تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

الفتح العربي وعصر الولاة

~641 – ~868 م

11 فصلًا · 119 دقيقة قراءة · 87 مرجعًا

  1. 641 م

    المقدّمة

    دقيقتا قراءةالفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِمِصْر، هو سِلسلةٌ من الحملات والمعارك العسكريَّة التي خاضها المُسلمون تحت راية دولة الخِلافة…

    الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِمِصْر، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِمِصْر، هو سِلسلةٌ من الحملات والمعارك العسكريَّة التي خاضها المُسلمون تحت راية دولة الخِلافة الراشدة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة بين عامي 640م و642م، وانتُزعت على إثرها ولاية مصر الروميَّة من يد الروم ودخلت في دولة الإسلام، بعد عِقدٍ من عودتها لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، إذ كان الفُرس الساسانيّون قد انتزعوها من الأخيرة لِفترةٍ وجيزة.

    شكَّل فتحُ مصر امتدادًا لِفتح الشَّام، وقد وقع بعد تخليص فلسطين من يد الروم، وقد اقترحهُ الصحابيّ عمرو بن العاص على الخليفة عُمر بن الخطَّاب بِهدف تأمين الفُتوحات وحماية ظهر المُسلمين من هجمات الروم الذين انسحبوا من الشَّام إلى مصر وتمركزوا فيها. ولكنَّ عُمر كان يخشى على الجُيوش الإسلاميَّة من الدخول لِأفريقيا ووصفها بأنَّها مُفرِّقة، فرفض في البداية، لكنَّهُ ما لبث أن وافق، وأرسل لِعمرو بن العاص الإمدادات، فتوجَّه الأخير بجيشه صوب مصر عبر الطريق الذي سلكه قبله قمبيز والإسكندر، مُجتازًا سيناء مارًا بِالعريش والفرما. ثُمَّ توجَّه إلى بلبيس فحصن بابليون الذي كان أقوى حُصون مصر الروميَّة، وما أن سقط حتَّى تهاوت باقي الحُصون في الدلتا والصعيد أمام الجُيوش الإسلاميَّة. وقد تمَّ لعمرو بن العاص الاستيلاء على مصر بسقوط الإسكندريَّة في يده سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م. وعقد مع الروم مُعاهدة انسحبوا على إثرها من البلاد وانتهى العهد البيزنطي في مصر، وإلى حدٍ أبعد العهد الروماني، وبدأ العهد الإسلامي بِعصر الوُلاة؛ وكان عمرو بن العاص أوَّل الولاة المُسلمين.

    تختلف الروايات الإسلاميَّة والقبطيَّة في سرد حوادث الفتح، لكنَّها تجمع على أنَّ الروم استعبدوا المصريين أثناء حُكمهم وجعلوا مصر ضيعة للإمبراطور البيزنطي ومن قبله الروماني، وعُرفت بمخزن غلال روما. وكان اختلاف عقيدة المصريين عن عقيدة الروم سببًا في اضطهادهم من قِبَل الإمبراطوريَّة، فقد اتخذ البيزنطيّون المذهب الخلقدوني الذي ينص على اتحاد الطبيعتين، الإلهيَّة والبشريَّة، في شخص المسيح، اