الفاطميَّة في مصر كان غامضًا للغاية، إذ كانت مُعظم مصادره التاريخيَّة لا تستقي من منابعها، أو أنها غير موجودة، أو مُزيَّفة أو مُضطربة، أو جافة، أو مُختصرة، فضلًا عن أنَّ مُعظمها مصادر أدبيَّة لا تُعطي فكرة صحيحة عنهم، غير أنَّ الوثائق أو المخطوطات المكتوبة بأقلامٍ مُعاصرة، مكَّنت الباحثين من تكوين فكرة عن التاريخ الصحيح لهذه الدولة.

    يتَّجهُ الرأي العام الشيعي القديم والمُعاصر إلى التمجيد بالدولة الفاطميَّة، رُغم أنَّ غالب الشيعة يتبعون المذهب الجعفري الاثنا عشري، عكس الدولة الفاطميَّة التي اتبعت المذهب الإسماعيلي، ففي العهد الفاطميّ بدأ الشيعة يتحرّكون في بلاد الشَّام وينشطون ثقافيًّا وسياسيًّا. وعاشوا فترة حُريَّة واستقرار، نشطت فيها حركة التشيُّع في بلاد الشام. وعن هذه الفترة يقول الإمام جلالُ الدين السيوطي:. وقال بعضُ علماء الشيعة بأسبابٍ عديدة تدفع إلى تأييد الدولة الفاطميَّة والخُلفاء الفاطميين والإشادة بهم وبدولتهم، ومنها ما قاله العلَّأمة الشيخ علي الكوراني العامليّ، من أنَّ الفاطميين أحيوا سُننًا نبويَّةً كثيرة، ففقرة «حَيَّ على خير العمل» بحسبه كانت في الواقع جُزءًا من الآذان زمن الرسول مُحمَّد وأبي بكرٍ الصدِّيق وخلال قسم من خِلافة عُمر بن الخطَّاب، ثُمَّ أبطلها الأخير بحُجَّة أنَّ الناس قد يتصورون أنَّ الصَّلاة خيرٌ من الجهاد ويتركون فتح البلاد، رُغم اعتراض آل البيت وبعض الصَّحابة والتابعين. وقد زَعَمَ ذلك بعض المُؤرخين الشيعة قديمًا، مثل الفضل بن شاذان الذي ادعى أنّ الإمام أبو يُوسُف ومُحمَّد بن الحسن والإمام أبو حنيفة النُعمان، قَدْ قالوا:. هذا بالإضافة إلى تمسّك الفاطميين بالعقيدة الشيعيَّة القائلة بإمامة آل البيت من نسل عليّ بن أبي طالب وفاطمة الزهراء للأُمَّة الإسلاميَّة، ورفعهم الشهادة بذلك في الآذان: «أشهدُ أنَّ عليًّا وَليُّ الله» بعد أن فسَّر فُقهاء الشيعة بأنَّ الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة: نزلت بحق عليّ بن أبي طالب.

    بالمُقابل، انقسم عُلماء أهل السُنَّة إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ يرى بأنَّ الدولة الفاطميَّة يسري عليها ما يسري على أغلب حقب الحُكم في التاريخ العربي والإسلامي عمومًا. أي لها من الانجازات الكثير، ولها من الخطايا الكثير أيضًا، وأنَّه من الخطأ الكبير أن تكون العصبيَّة والمذهبيَّة هي التي تُملي هذه المواقف الصادمة والجائرة بحق حقبة تاريخيَّة بأكملها والغض عن كُل الإيجابيَّات التي قدمتها الدولة الفاطميَّة، وعدم رؤية إلَّا ما هو سلبي أو التضخيم لبعضها، إلى حد التنكر لهذه الدولة وكأنَّها الحقبة الفاصلة بين تاريخين إسلاميين ولا شأن لها بالإسلام. وقسمٌ آخر يؤيَّد خِلافة الفاطميين ويؤكِّد نسبهم العَلوي ويُدافع عنهم، ومن أبرز عُلماء أهل السُنَّة القائلين بذلك: قديمًا المقريزي وابن خلدون، ومن المُعاصرين: عبَّاس محمود العقَّاد، الذي وصف اتهام الفاطميين في نسبهم بالدعوى المُنتظرة، وأنَّ البواعث إليها كانت مُتعددة مؤكدًا أنَّ ذلك مرجعه إلى أنَّ الفاطميين كان يطلبون الخِلافة ويعتمدون في طلبها على النسب وكانوا يُهددون بمساعيهم في طلب الخِلافة خصومًا كثيرين يملكون الدول في المشرق والمغرب ولا يُريدون النزول عمَّا ملكوه، أو لا يُريدون بعبارةٍ أُخرى أن يسلموا للفاطميين صحَّة النسب الذي يعتمدون عليه. أمَّا القسم الثالث والأخير من عُلماء أهل السُنَّة، فلا يعترفون بشرعيَّة الخِلافة الفاطميَّة، ويعتبرونها قد أضرَّت الإسلام والمُسلمين، فقد اعتبر ابن كثير أنَّ الخُلفاء الفاطميين كانوا من أجبر زُعماء المُسلمين وأظلمهم، وأنجسِ الملوكِ سيرةً، وأخبثهم سريرة، وأنَّه من كثرة خبثهم ونفاقهم ظهرت في دولتهم البدعُ والمُنكراتُ وكثر أهلُ الفسادِ، وقلَّ عندهم الصالحون من العُلماءِ والعبادِ، و«كثر بأرضِ الشامِ النصرانيةُ والدرزيةُ والحشيشيةُ» نتيجة سوء تدبيرهم وإدارتهم، وكان من نتيجة ذلك أن أخذ الإفرنج بيت المقدس. وأورد هؤلاء بطش الفاطميين ببعض عُلماء أهل السُنَّة، ومنهم الإمام أبو بكر مُحمَّد بن أحمد بن سهل الرملي، الشهير بابن النابلسي، الذي قيل بأنَّهُ تهجَّم على المُعز لدين الله وقال له وجهًا لوجه أنَّهُ يجب على المُسلمين قتال الفاطميين كونهم غيّروا دين الأُمَّة وادعوا ما ليس لهم وقتلوا الصالحين، فأمر المُعز أن يُضرب النابلسي ضربًا مُبرحًا، ثُم أن يُسلخ جلده حيًّا. كما يروي أصحاب هذا الاتجاه أنَّ عُبيد الله المهدي لمَّا دخل القيروان أمر بتعليق رؤوس الأكباش والحُمر على الحوانيت عليها قراطيس معلقة فيها أسماء الصحابـة، الأمر الذي أدّى إلى انتفاض وثورة عُلماء المالكيَّة.

    وفي الزمن المُعاصر، أصدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربيَّة السُعوديَّة فتوى جاء فيها أنَّهُ بعد الاطلاع على أقوال العُلماء والمؤرخين تبيَّن أنَّ الدولة الفاطميَّة كان لها من الضرر والإضرار بالمُسلمين ما يكفي في دفع كُل ما يرفع لواءها ويدعو بدعواتها، وأنَّها دولةٌ ضالَّة لا يجوز الدعوة إليها، لأنَّ هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله. وجاءت هذه الفتوى ردًا على كلامٍ صرَّح به الزعيم الليبي آنذاك، مُعمَّر القذَّافي، قائلًا أنه ينوي إقامة الخِلافة الفاطميَّة الثانية، حيث ورد عن لسانه:

  10. المعز لدين الله

    5 دقائق قراءةولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية خلفاً لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين، وكان المعز رجلاً مثقفاً يجيد عدة لغات مولعاً بالعلوم والآداب متمرساً بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها…

    ولاية الامام المعز لدين الله

    ولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية خلفاً لأبيه المنصور أبي طاهر إسماعيل، الخليفة الثالث في قائمة الخلفاء الفاطميين، وكان المعز رجلاً مثقفاً يجيد عدة لغات مولعاً بالعلوم والآداب متمرساً بإدارة شئون الدولة وتصريف أمورها كيساً فطناً يحظى باحترام رجال الدولة وتقديرهم.

    وانتهج المعز سياسة رشيدة، فأصلح ما أفسدته ثورات الخارجين على الدولة، ونجح في بناء جيش قوي، واصطناع القادة والفاتحين وتوحيد بلاد المغرب تحت رايته وسلطانه ومد نفوذه إلى جنوب إيطاليا.

    ولم تغفل عينا المعز لدين الله عن مصر، فكان يتابع أخبارها، وينتظر الفرصة السانحة لكي يبسط نفوذه عليها، متذرعاً بالصبر وحسن الإعداد، حتى يتهيأ له النجاح والظفر.

    الفاطميون ومصر

    تطلع الفاطميون إلى غزو مصر فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحلم غير أنها لم تكلل بالنجاح، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ= 913م أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات، الأمر الذي يؤكد عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر، وكان فشل كل محاولة يقومون بها تزيدهم إصرارا على تكرارها ومعاودتها مرة بعد مرة، ونبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر، فدعمت وجودها العسكري في مصر، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيد، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين.

    حالة مصر الداخلية قبل الفاطميين

    كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر، وجاءت وفاة كافور الأخشيد سنة (357هـ=968م) لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها.

    وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، واضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحا، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

    مقدمات دخول الفاطميين مصر

    كان أمل الفاطميين التوسع شرقا ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها، وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي حتى تكون بعيدة عن العباسيين، فإن ذلك لم يعد مقبولا عندهم بعد أن قويت شوكتهم واتسع نفوذهم، وأصبحت الفرصة مواتية لتحقيق الحلم المنشود، والتواجد في قلب العالم الإسلامي.

    وقد بدأ الفاطميون منذ سنة (355هـ= 966م) استعدادهم للانتقال إلى مصر، واتخاذ الإجراءات التي تعينهم على ذلك، فأمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وبناء الاستراحات على طوال الطريق، وعهد إلى ابنه «تميم» بالإشراف على هذه الأعمال.

    الفاطميون في القاهرة

    رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لاستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة فكتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم فخرج المعز من المنصورية عاصمته في المغرب وكانت تتصل بالقيروان في 21 من شوال 361 هـ= 5 من أغسطس 972م وحمل معه كل ذخائره وأمواله حتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها واستخلف على المغرب أسرة بربرية محلية هي أسرة بني زيري، وكان هذا يعني أن الفاطميين قد عزموا على الاستقرار في القاهرة، وأن فتحهم لها لم يكن لكسب أراضٍ جديدة لدولتهم، وإنما لتكون مستقرا لهم ومركزا يهددون به الخلافة العباسية.

    وصل المعز إلى القاهرة في 7 رمضان 362هـ= 11 يونيو 972م، وأقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وانقطعت تبعيتها للخلافة العباسية السنية.

    قضى المعز لدين الله القسم الأكبر من خلافته في المغرب، ولم يبق في مصر إلا نحو 3 سنوات، ولكنها كانت ذات تأثير في حياة دولته، فقد نجح في نقل مركز دولته إلى القاهرة، وأقام حكومة قوية أحدثت انقلابا في المظاهر الدينية والثقافية والاجتماعية في مصر، ولا تزال بعض آثاره تطل علينا حتى الآن، وجعل من مصر قلبا للعالم الإسلامي ومركزا لنشر دعوته الإسماعيلية والتطلع إلى التوسع وبسط النفوذ.

    وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول، وهو ما يثبت أن العالم الإسلامي كان بحاجة إلى مركز متوسط للقيام بمثل هذه الأدوار، وهذا ما تنبه إليه الفاطميون وأثبتته أحداث التاريخ من قديم الزمان؛ حيث كانت الإسكندرية تشغله في العصر الروماني البيزنطي.

    ولم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، لكن حسبه أنه نجح في الانتقال بدولته من المغرب التي كانت تنهكها ثورات البربر المتتالية، ولم تدع له فرصة لالتقاط أنفاسها حتى تكون مستقرا جديدا للتوسع والاستمرار، وأنه أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.

    أرسل المعز جيشه بقيادة جوهر الصقلي في حروب ضد قبائل المغرب وأمويي الأندلس. كما أكدت غاراته على إيطاليا سيادة الفاطميين على البحر المتوسط على حساب البيزنطيين. وتوفي الخليفة المعز لدين الله في القاهرة في 16 ربيع الثاني 365 هـ/23 ديسمبر 975م.

    المعز لدين الله والقرامطة

    وقد حارب المعز القرامطة وجرّد لهم الجيوش إلى أن استطاع إبعادهم إلى شرق الجزيرة العربية بعيداً عن مكة وجوارها، ويذكر التاريخ أن عدة مراسلات نشأت بين الطرفين، ولكن أشهرها هي رسالة المعز التي نورد مقتطفاً منها أدناه:

    من عبد الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم رسوم النطقاء ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء السالف والآنف منا صلوات الله علينا وعلى آبائنا أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله الابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى حسب ما قال الله جل وعز: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً». (...)

    استشعروا النظر قد نقر في الناقور وفار التنور وأتى النذير بين يدي عذاب شديد فمن شاء فلينظر ومن شاء فليتدبر وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

    وكتابنا هذا من فسطاط مصر وقد جئناها على قدر مقدور ووقت مذكور فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع وحكم مجموع وأجل معلوم وأمر قد سبق وقضاء قد تحقق. (...)

    فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم أو كمراح غنم فإما نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون وأنت في القفص مصفودا ونتوفينك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين «فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَولَّى»، «كَأََنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ». فليتدبر من كان ذا تدبر وليتفكر من كان ذا تفكر وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يحَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللهِ» ويا حسرتنا على ما فرطنا ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوماً بوراً.

    والسلام على من اتبع الهدى وسلم من عواقب الردى وانتمى إلى الملأ الأعلى وحسبنا الله الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من عترته وسلم تسليماً.

  11. القاهرة

    46 دقيقة قراءةالقَاهِرَة هي عاصمة جمهورية مصر العربية وأكبر وأهم مدنها، وتعد أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان والمساحة، وتحتل المركز الثاني أفريقيًا والسابع عشر عالميًا من حيث التعداد السكاني، كما أنها جزء من أكبر تجمع حضري في…

    القَاهِرَة هي عاصمة جمهورية مصر العربية وأكبر وأهم مدنها، وتعد أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان والمساحة، وتحتل المركز الثاني أفريقيًا والسابع عشر عالميًا من حيث التعداد السكاني، كما أنها جزء من أكبر تجمع حضري في أفريقيا والوطن العربي والشرق الأوسط. تعد منطقة القاهرة الكبرى الثانية عشرة من حيث عدد السكان في العالم حيث يبلغ عدد سكانها 21,322,750 مليون نسمة حسب إحصائيات عام 2021. يمثلون 20% من إجمالي تعداد سكان مصر أكثر من (107 مليون نسمة).

    تعد مدينة القاهرة من أكثر المدن تنوعاً ثقافياً وحضارياً، حيث شهدت العديد من الحقب التاريخية المختلفة على مر العصور. وتوجد فيها العديد من المعالم القديمة والحديثة، فأصبحت متحفاً مفتوحاً يضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية وقبطية وإسلامية. يعود تاريخ المدينة إلى نشأة مدينة أون الفرعونية أو هليوبوليس «عين شمس حالياً» والتي تعد واحدة من أقدم مدن العالم القديم. أما القاهرة بطرازها الحالي فيعود تاريخ إنشائها إلى الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص عام 641 م وإنشائه مدينة الفسطاط، ثم إنشاء العباسيين لمدينة العسكر، فبناء أحمد بن طولون لمدينة القطائع، ومع دخول الفاطميين مصر قادمين من إفريقية (تونس حالياً) بدأ القائد جوهر الصقلي في بناء العاصمة الجديدة للدولة الفاطمية بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله وذلك في عام 969م، وأطلق عليها الخليفة اسم «القاهرة». وأطلق على القاهرة- على مر العصور- العديد من الأسماء، فهي مدينة الألف مئذنة ومصر المحروسة وقاهرة المعز. شهدت القاهرة خلال العصر الإسلامي أرقى فنون العمارة التي تمثلت في بناء القلاع والحصون والأسوار والمدارس والمساجد، مما منحها لمحةً جماليةً لا زالت موجودة بأحيائها القديمة حتى الآن.

    وتعد القاهرة محافظة ومدينة، أي أنها محافظة تشغل كامل مساحتها مدينة واحدة، وفي نفس الوقت مدينة كبيرة تشكل محافظة بذاتها، وتنقسم إلى 37 حياً، وتحتفل القاهرة بعيدها القومي في 6 يوليو من كل عام، وهو اليوم الذي يوافق وضع القائد جوهر الصقلي حجر أساس المدينة عام 969م، ليبلغ عمر القاهرة الآن ما يربو على 1055 عام.

    تعد القاهرة أيضاً مقراً للعديد من المنظمات الإقليمية والعالمية، حيث يقع بها مقر جامعة الدول العربية، والمكتب الإقليمي لكل من: منظمة الصحة العالمية، منظمة الأغذية والزراعة، منظمة الطيران المدني الدولي، الاتحاد الدولي للاتصالات، صندوق الأمم المتحدة للسكان، هيئة الأمم المتحدة للمرأة، مقر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، وكذلك مقر الاتحاد الإفريقي لكرة السلة.

    التسمية

    اختلفت الأقاويل حول سبب تسمية القاهرة بهذا الاسم، فقيل أن جوهر الصقلي سمى المدينة في أول الأمر المنصورية تيمناً باسم مدينة المنصورية التي أنشأها خارج القيروان المنصور بالله والد المعز لدين الله، أو تيمناً باسم والد المعز نفسه إحياءً لذكراه، واستمر هذا الاسم حتى قدم المعز إلى مصر فأطلق عليها اسم «القاهرة»، وذلك بعد مرور أربع سنوات على تأسيسها، تفاؤلاً بأنها ستقهر الدولة العباسية المنافسة للفاطميين، وقيل أنه سماها بالقاهرة لتقهر الدنيا، أو أنها سميت نسبة إلى الكوكب القاهر وهو كوكب المريخ. ولمدينة القاهرة عدة أسماء شهيرة منها مصر المحروسة، قاهرة المعز، مدينة الألف مئذنة، جوهرة الشرق.

    التاريخ

    اكتسبت القاهرة مكانتها وتأثيرها على مختلف الحضارات بفضل موقعها الاستراتيجي الذي اختاره لها أهل مصر منذ فجر الحضارة، وتميزت عن بقية العواصم التاريخية بصفة الاستمرار، فشكل تطورها سلسلة من الحلقات بدأت مع مدينة أون في عهد ما قبل الأسرات والتي كانت بمثابة العاصمة الدينية بعد توحيد البلاد وبداية عهد الأسرات على يد الملك مينا بينما كانت منف هي أول عاصمة إدارية وسياسيه لمصر بعد استقرار الوحدة. وعرفت أون فيما بعد بالاسم الإغريقي هليوبوليس أو عين شمس حالياً. عقب الفتح الإسلامي لمصر سنة 18 هـ/639 م، شيد عمرو بن العاص مدينة الفسطاط سنة 21 هـ/641 م، وبنى جامع عرف باسمه، ثم اختطت أماكن إقامة القبائل العربية. وعقب قيام الدولة العباسية والقضاء على الدولة الأموية أنشأ العباسيون مدينة العسكر في مكان عرف باسم الحمراء القصوى يقع شمال شرق الفسطاط وأقاموا فيه دورهم ومساكنهم، وشيد فيها صالح بن علي دار الإمارة وثكن الجند، ثم شيد الفضل بن صالح مسجد العسكر، وبمرور الأيام اتصلت العسكر بالفسطاط وأصبحتا مدينة كبيرة خطت فيها الطرق وشيدت بها المساجد والأسواق. وذلك إلى أن تولى أحمد بن طولون حكم مصر ورأى أن مدينة العسكر لا تتسع لحاشيته وجنده، فصعد إلى جبل المقطم ورأى بين العسكر والمقطم أرض فضاء فاختط في موضعها مدينته الجديدة التي سميت القطائع. وبعد قرابة مائة عام على إنشاء القطائع دخل الفاطميون مصر بقيادة جوهر الصقلي موفداً من الخليفة المعز لدين الله، فأخذ في وضع أساس «القاهرة» شمال شرقي القطائع، كما وضع أساس القصر الفاطمي الكبير، وشرع بجانبه في بناء الجامع الأزهر.

    العصور القديمة

    أون

    كانت مدينة أون القديمة وموقعها حالياً منطقة المطرية وعين شمس من أبرز مراكز الثقافة المصرية القديمة وذكرت في المتون المصرية القديمة بأسماء «أونو أفق السماء» و«أنو سماء مصر» واعتبرتها مقر الآلهة المختارة وموطن ميلاد كل معبود، وسميت المدينة في القبطية «أونو»، وفي اليونانية «هليوبوليس» بمعنى مدينة الشمس. كان للمدينة ماضيها السياسي حيث تعد واحدة من أقدم عواصم مصر المتحدة في فجر التاريخ وذلك نتيجة لجهود زعمائها الذين أقاموا بها أول وحده للوجهين سبقت الوحدة التي تمت على يد الملك مينا. وكفل للمدينة شهرتها في الفلسفة والدين قدم مذهبها في تفسير نشأة الوجود. أما في الفلك ترجع شهرة المدينة إلى ابتكار التقويم الشمسي الذي تميزت به الحضارة المصرية. وعلى الرغم من أن مدينة أون لم تلعب دوراً سياسياً بارزاً في العصور التاريخية إلا أنها ظلت محتفظة بمكانتها الثقافية والحضارية والدينية وحرص الملوك على ترك آثارهم بها على مر العصور، وأسفرت الحفائر الحديثة عن الكثير من الآثار التي تدل على ذلك منها الجزء العلوي لمسلة صغيرة من الحجر الرملي تعود إلى عهد الملك تتي من الدولة القديمة. ومن آثار عصر الدولة الوسطى، مسلة من الجرانيت الأحمر أقامها الملك سنوسرت الأول، وبقايا مسلة للفرعون تحتمس الثالث، وعدد من اللوحات من الحجر الجيري وجزء من تمثال أثري. ومن آثار عصر الدولة الحديثة، عمود مرنبتاج الموجود في منطقة المعابد، وتمثال الملك سيتي الثاني من الحجر الجيري، وبقايا معبد للملك رمسيس الثالث، وعدد من تيجان الأعمدة وأجزاء من أعمدة وتماثيل لأبو الهول.

    بابليون

    تقع مدينة بابليون في منطقة القاهرة القبطية حالياً، وقام بإنشائها رمسيس الثاني واتخذت اسمها من أسرى البابليين الذين ثاروا عليه، فبنى بها القلعة التي اعتقلهم فيها، ثم أطلق الاسم على المدينة بأكملها. واشتهرت المدينة في العصر الروماني في عهد الإمبراطور أغسطس، وأمر بإعادة بنائها الإمبراطور تراجان عام 130 ق.م وحول الحصن إلى مدينة عسكرية، ورمم الحصن ووسعه الإمبراطور الروماني أركاديوس في القرن الرابع الميلادي. استعمل في بناء الحصن أحجار أخذت من معابد فرعونية وأكملت بالطوب الأحمر ولم يبق من مباني الحصن حالياً سوى الباب القبلي الذي يكتنفه برجان كبيران، وبنى فوق أحد البرجين الكنيسة المعلقة، كما بني فوق البرج الآخر كنيسة مار جرجس الروماني للروم الأرثوذكس، وعلى باقي السور بنيت كنيسة القديس أبو سرجة وكنيسة العذراء وقصرية الريحان ودير مار جرجس للراهبات وكنيسة القديسة بربارة ومعبد لليهود. يعرف الحصن الروماني بقصر الشمع أو قلعة بابليون وتبلغ مساحته حوالي نصف كيلومتر مربع، ويقع بداخله المتحف القبطي. في عام 641 م سقط الحصن في يد عمرو بن العاص بعد حصار دام نحو سبعة أشهر في 18 ربيع الآخر 20 هـ/16 أبريل 641 م، وكان سقوطه إيذاناً بدخول الإسلام في مصر. اختار عمرو بن العاص مكانًا إستراتيجيًّا شمال حصن بابليون وأقام فيه مدينة الفسطاط وداخلها حصن بابليون لتكون مدينة للجند العرب.

    العصور الوسطى

    الفسطاط

    اتخذت الفسطاط اسمها من خيمة عمرو بن العاص التي أقامها في وسط معسكره، وأنشأها عمرو بن العاص شمال حصن بابليون، وأمر بتخطيطها لتكون أول عاصمة للإسلام في مصر بدلاً من الإسكندرية، وفي وسط المدينة أقام مسجداً للصلاة سمي باسمه واشتهر بمناراته الأربعة، وخططت الأرض حوله إلى أحياء، وولى عمرو بن العاص أربعة من المسلمين لتنظيم المدينة وهم معاوية بن خديج التجيبي، شريك بن سمي الغطيفي، عمرو بن محزم الخولاني، جبريل بن ناشرة المعافري. اشتهرت الفسطاط بشوارعها المرصوفة ومنازلها الفسيحة التي تتوسطها نافورات المياه والحدائق الداخلية، وتعددت بالمدينة الأسواق التي كان يقع معظمها على شاطئ نهر النيل وذلك بخلاف الأسواق حول الجامع. تميز اختيار موقع المدينة بسهولة الدفاع عنه لأسباب طبيعية فالنيل يحدها من الغرب وجبل المقطم من الشرق واللذان شكلا حاجزا طبيعياً ضد أي اعتداء خارجي.

    العسكر

    العسكر هي ثاني العواصم الإسلامية في مصر، وأنشأها العباسيون في مكان عرف باسم الحمراء القصوى يقع شمال شرق الفسطاط، وأقاموا فيه دورهم ومساكنهم، وشيد فيه صالح بن علي دار الإمارة وثكنات الجند أو دار العسكر، ومنه اتخذت المدينة اسمها، ثم شيد الفضل بن صالح مسجد العسكر. تعتبر المدينة امتداداً للاتجاهات التخطيطية والعمرانية لمدينة الفسطاط، وعظمت بها العمارة وشيدت المساكن والقصور وتوسع عمرانها حتى التحمت بالفسطاط، وحكم مصر منها 65 والياً على امتداد 120 عاماً، ويرجح أن موقعها كان بالقرب من حي السيدة زينب حالياً.

    القطائع

    القطائع هي المدينة التي أسسها أحمد بن طولون، لتصبح بذلك ثالث عاصمة إسلامية في مصر، ويرجع اسمها إلى نظام تخطيطها المنقول عن مدينة سامراء التي شب فيها بن طولون، وهو التخطيط المتقاطع المكون من قطع سكنية كل منها لجماعة من السكان تربطهم رابطة أو طبقة أو مستوى واحد، يطلق عليها اسم القطع. شيدت المدينة في الأرض الفضاء بين مدينة العسكر وجبل المقطم، ووضعت أولى خططها عام 256 هـ/870 م، وبعد ست سنوات في عام 876 م احتفل ابن طولون بوضع أساس الجامع الذي سمي باسمه على جبل يشكر، والذي انتهى بناؤه في سنتين، ويقع في وسط المدينة، ويعد من أكبر مساجد العالم الإسلامي بمساحة تبلغ 26500 متر مربع، واشتهر باسم الجامع المعلق إذ يصعد إلى أبوابه بسلالم دائرية الشكل، كما أنشأ ابن طولون أول مستشفى في مصر بمنطقة البساتين. وانتقل إلى المدينة كل من له صلة بالحكم أو إدارة البلاد وأفراد الجيش، ولم يكن مسموحاً للعامة بالسكن فيها. ظلت القطائع عاصمة مصر خلال الحكم الطولوني الذي استمر 27 عاماً حتى سنة 293 هـ/905 م، مع قدوم الجيش العباسي إلى مصر، والذي محى القطائع وحولها إلى أطلال مع الإبقاء على الجامع، وعادت مدينة العسكر مقراً للحكم حتى دخول الفاطميين.

    قاهرة المعز

    بعد قرابة المائة عام على إنشاء القطائع، قدم إلى مصر جيش الفاطميين من المغرب بقيادة جوهر الصقلي موفداً من الخليفة المعز لدين الله، ووصل إلى الفسطاط في 11 شعبان 358 هـ/يوليو 969 م، ودخلها في اليوم التالي، ونزل مع جنوده في الفراغ الواقع شمال شرقي القطائع وأخذ في وضع أساس القاعدة الفاطمية الجديدة في 17 شعبان 385 هـ/7 يوليو 969 م، والتي سماها «القاهرة»، كما وضع أساس القصر الفاطمي الكبير في 18 شعبان 358 هـ، وشرع بجانبه في بناء الجامع الأزهر في جمادي الأول سنة 359 هـ/أبريل 970 م. أنشئت المدينة على مساحة 340 فدان، وبني حولها سور من اللبن مربع الشكل طول كل من ضلعيه الشمالي والجنوبي 1500 ذراع، وضلعيه الشرقي والغربي 1700 ذراع، وبكل ضلع من أضلاع السور بوابتان، فالضلع الشمالي به باب النصر وباب الفتوح، والشرقي به باب البرقية (الغريب) والقراطين (المحروق)، والجنوبي يواجه الفسطاط عند باب الخلق وبه باب زويلة (المتولي) وباب الفرج، والغربي به باب القنطرة وباب سعادة. بدأت المدينة كمدينة عسكرية تشتمل على مساكن الأمراء ودواوين الحكومة وخزائن المال، وفي سنة 973 تحولت إلى عاصمة الدولة الفاطمية عندما انتقل إليها المعز لدين الله من المغرب، وأطلق عليها قاهرة المعز. بعد انقضاء 120 سنة من تأسيس القاهرة رأى أمير الجيوش بدر الجمالي وكان وزيراً للخليفة المستنصر بالله أن الناس شيدوا خارج سور القاهرة بسبب اتساع العمران، فأحاطها بسور وصله بسور جوهر عام 480 هـ/1087 م، وأقام السور الجديد من اللبن والأبواب من الحجارة.

    العصر الأيوبي

    أرسل السلطان نور الدين محمود حملة إلى مصر لطرد الصليبيين بقيادة أسد الدين شيركوه، الذي اصطحب معه صلاح الدين ابن أخيه نجم الدين أيوب. وعقب وفاة شيركوه ولي الخليفة العاضد صلاح الدين وزارة مصر، فأصبح بذلك الرجل الأول في الدولة. ثم استبد صلاح الدين بالأمور وضعف أمر العاضد وهدم دار المعرفة وبناها مدرسة شافعية وبنى دار الغزل للمالكية وعزل قضاة الشيعة وأقام قاضياً شافعياً في مصر واستناب في جميع البلاد. وبدلاً من أن ينشئ صلاح الدين عاصمة جديدة، اتجه إلى ضم ضواحي المدينة الأربعة (الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة الفاطمية) لتكون معاً عاصمة الدولة، فخرجت القاهرة عن نطاق أسوارها القديمة وامتد تخطيطها ليصل إلى قلعة الجبل، التي ظلت مقراً لحكم مصر في مختلف العصور التي تلت حكم الأيوبيين، وحتى عصر الخديوي إسماعيل الذي نقل مقر الحكم إلى قصر عابدين. وفي عام 569 هـ انتدب بهاء الدين قراقوش لمد سور حول القاهرة بحدودها الجديدة، فزاد في سور القاهرة الممتد من باب القتطرة إلى باب الشعرية، ومن باب الشعرية إلى باب البحر، ثم زاد في الجزء الذي يلي باب النصر إلى برج الظفر ومن هذا البرج إلى برج البرقية ومنه إلى درب بطوط وإلى خارج باب الوزير ليتصل بسور قلعة الجبل. ومن معالم تلك الحقبة التي ما زالت باقية، سواقي عيون بئر يوسف وقناطر مجرى المياه التي تحمل المياه إلى القلعة.

    العصر المملوكي

    يعد عصر المماليك هو العصر الذهبي للقاهرة، ولا سيما بعدما خفت وطأة الحروب الصليبية في الشام، وانتصر المماليك على المغول. ففي عهد الظاهر بيبرس امتدت القاهرة في اتجاه الشمال خارج أسوارها في حي الحسينية، وشيد مسجداً رائعاً يعرف اليوم باسم جامع الظاهر وكان اسمه قديماً جامع الصافية، كما شيد العديد من المباني في قلعة صلاح الدين كدار الذهب، وأنشأ الأسواق والجسور والقناطر، وشاركه أمراؤه في بناء العديد من العمائر والرباع والخانات والدور والمساجد والحمامات التي أضافت لمسة من الجلال والجمال على المدينة. وفي عهد أسرة قلاوون التي حكمت مصر قرابة المائة عام، شيد المنصور قلاوون طائفة من العمائر النادرة، منها مدرسة الجليلة وقبته أو ضريحه، وأنشأ المارستان وجعله وقفاً لجميع الطوائف من الملك حتى العبيد، وما زال جزء منه قائماً إلى اليوم. وفي أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون، امتدت القاهرة جهة الشمال عبر الصحراء والشمال الغربي والغرب أيضاً بما طرحه النيل من طمي أثمر تدريجياً عن أرض جديدة غرب القاهرة، فلم يترك أمراء المماليك قطعة أرض داخل القاهرة إلا وأقاموا فيها المساجد والمدارس والحمامات والسبل والوكالات والأضرحة، فعم الرخاء على المدينة وازدهرت التجارة وتسابق الأمراء والأعيان على تشييد أبهى فنون العمارة. وأحب السلطان الناصر العمارة فرصع القاهرة بأفخم المباني، وأنشأ تحت قلعة صلاح الدين ميداناً للألعاب والمسابقات بين الأمراء، وعمر كثيراً من القصور داخل القلعة، وشيد جامعه ذا المئذنتين الذي ما زال قائماً حتى الآن، وفي أيامه زار مصر الرحالة المسلم ابن بطوطة في عام 1326 فقال عنها «قهرت قاهرتها الأمم، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم»، وفي أثناء حكم المماليك البحرية ولد المؤرخ تقي الدين المقريزي، الذي ألف موسوعة هامة عن خطط مصر وعن القاهرة بوجه خاص وصفت جمال عمارة القاهرة وفنونها. وفي أيام السلطان حسن بن قلاوون شيدت عمارة جليلة تمثلت في مدرسة ومسجد السلطان حسن، الذي يعد أجمل مساجد القاهرة. وفي عهد المماليك الجراكسة ظهر حبهم للعمائر الجميلة والذوق السليم، فشيد سلاطينهم وأمراؤهم العمائر والمساجد ومنها مسجد الملك الظاهر برقوق بجوار مدرسة الناصر قلاوون، وخانقاه الملك الناصر بن برقوق، وهي بناء ضخم صمم ليخدم عدة أغراض، فهو ضريح لآل برقوق ومدرسة للعلوم ومسجد وخانقاه فخمة، ومسجد الملك المؤيد شيخ بجوار باب زويلة، ومسجد السلطان الأشرف برسباي، ومسجد السلطان الأشرف قايتباي، ومسجد السلطان قنصوه الغوري.

    العصر العثماني

    استولى السلطان سليم على مصر وشرع في تأييد سلطته، فجعل عليها حاكماً يلقب بالباشا، وليضمن عدم خروج الباشا على الآستانة ويستقل بمصر، جعل في مصر ثلاث إدارات كل منها يراقب الآخر، حتى لا يخشى من اتحادها أو تمردها، فكانت القوة الأولى هي «الباشا» وأهم واجباته هي إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة والشعب ومراقبة تنفيذها، والقوة الثانية هي «الوجاقات الست» وواجبها هو حفظ النظام والدفاع عن القطر المصري، وتوزعت في القاهرة والمراكز الرئيسية، أما القوة الثالثة فهي «المماليك» وهم بقايا المماليك البحرية والجراكسة، وواجبهم حفظ التوازن بين الباشا والوجاقات لأنهم أعداء لكلا الفريقين. وظل أمراء المماليك هم أصحاب القوة الفعلية بالبلاد، وزاد نفوذهم مع تقلص نفوذ الباب العالي وتقلص نفوذ ولاته في مصر. ومن آثار تلك الحقبة التي ما زالت باقية مسجد محمد بك أبو الذهب تجاه الجامع الأزهر، وعمائر عبد الرحمن كتخدا «محافظ مصر»، والذي كان مغرماً بالبناء فأنشأ وجدد الكثير من المساجد والسبل والأضرحة، وكان في مقدمة الساعين لتجميل القاهرة، ويتجلى ذلك في سبيله الرائع الواقع في ملتقى شارعي النحاسيين والجمالية والمعروف باسمه حتى اليوم، كما أنشأ بالقرب من باب الفتوح مسجداً وكتاباً، وزاد في مقصورة الجامع الأزهر وبنى به محراباً جديداً وأقام له منبراً وأنشأ له باباً عظيماً وبنى بأعلاه مكتباً لتعليم الأيتام من أطفال المسلمين، وبنى المدرسة الطيبرسية، وأنشأ عند باب البرقية «باب الغريب» جامعاً ومكتباً، وجامعاً ومكتباً وساقية ومنارة جهة الأزبكية، كما بنى المشهد الحسيني، ومشاهد السيدة زينب والسيدة سكينة والسيدة عائشة والسيدة فاطمة والسيدة رقية، وجدد المارستان المنصوري، وكانت دار سكناه بحارة عابدين من الدور العظيمة المحكمة الوضع والإتقان.

    العصر الحديث

    عصر الأسرة العلوية

    أسس محمد علي الأسرة العلوية في مصر وأرسى خلال حكمه أسس النهضة الحديثة، وانتقل بمصر من الاضمحلال الذي سيطر عليها خلال حكم العثمانيين إلى مشارف العصر الحديث، وارتقى بها إلى رتب الدول المتقدمة. أدرك محمد علي بعبقريته أن السبيل لبناء النهضة هو الارتقاء بالعلوم والإدارة والصناعة والزراعة، فأنشأ المدارس الحديثة وأرسل البعثات العلمية وأعاد تنظيم الجيش والإدارة الحكومية وشيد دور الصناعة بأنواعها والتي تركزت بمنطقة السبتية، كما أقام الجسور والقناطر وحفر الترع. واهتم محمد علي بالقاهرة فأمر بتنظيم وتوسيع وتنظيف وإنارة شوارعها، وأزال الأنقاض المحيطة بها وردم بها بركها، وكون في عام 1834 مجلساً للإشراف على تجميل القاهرة، كما استقدم الفنانين والعمال المهرة من فرنسا وإيطاليا وتركيا لبناء القصور واشترط عليهم تعيين أربعة من المصريين مع كل منهم ليتعلموا حرفتهم، ومن أشهر القصور التي شيدها قصر الجوهرة وقصر القبة وقصر الحرم وقصر الأزبكية وقصر النيل، وقام أيضاً ببناء جامعه بالقلعة، والذي تم تصميمه على غرار مسجد السلطان أحمد بالآستانة. وفي أبريل 1847 انتقلت ولاية مصر من محمد علي إلى إبراهيم باشا، والذي اهتم بتقوية الجيش والأسطول ونظم جمعية الحقانية لتنظيم سير القضايا، وشيد قصر الروضة والقصر العالي، وفي عهده تم ردم بركة الأزبكية تماماً وحولت إلى متنزه ضخم. وفي عهد عباس باشا الأول منح امتياز إنشاء خط سكك حديدية بين القاهرة والإسكندرية للبريطانيين عام 1851، وأنشئ حي العباسية في صحراء شمال شرق القاهرة عام 1849 بغرض إقامة ثكنات عسكرية، كما أقام فيها سراي الباشا أو «سراي الحصوة» ومدرسة حربية ومستشفى. عقب وفاة عباس الأول آل حكم مصر إلى سعيد باشا، فافتتح في عهده خط السكك الحديدية بين القاهرة والإسكندرية عام 1854، وأنشئت المحطة الرئيسية للسكك الحديدية بباب الحديد عام 1856، وبوفاته انتقل حكم مصر إلى إسماعيل باشا عام 1863.

    عصر الخديوي إسماعيل

    يعود لقب القاهرة الخديوية إلى أول حاكم لمصر يحمل هذا اللقب وهو الخديوي إسماعيل، والذي تولى عرش مصر في 18 يناير 1863، فمنح القاهرة وجهاً جديداً متألقاً، وحدد معالمها الحضارية من خلال إنجازات بقيت محفورة على جدران مبانيها وشوارعها الحديثة. كانت القاهرة عند تولي إسماعيل باشا عرش مصر يبلغ تعدادها 270 ألف نسمة وتمتد من منطقة القلعة بسفح المقطم شرقاً إلى مدافن الأزبكية وميدان العتبة والمناصرة غرباً، وساد على أحيائها الانحلال العمراني مما أثار حماس إسماعيل باشا لصنع ثورة عمرانية بعاصمة البلاد ترقى بها إلى مصاف العواصم الأوروبية، ولتكون «باريس الشرق»، فطلب إسماعيل باشا من الإمبراطور نابليون الثالث أن يقوم هاوسمان المهندس العالمي بتخطيط القاهرة على غرار التخطيط الجديد لباريس، واستغرق إعداد وتصميم وتنفيذ المشروع خمس سنوات، وفي عام 1872 افتتح الخديوي إسماعيل شارع محمد علي «القلعة»، كما شق شارع «كلوت بك» عام 1875، وأنشأ دار الأوبرا، والكتب خانة، وكان من أهم القصور التي شيدت خلال تلك الحقبة قصر عابدين، الذي بدأ إنشاؤه في غام 1863، وأصبح مقر الحكم بدلاً من القلعة في عهد الخديوي إسماعيل، ويعود اسم القصر إلى أنه بني مكان قصر «عابدين بك»، وطلب إسماعيل باشا الاحتفاظ باسم عابدين للقصر وميدانه. وفي فترة لاحقة أنشئ كوبري قصر النيل وكوبري أبو العلا ليصلا القاهرة بجزيرة الزمالك والجيزة، وأدخل خط الترام إلى شوارع القاهرة عام 1896 لربط العتبة الخضراء بالعباسية.

    القاهرة المعاصرة

    في بداية القرن العشرين شهدت مدينة القاهرة تطوراً هائلاً نتيجة قدوم رجال الأعمال الأجانب، وتم إنشاء العديد من الوكالات والمحال التجارية والتي أصبحت فيما بعد علامات تجارية شهيرة مثل جروبي وغيره، كذلك شهدت توسعاً من خلال ربط شبرا بالقاهرة عام 1902، وربط حي الظاهر بالسيدة زينب وغرب الأزبكية عام 1903، وبدأ نمو حي الفجالة وحي التوفيقية، كما بدأ إنشاء حي جاردن سيتي عام 1906، وتعمير حي الزمالك عام 1905، وبدأ العمل في ضاحية مصر الجديدة عام 1906، أما ضاحية المعادي فنشأت عام 1907.

    وخلال ثورة 1919 كانت القاهرة هي مركز الاحتجاجات والتي كانت تتخذ من بيت سعد زغلول (بيت الأمة) مقراً لها، وعقب الثورة والانتهاء من تأسيس بنك مصر أصبحت القاهرة مركز ومقر للعديد من الشركات والمشروعات المصرية التي نشأت واحدة تلو الأخرى، وبلغت القاهرة في العشرينيات مستوى عال من الرقي والتحضر، ففي عام 1921 تم اختيارها لتنظيم مؤتمر القاهرة الذي جمع العديد من قادة أوروبا والشرق الأوسط لبحث تداعيات الحرب العالمية الأولى، كذلك في عام 1925 حصلت على وسام أجمل وأنظف مدينة في دول حوض البحر المتوسط باعتبارها مدينة الأناقة في تصميم مبانيها ونظافة شوارعها وانتظام حركة المرور بها.

    وفي نوفمبر 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية، شهدت القاهرة اجتماع قادة الحلفاء في مؤتمر القاهرة والذي حضره الرئيس فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل والقائد الصيني تشان كاي شيك ورئيس وزراء تركيا عصمت إينونو، وكان المؤتمر بمثابة نقطة فارقة بصدور إعلان القاهرة الذي تم التوقيع عليه يوم 27 نوفمبر 1943 ونص على نشر قوات في فرنسا وضرورة انسحاب اليابان من المقاطعات الصينية، واستمرار المعارك حتى الاستسلام غير المشروط.

    وفي 26 يناير 1952 عقب وقوع موقعة الإسماعيلية يوم 25 يناير بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المصرية، قام مجهولون بإشعال حرائق في مدينة القاهرة التهمت الكثير من الأماكن العامة والفنادق والسينيمات والمحلات تجارية والمكاتب، كما أسفرت عن عشرات الضحايا. أدت تلك الأحداث إلى استقالة وزارة الوفد ذات الشعبية الجماهيرية، وتولى الوزارة علي ماهر باشا، وأعلنت الأحكام العرفية في البلاد، وتلاها في يوليو قيام الضباط الأحرار بالتحرك كبداية لأحداث ثورة 23 يوليو، وكانت القاهرة محطة فاصلة في تلك الأحداث، بالرغم من أن الملك فاروق وحاشيته كانوا بالإسكندرية، إلا أن حصار قصر عابدين والاستيلاء على القيادة العامة للجيش المصري تسبب في رضوخ الملك فاروق لمطالب الحركة، ووافق على مغادرة البلاد في 26 يوليو والتنازل عن العرش لابنه.

    وعقب حرب 1967 ونتيجة للمعارك تم إجلاء سكان محافظات القناة (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس)، وكانت القاهرة من أكثر المحافظات استقبالاً للنازحين والتي كانت بأعداد كبيرة، تسببت في اندلاع الأزمة العقارية وقتها وارتفاع أسعارها بشكل متزايد، وترتب عليها ظهور العديد من المناطق السكنية مثل منشأة ناصر وغيرها.

    وفي أعقاب حرب أكتوبر وبداية عصر الانفتاح الاقتصادي شهدت القاهرة موجة هجرة واسعة من سكان الأقاليم بغرض التعليم أو العمل، وترتب عليها تغير ديموغرافيا المدينة عما كانت عليه، حيث بدأت عمليات هدم القصور القديمة لبناء أبنية سكنية وكذلك شهدت فترة الثمانينات والتسعينيات أوسع عمليات التعدي والبناء على الأراضي الزراعية، مما ترتب عليها فقدان القاهرة معظم مساحاتها الخضراء. شهد الربع الأخير من القرن العشرين مرحلة بناء المدن الجديدة، فبعد إنشاء مدينة نصر في عهد ناصر ومدينة 15 مايو ومدينة السلام في عهد السادات، شهد عهد مبارك إنشاء القاهرة الجديدة ومدينة بدر والشروق، وشهد أيضاً تشغيل مترو الأنفاق وإنشاء الطريق الدائري ليكون أكبر طريق بري يربط القاهرة الكبرى ببعضها.

    في 25 يناير 2011 انطلقت مجموعة من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، وكان ميدان التحرير بالقاهرة أبرز أماكن هذه المظاهرات حيث شهد أعداداً وصفت بالمليونية، كما شهدت القاهرة أيضاً أحداث لاحقة مثل أحداث مسرح البالون، أحداث ماسبيرو، أحداث محمد محمود، أحداث مجلس الوزراء، أحداث العباسية.

    وعقب تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية اتخذ عدة إجراءات وأصدر قرارات أثارت ضده احتجاجات ومظاهرات، كان أبرزها أحداث قصر الاتحادية مما أسفر عن وقوع ضحايا، وفي 30 يونيو 2013 خرجت مظاهرات حاشدة من المعارضين لحكم محمد مرسي في الميادين المصرية وعلى رأسها ميدان التحرير مطالبين بانتخابات رئاسية مبكرة ورحيل النظام.

    توسعات المدينة

    اعتمدت الحكومة المصرية خطة إستراتيجية قومية لغزو الصحراء وإقامة مجتمعات عمرانية جديدة خارج وادي النيل ودلتاه لتكون مراكز حضارية ومناطق جذب سكاني واقتصادي بهدف إعادة توزيع السكان والأنشطة المختلفة توزيعاً متوازناً على أنحاء جمهورية مصر العربية، وبدأت تلك المشاريع خلال العهد الملكي مع إنشاء ضاحية مصر الجديدة «هليوبوليس» التي تعد أهم التجارب على مستوى العالم في مجال إنشاء المدن الجديدة خلال النصف الأول من القرن العشرين، والتي تعود فكرة إنشائها إلى عام 1905، واستوحي تخطيطها من المدن الحدائقية التي شيدت في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر، فكان انتشار الفراغات الحضرية الكبيرة والشوارع المستقيمة المتسعة والتي خططت في هيئة حي عمراني راق يضاهي الأحياء الأوروبية. وفي أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 أنشئت مدينة نصر بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر بهدف التوسع العمراني في المنطقة الصحراوية شمال شرق القاهرة وخصوصاً شرق حي العباسية بعيداً عن الأراضي الزراعية، وأعطى إشارة البدء لإنشاء مدينة متكاملة بأسلوب حضاري راق وطريقة عمرانية متميزة أطلق عليها «مدينة نصر». نفذ التخطيط الأولي والتصاميم المعمارية لمشروع المدينة المهندس المعماري سيد كريم، على مساحة تصل لأكثر من 250 كم مربع وتمتد في الشرق من طريق مصر/السويس حتى الكيلو 51 وتقاطعه مع طريق القطامية، وفي الغرب من شارع صلاح سالم وفي الشمال حي مصر الجديدة وفي الجنوب المقطم. وفي عام 1978 بدأ إنشاء مدينة 15 مايو التي تعد إحدى مدن الجيل الأول من المجتمعات العمرانية الجديدة التي قامت بإنشائها وزارة الإسكان والتي تعود تسميتها نسبة إلى ثورة التصحيح في 15 مايو 1971، ويربط مدينة 15 مايو بالقاهرة طريقان رئيسيان هما كورنيش النيل وطريق الأوتوستراد، وبدأت في استقبال سكانها بعد عامين فقط من البدء في تنفيذها. وفي عام 1979 صدر قرار إنشاء مدينة القاهرة الجديدة والتي توسعت بأحيائها المعروفة الأمل والرحاب ومدينتي والتجمع الأول والثالث والخامس. وفي عام 1982 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء بإنشاء مدينة بدر بطريق القاهرة/السويس على مساحة 18454.43 فدان، منها 7018 فدان مناطق سكنية، و2173 فدان مناطق خدمية. وفي عام 1995 صدر قرار جمهوري بإنشاء مدينة الشروق على مساحة 16.11 ألف فدان منها 9200 فدان كتلة عمرانية، أضيف إليها 5302 فدان عام 2015.

    الجغرافيا والسكان

    الموقع

    تقع القاهرة على جوانب جزر نهر النيل في شمال مصر، مباشرة جنوب شرق النقطة التي يترك فيها نهر النيل واديه محصوراً فيِ الصحراء منقسماً إلى فرعين داخل منطقة دلتا النيل المنخفضة. بني الجزء الغربي على نموذج مدينة باريس مِن قبل حاكم مصر الخديوي إسماعيل في منتصف القرن التاسع عشر، والذي تميز بالأحياء الواسعة والحدائق العامة والمناطق المفتوحة. أما القسم الشرقي الأقدم للمدينة فتوسع بشكل عشوائي على مدى القرون، وامتلأ بالطرقِ الصغيرة والمباني المزدحمة. بينما يمتلئ غرب القاهرة بالبنايات الحكومية والهندسة المعمارية الحديثة، وأصبح الجزء الأهم في القاهرة، ويحوي النصف الشرقي الآثار التاريخية للمدينة على مر العصور لما يوجد به من مساجد وكنائس عتيقة ومباني أثرية ومعالم قديمة، كما توسعت المدينة شرقاً بإنشاء حي مدينة نصر الذي يعتبر من أكبر أحياء القاهرة.

    التقسيم الإداري

    تنقسم المدينة إلى أربع مناطق رئيسية هي:

    المناخ

    يتصف مناخ القاهرة بالاعتدال معظم أيام السنة ويتراوح المعدل اليومي لدرجة الحرارة خلال فصل الصيف بين 22 درجة مئوية و34 درجة مئوية في حين يتراوح المعدل اليومي خلال فصل الشتاء بين 18 درجة مئوية و9 درجة مئوية. ويمكن اعتبار أن هناك موسمين خلال العام صيف ساخن من مايو إلى أكتوبر، وشتاء معتدل من نوفمبر إلى أبريل، ويتميز مناخ القاهرة أيضاً بأنه جاف جداً، ويسقط المطر بكثافة منخفضة خلال فصل الشتاء، وترتفع مستويات الرطوبة خلال الصيف، وأحياناً تتعرض القاهرة لهبوب بعض الرياح الساخنة المحملة بالغبار خلال الفترة الممتدة بين شهري مارس ويونيو وتعرف باسم رياح الخماسين.

    السكان

    بلغ عدد سكان القاهرة بنهاية عام 2018 9.7 مليون نسمة بنسبة 10.6% من إجمالي تعداد سكان مصر. لتكون بذلك أكثر مدن مصر المأهولة بالسكان، وأكثرها ازدحاماً بما تحتويه من هيكل عرقي وبنية أساسية ووظائف محلية ودولية متعددة، كما ينزح إليها الآلاف يومياً من المحافظات بسبب عملهم داخل القاهرة أو إنجاز المصالح الشخصية أو العلاج نتيجة لتركز الاستثمارات والأجهزة الحكومية وكبرى المستشفيات بها.

    اللغة

    يتحدث سكان القاهرة اللغة العربية، إلا أن العربية المحكية في القاهرة تختلف عن تلك المحكية في مصر الوسطى والعليا، والعربية المصرية هي الأهم بين أشكال العربية الحديثة المحكية في المنطقة، ومرد ذلك أساسا أن صناعة السينما المصرية ومركزها القاهرة هي الأكبر في الوطن العربي ويتم عرض الأفلام المصرية في المنطقة العربية دون ترجمة أو دوبلاج. بخلاف الأخبار وما شابهها، كما أن الأفلام لا تسجل باستخدام الفصحى - لغة كتابة الوطن العربي بأسره - بل تستخدم اللغة المحكية للمنطقة، وبالتالي كانت اللهجة المستخدمة هي المصرية لمعظم هذه الأفلام، ولهذا السبب فإن العربية المصرية وخاصّة اللهجة القاهرية مفهومة في عموم المنطقة العربية. العربية الفصحى هي ومنذ السيطرة العربية على مصر في القرن السابع لغة الكتابة والأدب، ولا تستخدم القبطية إلا كلغة طقسية للكنيسة الأرثوذكسية القبطية، والقبطية هي استمرار للغة المصرية القديمة وتكتب بحروف مشتقة من اليونانية وهي غير محكية اليوم إلا كلغة مقدسة. كلغات أجنبية فإن الإنجليزية والفرنسية تستخدم كلغة نخبوية على نطاق ضيق.

    الدين

    الإسلام هو الدين الرسمي لمصر بما فيها مدينة القاهرة وذلك طبقاً للدستور المصري، ويعترف بحقوق أتباع الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، وغالبية سكان المدينة من المسلمين من أهل السنة والجماعة، وأكثر الأقلية من المسيحيين الأرثوذكس، والأقليات الأخرى من طوائف مسيحية بجانب اليهود. أهم المؤسسات الدينية العاملة في الدولة هي الجامع الأزهر الذي يعتبر أحد أهم أعمدة الإسلام السني في العالم، كذلك تحتل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مكانة هامة باعتبارها كنيسة وطنية تمثل غالبية مسيحيي مصر، أما اليهود فليس لهم مؤسسة دينية ترعاهم لقلة عددهم ولكن يرعى شئونهم طائفة خاصة بديانتهم.

    الثقافة

    العمارة

    تتميز القاهرة كمدينة تاريخية بتراثها العريق واحتضانها لمجموعة فريدة من العمائر التي تعكس تطور العمارة الإسلامية بالمدينة على مدار ألف وثلاثمائة عام وأصبح الآن هذا التطور البنائي متحفاً مفتوحاُ للعمارة يعرض في ردهاته عمائر كل مرحلة من مراحل تقدم المدينة في حلقة متصلة من الأساليب المعمارية تتجلى في مبانيها كالمساجد والزوايا والمدارس والتكايا والقصور والدور والحمامات والأسبلة والقناطر والوكالات والخانات والأسواق فضلاً عن قلاعها وأسوارها وأبوابها.

    استلهمت العمارة القاهرية المعاصرة أفكارها ومفرداتها من التراث المعماري المصري. ففي بدايات القرن العشرين اتجه بعض المعماريين إلى استعمال العناصر الشكلية للطراز الفرعوني مثل البوابات والأعمدة وقلدوها بالمواد والإنشاءات الحديثة، وفي فترة التسعينيات استلهم الطراز الفرعوني في التصميم من خلال نقل مفردات المعبد الفرعوني إلى واجهات المبنى، والتركيز على استخدام الشكل الهرمي كما في نصب الجندي المجهول بمدينة نصر. فيما استلهم بعض المعماريين تصميماتهم من التراث المعماري الإسلامي، وظهرت لذلك عدة شواهد في النصف الأول من القرن العشرين مثل معهد الموسيقى العربية بشارع رمسيس (1929) ومبنى جمعية المهندسين المصرية بنفس الشارع (1935)، وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات بدأت تظهر نماذج لإعادة هذا الفكر المعماري منها مبنى مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية بمصر الجديدة، ومبنى قاعة النيل للفنون التشكيلية بالجزيرة، والمباني العالية في أبراج مركز التجارة العالمي بكورنيش النيل، والذي يعطي دلالة واضحة على إمكانية الاستفادة من التراث الإسلامي مع معطيات العمارة المعاصرة والتي تركز على استخدام المباني العالية خاصة في المدن الكبرى كأحد المحددات الاقتصادية نظرا لارتفاع أسعار الأراضي.

    الإعلام

    تصدر الصحف المصرية الرئيسية الرسمية وغير الرسمية من القاهرة، ومنها مؤسسة الأهرام أعرق المؤسسات الصحفية في مصر وتصدر عنها جريدة الأهرام اليومية والأهرام إيبدو وجريدة المساء ومجلة العربي ومجلات أخرى، ودار أخبار اليوم والتي يصدر عنها جريدة الأخبار اليومية وأخبار اليوم الأسبوعية والعديد من المجلات، ودار التحرير ويصدر عنها جريدة الجمهورية، ويصدر أيضا في القاهرة العديد من الصحف الخاصة مثل جريدة المصري اليوم وجريدة الوفد والدستور وروز اليوسف وغيرها، وكذلك يوجد بالقاهرة مقر وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهي وكالة الأنباء الرئيسية في مصر. والقاهرة هي مقر قنوات مبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو الذي تنطلق منه القنوات الإذاعية والتلفزيونية الحكومية.

    الفنون

    تزخر القاهرة بالفنانين التشكيليين والنحاتين والمبدعين الفنيين المتواجدين بها بصفة دائمة، وتعد مركزاً للفنون بمختلف أنواعها والأمسيات والندوات الثقافية والعروض المسرحية والسينمائي، وهي واحدة من المدن المبدعة المسجلة في قائمة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الفنون والحرف منذ 2017م، وتتمثل أبرز مظاهر الفنون في القاهرة في دار الأوبرا المصرية أو المركز الثقافي القومي بجزيرة الزمالك والذي تم تشييده كمنحة من الحكومة اليابانية لنظيرتها المصرية وبنيت الدار على الطراز الإسلامي وتم افتتاحها في 10 أكتوبر 1988 كدار بديلة لدار الأوبرا الخديوية التي بناها الخديوي إسماعيل عام 1869 واحترقت في 28 أكتوبر 1971 بعد أن ظلت منارة ثقافية لمدة 102 عام.

    المطبخ

    المطبخ القاهري هو رأس المطبخ المصري البسيط المتنوع، الذي يعطى للخبز فيه الأولوية ويُطلق عليه العيش باللهجة القاهرية كمرادف للفظ الحياة، ويُعد طبقيّ الفول والطعمية من أشهر عناصر الفطور القاهري. كذلك يُعد الكشري والمسقعة والمحشي والملوخية والفتة والكوارع والأرز بأنواعه من أبرز الأطباق الرئيسية. كما أن الشاي والقهوة وعصير القصب والعرقسوس والسوبيا من أكثر المشروبات شعبية في المدينة.

    الاقتصاد

    القاهرة هي مركز مصر الاقتصادي، كونها عاصمة البلاد وأكثر المدن المصرية المأهولة بالسكان، وأقواها من حيث البنية التحتية، وبها تقع مقرات الشركات الكبرى، مركز التجارة العالمي، البورصة المصرية، البنك المركزي المصري، البنوك الرئيسية، وزارة التجارة والصناعة، وزارة الاستثمار، وزارة التعاون الدولي، وهي المقر الإقليمي للمنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين واختارتها المنظمات والمؤسسات الدولية كمقر لمكاتبها الإقليمية في مصر مثل مؤسسة التمويل الدولية، البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، منظمة العمل الدولية، صندوق النقد الدولي، منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، مجلس الوحدة الاقتصادية العربية. كما تضم عدة مناطق صناعية هي شق الثعبان على مساحة 1000 فدان، جنوب حلوان على مساحة 7 فدان، القطامية على مساحة 71 فدان، الروبيكي على مساحة 1629 فدان. بخلاف مراكز الصناعة اليدوية المتمثلة في مركز الحرف التقليدية بالفسطاط الذي يضم بين طياته ورشاً لأنشطة عديدة لفن النجارة من تطعيم بالصدف والأرابيسك، وفن الزجاج المعشق بالجبس والحلي والخيامية والخزف. بجانب أسواق التحف والتذكارات والعطور الشهيرة بخان الخليلي الذي يعد أشهر الخانات الإسلامية في العالم، ويقع في القاهرة الفاطمية على مشارف شارع المعز لدين الله، ويتخلله شبكة من الأسواق التقليدية وورش المقتنيات والمشغولات القضية والنحاسية والمذهبة والجلدية والخشبية والورقية. وفي عام 2009 احتلت القاهرة المركز السابع ضمن أبرز 50 مدينة مؤهلة لتقديم خدمات تكنولوجيا المعلومات بنظام التعهيد.

    السياحة

    القاهرة مدينة سياحية من الطراز الأول حيث تتعدد بها جميع المظاهر السياحية التي قد يحتاج إليها أي زائر، فبها العديد من المواقع الأثرية التي تعود لعصر الفراعنة، وأسوار المدينة القديمة التي ترجع إلى العصر الإسلامي، والمواقع الأثرية الإسلامية والمسيحية واليهودية الموجودة منذ دخول الأديان المختلفة لمصر.

    كما ينتشر بالمدينة مناطق التسوق الشهيرة، والعشرات من القصور والمساجد والكنائس والبوابات التاريخية والمباني العريقة من مختلف العصور بالإضافة للأماكن الثقافية والفنية والمسارح وغيرها، وينتشر بها أعداد كبيرة من الفنادق وأماكن الإقامة بمختلف أنواعها ودرجاتها.

    وتزخر كذلك بالمحميات الطبيعية البعيدة عن زحام قلب المدينة، والتي تبرز كمزارات باعثة على الهدوء والراحة والتأمل في الطبيعية. بخلاف التمتع برحلات نهر النيل الذي بني على ضفتيه درة ما تملكه المدينة من منشآت معمارية حديثة.

    السياحة الترفيهية

    القاهرة موقع لعدة مزارات سياحية ترفيهية هامة تضم حدائق ترفيهية على مساحات شاسعة يقبل عليها الكبار والصغار على حد سواء ومنها حديقة الأزبكية، الحديقة الدولية، حديقة الفسطاط، والحديقة اليابانية بحلوان والتي تحتوي على بعض التماثيل التي ترمز لحقب تاريخية مختلفة، مثل تمثال زهرة اللوتس، تماثيل أفيال الشرق التي تحرس المكان، تمثال وجه الحياة وهو لامرأة تغمض عينيها مع ابتسامة خجل تعكس فكرة تقديس الشرق للمرأة، و48 تمثالاً لتلاميذ «شيبة» يجلس ليعلمهم الديانة البوذية أمام البحيرة الكبيرة، تمثال الحكمة الثلاثية وهو لثلاثة قرود تحث الإنسان على عدم التدخل في شؤون الغير «لا أسمع لا أرى لا أتكلم»، بالإضافة إلى بحيرة اللوتس وكشك الموسيقى والأشجار. ويأتي على رأس متنزهات القاهرة حديقة الأزهر التي تعد أحد أضخم حدائق القاهرة وواحدة من أكبر وأجمل حدائق العالم. تقع على مساحة 80 فدان كانت تستغل في الماضي كمقلب للقمامة والمخلفات لمدة تزيد على ألف عام. تم الإعلان عن المشروع في عام 1984 وافتتحت للزائرين في عام 2005 حيث استغرق إنشاؤها أكثر من 7 أعوام بتكلفة إجمالية تزيد على 100 مليون جنيه تحملتها مؤسسة أغاخان للعمارة الإسلامية.

    كما يبرز برج القاهرة كأحد معالم المدينة الحديثة والذي صممه المهندس نعوم شبيب، وتم بناؤه على شكل زهرة اللوتس المصرية من الخرسانة المسلحة خلال الفترة من 1956 وحتى 1961. يقف البرج على قاعدة من أحجار الجرانيت الأسواني التي سبق أن استخدمها المصريون القدماء في بناء معابدهم ومقابرهم، ويصل ارتفاعه إلى 187 متر وهو أعلى من الهرم الأكبر بالجيزة بحوالي 43 متر، ويتكون من 16 طابقاً، وتستغرق رحلة الوصول إلى قمة البرج 45 ثانية داخل المصعد للوصول إلى نهايته. يقع البرج في قلب القاهرة على جزيرة الزمالك بنهر النيل. ويوجد بقمته مطعم سياحي على منصة دوارة تسمح لرواد المطعم بمشاهدة معالم القاهرة من كل الجوانب. وتكتسب الرحلات النيلية شعبية متزايدة لدى السائحين بنوعيها ما بين رحلات بسيطة على ظهر مراكب خشبية عتيقة أو رحلات تتسم بالرفاهية على متن سفن عصرية.

    السياحة البيئية

    بعيداً عن صخب وزحام القاهرة تظهر المحميات الطبيعية بالمدينة كأحد المزارات البارزة التي تبعث على الراحة والهدوء، وتتمثل في محمية وادي دجلة التي تقع شرق ضاحية المعادي بالصحراء الشرقية، والتي تبلغ مساحتها حوالي 60 كم مربع، وهي محمية غنية بالحفريات، وتتميز باحتوائها على العديد من الكائنات الحية الحيوانية مثل الغزلان، الأرانب الجبلية، الثعلب الأحمر، الفأر ريشي الذيل، إضافة إلى أنواع عديدة من الحشرات، فضلاً عن تسجيل ما يقارب الـ 18 نوع من الزواحف، و12 نوع من الطيور الممثلة لبيئة الصحراء الشرقية المقيمة والمهاجرة. وعلى بعد 18 كم من شرق ضاحية المعادي تقع محمية الغابة المتحجرة والتي تمثل كنزاً جيولوجياً وتراثاً إنسانياً، حيث تضم الغابة أشجاراً تحتفظ بسيقانها وفروعها بكامل التفاصيل متناثرة على مساحة 7 كم مربع تحولت إلى أشجار من حجارة. ووقع هذا التحول الطبيعي منذ العصر الاليجوسين أي منذ نحو 35 مليون سنة وتعد هذه الغابة الكثيفة من الأشجار المتحجرة نتاجاً طبيعياً للعصر الذي بدأت الأنهار تدخل فيه إلى مصر من الجنوب. كما توجد بالمحمية بعض تكوينات الأيوسين الأعلى وتحتوي على بعض الحفريات اللافقارية وعمرها يرجع إلى 60 مليون سنة. وفي حلوان ينبع أحد أشهر العيون المائية في مصر وهي «عين حلوان»، والتي كانت مقصداً لأهالي وسكان القاهرة بسبب كمية مائها المعدني الكبريتي المعالج للكثير من الأمراض الجلدية والذي يعد من أغنى العناصر الشفائية الطبية، بالإضافة إلى مناخ حلوان الجاف الذي يهيئ جواً مناسباً للاستشفاء من أمراض عديدة أهمها الأمراض الجلدية والروماتيزمية والمفصلية.

    السياحة الثقافية

    تعد السياحة الثقافية في القاهرة أحد أهم عوامل الجذب السياحي إذ تمتلك المدينة مجموعة من الآثار المتنوعة صنعت من مناطق كاملة متاحف مفتوحة وساهمت في نشأة متاحف مصرية ذات مكانة عالمية، وكانت مصدر إلهام عشرات الكتب والروايات مثل ثلاثية نجيب محفوظ التي تعد أفضل رواية عربية، كما تبرز مدينة أون الفرعونية بمنطقة عين شمس بمعالمها الأثرية التي من أهمها مسلة الملك سنوسرت الأول «مسلة المطرية». كما تنتشر المتاحف بأرجاء المدينة وعلى رأسها المتحف المصري بالتحرير، متحف الفن الإسلامي، المتحف القبطي، متحف الفن المصري الحديث، قصر المنيل، متحف الحضارة بالفسطاط، متحف الشمع بحلوان، متحف سكك حديد مصر، متحف القصر العيني، متحف بيت الأمة، متحف جاير أندرسون، متحف المركبات الملكية ببولاق، متاحف قلعة صلاح الدين (قصر الجوهرة، المتحف الحربي، متحف الشرطة)، متاحف قصر عابدين (متحف الأسلحة، متحف الأوسمة والنياشين، متحف الفضيات، متحف هدايا رئاسة الجمهورية، متحف الوثائق التاريخية).

    السياحة الدينية

    تزخر القاهرة بعدد ضخم من الأماكن الدينية المقدسة سواء اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية والتي يفد إليها مئات الزائرين فيما يعرف بالسياحة الدينية، وتنتشر بربوعها آثار ومقدسات الديانات السماوية الثلاث، فمنها المعالم الإسلامية التاريخية مثل الجامع الأزهر، مسجد ابن طولون، مسجد الظاهر بيبرس، جامع الأقمر، مسجد السلطان حسن، جامع سنان باشا، مسجد عمرو بن العاص وضريحه، مسجد محمد بك أبو الذهب، مسجد الحاكم بأمر الله، مسجد المؤيد شيخ، مسجد السلطان برقوق، مسجد قايتباي، مسجد قلاوون، مسجد الغوري، مسجد صرغتمش، مسجد محمد علي، مسجد الرفاعي، مسجد الحسين، مسجد السيدة زينب، مسجد السيدة رقية، مسجد السيدة عائشة، مسجد السيدة فاطمة، مسجد السيدة سكينة، مسجد السيدة نفيسة، مسجد الإمام الشافعي.

    والعديد من البيوت والقلاع التي تسجل تاريخ مصر الإسلامي ومنها بيت السحيمي، بيت الهراوي، بيت السناري، بيت زينب خاتون، بيت الست وسيلة، بيت الكريتلية، بيت جمال الدين الذهبي، بيت محمود محرم، قلعة صلاح الدين، أبواب أسوار القاهرة القديمة، ولعل أشهرها باب الفتوح الذي كانت تخرج منه الجيوش في طريقها للفتوحات، ثم تعود وتدخل القاهرة وهي منتصرة من باب النصر، وباب زويلة الذي سمي نسبة إلى قبيلة زويلة، واشتهر بتعليق رؤوس أعداء البلاد عليه سواء المهددين لها من الخارج أو المتآمرين عليها من الداخل.

    وكذلك المواقع المسيحية القديمة التي تسجل مسار العائلة المقدسة مثل كنيسة القديس سيرجيوس التي لجأت إليها العائلة المقدسة أثناء لجوئها إلى مصر، الكنيسة المعلقة، كنيسة بربارة، كنيسة البازيليك، الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، والعديد من الأديرة والكنائس الأثرية الأخرى. كما يقع على أرضها عدة مواقع ذات دلالة دينية يهودية مثل كنيس بن عزرا، كنيس موسى بن ميمون، كنيس حاييم كابوسي، كنيس شعاري شمايم، كنيس بار يوحاي.

    > CairoAbbasiyaMarkEntrance.jpg|الكاتدرائية المرقسية Flickr - archer10 (Dennis) - Egypt-13A-050.jpg|مسجد محمد علي مسجد السلطان حسن بالقاهره.jpg|مسجد السلطان حسن مسـجد الحاكم بأمر الله 06.jpg|مسجد الحاكم بأمر الله St Mark Coptic Orthodox Church.jpg|كنيسة البازيليك

    سياحة المهرجانات والمؤتمرات

    تمثل سياحة المهرجانات والمؤتمرات والمعارض نمطاً سياحياً هاماً لمدينة القاهرة، وتحظى فعاليتها بإقبال جماهيري من الداخل والخارج، وذلك بقصد تحقيق عدة أهداف منها الترويج السياحي وتنويع مفردات الجذب السياحي، وتشجيع أنشطة التسوق، ورعاية الأحداث الفنية.

    وتأتي القاهرة على رأس المدن المصرية التي تستضيف المؤتمرات والمعارض الدولية لما يتوافر بها من مراكز دولية للمؤتمرات تتمتع بإمكانيات فنية وتكنولوجية وتجهيزات حديثة، وإمكانية فندقية عالية المستوى تعمل على راحة ضيوف المدينة، ومن أهم تلك التجمعات معرض القاهرة الدولي للكتاب، مهرجان القاهرة الدولي للأغنية الشعبية، مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، مهرجان القاهرة للإعلام العربي، مهرجان عيد وفاء النيل.

    سياحة زيارة المقابر

    تقع في مصر 16 مقبرة لمقابر الكومنولث منتشرة بمحافظات القاهرة، الإسكندرية، مطروح، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، أسوان. وتشرف عليها هيئة الكومنولث وهي منظمة تشرف على 23 ألف موقع منتشرة في 154 دولة لرفات ضحايا الحروب العالمية.

    تحظى المقابر باهتمام الآلاف من أحفاد ضحايا الحربين العالمية الأولى والثانية بالعالم ممن يهتمون بزيارتها تخليداً لذكرى أجدادهم. يأتي نصيب القاهرة في مقبرتين تقع الأولى بالقرب من شارع صلاح سالم وصممها السير روبرت لوريمر، والثانية في هليوبوليس وصممها هربرت ورثينجتون.

    مواقع التراث العالمي

    تعد القاهرة القديمة إحدى أقدم مدن العالم الإسلاميّة بما تضمه من جوامع ومدارس وحمامات وينابيع. تأسست المدينة في القرن العاشر وأصبحت مركزاً للعالم الإسلامي ووصلت لعصرها الذهبي في القرن الرابع عشر. وقررت لجنة اليونسكو إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي في عام 1979. تضم القاهرة التاريخية أنواعاً من العمائر رفيعة الطراز مثل المدارس والوكالات والخنقاوات والأسبلة والحمامات والبيوت والقصور الأثرية مثل بيت السحيمي وقصر الأمير بشتاك، والأسواق مثل خان الخليلي والصاغة والنحاسين، والأحياء العتيقة مثل التربيعة والخيامية وتحت الربع، ويحيط بها أسوار وبوابات مثل باب النصر وباب الفتوح والتي كانت تغلق قديماً في المساء لحفظ الأمن والنظام.

    كما تحتضن المدينة عدداً ضخماً من المساجد القديمة منها جامع عمرو بن العاص الذي يعد أول بناء أقيم في الفسطاط، وجامع ابن طولون الذي يعتبر ثالث مسجد أنشئ في مصر بعد جامع عمرو بن العاص وجامع العسكر وبدأ بناءه عام 876 وأتم تشييده في عام 879، فيما يعد الجامع الأزهر أول عمل معماري فاطمي عاصر تأسيس القاهرة وظل باقياً حتى اليوم وأنشأه جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله فبدأ العمل في بنائه عام 970 وانتهى من تأسيسه عام 972، وفي عهد الخليفة الظافر بأمر الله شيد مسجد الحسين عام 1154.

    البنية التحتية

    التعليم

    كانت القاهرة منذ فترة طويلة محور التعليم والخدمات التعليمية ليس فقط لمصر ولكن أيضاً للعالم الإسلامي قاطباً. وبالقاهرة العدد الأكبر من المدارس والجامعات والمعاهد بين مدن مصر، ومرجع ذلك هو عدد سكانها الضخم. ولا يختلف التعليم في القاهرة عن التعليم في باقي أنحاء مصر، فهو تقريباً بنفس الجودة. يوجد بجانب المدارس الحكومية العديد من المدارس الخاصة التي تدرس مناهج مشابهة للمناهج في المدارس الحكومية ولكنها أقل في أعداد الطلاب وأكثر كفاءة من المدارس الحكومية الرسمية نظراً للدعم المالي المتوفر، وهناك مدارس اللغات التي تدرس نفس المناهج باللغات الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية وهي تسير على النظام التعليمي المتبع في هذه الدول، وهناك المدارس الدينية وعلى رأسها المدارس الأزهرية التي تتميز بذاتيتها في المناهج والزيادة في بعض المواد الدينية. وتعتبر القاهرة هي مهد تأسيس جامعة القاهرة كأول جامعة على النظم الحديثة، حيث تم إنشاؤها تحت اسم (الجامعة المصرية) في قصر جناكليس (بشارع القصر العيني) عام 1907 قبل أن يتم نقل الجامعة إلى مقرها الحالي بالجيزة، وتضم المدينة حالياً عدة جامعات متنوعة ما بين عريقة وحديثة النشأة منها جامعة حلوان، جامعة عين شمس، جامعة الأزهر، الجامعة الأمريكية، الجامعة الألمانية، الجامعة الفرنسية، الجامعة البريطانية، الجامعة الروسية، أكاديمية الشرطة، فرع الأكاديمية العربية للعلوم.

    الصحة

    القاهرة موقع لمئات المستشفيات العامة والخاصة، ومن أشهر مستشفياتها الحديثة: عين شمس التخصصي، السلام الدولي، النزهة الدولي، دار الشفاء، دار الحكمة، كليوباترا، مستشفى العباسية للصحة النفسية، مستشفى الأمراض الصدرية بالعباسية، مستشفى 57357 لعلاج سرطان الأطفال بالمجان، المعهد القومي للكلى والمسالك البولية، ويضم شارع القصر العيني التاريخي عدة صروح صحية هي المعهد القومي للأورام، المعهد القومي لأبحاث الأمراض المتوطنة والكبد، المعهد القومي للتغذية، مستشفى قصر العيني. واختيرت المدينة أيضاً مقرًّا لأكبر مستشفيات إدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة المصرية ومنها المجمع الطبي للقوات المسلحة بكوبري القبة، المجمع الطبي للقوات المسلحة بالمعادي، مستشفى غمرة العسكري، مستشفى ألماظة العسكري، مستشفى الحلمية العسكري للعظام والتكميل، مستشفى العاملين المدنيين بالقوات المسلحة، مستشفى الجلاء لعائلات ضباط القوات المسلحة.

    الرياضة

    يوجد بالقاهرة العدد الأكبر من الأندية الرياضية الموجودة في مصر وأكثرها شعبية، بالإضافة لأكبر عدد من الملاعب والصالات الرياضية لمختلف الألعاب. وقامت القاهرة بتنظيم العديد من البطولات والدورات الرياضية الأفريقية والشرق أوسطية والإسلامية والبحر متوسطية والعالمية ومن أبرزها كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم 1986، دورة الألعاب الأفريقية 1991، بطولة العالم لكرة اليد للرجال 1999، بطولة العالم للأسكواش للرجال 2006، كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم 2006، بطولة العالم لكرة اليد للرجال للأندية 2007، كأس العالم تحت 20 سنة لكرة القدم 2009، بطولة أفريقيا لكرة اليد للرجال 2010، بطولة أفريقيا لكرة اليد للسيدات 2010، بطولة أفريقيا لكرة اليد للرجال 2016، بطولة العالم لكرة السلة للشباب تحت 19 سنة 2017، كما ستستضيف كأس العالم لكرة اليد في عام 2021. من أشهر أندية القاهرة النادي الأهلي، نادي الزمالك، نادي الجزيرة، نادي الزهور، نادي هليوبوليس، نادي الشمس، نادي السكة الحديد، نادي المقاولون العرب، نادي النصر، وادي دجلة. ومن أهم الصروح الرياضية في القاهرة ستاد القاهرة الدولي الذي تأسس في عام 1955 واكتمل بناؤه عام 1960 وافتتحه الرئيس جمال عبد الناصر في احتفالات ثورة يوليو في نفس العام، وسمي باستاد ناصر، إلى أن غير الاسم الرئيس محمد حسني مبارك ويعد من أكبر الصروح الرياضية في الشرق الأوسط وأفريقيا وبه مجمع لألعاب الصالات الصالات، وفي عام 2015 احتل المركز الـ 26 في قائمة أفضل ملاعب العالم بناءً على عدة معايير أبرزها السعة الجماهيرية وتاريخ الإنشاء والهندسة المعمارية، وذلك بجانب ملاعب كرة القدم الشهيرة مثل ملعب الكلية الحربية، ملعب 30 يونيو «ستاد الدفاع الجوي».

    النقل والمواصلات

    يصل محاور وأحياء ومناطق القاهرة ويربطها بباقي مدن ومحافظات مصر شبكة طرق ومواصلات ضخمة، يدار أغلبها باستخدام إشارات المرور الإلكترونية وتراقب بكاميرات المراقبة، وتخدم يومياً ملايين المواطنين. تضم تلك الشبكة عدة كباري وجسور بالإضافة إلى خطوط السكك الحديدية وقطارات الأنفاق جنباً إلى جنب الحافلات العامة وسيارات الأجرة. ويربط المدينة بباقي مدن العالم ميناء القاهرة الجوي الذي يعد المطار الأهم والأكبر في مصر.

    ميناء القاهرة الجوي

    ميناء القاهرة الجوي أو مطار القاهرة الدولي هو مطار دولي يقع على مسافة 22 كم شمال شرق مدينة القاهرة، وتبلغ مساحته حوالي 40 مليون متر مربع. يعود تاريخ إنشاء المطار إلى عام 1942 وافتتح بشكله الحديث في عام 1963، ويعتبر البوابة الجوية الرئيسية لمصر، فيما يعد ثاني أكبر مطار في قارة أفريقيا من حيث الحركة الجوية بعد مطار كيب تاون بجنوب أفريقيا. يمثل المطار حوالي 40% من الحركة الجوية بمصر ويرتبط بـ 91 مطار في مختلف أنحاء العالم من خلال خطوط الطيران المختلفة. تبلغ الطاقة الاستيعابية للمطار حالياً 22 مليون راكب سنوياً، ويستخدمه أكثر من 60 شركة طيران من مختلف دول العالم، وعشرة شركات للشحن الجوي، بالإضافة لرحلات الطيران العارض ويقوم على إدارته وتشغيله شركة ميناء القاهرة الجوي. اختير المطار كأفضل مطارات أفريقيا لعام 2006 من قبل اتحاد شركات الطيران الأفريقية وذلك من خلال استقصاء أجراه الاتحاد عن تطوير المطارات الأفريقية من حيث الأداء والبنية التحتية والتحديث المستمر. ازدادت أهمية المطار خاصة بعد انضمام شركة مصر للطيران إلى تحالف ستار وتحول مطار القاهرة إلى مطار محوري يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وذلك لتجميع ركاب الترانزيت والانطلاق بهم إلى جميع مطارات العالم. يضم المطار ثلاثة مباني للركاب مبنى رقم (1) سعته 6 ملايين راكب/سنوياً، ومبنى رقم (2) سعته 3.5 مليون راكب/سنوياً، ومبنى رقم (3) سعته 11 مليون راكب/سنوياً، بالإضافة إلى مبنى الرحلات الموسمية وسعته مليوني راكب/سنوياً، كما يضم أربعة مدارج لإقلاع وهبوط الطائرات.

    النقل النهري

    بدأ استخدام الأوتوبيس النهري عام 1961 كوسيلة مواصلات ولأغراض الرحلات النيلية القصيرة، وفي 1 مارس 2016 تم افتتاح مشروع التاكسي النهري من القاهرة إلى المعادي، على أن يبدأ خط سير التاكسي النهري من مرسى نادي اليخت بكورنيش المعادي مروراً بثلاث محطات هي منيل الروضة، جاردن سيتي، وصولاً إلى التحرير كمرحلة أولى، بحيث يتم مد المشروع ليغطي باقي مناطق القاهرة الكبرى. يعمل التاكسي النهري حالياً بشكل تجريبي لأغراض نقل الركاب والسياحة والرحلات وذلك للحين الانتهاء من إجراءات ترخيص المراسي من محافظتي القاهرة والجيزة. وترتبط القاهرة بباقي محافظات مصر بعدة خطوط ملاحية نهرية تتمثل في خط القاهرة/أسوان، خط القاهرة/الإسكندرية، خط القاهرة/دمياط. تتمثل أهمية النقل النهري من منطلق أنه أكثر وسائل الانتقال أماناً لقلة الحوادث مقارنة بوسائل النقل الأخرى نظراً لانسيابية الحركة، ولعدم وجود تقاطعات مرورية كما أنه صديق للبيئة وكذلك يتمتع بمعدل استهلاك وقود منخفض والقدرة على نقل الشحنات ذات الأحجام الكبيرة والتي لا يمثل عنصر الوقت والسرعة أهمية كبيرة في نقلها.

    السكك الحديدية

    تعتبر محطة سكك حديد القاهرة «محطة مصر أو محطة رمسيس أو محطة باب الحديد» من أقدم محطات السكك الحديدية الموجودة في العالم حيث تعد سكك حديد مصر هي أول خطوط سكك حديد يتم إنشاؤها في أفريقيا والشرق الأوسط والثانية على مستوى العالم بعد المملكة المتحدة حيث بدأ إنشاؤها في خمسينيات القرن التاسع عشر، وبدأ تشغيلها في عهد الخديوي إسماعيل، ويقوم على تشغيل المحطة الهيئة القومية لسكك حديد مصر التي تعرف اختصاراً باسم (س.ح.م) وهي شركة تمتلكها الحكومة المصرية بالكامل. خضعت المحطة إلى عملية تطوير شاملة على مرحلتين تضمنت ترميم واجهة المحطة الرئيسية التاريخية، وتجديد صالة كبار الزوار ومكتب شرطة السياحة ومكتب ناظر المحطة، بالإضافة للأرصفة الرئيسية الأربعة والساحة الخارجية للمحطة، وتم فتح عدد من المحلات التجارية ومكاتب لبعض البنوك ومول تجاري يضم أنشطة تجارية وخدمية وترفيهية ومقاهي بهدف زيادة عائدات المحطة السنوية، بالإضافة إلى إعادة تصميم البهو الرئيسي وتطوير صالة التذاكر لتصبح صالة إلكترونية، وزيادة القدرة الكهربائية للمحطة، وتم تزويد المحطة بماكينات لصرف تذاكر القطارات من خلال بطاقات الدفع مقدماً، مع إمكانية الحجز عن طريق الكمبيوتر وبطاقات الصرف الآلي، مما أدي إلى تقليل الزحام على شباك التذاكر. وتم إضافة نصب تذكاري في البهو الرئيسي للمحطة على هيئة هرم نصفه الأعلى مفرغ لرؤية هرم داخلي وآخر بلوري يضم قائمة بأسماء شهداء ثورة 25 يناير، وزودت المحطة ببوابات أمنية إلكترونية وشبكة مراقبة بالكاميرات. وصلت تكلفة تطوير المحطة إلى 160 مليون جنيه، وقام بإعداد المخطط العام والتصميمات والرسومات الهندسية للمشروع المركز الهندسي للخدمة العامة بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية.

    الترام

    يعود تاريخ ترام القاهرة أو ترام مصر الجديدة إلى ثمانينات القرن الماضي، حينما قرر البارون إمبان المهندس البلجيكي إنشاء مصر الجديدة، وكانت فكرته حينها بتدشين ترام يجوب الشوارع الفارغة ليجذب إليها المواطنين، وتولت شركة مصر الجديدة للإنشاء والتعمير مسئولية تعمير المدينة الجديدة وتوفير البنية التحتية من كهرباء ومياه وكذلك إدارة الترام. كان الترام يمر بـ 16 محطة وشهد انكماشاً في عدد المحطات حتى وصلت حالياً إلى 8 محطات فقط متمثلة في 3 خطوط. يعد الترام وسيلة مواصلات سهلة واقتصادية، ما يجعله الخيار الأنسب لمحدودي الدخل. وبين الحين والآخر تنتشر أخبار عن إلغاؤه بهدف توسيع الطرق التي يمر بها لتقليل معدل التكدسات المرورية، فيما تنفي المصادر الحكومية تلك الأخبار وتصرح بنيتها لتطويره وتحديث العربات لتقديم خدمة أفضل للمواطنين.

    قطارات الأنفاق

    تحتل القاهرة المركز السابع عالمياً بين أكثر مدن العالم ازدحاماً مما دعا الحكومة المصرية لاتخاذ إجراءات موازية لتحسين شبكة المواصلات لكي تتماشى مع الزيادة السكانية بالمدينة وتستطيع أن تغطي متطلباتها، فبدأ التفكير في مشروع مترو الأنفاق كأحد حلول الأزمة المرورية بالعاصمة المصرية. بدء تنفيذ المرحلة الأولى من الخط الأول عام 1982، وانتهت في 1 أكتوبر 1987 والمرحلة الثانية في 12 أبريل 1989 ليربط المنطقة الصناعية وجامعة حلوان بالمنطقة التجارية بوسط القاهرة ومنطقة شمال شرق القاهرة، حيث وصل حتى المرج بطول 42.7 كم، ويرتبط الخط تبادلياً بخطوط السكك الحديدية الرئيسية للوجه القبلي والبحري عند محطة الشهداء (مبارك سابقاً) وبخط السويس / إسماعيلية عند محطة عين شمس وبخط المرج / شبين القناطر / قليوب عند محطة المرج، ويبلغ عدد محطات الخط 34 محطة منهم 5 محطات نفقية، وبقية المحطات سطحية. وبسبب الزيادة للسكانية ومشاكل النقل العام بدأت الحكومة المصرية التفكير في دعم مترو الأنفاق بإنشاء خط ثاني يربط القاهرة بمحافظتي الجيزة والقليوبية ويربط محطة سكك حديد شبرا الخيمة مع محطة سكك حديد الجيزة. فأنشئ الخط الثاني من محطة شبرا الخيمة إلى الجيزة مروراً بمحطة الشهداء «رمسيس» ومحطة السادات «التحرير» التبادلية أيضاً. وتلبية لمطالب النقل الكثيفة تم تنفيذ المرحلة الأولى والثانية والثالثة من الخط الثالث لمترو الأنفاق ليربط شرق القاهرة بغربها، مع تبادل الخدمة مع القطار الكهربائي الخفيف LRT في محطة عدلي منصور المركزية، ومع الخط الأول في محطة جمال عبد الناصر ومع الخط الثاني في محطة العتبة، وذلك بهدف خفض المرور السطحي لوسائل النقل الأخرى بما يعادل مليوني رحلة/يومياً، ووفر زمن الرحلات خلال العام بقدر 564 مليون ساعة لجميع وسائل النقل.

    سيارات الأجرة

    اشتهرت سيارات الأجرة بالقاهرة باللونين الأبيض والأسود. ثم أنشئ جهاز تاكسي العاصمة لإدخال سيارات حديثة إلى شوارع القاهرة تعمل إلى جانب التاكسي القديم وتستخدم تعريفة ركوب محددة، وتميزت تلك السيارات باللون الأصفر. وذلك حتى بدأت محافظة القاهرة مشروع إحلال وتبديل سيارات التاكسي القديم بأخري حديثة تتميز باللون «الأبيض» عن طريق جهاز تاكسي العاصمة، وبالتعاون بين محافظة القاهرة ووزارتي البيئة والمالية وعدد من الجهات التنفيذية. ويعتبر تاكسي لندن «الأسود» الذي ظهر في القاهرة عام 2010 من أفضل سيارات الأجرة بالمدينة، رغم ارتفاع أسعاره نسبياً، إلا أنه موجه في الأساس لخدمة السائحين ورجال الأعمال. وبسبب تطور الخدمات التقنية وانحدار خدمة التاكسي «الأبيض»، ظهرت في أواخر عام 2015 شركات تستخدم السيارات الخاصة في الأغراض التجارية لنقل الأفراد بأجر، وذلك باستخدام تطبيقات الأجهزة الذكية.

    حافلات النقل العام

    يقوم على تشغيل حافلات نقل الأفراد بالقاهرة هيئة النقل العام التابعة لمحافظة القاهرة والتي قامت منذ عام 2010 بالبدء في تحديث أسطولها من الحافلات وقامت بطرح أوتوبيسات جديدة اختير لها اللون الأحمر، وسحب الأوتوبيسات القديمة ذات اللون الأخضر والأخرى ذات اللون الأبيض. كما قامت بإدخال أوتوبيسات أخرى جديدة للخدمة في عام 2016، اختير لها اللون الأزرق. وفي عام 2015 تسلمت القاهرة 600 حافلة نقل عام مقدمة كمنحة من دولة الإمارات لتطوير أسطول هيئة النقل العام بالقاهرة بقيمة إجمالية 550 مليون جنيه، والتي روعي في تصنيعها التمتع بمواصفات الخدمة الشاقة وأن يتم تصنيعها بنسبة 50% في مصر والنصف الآخر في مصنع للحافلات بأبوظبي بالإمارات.

    الطرق البرية

    يربط مناطق القاهرة عدة محاور مرورية أشهرها الطريق الدائري وهو طريق محيطي أنشئ بهدف ربط محافظات القاهرة الكبرى، وتخفيف زحام السيارات داخل القاهرة وضواحيها حيث تصل الحركة المرورية عليه إلى أكثر من 100 ألف سيارة/يوم. بدأت وزارة الإسكان في إنشاء الطريق عام 1986 وتم الانتهاء منه بالكامل عام 2005 بطول إجمالي 100 كم. وكوبري أكتوبر الذي يتراوح عرضه بين 14 إلى 34 متر ويشمل 23 مطلع ومنزل بعرض 7 إلى 8 متر، يبدأ الكوبري من الدقي ويعبر نهر النيل ويمر بمنطقة غمرة حتى يصل إلى طريق النصر. وشارع صلاح سالم الذي يعد من أكبر وأطول شوارع القاهرة، حيث تصب فيه روافد من جميع أنحاء المدينة مما يجعله محوراً رئيسياً. وطريق النصر وشارع جسر السويس. ومن أشهر ميادين القاهرة الخديوية ميدان التحرير، ميدان رمسيس، ميدان العتبة، ميدان التوفيقية، ميدان طلعت حرب، ميدان عابدين، ميدان الفلكي، ميدان لاظوغلي، ميدان باب اللوق، ميدان مصطفي كامل، ميدان محمد فريد، ميدان الأوبرا. ومن ميادين القاهرة القديمة ميدان السيدة زينب، ميدان السيدة عائشة، ميدان السيدة نفيسة. ومن ميادين منطقة مصر الجديدة والقبة ميدان العباسية، ميدان حدائق القبة، ميدان روكسي، ميدان تريومف، ميدان المحكمة، ميدان الجامع، ميدان الكوربة، ميدان هليوبوليس. ومن ميادين مدينة نصر ميدان الساعة، ميدان رابعة العدوية.

    المسافة بين القاهرة والمدن المصرية

    فيما يلي جدول المسافة بالكيلومتر بين مدينة القاهرة وبعض المدن المصرية:

    مشاكل المدينة

    العشوائيات

    تعد مشكلة العشوائيات من مشكلات المدينة المعاصرة التي نمت أوضاعها مع الزيادة السكانية التي شهدتها المدينة منذ الستينات، وما صاحب ذلك من تغيرات اجتماعية واقتصادية أدت إلى استمرار تزايد معدلات الهجرة من الريف إلى القاهرة مما أسفر عن معدلات طلب متزايدة بسوق العقارات يقابلها نقص في عدد الوحدات السكنية المطروحة، فظهرت على السطح مشكلة المناطق العشوائية التي تنوعت ما بين مساكن الإيواء المؤقت، ومساكن وضع اليد المشيدة على أراضي مغتصبة، والمساكن المشيدة بتقاسيم غير معتمدة أو بدون تراخيص قانونية. ونتيجة لتفشي تلك الظاهرة بالقاهرة وعدة مدن مصرية أخرى، بدأت الحكومة المصرية في التعامل معها عن طريق عدة محاور منها التطوير من خلال موازنة الدولة، التطوير من خلال التعاون مع جهات دولية، التطوير من خلال التعاون مع الجمعيات الأهلية ورجال الأعمال والمجتمع المدني، التطوير من خلال التعاون مع الوزارات ذات الصلة بأماكن التطوير.

    التلوث

    تتعدى نسبة تلوث هواء القاهرة بالأتربة المؤشرات الدولية بـ 7 مرات، وصنفها المؤتمر السنوي الـ 11 للجمعية المصرية للشعب الهوائية والصدر والحساسية القاهرة كثالث أكثر مدن العالم في معدل تلوث الهواء بعد مدينتي «نيومكسيكو» المكسيكية، والعاصمة الصينية «بكين». ويعود ارتفاع نسبة التلوث بالقاهرة إلى عدة أسباب منها الدخان الناتج عن حرق قش الأرز في بعض محافظات الدلتا وشمال الصعيد القريبة من القاهرة، مما يشكل ما يعرف منذ سنوات بظاهرة «السحابة السوداء»، كما تضخ المصانع بالقاهرة والمحافظات القريبة منها (الجيزة والقليوبية) والتي تصل إلى حوالي 12600 منشأة صناعية كميات كبيرة من الملوثات والأدخنة، فيما تضخ حرائق القمامة في الأماكن المكشوفة داخل القاهرة وفي المحافظات القريبة منها بالإضافة إلى عوادم وسائل النقل والمواصلات أطنان من الأدخنة الملوثة. وتقدر الخسائر المادية المترتبة على تلوث الهواء والجو في القاهرة بحوالي 10 مليارات جنيه سنوياً.

    الزحام

    أصبحت مشكلة التكدس المروري والزحام بالقاهرة أحد أزمات المدينة اليومية، وخصوصاً خلال ساعات الذروة. وكشفت دراسة حديثة عن أزمة المرور بالقاهرة صادرة عن البنك الدولي بالاشتراك مع المعهد القومي للنقل التابع لوزارة النقل أن الزحام المروري في القاهرة يتسبب في خسائر سنوية للدولة تقدر بحوالي 50 مليار جنيه، بما يعادل %4 من إجمالي الناتج المحلي السنوي للدولة، تشمل تكاليف الوقود والآثار الصحية الناتجة من سوء نوعية الهواء والحوادث، بجانب التأخير في الانتقال والوصول. وأضافت الدراسة أن متوسط السرعة على الطرق الرئيسية في القاهرة تتراوح بين 15 و40 كم في الساعة. وتعود تلك المشكلة إلى عدة عوامل أهمها الزيادة السكانية غير المخطط لها، وبالتالي لم تتمكن الشوارع العامة من استيعاب تلك الأعداد وتحقيق سيولة مرورية مقبولة، إهمال صيانة الطرق الرئيسية وتوسيعها ودعمها بأنظمة مرورية حديثة وتخطيط أماكن للانتظار، عدم وجود حارات خاصة لحافلات النقل العام ومقطورات النقل الثقيل، عدم تطبيق قواعد المرور بحزم، ضعف سلوكيات القيادة، انتشار الباعة الجائلين بالميادين والشوارع، ظاهرة المواقف العشوائية، قلة ساحات انتظار السيارات سواء السطحية أو متعددة الطوابق.

  12. الجامع الأزهر

    31 دقيقة قراءةالجامع الأزهر هو أهم مساجد مصر على الإطلاق، وأحد المعاقل التاريخية لنشر وتعليم الإسلام كذلك هو واحد من أشهر المساجد الأثرية في مصر والعالم الإسلامي، وجزء من مؤسسة الأزهر الشريف يعود تاريخ بنائه إلى بداية عهد الدولة…
    مآذن الجامع الأزهر
    مآذن الجامع الأزهر

    الجامع الأزهر هو أهم مساجد مصر على الإطلاق، وأحد المعاقل التاريخية لنشر وتعليم الإسلام كذلك هو واحد من أشهر المساجد الأثرية في مصر والعالم الإسلامي، وجزء من مؤسسة الأزهر الشريف يعود تاريخ بنائه إلى بداية عهد الدولة الفاطمية في مصر، بعدما أتم جوهر الصقلي فتح مصر سنة 969م، وشرع في تأسيس القاهرة قام بإنشاء القصر الكبير وأعده لنزول الخليفة المعز لدين الله، وفي أثناء ذلك بدأ في إنشاء الجامع الأزهر ليصلي فيه الخليفة، وليكون مسجداً جامعاً للمدينة حديثة النشأة أسوة بجامع عمرو في الفسطاط وجامع ابن طولون في القطائع، كذلك أعد وقتها ليكون معهداً تعليمياً لتعليم المذهب الشيعي ونشره، فبدأ في بناؤه في جمادي الأول 359هـ/970م، وأتم بناءه وأقيمت أول جمعة فيه في رمضان سنة 361هـ /972م، وعرف بجامع القاهرة ورغم أن يد الإصلاح والترميم توالت عليه على مر العصور فغيرت كثيراً من معالمه الفاطمية إلا أنه يعد أقدم أثر فاطمي قائم بمصر. وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع، والراجح أن الفاطميين سموه بالأزهر تيمناً بفاطمة الزهراء ابنة النبي محمد.

    يعتبر المسجد ثاني أقدم جامعة قائمة بشكل مستمر في العالم بعد جامعة القرويين. ورغم أن جامع عمرو بن العاص في الفسطاط سبقه في وظيفة التدريس حيث كانت تعقد فيه حلقات الدرس تطوعاً وتبرعاً، إلا أن الجامع الأزهر يعد الأول في مصر في تأدية دور المدارس والمعاهد النظامية، فكانت دروسه تعطى بتكليف من الدولة ويؤجر عليها العلماء والمدرسين. وألقي أول درس فيه في صفر سنة 365هـ/975م على يد علي بن النعمان القاضي في فقه الشيعة، وفي سنة 378هـ/988م قررت مرتبات لفقهاء الجامع وأعدت داراً لسكناهم بجواره وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلاً.

    بعد سقوط الدولة الفاطمية أفل نجم الأزهر على يد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يهدف من وراء ذلك إلى محاربة المذهب الشيعي ومؤازرة المذهب السني، فأبطلت الخطبة فيه وظلت معطلة مائة عام إلى أن أعيدت في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري. وفي عهد الدولة المملوكية عاد الأزهر ليؤدي رسالته العلمية ودوره الحيوي، فعين به فقهاء لتدريس المذهب السني والأحاديث النبوية وعنى بتجديده وتوسعته وصيانته فعد ذلك العصر الذهبي للأزهر، كما أظهر الحكام والأعيان في العصور التالية اهتماماً ملحوظاً بترميمه وصيانته وأوقفت عليه أوقافاً كثيرة.

    في عهد الملك فؤاد الأول صدر القانون رقم 46 لسنة 1930 للأزهر والذي بموجبه أنشأت كليات أصول الدين والشريعة واللغة والعربية لاحقاً سنة 1933، وأصبح للأزهر رسميًا جامعة مستقلة في عام 1961. وقد اعتبرت جامعة الأزهر الأولى في العالم الإسلامي لدراسة المذهب السني والشريعة الإسلامية. ولا يزال الأزهر حتى اليوم منارة لنشر وسطية الإسلام ومؤسسة لها تأثير عميق في المجتمع المصري ورمزاً من رموز مصر الإسلامية.

    التسمية

    تأسست مدينة القاهرة على يد جوهر الصقلي، وهو قائد فاطمي رومي من أصل يوناني من جزيرة صقلية، وأطلق عليها اسم المنصورية، وأُعِدَّت المنصورية لتكون مقراً للخلافة الفاطمية المتواجدة في تونس، وقد استخدم المسجد لأول مرة في عام 972، وسُمّي في البداية بجامع المنصورية، وقد كانت تسمية المسجد باسم المدينة التي يتواجد بها ممارسة شائعة في ذلك الوقت، ومع دخول الخليفة المعز لدين الله لمصر قام بتسمية المدينة بالقاهرة، وهكذا أصبح اسم المسجد جامع قاهرة، حسب أول نسخة من المصادر العربية التاريخية.

    اكتسب المسجد اسمه الحالي، الأزهر، في وقت ما بين الخليفة المعز، ونهاية عهد الخليفة الفاطمي الثاني في مصر العزيز بالله، والأزهر معناه المشرق وهو صيغة المذكر لكلمة الزهراء، والزَّهْرَاءُ لقبُ السيدة فاطمة بنتِ الرسول محمد، زوجة الخليفة علي بن أبي طالب، وقد ادعى المعز وأئمة الدولة الفاطمية أنهم من سلفهم؛ وهي النظرية الوحيدة المتداولة عن سبب تسمية الأزهر بهذا الاسم، ومع ذلك، لم تُؤَكَّد هذه النظرية في أي مصدر عربي، وقد استُحْسِن دعمها كلياً، وقد نفتها مصادر غربية في وقت لاحق.

    يُقدم آخرون نظرية بديلة تتمثل في أن اسم المسجد اشتق من الأسماء التي قدمها الخلفاء الفاطميين إلى قصورهم القريبة من المسجد، فقد أطلقوا على قصورهم القصور الزاهرة تيمنًا بالحدائق الملكية بها التي اختيرت من قبل العزيز بالله، وبعد أن انتُهِىَ من القصور؛ غُيِّر اسم المسجد من جامع القاهرة إلى الأزهر. أما اشتقاق كلمة جامع من جذر الكلمة العربية الجامعة، وتعني «الجمع»، ويتم استخدام الكلمة للتعبير عن المساجد التي تجمع الكثير من الناس.

    التاريخ

    في عصر الدولة الفاطمية (التأسيس)

    في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الإمام الإسماعيلي الرابع، قامت الجيوش الفاطمية بغزو مصر تحت قيادة جوهر الصقلي، والذي نجح في انتزاعها من سلالة الإخشيديين، وبأمر من الخليفة، أشرف جوهر على بناء المركز الملكي «للخلافة الفاطمية» وجيشها، وقد بنى الأزهر كقاعدة لنشر مذهب الشيعة الإسماعيلية، والذي يقع بالقرب من مدينة الفسطاط السنية، وقد أصبحت القاهرة مركزاً للطائفة الإسماعيلية الشيعية، ومقر حكم الدولة الفاطمية. وعلى ذلك أمر جوهر ببدء بناء مسجد كبير للمدينة الجديدة، وقد بدأ العمل في إنشائه سنة 970، وأتم في سنة 972، فعقدت أول صلاة جمعة فيه في 22 يونيو 972 خلال شهر رمضان.

    سرعان ما أصبح الأزهر مركزًا للتعليم، وتخرج منه التصريحات الرسمية وتُعقد به جلسات المحاكم، وأصبحت التعاليم الباطنية الخاصة بالمذهب الإسماعيلي - والتي كانت تعاليم سرية لفترة طويلة - متاحة لعامة الناس في الأزهر، وقد عين المعز القاضي النعمان بن محمد القاضي، مسؤولاً عن تدريس المذهب الإسماعيلي، وكانت بعض الفصول تُدرَّس في قصر الخليفة، وكذلك في الأزهر، مع دورات منفصلة للنساء، وخلال عيد الفطر عام 973، رُسِّمَ المسجد مسجدًا رسميًّا لصلاة الجماعة في القاهرة بأمر من الخليفة المعز وابنه عندما أصبح بدوره الخليفة، وجعلوا خطبة الجمعة خلال شهر رمضان في الأزهر.

    كما جعل يعقوب بن كلس - الفقيه والوزير الرسمي الأول للفاطميين - من الأزهر مركزًا رئيسيًا لتعليم القانون الإسلامي في عام 988، وفي السنة التالية، وُظِّفَ 45 عالمًا لإعطاء الدروس، ليتحول الأزهر إلى جامعة رائدة في العالم الإسلامي.

    وُسِّع المسجد أثناء حكم الخليفة العزيز (975–996). ووفقا للمفضل فإن العزيز أمر بترميم أجزاء من المسجد كانت قد تصدعت، واستكمل الخليفة الفاطمي التالي الحاكم بأمر الله ترميم المسجد ووفَّر بابًا خشبيًا جديدًا في عام 1010. ومع ذلك، شهد عهد الحاكم تشييد مسجده الذي سمي باسمه تيمنا به، ويعد تشييد مسجد الحاكم فقد الأزهر مركزه كمسجد صلاة الجماعة الأولى في القاهرة. وفي أيار/مايو 1009 أصبح مسجد الحاكم بأمر الله المكان الوحيد لخطب الخليفة وخطبة الجمعة. وبعد عهد الحاكم استعاد الأزهر مكانه في عهد المستنصر، وقد نُفِّذَت إضافات وتجديدات على المسجد، كما أضيفت الكثير من التجديدات في عهد الخلفاء الفاطميين الذين أتوا من بعده.

    أُنشِئت مكتبةٌ ضخمةٌ تابعةٌ للجامع الأزهر وهبها الخليفة الفاطمي في 1005 الآلاف من المخطوطات التي أعطت قيمة بليغة للمكتبة، وكان ذلك ضمن محاولة الفاطميين بشتى الجهود نشر ممارسة المذهب الإسماعيلي بين الناس، ولكن لم تنجح جهودهم، فالكثير من هذه المخطوطات فُرِقَّت في الفوضى التي تلت سقوط «الدولة الفاطمية»، وأصبح الأزهر فيما بعد مؤسسة سنية كبيرة.

    في عصر الدولة الأيوبية

    كان صلاح الدين الأيوبي الذي أطاح بالفاطميين عام 1171 معادياً لمبادئ التعاليم الشيعية التي رُوِّجَت في الأزهر أثناء الخلافة الفاطمية، لذلك أُهِمَل المسجد خلال حكم السلالة الأيوبية لمصر، وحظر صدر الدين بن درباس الصلاة فيه، وهو قاضٍ عين من قبل صلاح الدين الأيوبي، والسبب في هذا المرسوم قد يكون بسبب الفقه الشافعي الذي يرى بعدم جواز خطبتين في بلد واحد، وقد يكون بسبب عدم الثقة في الجامع باعتباره مؤسسة شيعية، وأصبح مسجد الحاكم بأمر الله وهو المسجد الذي تُجرى فيه صلاة الجماعة وخطبة الجمعة في القاهرة.

    بالإضافة إلى تجريد الأزهر من مركزه كمسجد صلاة الجماعة، أمر صلاح الدين الأيوبي أيضاً بإزالة شريط فضة أدرجت فيه أسماء الخلفاء الفاطميين عليه من محراب المسجد. كذلك أمر بإزالة شرائط فضية مماثلة من المساجد الأخرى بلغت قيمتها 5000 درهم. لم يتجاهل صلاح الدين الأيوبي تماماً صيانة المسجد، ووفقا للمفضل فإن إحدى مآذن المسجد رممت خلال حكم صلاح الدين.

    كما أفل نجم الأزهر كمركز للتعليم الديني، فسُحِبَ تمويل الطلاب، ولم تعد دروس الفقه تعقد في المسجد، واضطر الأساتذة الذين ذاع صيتهم في عهد الفاطميين إلى البحث عن وسائل أخرى لكسب عيشهم. كما تعرضت مكتبة المسجد الضخمة للإهمال، ودمرت مخطوطات التعاليم الفاطمية التي كانت تُدرَّس في الأزهر. ومع ذلك ظل الأزهر مكاناً لتعليم بعض العلوم الأخرى طوال تلك الفترة، فبينما تم إيقاف فصول الدراسة الرسمية في الجامع، إلا أنه استمرت الدروس الخاصة لتعليم اللغة العربية، وتذكر بعض المصادر أن البغدادي درَّس عددًَا من المواضيع مثل القانون والطب في الأزهر، وقد أمر صلاح الدين بأن يُدفع له راتبًا قُدر بـ 30 دينار، ثم ارتفع إلى 100 دينار من خلفاء صلاح الدين الأيوبي، على الجانب الآخر شجع الأيوبيون تدريس الفقه السني في المدارس المعانة، التي بنيت في جميع أنحاء القاهرة، وأنشئت المؤسسات التعليمية من قبل الحكام السنيين كوسيلة لمكافحة ما يعتبرونه هرطقة تعاليم «الشيعة»، وقد كانت هذه الكليات تتراوح في حجمها وتركز على تعليم المذهب السني، وكان لها منهجًا ثابتًا وموحدًا شمل دورات خارج مواضيع دينية محضة، مثل البلاغة، والرياضيات، والعلوم، وقد بُنيت 26 مدرسة سنية في مصر فقط خلال عهد صلاح الدين والحكام الأيوبيين الذين أتوا من بعده، منها المدرسة الصالحية.

    اعتمد الأزهر في نهاية المطاف الإصلاحات التعليمية التي فرضها صلاح الدين، وتحسنت حظوظه في عهد المماليك، الذين أعادوا رواتب الطلاب ورواتب الشيوخ.

    في عصر الدولة المملوكية

    أعيد إقامة الصلاة في الأزهر أثناء حكم المماليك بأمر من السلطان بيبرس في 1266، ومع التوسع السريع في القاهرة، والحاجة إلى دور المسجد، قام السلطان بيبرس بتجاهل تاريخ الأزهر كمؤسسة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي، وأمر بعودة رواتب الطلاب والمعلمين، فضلا عن بداية العمل لإصلاح المسجد، الذي أهمل منذ ما يقرب من 100 سنة. ووفقا للمفضل، فإن الأمير عز الدين أيدامور الهيلي بنى منزله بجوار المسجد، لمراقبة أعمال الإصلاح. وقد ذكر تقي الدين المقريزي أن الأمير أصلح الجدران والسقف، ووفَّر الحصير الجديد. وألقيت الخطبة الأولى منذ عهد الخليفة الفاطمي الحاكم في 16 كانون الثاني/يناير 1266، وقد ألقيت الخطبة على منبر جديد انتهى تجهيزه قبل الخطبة بخمسة أيام.

    في عام 1302 تسبب زلزال بأضرار كبيرة للأزهر وعدد من المساجد الأخرى في جميع أنحاء مصر. وتم تقسيم مسؤولية إعادة الإعمار بين أمراء السلطنة وكان المكلف بترميم الأزهر هو الأمير سالار، ليتولى بذلك أول أعمال إصلاح منذ عهد بيبرس، وبعد سبع سنوات تم بناء المدرسة الأقبغاوية على طول الجدار الذي يقع في الشمال الغربي من المسجد، وتمت إزالة أجزاء من جدار المسجد لاستيعاب المبنى الجديد، وبدأت أشغال بناء مدرسة أخرى، سميت بالمدرسة الطيبرسية في 1332-1333. وقد اكتمل هذا المبنى في 1339-1340، وبنى أيضا هيكل للمسجد، ونافورة للوضوء. وبنيت كل المدارس والمباني المكملة للأزهر، بمداخل وقاعات صلاة منفصلة.

    على الرغم من أن المسجد قد استعاد مكانته في عهد المماليك، إلا أن أعمال التصليح والتوسعة، نفذت بأوامر من هم في مواقع أقل من السلطان، وقد تغير هذا في ظل حكم الظاهر برقوق، أول المماليك الشركس، الذي أولى المسجد رعايته المباشرة، وخلال أواخر حكم المماليك أدخلت تحسينات وإضافات من قبل السلطانين قايتباي وقنصوه الغوري، فأشرف كل منهما على العديد من الإصلاحات وبناء المآذن. وقد كانت هناك ممارسة شائعة بين سلاطين المماليك لبناء المآذن، ويُنظر إليها على أنها رمز القوة والطريقة الأكثر فعالية في تدعيم صورة مدينة القاهرة، وتمنى كل سلطان أن تكون له لمسة مرموقة في الأزهر.

    على الرغم من أن مسجد الأزهر كان جامعة رائدة في العالم الإسلامي واستعاد الرعاية الملكية، إلا أنه لم يتفوق على المدارس الأخرى، كمكان مفضل للتعليم بين النخبة في القاهرة. واستمرت سمعة الأزهر بوصفه مكانًا مستقلًا للتعليم، في حين أن المدارس الدينية التي تم بنائها خلال حكم صلاح الدين الأيوبي كانت مندمجة تماما في النظام التعليمي للدولة. واستمر الأزهر في جذب الطلاب من مناطق أخرى في مصر والشرق الأوسط، وتجاوز أعداد الطلاب به أعداد الذين يحضرون المدارس الدينية الأخرى، وجرت دراسة فروع الشريعة الإسلامية بمتوسط مدة دراسة ست سنوات. في القرن الرابع عشر حقق الأزهر مكانة بارزة باعتباره مركز لدراسات الشريعة والفقه واللغة العربية، وأصبح قبلة الأنظار للطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي. حتى بلغ عدد من درسوا به حوالي ثلث علماء المسلمين في مصر.

    في عصر الدولة العثمانية

    خلال بداية عهد الخلافة العثمانية سنة 1517 أظهر الأتراك احتراماً كبيراً للمسجد وكُليته، على الرغم من توقف الرعاية الملكية المباشرة له، فقد حضر السلطان سليم الأول بعد دخوله إلى مصر صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، وذلك خلال الأسبوع الأخير له في مصر، كذلك كان يحضر الأمراء العثمانيين بانتظام لصلاة الجمعة في الأزهر، ولقد وفَّر العثمانيون رواتب للطلاب والمعلمين؛ لكن نادرًا ما يتم القيام بأي تطويرات أو توسيعات بالمسجد خلال العهد العثماني، على عكس عهد المماليك التي أُجريت فيه الكثير من التوسعات والإضافات.

    ظل للمماليك تأثير خاص في المجتمع المصري على الرغم من هزيمتهم على يد سليم الأول والعثمانيين في عام 1517، فأصبحوا بايات وولاة في الدولة العثمانية، بدلا من أمراء وأصحاب دولة وإمبراطورية. ويعتبر خاير بك أول حاكم لمصر في عهد سليم الأول بعد يونس باشا، وهو أمير مملوكي انشق إلى العثمانيين خلال معركة مرج دابق، وعلى الرغم من أن المماليك قاموا بثورات متعددة لإعادة دولة المماليك، بما في ذلك ثورتان في عام 1523، فلم يقم العثمانيون بالإبادة الكاملة للمماليك على في مصر.

    وقد عانى المماليك من خسائر – اقتصادية وعسكرية على حد سواء – في أعقاب انتصار العثمانيين، وهذا ينعكس في عدم وجود المساعدات المالية المقدمة إلى الأزهر في أول مئة عام من الحكم العثماني. وفي القرن الثامن عشر استطاع نخبة من المماليك استعادة الكثير من نفوذهم، وقامو بتجديدات عديدة في جميع أنحاء القاهرة والأزهر.

    وقد قام القازدوغلي بك المملوكي بالعديد من الإضافات والتجديدات في بداية القرن 18. وتحت إدارته أُضِيف رواق للطلاب المكفوفين في سنة 1735. وقام أيضا بإعادة بناء أروقة تركية وسورية، وكلاهما قد بنيت في الأصل في عهد قايتباي.

    ثم أجريت توسعات كبيرة على يد عبد الرحمن كتخدا، وقد عين كتخدا (رئيسا للإنكشارية) في 1749، وشرع في عدة مشاريع في جميع أنحاء القاهرة والأزهر. وتحت إدارته بُنِيَت ثلاث بوابات جديدة للجامع: باب المزينين (بوابة الحلاقين)، وقد سُمِّى بذلك لأنه يخرج منه الطلاب لحلق رؤوسهم، الذي أصبح في نهاية المطاف المدخل الرئيسي للمسجد؛ وباب الصعايدة، ومخصص لدخول أهل صعيد مصر، وفي وقت لاحق أنشئ باب الشربة، والشربة هي حساء الأرز وهي من الأكلات التي غالباً يتم تقديمها إلى الطلاب، وأضيفت قاعة للصلاة في جنوب المُصلى الأصلي، وضوعفت أيضا حجم المساحة المتاحة للصلاة. وقام كتخدا أيضا بتجديد أو إعادة بناء العديد من الأروقة التي تحيط بالمسجد. ودفن كتخدا في الأزهر في عام 1776، وأصبح كتخدا الشخص الأول (والأخير) الذي يدفن داخل المسجد منذ نفيسة البكرية التي توفيت حوالي عام 1588.

    خلال العهد العثماني استعاد الأزهر مركزه كأكبر مؤسسة تعليمية في مصر، متجاوز المدارس الدينية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، وتوسع الأزهر بشكل كبير بجهود المماليك. وبنهاية القرن الثامن عشر، أصبح الأزهر مرتبطًا ارتباطًا وثيقا بعلماء مصر، وقد كان للعلماء القدرة على التأثير على الحكومة بصفة رسمية، وتم تعيين عدة شيوخ في المجالس الاستشارية التي تقدم التقارير إلى الباشا، هذه الفترة شهدت إدراج دورات تعليمية أكثر لتُدرَّس في الأزهر، مع العلم والمنطق ضُمَّت الفلسفة في المناهج الدراسية. وخلال هذه الفترة، شهد الأزهر أول شيخ للأزهر ليس من المذهب المالكي وهو عبد الله الشبراوي الشافعي المذهب، ولم يعد منصب شيخ الأزهر من المالكية حتى عام 1899 عندما أصبح سليم البشري شيخًا للأزهر.

    كان الأزهر أيضا بمثابة نقطة محورية للاحتجاجات ضد الولاة أثناء الحكم العثماني لمصر، سواء كانت الاحتجاجات داخل أوساط العلماء أو داخل أوساط الطلبة أو من عامة الناس. وقد كانت الاحتجاجات الطلابية التي عقدت في الأزهر شائعة بين عامة الناس، وأغلقت المحلات التجارية في محيط المسجد تضامنا مع الطلاب، كما كان أيضا العلماء في بعض الأحيان قادرين على تحدي الحكومة.

    ما بين 1730–1731، قام آغاوات الدولة العثمانية بمضايقة السكان المقيمين بالقرب من الأزهر أثناء ملاحقة بعض الهاربين، وأغلقت البوابات في الأزهر احتجاجا على ذلك، وأمر الحاكم العثماني الآغاوات الامتناع عن الذهاب قرب الأزهر، خوفاً من قيام انتفاضة كبرى، وقد حدث اضطراب آخر في عام 1791 تسبب فيه مضايقات الوالي قرب مسجد الإمام الحسين، ثم ذهب إلى الأزهر لتبرير موقفه. وقد أقيل الوالي بعد ذلك من منصبه.

    الحملة الفرنسية

    غزا نابليون مصر في يوليو 1798، فوصل إلى الإسكندرية يوم 2 يوليو ودخل القاهرة يوم 22 يوليو، وفي محاولة لاسترضاء السكان المصريين والإمبراطورية العثمانية، ألقى نابليون خطابا في الإسكندرية والذي أعلن فيه عن مدى احترامه للإسلام والسلطان:

    وفي 25 يوليو أنشأ نابليون ديوان يتكون من تسعة شيوخ الأزهر، وكلفهم بإدارة القاهرة، وهي أول هيئة رسمية من المصريين منذ بداية الحكم العثماني، وشكل أول مجلس في الإسكندرية، وشمل لاحقا جميع أنحاء مصر الخاضعة للاحتلال الفرنسي، وقد سعى نابليون أيضا لفتوى من أئمة الأزهر، التي من شأنها تنص بجواز الولاء لنابليون بموجب الشريعة الإسلامية، لكن من غير جدوى.

    وباءت جهود نابليون للهيمنة على المصريين والعثمانيين بالفشل؛ فقد أعلنت الإمبراطورية العثمانية الحرب في 9 سبتمبر 1798، وبدأت ثورة ضد القوات الفرنسية من الأزهر في 21 أكتوبر 1798، وقام المصريون المسلحون بالحجارة والرماح فقط بأعمال بطولية ضد جيش نابليون الجرار، وفي صباح اليوم التالي اجتمع الديوان مع نابليون في محاولة للتوصل إلى نهاية سلمية للأعمال العدائية، وقد غضب نابليون في البداية، لكنه وافق لمحاولة التوصل إلى حل سلمي، وطلب من شيوخ الديوان تنظيم محادثات مع الثوار، وقد اعتبر الثوار هذه الخطوة تدل على ضعف الفرنسيين ورفضوها، وعلى إثر هذا أمر نابليون بإطلاق النار على المدينة من قلعة القاهرة، وتصويب النار على الأزهر مباشرة. وخلال التمرد قتل حوالي ثلاثمائة جندي فرنسي، وأُصيب 3,000 مصري، وقتل ستة من علماء الأزهر بعد أن حُكم بالإعدام عليهم، وقد ألقت القوات الفرنسية القبض على كل مصري شارك في المظاهرات ووضع في السجن، وإذا وجدوا عنده سلاح قُطع رأسه، وقد دنست القوات الفرنسية المسجد عمدًا، ومشوا فيه بأحذيتهم والبنادق المعروضة. وقامت القوات بربط خيولها في المحراب ونهب أرباع الطلاب والمكتبات، ورموا نسخًا من القرآن على الأرض. ثم حاول قادة الثورة التفاوض على التسوية مع نابليون، ورُفِضَ طلبهم.

    وفقد نابليون احترام وإعجاب المصريين بعد قيام الثورة، بعد أن كان يحظى باحترام كبير في مصر، وبعد أن لُقِّب بـ السلطان العظيم بين الناس في القاهرة، وفي مارس 1800، اُغتيل الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر على يد سليمان الحلبي، وهو طالب في الأزهر. وبعد عملية الاغتيال، أمر نابليون بإغلاق المسجد، وظلت أبوابه مغلقة حتى وصول المساعدات العثمانية والبريطانية في أغسطس 1801، وقد فقد المسجد الكثير من محتوياته بغزو نابليون.

    استفاد الأزهر كثيرًا من ابتكار آلة الطباعة الحديثة، التي أضافت بدورها بُعْدًا آخر في مجال التعليم، وقد تحولت المناهج الدراسية من محاضرات عن طريق الفم وتحفيظ للدرس بالنص إلى محاضرات مطبوعة، ولقد اكتسب مطبعة خاصة به في عام 1930.

    بعد انسحاب الفرنسيين، شجع محمد على باشا على إدخال التعليم غير الديني في الأزهر مثل دراسة التاريخ والرياضيات والعلوم الحديثة، وقد اعتُمِد على المناهج الدراسية التي كانت تلقى قبل عام 1872، تحت إشراف جمال الدين الأفغاني، كما أضيفت الفلسفة الأوروبية لمناهج الدراسة.

    محمد علي والاحتلال البريطاني

    بعد انسحاب الفرنسيين، قام الوالي محمد علي بتعيين نفسه خديويًّا (أميرًا) على مصر، وسعى لتوطيد سيطرته على مصر الحديثة التي أسسها، ولتحقيق هذه الغاية فقد اتخذ عددا من الخطوات للحد، والقضاء على قدرة علماء الأزهر للتأثير على الحكومة. وفرض ضرائب على أراضي رزقة (وهي أراضٍ تابعة للمساجد) والمدارس الدينية، كما قام أيضا بأخذ جزء كبير من مداخيل الأزهر، وفي يونيو 1809، أمر بمصادرة جميع أراضي رزقة وضمها إلى أملاك الدولة في خطوة أثارت غضبًا واسعًا بين العلماء، ونتيجة لذلك، قام عمر مكرم بثورة في يوليو 1809، وقد فشلت الثورة ونفي مكرم، حليف العلماء، إلى دمياط.

    سعى محمد علي أيضا إلى الحد من نفوذ شيوخ الأزهر بتوزيع المناصب داخل الحكومة لأولئك الذين تلقوا تعليمهم خارج الأزهر. وبعث الطلاب إلى فرنسا تحديدًا، لينشئوا تحت نظام تعليمي غربي، وقام بإنشاء نظام تعليمي يستند إلى هذا النموذج وموازيًا إليه، وهكذا تجاوز نظام الأزهر.

    واستهلت مشاريع الأشغال العامة الرئيسية تحت حكم إسماعيل باشا، حفيد محمد علي، بهدف تحويل مدينة القاهرة إلى الطراز الأوروبي، في البداية كانت هذه المشاريع ممولة من مصنع القطن، لكنه استدان ديون ضخمة من البريطانيين، وأصبحت تلك الديون ذريعة لبريطانيا باحتلال مصر عام 1882، بعد إجبار إسماعيل باشا على دفعها في عام 1879.

    كما شهد عهد إسماعيل باشا أيضا عودة الرعاية الملكية السامية إلى الأزهر، واستعاد إسماعيل باب الصعايدة (بني لأول مرة في عهد كتخدا) والمدرسة الأقبغاوية، كما واصل توفيق باشا بن إسماعيل - الذي أصبح بدوره الخديوي بعد أن أطاح بوالده نتيجة للضغط البريطاني - استعادة المسجد، وقام توفيق بتجديد قاعة الصلاة التي أضيفت في عهد كتخدا، بمحاذاة الواجهة الجنوبية الشرقية من القاعة والشارع الذي يقع وراءها، وإعادة تشكيل عدة مناطق أخرى من المسجد. ونجح ابن توفيق، عباس الثاني خديوي مصر والسودان في عام 1892، بإعادة هيكلة الواجهة الرئيسية للمسجد وبنى الرواق الجديد واستمرت التجديدات التي كتبها جده إسماعيل. وتحت حكمه، واستعيدت لجنة حفظ الآثار الفنية العربية (شكلت في البداية تحت الاحتلال الفرنسي)، وأيضا استعاد الصحن الفاطمي الأصلي.

    كما استمرت مجموعة كبيرة من الإصلاحات التي بدأت في ظل حكم إسماعيل باشا في ظل الاحتلال البريطاني، ومع قدوم شيخ الأزهر محمد المهدي العباسي، وضعت مجموعة من الإصلاحات تهدف إلى تشكيل هئية تدريس هيكل تعليمي لتوحيد امتحانات الطلاب في عام 1872، وقد بذل الجهد لتحديث النظام التعليمي تحت إدارة حلمي خلال الاحتلال البريطاني، وجُمِعَت مخطوطات المسجد في مكتبة مركزية، وحُسِّنَت أيضا المرافق الصحية للطلاب، ووضع نظام للامتحانات. وفي عام 1885، وضعت كليات أخرى في مصر مباشرة تحت إدارة الجامع الأزهر.

    وخلال فترة سعد زغلول كوزير للتعليم، قبل أن ينتقل إلى قيادة الثورة المصرية عام 1919، بُذلت جهود أخرى لتعديل السياسة التعليمية للأزهر، وأيده التيار المحافظ في سياسته، في حين لقي سعد زغلول معارضة تيارات أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمون التي تأسست عام 1928، وقد جذبت المدرسة طلاب من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك طلاب من جنوب شرق آسيا وخاصة إندونيسيا.

    في عهد الملك فؤاد الأول، صدر قانونان من شأنهما تنظيم الهيكل التعليمي للأزهر. وأول هذه القوانين، في عام 1930، وينص على تقسيم المدرسة إلى ثلاثة أقسام: اللغة العربية، الشريعة، وأصول الدين، وأن يقع كل قسم في مبنى خارج المسجد في جميع أنحاء القاهرة، ويُمتحن الطلاب امتحانًا رسميًا لكسب شهادة في واحدة من هذه المجالات الثلاثة من الدراسة، وبعد ست سنوات، صدر القانون الثاني الذي نقل المكتب الرئيسي للمدرسة لمبنى شُيِّد حديثًا موازيًا لشارع المسجد، وأضيفت هياكل إضافية في وقت لاحق لاستكمال إدارات المباني الثلاثة.

    كما بدأت الأفكار التي ينادي بها العديد من الإصلاحيين تزداد في مدخل القرن العشرين، أمثال محمد عبده ومحمد الأحمدي الظواهري وغيرهم من المفكرين، وأخذت هذه الأفكار تترسخ في الأزهر، وفي عام 1928 عُيِّن محمد مصطفى المراغي شيخًا للأزهر وهو من أتباع محمد عبده. وقد عارضت الغالبية العظمى من العلماء تعيينه، وبدأت إدارة المراغي وخلفائه سلسلة من الإصلاحات والتحديثات التي طرأت على المسجد وجامعته، وتوسيع المناهج التعليمية خارج إطار الموضوعات التقليدية. وقد كره الملك فؤاد المراغي، وقام باستبداله بعد سنة واحدة من تعيينه وعين الظواهري مكانه، ولكن المراغي عاد إلى منصب شيخًا للأزهر في عام 1935، وظل بمركزه حتى وفاته في عام 1945. وتحت قيادته وُسِّعَت مناهج الأزهر لتشمل لغات غير العربية والعلوم الحديثة.

    الأزهر وثورة يوليو

    في أعقاب الثورة المصرية عام 1952، التي قامت بها حركة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، والتي أدت إلى سقوط النظام الملكي المصري، خلال هذه الفترة تمت مراحل فصل الجامعة عن المسجد. وقد تم ضم الكثير من الممتلكات التي تحيط بالمسجد وهدمها لتوفير مساحة للحرم الحديث، وفي عام 1955، لم يعد المسجد بمثابة مدرسة، وتم إنشاء كليات رسمية للجامعة في عام 1961، وفي عام 1961 صدر قانون ينص على فصل الأدوار المزدوجة للمؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية التي لقيت آذانا صاغية في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ونص القانون على إنشاء كليات غير دينية داخل الأزهر، مثل كليات الطب والهندسة، والاقتصاد، وتعزيز الجهود في التحديث للمرة الأولى بعد الاحتلال الفرنسي، وقد أدت إصلاحات المناهج إلى نمو هائل في عدد الطلاب المصريين الذين حضروا إلى المدارس، وعلى وجه الخصوص الشباب الذين يحضرون المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية داخل منظومة الأزهر، وبحسب إحصائيات عدد الطلبة الذين حضروا إلى مدارس الأزهر الابتدائية والمدارس الثانوية ارتفع من أقل 90,000 طالب في عام 1970 إلى 300,000 طالب في أوائل الثمانينات، ثم إلى ما يقرب من مليون طالب في أوائل التسعينات، وتجاوز 1.3 مليون طالب في عام 2001.

    وقد واصل جمال عبد الناصر خلال فترة توليه منصب رئيس الوزراء، ثم الرئيس، جهوده المبذولة للحد من سلطة علماء الأزهر وإلى استخدام نفوذهم لمصلحته، وفي عام 1952 أُمِّمَت الأوقاف ووضعت تحت سلطة وزارة الأوقاف التي أنشئت حديثًا، مما قطع من قدرة المسجد للسيطرة على الشؤون المالية، وألغى المحاكم الشرعية، ودمج المحاكم الدينية مع النظام القضائي للدولة في عام 1955، مما يحد بشدة من استقلال العلماء، وفي عام 1961 صدر قانون الإصلاح، الذي ينص على إبطال قانون استقال الأزهر عام 1936، وأصبح لرئيس مصر سلطة تعيين شيخ الأزهر، وهو موقف أنشئ لأول مرة أثناء الحكم العثماني.

    وواصل الأزهر، الذي ظل رمزاً للطابع الإسلامي للأمة والدولة، التأثير على السكان بينما لم يصبح قادرًا على فرض إرادته على الدولة. وتعرض الأزهر بشكل متزايد إلى بيروقراطية الدولة بعد الثورة وتوقف استقلال منهجه ووظيفته كمسجد، كذلك أُضعِفت سلطة العلماء بإنشاء الوكالات الحكومية المسؤولة عن تقديم تفسيرات للقوانين الدينية، في حين أن هذه الإصلاحات قُلِّصَت جذريا باستقلال سلطة العلماء، كما كان لها تأثير بإعادة ترسيخ نفوذهم بإدماجهم في جهاز الدولة، كما ينص قانون إصلاح العلماء لعام 1961، بتخصيص موارد الدولة لهم، مع أن خزينة المال كانت خارج سيطرة الأزهر، في حين سعى جمال عبد الناصر إلى إخضاع العلماء تحت الدولة، لم يسمح بالمزيد من الاقتراحات المتطرفة للحد من نفوذ الأزهر. مثل اقتراح طه حسين في عام 1955. حيث سعى حسين إلى تفكيك نظام الأزهر للتعليم الابتدائي والثانوي وتحويل الجامعة إلى كلية للشريعة ضمن النظام التعليمي الحديث، وقد عارضه العلماء على هذه الخطة، على الرغم من أن خيار عبد الناصر للحفاظ على مركز الأزهر يرجع إلى اعتبارات سياسية شخصية، مثل استخدام الأزهر بمنح الشرعية للنظام، وتجتب معارضة العلماء.

    وأصبح الأزهر في هذه الفترة بشكل كامل كذراع للحكومة، ثم استخدم لتبرير تصرفات الحكومة. على الرغم من أن العلماء كانوا قد أصدروا في وقت سابق أن الاشتراكية لا يمكنها أن تتوافق مع الإسلام، لكن بعد الثورة والاستصلاح الزراعي، أصدر علماء الأزهر أحكامًا جديدة تتوافق مع عبد الناصر مع تبريرها دينيًا وسموها الاشتراكية الإسلامية، وأصبح استخدام العلماء بمثابة قوة موازية لجماعة الإخوان المسلمين، والحد من النفوذ الوهابي في المملكة العربية السعودية، وألقى باللائمة في محاولة اغتيال ناصر على جماعة الإخوان المسلمين وحُظِرَت، وقد احتاج عبد الناصر إلى دعم من العلماء كما أنه بادر باعتقالات جماعية من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وعلى إثره خففت بعض القيود المفروضة على الأزهر. وبدورهم أيد علماء الأزهر عبد الناصر في محاولاته لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين، واستمر الحال على ذلك في الأنظمة اللاحقة، وعلى الرغم من الجهود المبذولة من الأزهر لتشويه سمعة الإخوان المسلمين، استمرت جماعة الإخوان المسلمين في عملها، كما قدم الأزهر أيضا شرعية للحرب مع الكيان الصهيوني في عام 1967، معلنا الجهاد ضد الكيان الصهيوني.

    بعد وفاة عبد الناصر في عام 1970، وأصبح أنور السادات رئيسا لمصر، وعبَّر السادات عن رغبته باستعادة الأزهر كرمز للقيادة المصرية في جميع أنحاء العالم العربي، قائلا أن: «العالم العربي لا يمكن أن بعمل بدون مصر والأزهر»، وزاد هذا الاعتراف من النفوذ المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين، وقد خفف السادات عددا من القيود المفروضة على الإخوان والعلماء ككل. ومع ذلك، أطلقت حملة في سبتمبر 1971 من الصحفيين والمنظمات على السادات وهاجموا مواقفه بشكل مفاجئ، فوضع السادات عقوبات ضد العلماء الذين انتقدوا السياسات الرسمية للدولة. كما واصل استخدام علماء الأزهر كأداة من الحكومة، مما أثار انتقادات بين عدة مجموعات، بما في ذلك الجماعات الإسلامية وغيرها الأكثر اعتدالا، اتهم شكري مصطفى علماء الأزهر بتقديم الأحكام الدينية لغرض وحيد وهو راحة الحكومة، وعندما أقدم السادات لعقد السلام مع إسرائيل، اعتبرته الغالبية العظمى من السكان المصريين خائنًا، وقدَّم الأزهر بيانًا ينص على أن الوقت قد حان لصنع السلام.

    وبعد اغتيال السادات، أصبح حسني مبارك رئيسا لمصر في عام 1981، وواصل الأزهر بمنح الشرعية الدينية لما تمليه الحكومة، وقد أعطى نظام مبارك نتيجة ذلك الاستقلالية إلى الجامع الأزهر وعلمائه، ثم أصبح جاد الحق علي جاد الحق شيخًا للأزهر في الفترة من 1982 حتى وفاته في عام 1996، وقد أكد رغبته باستقلال الأزهر عن الدولة كغيره من علماء الأزهر، وقال جاد الحق أن الحكومة إذا رغبت من الأزهر مكافحة فعالة للجماعة الإسلامية في مصر، يجب عليها أن تعطي للأزهر أكبر قدر من الاستقلالية عن الدولة وأن يكون للأزهر صوتًا لا تتدخل فيه الدولة، وفي عهد مبارك، تنازل عن عدد من سلطات الدولة إلى الأزهر، وخلال بداية التسعينات قُدِّمت تعديلات على قوانين الرقابة الموجودة وأعطي للأزهر القدرة على فرض رقابة على كل المطبوعات والإعلام الإلكتروني. على الرغم من أن القانون ينص على أن الأزهر قد يشارك في كتابة شكوى فقط، على سبيل المثال، أرسلت النصوص التلفزيونية بشكل روتيني إلى الأزهر للموافقة عليها قبل أن تُبث.

    واصل الأزهر عقد مراكز عليا للسلطات الدينية السنية الأخرى في جميع أنحاء العالم، بما أن السنيين يشكلون الأغلبية العظمى من مجموع السكان المسلمين، وقد كان للأزهر تأثير كبير على العالم الإسلامي برمته، بالإضافة إلى كونه السلطة الدينية داخل مصر، وقد طلب من الأزهر استشارات للأحكام الدينية من خارج مصر. فمثلا قبل «حرب الخليج»، طلب فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية من شيخ الأزهر بدلاً من مفتي عام المملكة العربية السعودية، فتوى تأذن بتمركز قوات أجنبية داخل المملكة، على الرغم من تواجد اثنين من أقدس الأماكن الإسلامية داخل المملكة العربية السعودية، وفي عام 2003 طلب وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي إصدار فتوى من الأزهر للسماح للفتيات المسلمات بعدم ارتداء الحجاب في المدارس العامة الفرنسية، على الرغم من وجود «المجلس الفرنسي للإسلام». وقدم شيخ الأزهر بيانًا قائلا فيه أنه في حين أن ارتداء الحجاب واجب إسلامي، فإن المرأة المسلمة في فرنسا ملزمة باحترام واتباع القوانين الفرنسية. وقد تعرض شيخ الأزهر للكثير من الانتقادات داخل مصر، واعتُبرت الفتوى تنازلًا عن المبادئ الإسلامية لإرضاء الحكومة الفرنسية.

    بعد عام 2011

    لم يتأثر الأزهر بالثورة المصرية التي شهدت إزالة حسني مبارك كرئيس لمصر عام 2011، وأسفرت انتخابات الحكومة الطلابية في الأشهر التي تلت الثورة في فوز ساحق لجماعة الاخوان المسلمين، بعدها اندلعت احتجاجات تطالب المجلس العسكري الحاكم لمصر باستعادة استقلال المسجد عن الدولة، وقد كُلِّف المسجد نفسه بكتابة مشروع قانون من شأنه منح الأزهر استقلالا أكبر من الحكومة، في غضون ذلك، حل مؤتمر نقاش في الأزهر حول مستقبله ودوره الشرعي داخل الدولة، وقد أدت وجهات النظر المختلفة حول دور الأزهر في المستقبل في مصر تأتي من عدة أحزاب، بما في ذلك المنظمات الإسلامية الرائدة مثل الإخوان المسلمين، والأصوات الليبرالية التي ترغب في رؤية الأزهر يقف كحصن ضد المتطرفين، ويأمل الأزهر أن يصبح مستقلاً تمامًا عن الدولة.

    العمارة

    الهندسة المعمارية للأزهر ترتبط ارتباطًا وثيقا بتاريخ القاهرة. واستخدمت فيها مواد مأخوذة من فترات متعددة من التاريخ المصري، والتي استفادت من أسلوب العمارة الفاطمي في إفريقية، ثم حصل المسجد على إضافات وتوسعات من الحكام الذي تعاقبوا على مصر، فتأثرت عمارة الجامع بأساليب معمارية عدة من داخل وخارج مصر على حد سواء، مُزجت هذه التأثيرات معًا، وظهرت معها أساليب معمارية جديدة كانت مصدر إلهام فيما بعد، مثل القباب التي بُنيت الفترة العثمانية والمآذن التي بناها المماليك.

    بُني المسجد في البداية على شكل قاعة للصلاة مع خمسة ممرات وفناء مركزي متواضع، ومنذ ذلك الحين وُسِّع المسجد عدة مرات مع منشآت إضافية محيطة بالمبنى الأصلي، فأضيفت العديد من المآذن من قبل المماليك، وأضيفت البوابات أثناء الحكم العثماني، واستُبدل المحراب بمحراب جديد، نجت بعض المآذن والقباب الأصلية وظلت حتى الآن، وبعضها أعيد بناؤها عدة مرات.

    العهد الفاطمي

    كان الهيكل الأصلي للجامع الأزهر 280 قدمًا (85 مترًا) في الطول و227 قدمًا (69 مترًا) في العرض، ويتألف من ثلاثة أروقة معمدة تقع حول فناء، وفي جهة الجنوب الشرقي من الفناء، بنيت قاعة الصلاة الأصلية على هيئة بهو معمد، مع خمسة ممرات عميقة، بقياس 260 قدمًا (79 م) في الطول و75 قدمًا (23 م) في العرض، وكان جدار القبلة منحرفًا قليلاً عن الزاوية الصحيحة، وأعيد استخدام الأعمدة الرخامية لدعم الأروقة الأربعة التي تؤدي لقاعة الصلاة من مواقع موجودة في أوقات مختلفة في التاريخ المصري، من العصور الفرعونية مرورًا بالحكم الروماني وحتى الحقبة القبطية، مما أدى إلى اختلاف ارتفاعات مستوى الأعمدة لاستخدامها قواعد متفاوتة السماكة، كما تظهر في الجص تأثيرات من العمارة العباسية والقبطية والبيزنطية.

    وقد بني في النهاية ثلاث قباب، وهي سمة مشتركة بين أوائل المساجد في شمال أفريقيا، ولم ينجُ أيا منها خلال التجديدات التي لحقت بالأزهر، وسجل المؤرخ المقريزي أنه في القبة الأصلية التي بناها الصقلي كتب فيها:

    وقد لقي الصقلي رعاية شرفية من المعز، وقد عينه، «سكرتيره الخاص» ويعتبر الصقلي أول شخص يحصل على منصب سكرتير قبل أن يصبح منصب عام.

    المحراب الأصلي، كشف عنه في عام 1933، لديه شبه قبة فوقه مع عمود من الرخام في كل جانب، وقد كانت الزخارف الجصية المعقدة سمة بارزة في المسجد، فقد كانت كل الجدران والمحراب مزينة بالنقوش، وقد كتب على المحراب مجموعتان من الآيات القرآنية المدرجة في قوقعته، والتي لا تزال سليمة، أول مجموعة من الآيات هي أول ثلاث آيات من سورة المؤمنون:

    المجموعة الثانية من الآيات 162، 163 من سورة الأنعام:

    هذه النقوش هي القطعة الوحيدة الباقية من الديكور التي ترجع إلى العهد الفاطمي.

    أضيفت الساحة المركزية المعبَّدة من رخام بين 1009 و1010، وأضيفت أيضا الممرات التي تحيط الفناء لها عارضة مقوسة الشكل مع نقوش جصية. وقد بنيت الأقواس في عهد الحافظ لدين الله من الحلي والجص، وقد أعيد بناؤها في عام 1891 باستخدام نوعين من الحلي، يظهر أعلى مركز القوس الأول ويتكون من رونديل غارق والفصوص الأربعة والعشرين. وأضيفت زمرة دائرية من زخارف نباتية في عام 1893، أما الزخرفة الثانية المستخدمة، التي هي ما بين كل قوس، تتكون من منافذ ضحلة تحت غطاء مخدد تشكل سقف أعمدة متشاركة، والتي تحيط بها مجموعة من الكتابات القرآنية بالخط الكوفي. أضيفت النصوص القرآنية بعد حكم الحافظ خلال الفترة الفاطمية، وتصدرت الجدران على شكل نجمة مع زينة للشرفة على ثلاث مستويات، الممر الجنوبي الشرقي من الفناء يحتوي على المدخل الرئيسي إلى قاعة الصلاة. بوابة تأطير الفارسي، التي قوس مركزها لها ممر مستطيل تفتح إلى قاعة الصلاة.

    رُكِّب باب خشبي جديد ومحراب خشبي جديد في عهد الحاكم بأمر الله في 1009، وفي سنة 1125، شيدت قبة إضافية في عهد الحافظ لدين الله، بالإضافة إلى ذلك، فقد أمر بإنشاء ممر رابع حول الفناء، أما الشرفة فقد بنيت على الطرف الغربي من الصحن.

    الإضافات المملوكية

    عين صلاح الدين في البداية وزيرا من طرف أخر الخلفاء الفاطميين العاضد لدين الله الذي كان يثق بصلاح الدين، وانهارت الدولة الفاطمية خلال عهد صلاح الدين الأيوبي وسلالته، وقام صلاح الدين الأيوبي في مصر، بالتحالف مع الخلافة العباسية السنية في بغداد، ولعدم ثقته بالأزهر الشيعي تاريخا، خسر المسجد مكانته أثناء فترة حكم صلاح الدين، ومع ذلك، استعاد المسجد مكانته خلال فترة المماليك الذين قاموا بسلسلة من الترميمات والإضافات للمسجد، والإشراف على التوسع السريع في مناهجه التعليمية، ومن بين الترميمات التي قام بها المماليك تعديل المحراب، مع تركيب الرخام الملون لواجهته.

    وفي عام 1339، بنيت قبة ومئذنة لتغطية المدرسة الأقبغاوية، التي تحتوي على قبر الأمير أقبغا عبد الواحد، كانت في البداية مسجدُا قائمًا بذاته ومدرسة، ثم أصبحت مدرسة متكاملة ودُمجت في الجامع الأزهر، أما: المدخل، وجدار القبلة، والفسيفساء والزجاج في المحراب مع القبة الأصلية يرجع تاريخها إلى الفترة العثمانية.

    في عام 1440، بنيت المدرسة الجوهرية وتحتوي على قبر الأمير جوهر القنقبائي، الذي كان يشغل منصب الخازندار (المشرف على خزائن الأموال السلطانية) أثناء حكم السلطان المملوكي الأشرف سيف الدين برسباي، وكانت أرضية المدرسة من الرخام، والجدران تصطف مع الخزائن، وزينت المطعمة مع خشب الأبنوس والعاج والصدف، وغطيت حجرة القبر بواسطة قبة صغيرة مزخرفة.

    المدرسة الطيبرسية

    وفي عام 1309، بنيت المدرسة الطيبرسية، التي تحتوي على قبر الأمير علاء الدين طيبرس، وقد بنيت أصلا لتعمل كمسجد مكمل للأزهر ومنذ ذلك الحين دمجت مع بقية المسجد، ودرست المذاهب المالكية والشافعية في هذه المدرسة، وتستخدم المدرسة الآن للاحتفاظ بالمخطوطات من المكتبة.

    ذكر المقريزي أن المدرسة كانت تستخدم فقط لدراسة المذهب الشافعي، في حين أن مؤرخا عن ابن دقماق ذكر أن واحدا من إيوانات المدرسة كان لتعاليم الشافعي حين أن الآخر كان لتعاليم المالكي.

    أعيد بناء المدرسة بالكامل في عهد عبد الرحمن كتخدا، ولم يتبق سوى الجدار الجنوبي الشرقي والمحراب وهي القطع الوحيدة الأصلية الباقية من عهد الأمير علاء الدين طيبرس، والمحراب بقياس 1.13 مترا في العرض و76 سم في العمق. وعلى كل جانب من المحراب يقف عمود من الحجر السماقي بارتفاع 2.78 متر (9.1 قدم). وتوجد فوق الأعمدة رسمات مزخرفة بأشكال هندسية ملونة، وأضيفت نصف قبة في أعلى المحراب داخل القوس الخارجي، ويحيط بهذا إطار خارجي مستطيل، ويعتبر هذا المحراب الأول في مصر الذي استخدم هذا النوع من الإطار، وقد وصف المؤرخ كريزويل هذا المحراب بأنه «واحدة من أرقى التحف المعمارية في القاهرة.»

    مئذنة قايتباي

    بنيت مئذنة قايتباي في عام 1483، وهي على شكل عمود أسطواني ينقسم إلى جزئين مثمنين، ومئذنة قايتباي تتكون من ثلاث شرفات، تدعمها مقرنصات، وشكل سقفها معقود الهوابط الذي يوفر الانتقال السلس من سطح مستو لمنحني واحد، وسجل أول استخدام له في مصر في 1085، الجزء السفلي مثمن، زُين بلوحات عارضة مقوسة من كل جانب، مع مجموعة من ثلاثة أعمدة لتفصل كل لوحة، أما المنطقة الوسطى أيضا مثمنة فصلت عن الجزء السفلي بشرفة زينت بضفر، الشرفة الثانية تفصل هذا الجزء مع جزء أسطواني في نهاية المئذنة، وزينت بأربعة أقواس. فوق هذا توجد الشرفة الثالثة، التي توجد في أعلى جزء من المئذنة.

    ويعتقد أن المئذنة أقيمت في موضع مئذنة الطوب الفاطمية، التي أعيد بناؤها عدة مرات. الحسابات المعاصرة تشير إلى أن المئذنة الفاطمية كان بها عيوب عند بنائها، ويلزم إعادة بنائها عدة مرات، فقد أُعيد بناؤها تحت إشراف صدر الدين الأذرعي الدمشقي الحنفي، وهو قاضي القضاة خلال فترة حكم «السلطان بيبرس»، وقد أُعيد بناؤها مرة أخرى خلال عهد برقوق في 1397، وقد بدأت المئذنة تميل بزاوية خطرة، وأعيد بناؤها في عام 1414 بأمر من تاج الدين الشاوباكي، والي ومحتسب القاهرة، وبنيت مئذنة قايتباي في موقعها اليوم، كجزء من إعادة بناء مدخل المسجد في عام 1432.

    باب الجندي

    يقع باب الجندي (باب قايتباي) مباشرة بعد فناء مدخل باب المزينين، ويؤدي بدوره إلى الباحة الرئيسية من قاعة الصلاة، وقد بني عام 1495.

    مئذنة الغوري

    بنيت المئذنة مزدوجة الرؤوس في عام 1509 في عهد قنصوة الغوري، وتقع على قاعدة مربعة، الجزء السفلي منها مثمن، وقد قوست جوانبه الأربعة بعارضات زخرفية، وفصل عن جوانبيه بعمودين، أما المنطقة الوسطى فصلت عن الجزء السفلي بشرفات مكعبة تدعمه مقرنصات، وهو على شكل مثمن زُيِّن بالقيشاني الأزرق، ويتكون الجزء العلوي من عمودين مستطيلين مع الأقواس على شكل حدوة حصان على كل جانب منها توجد مهاوي. ويعلو الجزء العلوي مربع يحمل اثنين من الرؤوس كمثرية الشكل تحمل كل منها هلالاً نحاسيًّا.

    التجديدات العثمانية والإضافات

    قُدمت عدة إضافات وترميمات خلال عهد الخلافة العثمانية في مصر، وأنجز الكثير منها تحت إشراف عبد الرحمن كتخدا الذي ضاعف تقريبا حجم المسجد، وأضاف ثلاث بوابات وهي:

    وأضاف كتخدا عدة أروقة، بما في ذلك واحدة للطلاب المكفوفين من الأزهر، كما أضاف قاعة صلاة إضافية جنوب القاعة الفاطمية الأصلية، مع محراب إضافي، لمضاعفة مساحة قاعة الصلاة الإجمالية.

    باب المزينين

    هو أكبر وأهم الأبواب الثمانية للجامع الأزهر وهو المدخل الرئيسي للجامع، وسبب تسميته بهذا الاسم أن المزينين كانوا يجلسون أمامه من أجل حلق رؤوس المجاورين، وهو نموذج للعمارة العثمانية في القاهرة، ويعود الفضل لبنائه إلى عبد الرحمن كتخدا عام 1753. كان يحتوي على مئذنة قائمة بذاتها خارج البوابة بناها كتخدا، وقد هدمت المئذنة قبل افتتاح شارع الأزهر من قبل توفيق باشا خلال جهود التحديث التي وقعت في جميع أنحاء القاهرة.

    التخطيط الحالي والهيكل

    المدخل الرئيسي الحالي إلى المسجد هو باب المزينين، وهو أحد أبواب الأزهر والذي يؤدي إلى فناء من الرخام الأبيض في الجهة المقابلة من قاعة الصلاة الرئيسية، إلى الشمال الشرقي من باب المزينين، نجد الفناء المحيط بواجهة المدرسة الأقبغاوية؛ وفي جنوب غرب نهاية الفناء نجد المدرسة الطيبرسية، ومباشرة عبر الفناء من مدخل باب المزينين نجد باب الجندي (بوابة قايتباي)، الذي بني عام 1495، ويقف فوق مئذنة قايتباي، ومن خلال هذه البوابة نجد موقع باحة قاعة الصلاة. وقد غير المحراب مؤخرا إلى رخام عادي مواجه مع نقوش ذهبية.

    التكريم

    نظراً للقيمة الأثرية والتاريخية للجامع الأزهر، وكنوع من تسليط الضوء على أحد المعالم المصرية العريقة، فقد تم تزيين وجه العملة الورقية المصرية فئة خمسون قرشاً برسم صورة الجامع الأزهر في أكثر من إصدار، بينما يحمل ظهر الورقة الحالية صورة لتمثال رمسيس الثاني.

    > EGP 50 Piastres 1978 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "سابقة" فئة خمسون قرشاً EGP 50 Piastres 1981 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "سابقة" فئة خمسون قرشاً EGP 50 Piastres 1987 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "سابقة" فئة خمسون قرشاً EGP 50 Piastres 2001 (Front).jpg|عملة مصرية ورقية "حالية" فئة خمسون قرشاً

  13. 985 م

    الحاكم بأمر الله

    11 دقيقة قراءةالحاكم بأمر الله هو المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي، ولقبه الحاكم بأمر الله وكنيته أبو علي، (985 - 1021) الحاكم الفاطمي السادس، والإمام…

    الحاكم بأمر الله هو المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي، ولقبه الحاكم بأمر الله وكنيته أبو علي، (985 - 1021) الحاكم الفاطمي السادس، والإمام الإسماعيلي السادس عشر، حكم من 996 إلى 1021. الحاكم بأمر الله، شخصية مهمة في عدد من الفرق الشيعية الإسماعيلية، مثل النزاريين في العالم البالغ عددهم 15 مليونًا، بالإضافة إلى مليوني درزي من بلاد الشام الذين أعلن مؤسسهم المعروف محمد بن إسماعيل الدرزي أنه تجسيد لله عام 1018.

    ولد في مصر وخلف والده في الحكم العزيز بالله الفاطمي وعمره 11 سنة، وتكنى بأبي علي وهي كنية أخذها بعد ميلاد ابنه علي الذي تلقب بالظاهر لإعزاز دين الله حينما تولى الخلافة بعد اختفاء أبيه، ويعتبر البعض أن الحاكم كان آخر الخلفاء الفاطميين الأقوياء. كانت عيناه واسعتان وصوته جهير مخوف. اتسمت فترة حكمه بالتوتر، فقد كان على خلاف مع العباسيين الذين كانوا يحاولون الحد من نفوذ الإسماعيليين، وكان من نتائج هذا التوتر في العلاقات أن قامت الخلافة العباسية بإصدار مرسوم شهير في عام 1011 وفيه نص مفاده أن الحاكم بأمر الله ليس من سلالة علي بن أبي طالب. بالإضافة إلى نزاعه مع العباسيين فقد انهمك أيضا الحاكم بأمر الله في صراع آخر مع القرامطة. يُمكن أن يكون تاريخ الحاكم بأمر الله مثيراً للجدل، حيث توجد وجهات نظر متنوعة حول حياته وإرثه.

    سيرته وأحداث عصره

    في بداية عهد الحاكم حاول بعض الطامحين استغلال صغر سنه لتحقيق أطماعهم في السلطة فكان أولهم شيخ كتامة (أبو محمد بن عمار) الذي أجبر الحاكم على توليته لشؤون الدولة فأصبح هو المتصرف فيها ولُقب بـ (أمين الدولة). وكان ينافسه في الوقت نفسه رجل آخر وهو (أبو الفتوح برجوان) وقد كان موجودا أيام العزيز بالله ووصل إلى مرتبة (كبير الخدم). ونجح برجوان في إثارة طوائف المشارقة ضد طوائف المغاربة الذين استبدوا بالحكم مع سيدهم (ابن عمار) وكانت بينهم مواقع عديدة انتهت بانتصار (برجوان) وهروب (ابن عمار).

    قام (برجوان) بإخراج الحاكم وأخذ له البيعة من جديد. ثم تولى شؤون الدولة وكوّن لنفسه طائفة خاصة من الجند والمماليك. ثم تلطَف بابن عمار ومنحه إقطاعاته التي كانت له من قبل، واشترط عليه الطاعة وبذلك استمال إليه المغاربة أيضا. على أن برجوان سرعان ما جنح للطغيان والاستبداد فكان يعتبر نفسه الخليفة الحقيقى. وصار يستصغر خليفته الحاكم. كما أنه استغل منصبه في تكوين ثروة ضخمة له. هذا بالإضافة إلى انشغاله باللهو والملذات مما أدى إلى انصرافه عن شؤون الدولة التي تعطلت وفسدت من جراء ذلك. وقد نسى برجوان في غمرة ذلك أن الحاكم قد جاوز سن الصبا ودخل مرحلة الشباب وصار متنبها إلى استبداد برجوان وتغلبه عليه. وقام الحاكم بتدبير مؤامرة لقتل برجوان، وتم ذلك وأصدر الحاكم بيانا يبرر فيه أسباب قتل برجوان. ثم قام بعد ذلك بالتخلص من رجال برجوان في الجيش والقصر. كما أنه أعد كمينا لشيخ كتامة ابن عمار بأن حرّض عليه بعض المشارقة الذين قتلوه ثم أفنى الحاكم أعوانه من شيوخ كتامة.

    بذلك تمكن الحاكم من استرداد سلطانه والتخلص من كل المنافسين والسيطرة على كل مقاليد الحكم وكان حينها قد تجاوز الـ15 سنة. أظهر الحاكم عندما تولى تقشفا وزهدا على عكس آبائه. إذ أخرج من قصره جماعة من حظاياه وأعتق سائر مماليكه من الإناث والذكور وملّكهم أمر نفوسهم والتصرف فيما يملكونه وإقتنوه منه ومن أبيه. كما إنه انتقل تدريجيا من الملابس المذهبة على عادة آبائه إلى ملابس خشنة من الصوف كما أنه خفف من الإسراف الذي كان يحدث في الاحتفالات بالمناسبات المختلفة، وأمر كذلك بألا يصلى عليه أحد في كتاباته ويقتصر على هذه الصيغة: (سلام الله وتحياته ونوامي بركاته على أمير المؤمنين).

    كان الحاكم مسرفا في القتل إلى مدى كبير لكى يحفظ دولته ويصلح شؤونها وكان شديدا في التعامل مع رجال دولته وكان يحاسبهم بشدة إذا أخطأوا. كما أنه اعتمد على نظر المظالم لتطهير دولته من الفساد. وكان يواصل ركوبه ليلا ونهارا على حماره ويطوف به في الأسواق والقرى لكى يسمع مظالم الناس. وقد ورث الحاكم عن أبيه العزيز بالله حرصه على توزيع المال على الفقراء والمساكين. ويشهد المؤرخون بأن يده لم تمتد على أخذ مال إطلاقا بحيث قال أحدهم - وهو نصرانى - (لعمرى إن أهل مملكته لم يزالوا في أيامه آمنين على أموالهم، غير مطمئنين على أنفسهم)، كما أنه أيضا حرص على تخفيف الضرائب عن رعاياه خاصة ما تعرف بضريبة المكوس (?reference).

    أهم المراسيم التي أصدرها

    ويرى البعض أن هذه المحاولات غالبا مجرد تجنى على الحاكم من أجل تشويه صورته، إذ لم يذكر هذه المحاولات أي مؤرخ من المؤرخين المصريين الذين كتبوا تاريخ الفاطميين سواء كانوا مؤيدين لهم أو معادين ومنهم: المقريزي، ابن تغري بردي، وجاء ذكر ذلك لأول مرة في كتاب المؤرخ الحافظ البغدادي (تاريخ بغداد)وكتاب تاريخ الخلفاء للحافظ جلال الدين السيوطي وغيرهما.

    الدعوة التوحيدية أو الدرزية

    بدأ الإيمان الدرزي كحركة في الطائفة الإسماعيلية والتي كانت تعارض بعض الإيديولوجيات الدينية والفلسفية التي كانت موجودة خلال تلك الحقبة. بشر بهذا الإيمان حمزة بن علي بن أحمد، وهو عالم باطني وصوفي. والذي جاء إلى مصر عام 1014 وقام بتجميع مجموعة من العلماء والقادة من جميع أنحاء العالم لتأسيس الحركة التوحيدية. وعقد اجتماعات في مسجد ريضان، بالقرب من مسجد الحاكم بأمر الله.

    في عام 1017، كشف حمزة بن علي بن أحمد رسميًا عن الإيمان الدرزي وبدأ في نشر العقيدة التوحيدية. وحصل حمزة على دعم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، والذي أصدر مرسومًا يشجع الحرية الدينية قبل إعلان الدعوة الإلهية. وأصبح الحاكم بأمر الله شخصيَّة محوريَّة في العقيدة الدرزية رغم أن موقعه الديني كان محل خلاف بين العلماء. يصرح جون اسبوزيتو أن الحاكم كان يُعتقد أنه «ليس فقط القائد الديني والسياسي المُعين إلهياً، بل أيضاً هو الفكر الكوني الذي يربط الله بالخليقة»، بينما يرى آخرون مثل نسيم دانا ومردخاي نيسان أنه مظهر من مظاهر تناسخ الله أو الذي يفترض صورة الله.

    يقول بعض العلماء الدروز وغير الدروز مثل سامي سويد وسامي مكارم أن هذا الالتباس يرجع إلى التشويش حول دور الداعية المبكر محمد بن إسماعيل الدرزي، الذي رفضت تعاليمه الدروز باعتبارها هرطقة. وتؤكد هذه المصادر أن الحاكم رفض ادعاءات الدرزي عن الألوهية، وأمر بإلغاء حركته مع دعم حركة حمزة بن علي بن أحمد.

    اختفى الحاكم في إحدى الليالي أثناء رحلته المسائيَّة - من المفترض أنه اغتيل، ربما بناءً على طلب من أخته الكبرى ست الملك. يعتقد الدروز أنه ذهب إلى الغيبة مع حمزة بن علي بن أحمد وثلاثة من الدعاة البارزين الآخرين، تاركين رعاية «الحركة التبشيرية التوحيدية» لزعيم جديد، وهو المقتنى بهاء الدين.

    العلاقات بين الأديان

    وفقاً للباحث الديني نسيم دانا، يُمكن تقسيم علاقة الحاكم بأمر الله بالأديان التوحيدية الأخرى إلى ثلاث مراحل منفصلة.

    الفترة الأولى

    في الفترة من عام 996 إلى 1006 عندما قام مستشاريه بأداء معظم المهام التنفيذية للخليفة، تصرف الشيع الحاكم بأمر الله «مثل الخليفة الشيعي الذي خلفه، وأظهر موقفاً عدائياً تجاه المسلمين من أهل السنة والجماعة، في حين أن الموقف تجاه أهل الكتاب - اليهود والمسيحيين - كان تسامحاً نسبياً، في مقابل دفع ضريبة الجزية».

    في عام 1005، أمر الحاكم بأمر الله في لعن الخلفاء الثلاثة الأوائل (أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان) وضد عائشة، زوجة النبي محمد، لرفضها خلافة علي بن أبي طالب ابن عم محمد وصهره، والذي وفقًا للمعتقدات الشيعية، كان الخليفة النبوي الشرعي. وفقًا للمؤرخ نسيم دانا، أمر الحاكم في لعن «معاوية الأول، مؤسس الخلافة الأموية، وضد الآخرين في الدائرة الداخلية لمحمد من الصحابة». وكان هذا وفقًا للممارسة الشيعية، كما أوضح الباحث المسلم آية الله حيدري حيث يقول أنصار أهل البيت «يا لعنة الله على كل بنو أمية». ومن منطلق كراهية علي، أمر معاوية بعدم قول التلبية وأمر الناس أن يلعنوه (رفض سعد بن أبي وقاص ذلك). ويرى الشيعة أن معاوية وكل الخلفاء الأمويين (مع استثناء عمر بن عبد العزيز) كانوا من النواصب «وهم الفرقة الملعونة التي تنصب العداوة وتظهر البغضاء لأهل البيت».

    بعد عامين فقط من نشر الشتائم، أنهى الحاكم هذه الممارسة. خلال هذه الحقبة، أمر الحاكم بإيقاف عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم»، والتي أعقبت صلاة الفجر، باعتبرها إضافة سنيّة. ونهى كذلك عن استخدام صلاتين - صلاة التراويح وصلاة الضحى، حيث يُعتقد أنهما صيغتا من قبل فقهاء من السنَّة.

    الأقليات الدينية والقوانين التمييزية

    في عام 1004، أصدر الحاكم قراراً بمنع المسيحيين على الاحتفال بعيد الغطاس وعيد القيامة. كما حظرَّ شرب النبيذ وغيرها من المشروبات المسكرة التي لا تصنع من العنب لكل من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. أنتج هذا مشقة لكل من المسيحيين (الذين شربوا النبيذ في طقوسهم الدينية) واليهود (الذين شربوه في مهرجاناتهم الدينية).

    في عام 1005 وأصدر الحاكم أمرًا ألزم أهل الذمَّة بلبس الغيار، وبوضع زنانير مُلوَّنة مُعظمها أسود، حول أوساطهم، ولبس العمائم السود على رؤوسهم، وتلفيعات سوداء، وذلك لتمييزهم عن المُسلمين، واستمرت تلك الممارسة حتى سنة 1014. بالإضافة إلى ذلك، أجبر على اليهود ارتداء قلادة العجل الخشبية والمسيحيين صليب حديد. في الحمامات العامة، أجبر على اليهود استبدال العجل بجرس. بالإضافة إلى ذلك، أجبرت النساء من «أهل الكتاب» ارتداء حذائين مختلفين، أحدهما باللون الأحمر وواحد باللون الأسود. وظلَّت هذه الممارسة حتى عام 1014.

    عقب الفكر الشيعي المعاصر، أصدر الحاكم أيضاً خلال هذه الفترة العديد من المراسيم أو السجلات التقييدية. تضمنت هذه الوقائع حظر الدخول إلى حمام عام مع تنورة مكشوفة، ومُنعت النساء من الظهور أمام الجمهور مع كشف وجوههن، واغلقت العديد من النوادي وأماكن الترفيه.

    الفترة الثانية

    من عام 1007 إلى عام 1012 «كان هناك موقف متسامح بشكل ملحوظ تجاه أهل السنَّة والجماعة وموقف أقل حماسي للإسلام الشيعي، في حين أن الموقف فيما يتعلق» بأهل الكتاب«كان معاديًا». وفي 18 أكتوبر من عام 1009، أمر الحاكم بأمر الله تدمير كنيسة القيامة والمباني المرتبطة بها، حيث يقال أن الحاكم بأمر الله غضب مما اعتبره خدعة يمارسها الكهنة، وهي تلك المتعلقة بنزول «النار المقدسة». في حين وفقاً للمؤرخ وليم الصوري فقد قام الحاكم بأمر الله بهدم كنيسة القيامة في عام 1009 بسبب حرصه على دحض الإدعاءات بأنه مولود من امرأة مسيحية. لاحظ المؤرخ يحيى أن «فقط المواقع التي كانت صعبة للغاية للهدم هي التي تم إنقاذها». وتم حظر المواكب الدينية، وبعد بضع سنوات قيل إن جميع الأديرة والكنائس في فلسطين قد دُمرت أو صودرت. في عام 1042 فقط، تعهد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع بإعادة بناء كنيسة القيامة بإذن من الخليفة الحاكم. وكان هدم كنيسة القيامة أقدس المواقع المسيحية على الإطلاق أحد الأسباب الرئيسية لنشوء الحملات الصليبية.

    في عام 1009 أجبر المسيحيين واليهود على ارتداء ربطة على اعناقهم في الحمامات، معلق عليها صليب للمسيحيين وجرس لليهود، وتم تدنيس المدافن المسيحية، وإيقاع العقاب على عدد من الموظفين المسيحيين مما دفع العديد منهم إلى دخول الإسلام خوفاً. ويذكر دانا أن هذه السياسة نالت بشكل عام رضى المسلمين، الذين كرهوا المسيحيين بسبب أعمال المحاباة من قبل الموظفين المسيحيين. ووفقا لدانا، في عام 1022 فرض على المسيحيين وضع صلبان خشبية حول رقابهم، ومنعهم من امتطاء الجياد، واستبدال الموظفين المسيحيين بمسلمين، ويقول أن هذه الإجراءات «دفعت الكثير من المسيحيين لاعتناق الإسلام بسبب عامل الخوف». وتشير مصادر مختلفة أن اضطهاد الأقباط قد انتقل إلى أقصى حد في عهد الحاكم بأمر الله مع هدم الكنائس والتسارع في التحويل القسري إلى الإسلام. أمر الحاكم بأمر الله بهدم بعض كنائس القاهرة، كما صدر سجل بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس، حيث يقال أن الحاكم بأمر الله غضب مما اعتبره خدعة يمارسها الكهنة، وهي تلك المتعلقة بنزول «النار المقدسة». في حين وفقاً للمؤرخ وليم الصوري فقد قام الحاكم بأمر الله بهدم كنيسة القيامة في عام 1009 بسبب حرصه على دحض الإدعاءات بأنه مولود من امرأة مسيحية.

    الفترة الثالثة

    سمح الحاكم بأمر الله في النهاية للمتحولين من المسيحيين واليهود قسراً إلى الإسلام بالعودة إلى عقيدتهم الأصلية وإعادة بناء مواقع العبادة المدمرة. في الواقع، من عام 1012 إلى عام 1021

    بينما في عام 1021 أصدر الحاكم بأمر الله مرسوماً أجبر فيه السامريون في بلاد الشام الجنوبية الواقعة تحت سلطة الدولة الفاطمية إما التحول إلى الإسلام قسراً أو مواجهة العنف والموت، بينما يتضح أنَّ حمزة بن علي بن أحمد كان قائد الخليفة. وكان هناك ادعاءات بأن الحاكم بأمر الله آمن بألوهيته الخاصة. ولا يتفق علماء آخرون مع هذا التأكيد على الألوهية المباشرة، وخاصةً الدروز أنفسهم، مُشيرين إلى أن مؤيديها كان محمد بن إسماعيل الدرزي، الذي أُعدم (وفقًا لبعض المصادر) من قبل الحاكم بتُهمة الشرك. تظهر الرسائل أن محمد بن إسماعيل الدرزي كان يحاول السيطرة على حركة التوحيد وهذا الإدعاء كان محاولة للحصول على الدعم من الخليفة، والذي وجدها هرطقة بدلاً من ذلك.

    يجد الدروز هذا التأكيد مسيئاً؛ إنهم يعتبرون محمد بن إسماعيل الدرزي أول مرتد للطائفة ومعتقداتهم المتعلقة بالحاكم معقدة. وبإتباع النمط الإسماعيلي النموذجي، يضعون معلماً بارزاً في الدائرة الأعمق للأشخاص الملهمين إلهياً. بالنسبة للدروز، يتم تعليم المخلوق على يد النبي، الباطن من قبل مساعديه السريين، والرجل الباطني من قبل الإمام الحاكم. البلبلة والتشهير من قبل معارضي الدروز تركوا عموماً دون تصحيح لأن تعاليم الطائفة كانت سرية والدروز فضلوا التقية عندما كان الاستقلال مستحيلًا.

    بسبب حملات الاضطهاد التي شملت المسيحيين وطوائف دينية أخرى، أطلق عدد من المؤرخين على أبو عليّ المنصور الحاكم بأمر الله لقب «نيرون الإسلام»، لكن تظل الآراء حوله جدلية وغير متفق عليها بحسب جمال نكروما وسارة الكامل، حيث رآه من ثاروا ضده وأعداؤه كطاغية يقتل من حوله لأتفه الأسباب، ورآه مؤيدوه كحاكم مثالي وفقاً لبول والكر.

    اختفاء الحاكم

    تختلف المصادر في تفصيل مقتل الحاكم، لكن هناك روايات كثيرة ترجح أنه كان ضحية مؤامرة دبرت ضده من أعدائه الكثيرين انتهت بمقتله، وإن كان متواتراً في الروايات السنية والقبطية قتله على يد أخته ست الملك لأسباب شخصية. كذلك حاول الحاكم تغيير نظام الورائة المعمول به كأصل من أصول المذهب الشيعي الإسماعيلي، فالإمامة لابد أن تكون في نسل علي بن أبي طالب دون غيرهم، وأن تنتقل من الأب للابن لأنهم كانوا يعتقدون أن للإمامة صفات وعلوم خاصة لابد أن تنتقل بالوراثة، وقد التزم الفاطميون منذ إنشاء دولتهم بهذا النظام، لكن الحاكم حاول مخالفة هذا المبدأ فأوصى بولاية العهد لابن عمه عبد الرحيم بن إلياس، وأخذ له البيعة على جميع رجال الدولة، ودعا له بمكة وأمر الناس بالسلام عليه بأن يقولوا «السلام على ابن عم أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين» وأصدر أوامره بأن يضرب اسمه بجانب اسم الخليفة على العملة. ولم تؤدِّ محاولته هذه سوى لانقسام خطير انتهى بمقتله ومقتل ابن عمه.

    الرواية الأشهر تقول أنه خرج كعادته في الليل على حماره إلى جبل المقطم ليتدبر في ملكوت الله ولم يعد، فأُرسِل الجند يقتفون أثره لعلهم يجدوه، فلم يعثروا إلا على عباءته الملطخة بالدماء، وتلت هذه الواقعة أربع سنوات اعترف بعدها أحدهم بقتل الحاكم.

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (312)بحث أكاديمي31جهة رسمية17كتاب متخصص159موقع موثوق105

بحث أكاديمي(31)

  1. East-West Orientation of Historical Empires · Journal of World-Systems Research · 2006
  2. Rein Taagepera · Expansion and Contraction Patterns of Large Polities: Context for Russia · International Studies Quarterly · 1997
  3. Sabra Al-Mansuriyya And Her Neighbors During The First Half Of The Eleventh Century: Investigations Into Stucco Decoration · Muqarnas · 2009
  4. Beeson · Cairo, a Millennial · Saudi Aramco World · 1969
  5. Cortese · The Nile: Its Role in the Fortunes and Misfortunes of the Fatimid Dynasty During its Rule of Egypt (969–1171) · History Compass · 2015
  6. Talking Hats: What Documents and Textiles Can Tell Us about Each Other · Journal of Material Cultures in the Muslim World · 2023
  7. Painting in the Fatimid Period: A Reconsideration · Journal of the Royal Asiatic Society · 2022
  8. Tillier · Droit et messianisme chez les Fatimides de l'an 1000 · L'Eurasie autour de l'an 1000. Cultures, religions et sociétés d'un monde en développement · 2022
  9. The Turkoman Defeat at Cairo · The American Journal of Semitic Languages and Literatures · 1906
  10. Podeh · The symbolism of the Arab flag in modern Arab states: between commonality and uniqueness*: The Symbolism of the Arab Flag · Nations and Nationalism · 2011
  11. Fierro · Dhimmīs in Fatimid Egypt: A View from the Islamic West · Medieval Encounters: Jewish, Christian, and Muslim Culture in Confluence and Dialogue · 2015
  12. Yarbrough · Medieval Sunni historians on Fatimid policy and non-Muslim influence · Journal of Medieval History · 2019
  13. Rustow · Jews and the Fāṭimid Caliphate · Al-Masāq · 2021
  14. Sufism in Fatimid Egypt and The Problem of Historiographical Inertia · Journal of Islamic Studies · 2017
  15. Lev · Army, Regime, and Society in Fatimid Egypt, 358–487/968–1094 · International Journal of Middle East Studies · 1987
  16. Lev · The Fatimids and Byzantium, tenth–12th Centuries · Graeco-Arabica · 1995
  17. Bosworth · A Mediaeval Islamic Prototype of the Fountain Pen? · Journal of Semitic Studies · 1981
  18. Casanova · Les noms coptes du Caire et localités voisines · Bulletin de l'Institut français d'archéologie orientale · 1901
  19. Gascoigne · Sherds and the City: Pottery Production, Society, and the Changing Urban Fabric of Fustat, Egypt · Journal of Field Archaeology · 2024
  20. ROWLAND-SMITH · The Beginnings of Hebrew Printing in Egypt · The British Library Journal · 1989
  21. Supplement II - Qurʾān Concordance · Brill Online
  22. Melchert · Ibn Mujahid and the Establishment of Seven Qur'anic Readings · Studia Islamica · 2000
  23. Volait · The reclaiming of “Belle Époque” Architecture in Egypt (1989-2010): On the Power of Rhetorics in Heritage-Making · ABE Journal. Architecture beyond Europe · 2013
  24. Khoder · Ambient levels of volatile organic compounds in the atmosphere of Greater Cairo · Atmospheric Environment · 2007
  25. Black cloud reappears over Cairo · Middle East Online · 2007
  26. Lead neurotoxicity in children: basic mechanisms and clinical correlates · Brain · 2003
  27. Abu-Lughod · Tale of Two Cities: The Origins of Modern Cairo · Comparative Studies in Society and History · 1965
  28. Rescuing Cairo's Lost Heritage · Islamica Magazine · 2006
  29. Aly · The impact of salt crystallization on the building stones of Al-Azhar Mosque - Historic Cairo – Egypt · International Journal of Conservation Science · 2020
  30. Ismail K. Poonawala · Review – The Fatimids and Their Traditions of Learning · Journal of the American Oriental Society
  31. Susanna Myllylä · Islamic Cairo imagined: from a historical city slum to a time machine for tourism? · Building Peace by Intercultural Dialogue

جهة رسمية(17)

  1. Governance and Pluralism under the Fatimids (909–996 CE) · The Institute of Ismaili Studies
  2. Social Fabrics: Inscribed Textiles from Medieval Egyptian Tombs · 2021
  3. Daftary · The World of the Fatimids · Aga Khan Museum; The Institute of Ismaili Studies; Hirmer · 2018
  4. Torky · Khan al-Khalili
  5. Behrens-Abouseif · The World of the Fatimids · Aga Khan Museum; The Institute of Ismaili Studies; Hirmer · 2018
  6. The World of the Fatimids · Aga Khan Museum; The Institute of Ismaili Studies; Hirmer · 2018
  7. Sanders · The World of the Fatimids · Aga Khan Museum; The Institute of Ismaili Studies; Hirmer · 2018
  8. The World According to GaWC 2016 · Loughborough University · 2017
  9. Bartel · Return Home: 1346 - 1349 · UC Berkeley, Office of Resources for International and Area Studies
  10. Ottoman Cairo · The University of Texas Centre for Middle Eastern Studies · 1995
  11. The Chosen Few: How Education Shaped Jewish History, 70-1492 · Princeton University Press · 2012
  12. Ain Shams university
  13. National Museum of Egyptian Civilization opens temporary exhibit, free admission - Museums - Antiquities
  14. National Museum of Egyptian Civilization(NMEC)
  15. Life in Modern Cairo
  16. Dr Farhad Daftary · al-Hakim bi-Amr Allah · Institute of Ismaili Studies · 2011
  17. Virani · The Ismailis in the Middle Ages · Oxford University Press · 2007

كتاب متخصص(159)

  1. Lascoste · Ibn Khaldun: The Birth of History and the Past of the Third World · Verso · 1984
  2. Nanjira · African Foreign Policy and Diplomacy from Antiquity to the 21st Century · ABC-CLIO · 2010
  3. Fage · An Atlas of African History · E. Arnold · 1958
  4. Worldmark Encyclopedia of Cultures and Daily Life: Africa · Gale · 2009
  5. American University Foreign Area Studies · Algeria, a Country Study · Department of Defense, Department of the Army · 1979
  6. Abbasid Belles Lettres · Cambridge University Press · 1990
  7. Wintle · History of Islam · Rough Guides · 2003
  8. Robert · Worlds Together, Worlds Apart · W. W. Norton & Co., Inc. · 2011
  9. Baer · Metalwork in Medieval Islamic Art · SUNY Press · 1983
  10. Hitti, Philip K. · History of The Arabs · Palgrave Macmillan · 1970
  11. The Aghlabids and their Neighbors: Art and Material Culture in Ninth-Century North Africa · Brill · 2017
  12. Davis-Secord · Where Three Worlds Met: Sicily in the Early Medieval Mediterranean · Cornell University Press · 2017
  13. Eustache · Encyclopaedia of Islam · Brill · 2012
  14. Goldschmidt · A concise history of the Middle East · Westview Press · 2002
  15. Hillenbrand · Islamic art and architecture · Thames and Hudson · 1999
  16. Kenneth M. Setton · A History of the Crusades: The First Hundred Years · Univ of Wisconsin Press · 1969
  17. Allan Trawinski · The Clash of Civilizations · Page Publishing Inc · 2017
  18. Islamic art and architecture · London : Thames and Hudson · 1999
  19. Bosworth · The New Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual · Edinburgh University Press · 1996
  20. Gil · A History of Palestine, 634–1099 · Cambridge University Press · 1997
  21. Angold · The Cambridge History of Christianity: Volume 5, Eastern Christianity · Cambridge University Press · 2006
  22. al Juyushi: A Vision of the Fatemiyeen · Graphico Printing Ltd · 2002
  23. Hathaway · A Tale of Two Factions: Myth, Memory, and Identity in Ottoman Egypt and Yemen · SUNY Press · 2012
  24. Wilson B. Bishai · Islamic History of the Middle East: Backgrounds, Development, and Fall of the Arab Empire · Allyn and Bacon · 1968
  25. Le Khan al-Khalili et ses environs: Un centre commercial et artisanal au Caire du XIIIe au XXe siècle · Institut français d'archéologie orientale · 1999
  26. Williams · Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide · The American University in Cairo Press · 2018
  27. John Joseph Saunders · A History of Medieval Islam · Routledge · 2002
  28. Marina Rustow · Heresy and the Politics of Community: The Jews of the Fatimid Caliphate · Cornell University Press · 2014
  29. Lyster · The Cave Church of Paul the Hermit at the Monastery of St. Pau · Yale University Press · 2013
  30. N. Swanson · The Coptic Papacy in Islamic Egypt (641–1517) · American Univ in Cairo Press · 2010
  31. Parsons · The Druze between Palestine and Israel 1947–49 · Springer · 2000
  32. The History and Religious Heritage of Old Cairo: Its Fortress, Churches, Synagogue, and Mosque · American University in Cairo Press · 2013
  33. Brett · Egypt and Syria in the Fatimid, Ayyubid and Mamluk Eras IV: Proceedings of the 9th and 10th International Colloquium Organized at the Katholieke Universiteit Leuven in May 2000 and May 2001 · Peeters Publishers · 2005
  34. Cohen · Jewish Self-Government in Medieval Egypt: The Origins of the Office of the Head of the Jews, ca. 1065–1126 · Princeton University Press · 2014
  35. R. Cohen · Jewish Self-Government in Medieval Egypt : The Origins of the Office of the Head of the Jews, Ca. 1065-1126 · Princeton University Press · 1980
  36. Mann · The Jews in Egypt and in Palestine Under the Fatimid Caliphs Vol. I · Oxford University Press · 1920
  37. Versteegh · The Arabic Language · Edinburgh University Press · 2014
  38. Naylor · North Africa, Revised Edition: A History from Antiquity to the Present · University of Texas Press · 2015
  39. Egger · A History of the Muslim World to 1750: The Making of a Civilization · Routledge · 2017
  40. Bennison · Almoravid and Almohad Empires · Edinburgh University Press · 2017
  41. Jiwa · The Fatimids: 1 – The Rise of a Muslim Empire · I.B. Tauris (in association with the Institute of Ismaili Studies) · 2017
  42. Bloom · Encyclopaedia of Islam, Three · Brill
  43. Bloom · Architecture of the Islamic West: North Africa and the Iberian Peninsula, 700–1800 · Yale University Press · 2020
  44. Behrens-Absouseif · Islamic Architecture in Cairo: An Introduction · Brill · 1989
  45. Enthoven · The Tribes and Castes of Bombay · Asian Educational Services · 1922
  46. Blank · Mullahs on the Mainframe · University of Chicago Press · 2001
  47. Daftary · The Isma'ilis: Their History and Doctrines · Cambridge University Press · 1992
  48. Abun-Nasr · A history of the Maghrib in the Islamic period · Cambridge University Press · 1987
  49. Brett · The Rise of the Fatimids: The World of the Mediterranean and the Middle East in the Fourth Century of the Hijra, Tenth Century CE · BRILL · 2001
  50. Brett · The Fatimid Empire · Edinburgh University Press · 2017
  51. Halm · Das Reich des Mahdi: Der Aufstieg der Fatimiden · C.H. Beck · 1991
  52. Halm · The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids · BRILL · 1996
  53. Alliances and Treaties between Frankish and Muslim Rulers in the Middle East · Brill · 2013
  54. O'Kane · The Mosques of Egypt · American University of Cairo Press · 2016
  55. Raymond · Le Caire · Fayard · 1993
  56. Cairo · Harvard University Press · 2000
  57. The Chronicle of Ibn al-Athir for the Crusading Period from al-Kamil fi'l-Ta'rikh. Part 1: The Years 491–541/1097–1146: The Coming of the Franks and the Muslim Response · Routledge · 2017
  58. Sanders · Ritual, Politics, and the City in Fatimid Cairo · State University of New York Press · 1994
  59. Walker · Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and its Sources · I.B. Tauris · 2002
  60. Langer · An Encyclopedia of World History: Ancient, Medieval, and Modern, Chronologically Arranged · Houghton Mifflin · 1968
  61. M. Th. Houtsma, T.W. Arnold · Biographical Encyclopaedia of Islam, Volume 3 · Cosmo Publications · 2006
  62. The Bible in Africa: transactions, trajectories, and trends · Brill · 2000
  63. Gibb · The Encyclopaedia of Islam · Brill · 1979
  64. A History of Eastern Christianity, by Aziz Suryal Atiya · Taylor & Francis · 1968
  65. The Mamluks in Egyptian politics and society · Cambridge University Press · 1999
  66. Women and the Fatimids in the World of Islam · Edinburgh University Press · 2006
  67. Towards a Shi'i Mediterranean Empire: Fatimid Egypt and the Founding of Cairo. The Reign of Imam-Caliph al-Muʿizz, from al-Maqrīzī's Ittiʿāẓ al-ḥunafāʾ · I.B. Tauris · 2009
  68. The Founder of Cairo: The Fatimid Imam-Caliph al-Mu'izz and his Era · I.B. Tauris · 2013
  69. UNESCO · The African Film Industry: Trends, challenges and opportunities for growth · UNESCO Publishing · 2021
  70. Jiwa · The Fatimids: 1 - The Rise of a Muslim Empire · I.B. Tauris (in association with the Institute of Ismaili Studies) · 2017
  71. Towards a Shi'i Mediterranean Empire: Fatimid Egypt and the Founding of Cairo · I.B. Tauris · 2009
  72. Crum · Catalogue of the Coptic manuscripts in the collection of the John Rylands library, Manchester · 1909
  73. Amelineau · La Géographie de l'Egypte À l'Époque Copte · 1980
  74. The Grove Encyclopedia of Islamic Art and Architecture · Oxford University Press · 2009
  75. Snape · The Complete Cities of Ancient Egypt · Thames & Hudson · 2014
  76. Stanley · Cities of the Middle East and North Africa: A Historical Encyclopedia · ABC-CLIO · 2007
  77. Meinardus · Two Thousand Years of Coptic Christianity · American University in Cairo Press · 1999
  78. Campanini · The Oxford Dictionary of Islam · Oxford University Press · 2003
  79. Cairo: Histories of a City · Harvard University Press · 2013
  80. Ruggles · Tree of pearls: The extraordinary architectural patronage of the 13th-century Egyptian slave-queen Shajar al-Durr · Oxford University Press · 2020
  81. Rippin, Andrew · The Blackwell companion to the Qur'an · Blackwell · 2006
  82. Gender and Muslim Constructions of Exegetical Authority · BRILL · 2015
  83. Ali · The Routledge Handbook of Planning Megacities in the Global South · Routledge · 2020
  84. United Nations Economic Commission for Africa · Economic Report on Africa 2017: Urbanization and Industrialization for Africa's Transformation · United Nations · 2017
  85. Sims · Egypt's Desert Dreams: Development or Disaster? · American University in Cairo Press · 2018
  86. Sims · Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control · American University in Cairo Press · 2011
  87. Recensement général de l'Égypte, 15 Gamad Akher 1299 / 3 mai 1882 · Imprimerie Nationale de Boulaq · 1884
  88. The census of Egypt taken in 1907 · National Printing Department · 1909
  89. Meinardus · Christian Egypt, Ancient and Modern · American University in Cairo Press · 1977
  90. The Cambridge History of Christianity: Volume 5: Eastern Christianity · Cambridge University Press · 2006
  91. Travel Cairo · MobileReference · 2007
  92. Images of Enchantment: Visual and Performing Arts of the Middle East · American Univ in Cairo Press · 1998
  93. A Companion to Islamic Art and Architecture · Wiley Blackwell · 2017
  94. The Middle East: From the End of Empire to the End of the Cold War · Routledge · 1997
  95. Abu-Lughod · Cairo: 1001 Years of the City Victorious · Princeton University Press · 1971
  96. Egypt in the Reign of Muhammad Ali · Cambridge University Press · 1984
  97. AlSayyad · Cairo: Histories of a City · The Belknap Press of Harvard University Press · 2011
  98. Battuta · The Travels of Ibn Battuta · Cosimo Classics
  99. Behrens-Abouseif · Islamic Architecture in Cairo: An Introduction · E.J. Brill · 1989
  100. Behrens-Abouseif · Cairo of the Mamluks: A History of Architecture and its Culture · The American University in Cairo Press · 2007
  101. The Qur'an in its Historical Context · Routledge · 2008
  102. Byrne · The Black Death · Greenwood Publishing Group · 2004
  103. Clot · L'Égypte des Mamelouks: L'empire des esclaves, 1250–1517 · Perrin · 1996
  104. Collins · The Nile · Yale University Press · 2002
  105. The Cambridge History of Egypt: Islamic Egypt, 640–1517 · Cambridge University Press · 1998
  106. Elshahed · Cairo Since 1900: An Architectural Guide · American University in Cairo Press · 2020
  107. Elyachar · Markets of Dispossession: NGOs, Economic Development, and the State in Cairo · Duke University Press · 2005
  108. The New Encyclopedia of Islam · Tien Wah Press · 2003
  109. Golia · Cairo: city of sand · Reaktion Books · 2004
  110. Egyptology at the Dawn of the Twenty-First Century: Archaeology · American University in Cairo · 2003
  111. The Modern Middle East: A Reader · I.B. Tauris · 2004
  112. An Economic and Social History of the Ottoman Empire · Cambridge University Press · 1997
  113. Kennedy · The Great Arab Conquests: How the Spread of Islam Changed the World We Live in · Da Capo Press · 2007
  114. McGregor · A Military History of Modern Egypt: From the Ottoman Conquest to the Ramadan War · Greenwood Publishing Group · 2006
  115. Medieval Islamic Civilization: An Encyclopedia · Taylor & Francis · 2006
  116. Lonely Planet Egypt · Lonely Planet · 2012
  117. Le Caire · Fayard · 1993
  118. Raymond · Cairo · Harvard University Press · 2000
  119. Shillington · Encyclopedia of African History · Taylor & Francis · 2005
  120. Shoshan · Popular Culture in Medieval Cairo · Cambridge University Press · 2002
  121. Sicker · The Islamic World in Decline: From the Treaty of Karlowitz to the Disintegration of the Ottoman Empire · Greenwood Publishing Group · 2001
  122. Swelim · Ibn Tulun: His Lost City and Great Mosque · The American University in Cairo Press · 2015
  123. Cairo - a City in Transition · UN-Habitat · 2011
  124. Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide · The American University in Cairo Press · 2008
  125. Winter · Egyptian Society Under Ottoman Rule, 1517–1798 · Routledge · 1992
  126. Beattie · Cairo: A Cultural History · Oxford University Press · 2005
  127. Butler · The Arab Conquest of Egypt – And the Last Thirty Years of the Roman Dominion · Butler Press · 2008
  128. Food and Foodways of Medieval Cairenes · 2011
  129. Sanders · Creating Medieval Cairo: Empire, Religion, and Architectural Preservation in Nineteenth-century Egypt · American University in Cairo Press · 2008
  130. Routledge Handbook of Sustainable Heritage · Taylor & Francis · 2022
  131. Willi Frischauer · The Aga Khans · Bodley Head · 1970
  132. Walker, Paul · Caliph of Cairo: Al-Hakim bi-Amr Allah, 996–??? · The American University in Cairo Press · 2010
  133. Jerome Murphy-O'Connor · Keys to Jerusalem: Collected Essays · OUP Oxford · 2012
  134. Ahmed (Sheikh.) · Muslim Architecture: From the Advent of Islam in Arabia to the Rise of the Great Ummayad Khilafat in Spain · Pakistan Institute of Arts and Design of Book-Production · 1974
  135. Phyllis G. Jestice · Holy People of the World: A Cross-cultural Encyclopedia · ABC-CLIO · 2004
  136. Delia Cortese and Simonetta Calderini · Women and the Fatimids in the World of Islam · Edinburgh University Press · 2006
  137. O'Leary · A Short History of the Fatimid Khalifate · Routledge · 1923
  138. Shen, Fuwei · Cultural flow between China and the outside world · Beijing: Foreign Languages Press · 1996
  139. Corduan · Neighboring Faiths: A Christian Introduction to World Religions · InterVarsity Press · 2013
  140. Makarim · The Druze faith · Caravan Books · 1974
  141. The Unforgettable Queens of Islam: Succession, Authority, Gender · Cambridge University Press · 2020
  142. Hunt Janin · The Pursuit of Learning in the Islamic World, 610–2003 · McFarland & Company Inc · 2005
  143. Michael Bonner · Jihad in Islamic History: Doctrines and Practice · Princeton University Press · 2006
  144. Michael Foss · People of the First Crusade: The Truth About the Christian-Muslim War Revealed · Arcade Publishing · 1997
  145. Wilferd Madelung · Journal of Near Eastern Studies · 2013
  146. Saifiyah · al-Jāmiʻ al-Anwar: The Luminous Masjid · Aljamea-tus-Saifiyah · 2016
  147. The World's Greatest Religious Leaders: How Religious Figures Helped Shape World History [2 volumes] · ABC-CLIO · 2018
  148. Nissim Dana · The Druze in the Middle East: Their Faith, Leadership, Identity and Status · Sussex Academic Press · 2003
  149. Stillman · Arab Dress: A Short History - From the Dawn of Islam to Modern Times · Brill Publishers · 2000
  150. Palestine Across Millennia: A History of Literacy, Learning and Educational Revolutions · Bloomsbury Publishing · 2022
  151. Christian-Muslim Relations. A Bibliographical History. Volume 2 (900–1050) · Brill · 2010
  152. Sir Thomas Walker Arnold · The preaching of Islam: a history of the propagation of the Muslim faith · A. Constable and co. · 1896
  153. Mordechai Nisan · Minorities in the Middle East: A History of Struggle and Self-expression · McFarland · 2002
  154. Cherine Badawi · Egypt · Footprint · 2004
  155. Zeidan Atashi · Druze and Jews in Israel: A Shared Destiny? · Sussex Academic Press · 1997
  156. Swayd · Historical dictionary of the Druzes · Scarecrow Press · 2006
  157. Swayd · The Druzes: an annotated bibliography · ISES Publications · 1998
  158. Damas et la Syrie sous la domination fatimide (359–468/969–1076): essai d'interprétation de chroniques arabes médiévales. Tome premier · Institut français de Damas · 1986
  159. Vatikiotis · The Fatimid Theory of State · Orientalia Publishers · 1957

موقع موثوق(105)

  1. Rock Crystal Ewer from the Keir Collection | DMA Content Management System
  2. Stewart · Encyclopaedia of Islam · Brill · 2007
  3. Al-Aqmar Mosque
  4. Fatimid Al-Aqmar mosque in Cairo
  5. Rebecca Erickson · The Druze
  6. At least 8 killed in building collapse in Cairo · 2024
  7. Gite · Beyond pyramids: Cairo is more than the land of Pharaohs · Network18 · 2025
  8. Egypt: Governorates, Major Cities & Towns - Population Statistics, Maps, Charts, Weather and Web Information
  9. Major Agglomerations of the World - Population Statistics and Maps
  10. TelluBase—Egypt Fact Sheet (Tellusant Public Service Series) · Tellusant
  11. Santa Maria Tours · Cairo – "Al-Qahira" – is Egypt's capital and the largest city in the Middle East and Africa. · PRLog · 2009
  12. World's Densest Cities - Forbes.com
  13. Historic Cairo
  14. Yonga · About Egyptian Exchange - african markets · 2020
  15. Richard · JDP Global Expands to Cairo, Egypt – JDP Global
  16. Academy · What Are the 15 Oldest Universities in the World? · 2023
  17. Herve · APM Economic Forum in Cairo: A Lever for African Growth · 2025
  18. A City of Millionaires: How Cairo Became North Africa's Richest Metropolis · 2025
  19. الشرق الأوسط
  20. Strategic Development of Greater Cairo - English Version | UN-Habitat
  21. Brandon Joseph
  22. Transport and Communications-SIS
  23. Cairo's third metro line beats challenges
  24. Cairo Metro Statistics
  25. The 2010 Global Cities Index
  26. City Mayors reviews the richest cities in the world in 2005
  27. Egypt ranks as second-largest economy in Africa by GDP in 2025 | IMF · 2025
  28. Egypt Retains Rank as Africa's Second-Largest Economy in 2025
  29. Zondi · EGYPT’S CAIRO CROWNED AFRICA’S MOST ATTRACTIVE CITY FOR 2025 · 2025
  30. Cairo Ranked as 'Top Business City in Africa' by Germany's Statista
  31. Cairo tops business cities in Africa in 2022: Cabinet - Economy - Business
  32. Ⲡⲓⲫⲓⲣⲓ ⲛ̀ⲧⲉ ϯⲁⲅⲓⲁ ⲙ̀ⲙⲏⲓ Ⲃⲉⲣⲏⲛⲁ · coptic.org
  33. Al-Ahram Weekly | Features | City of the sun · Weekly.ahram.org.eg · 2005
  34. Memphis (Egypt) · Microsoft · 2009
  35. National Geophysical Data Center / World Data Service (NGDC/WDS): NCEI/WDS Global Significant Earthquake Database. NOAA National Centers for Environmental Information · Significant Earthquake Information · NOAA National Centers for Environmental Information · 1972
  36. Egyptians report poor communication services on Day of Anger · Almasry Alyoum · 2011
  37. cairo to suez - Wolfram|Alpha
  38. Cairo Maps · Cairo Governorate
  39. Brinkhoff · Egypt: Governorates & Cities · City Population
  40. Ten Facts about Cairo, Egypt · About.com · 2011
  41. Egypte. Pollution: Forbes fâche les autorités du Caire · 2018
  42. World Map of Köppen-Geiger Climate Classification · Köppen-Geiger
  43. Sarajevo Climate Normals 1961–1990 · National Oceanic and Atmospheric Administration
  44. The strategic urban development master plan study for a sustainable development of the Greater Cairo region in the Arab Republic of Egypt : final report; Vol. 2. -Main report : strategic urban development master plan
  45. Regions
  46. Northern Area
  47. Eastern Area
  48. Areas
  49. Southern Area
  50. Capital Gardens
  51. Cairo population
  52. Central Agency for Public Mobilisation and Statistics (CAPMAS) · 2017 Census for Population and Housing Conditions · 2017
  53. People of Cairo
  54. 2022 Report on International Religious Freedom: Egypt · 2022
  55. Hackett · How many Christians are there in Egypt? · 2011
  56. 50 years on St Mark's, Pope consecrates renovated Cathedral · 2018
  57. Shawkat · How Egypt's last Jews will mark Hanukkah, and make sure their culture doesn't "disappear" with them · 2022
  58. Arab American Vehicles Co · Aav.com.eg
  59. Ghabbourauto.com · Ghabbourauto.com
  60. Welcome to MCV Web Site · Mcv-eg.com
  61. TradeHolding.com B2B Network · Panda, Buy from Mod Car. Egypt – Ash Sharqiyah – Middle East Business B2B Directory – Saudi Arabia, UAE, Bahrain Companies, Middle East Businesses, Products & Trade Leads, Arab Business · Gulfbusiness.tradeholding.com
  62. Seoudi Group 1001 opportunities for investment in Egypt and Arab World · Seoudi.com
  63. اسبرانزا ايجيبت · Speranza Egypt
  64. Welcome to Daewoo Motor Website · Aboulfotouh.com
  65. As-Salam International Hospital | Cairo
  66. Dar al Fouad Hospital | Leading hospital in Egypt and Middle East
  67. Children's Cancer Hospital Egypt 57357(CCHE) website
  68. "القومية للأنفاق" تقرر إلغاء وصلة مترو مطار القاهرة وتستبدله بـ"شاتل باص" · 2020
  69. On Cairo's dying trams
  70. Tawfeek · Egypt to build country's first ever monorail in Cairo · 2017
  71. Egypt becomes first country to debut new intercity Uber bus service · 2020
  72. SWVL: An Egyptian Startup out to Reinvent Urban Mass Transit | Egyptian Streets · 2017
  73. Reem Leila · Reaching an impasse · Weekly.ahram.org.eg · 2006
  74. Cairo taxi drivers press demands to shut down Uber, Careem - Politics - Egypt
  75. Bolt launches its ride-hailing operations in Cairo — Trade with Estonia · 2024
  76. Chinese ride sharing app Didi Chuxing to operate in Egypt mid-September · 2021
  77. Cairo International Film Festival - Short Film Competition
  78. Sport in Egypt
  79. FIFA
  80. Report of the IOC Evaluation Commission for the Games of the XXIX Olympiad in 2008 · International Olympic Committee · 2000
  81. The 11th Arab Games
  82. CAF - Confedération Africaine du Football · CAFOnline.com
  83. Welcome to the website of the Egyptian Rugby Football Union (ERFU)!
  84. LoRé · Why Egyptians Are so Dominant at Squash · 2018
  85. Cross Egypt Challenge
  86. Tahrir Square soon to boast ancient obelisk and stone rams · 2020
  87. Egypt Defies Archaeologists' Protests by Relocating Four Ancient Sphinxes
  88. Under Constraction
  89. Main Gallery - NMEC Objects shows Egyptian civilization
  90. Ask-Aladdin · Cairo Tower | Cairo Tower, Egypt Cairo Tower | Cairo Tower information | Cairo Tower Facts - AskAladdin
  91. Toler · In Fragments from Fustat, Glimpses of a Cosmopolitan Old Cairo · 2016
  92. Islamic Egypt's first capital under threat · 2014
  93. Egypt's #MeToo Activists See Progress, but 'the Road Ahead Is Long' · 2020
  94. Holidays to Cairo | Egyptian Holidays | Africa Odyssey
  95. Cairo traffic is much more than a nuisance
  96. Battling Cairo's traffic congestion · 2016
  97. Whittaker-Wood · The Most Polluted Cities in the World · The Eco Experts · 2018
  98. A black cloud over Cairo | Earthdata
  99. Brotherhood & Friendship Agreements · Cairo
  100. Al-Azhar Mosque shines after years-long restoration - Politics - Egypt
  101. Al-Mashareq · Al-Sisi, Saudi Crown Prince inaugurate Al-Azhar Mosque renovation
  102. Daftary · ḤĀKEM BE-AMR-ALLĀH
  103. Gamal Nkrumah · The crazed caliph · Al-Ahram Weekly Online · 2009
  104. Sara Elkamel · Caliph of Cairo: The rule and mysterious disappearance of al-Hakim bi-Amr Allah · Egypt Independent · 2010
  105. Cairo's House of Knowledge

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة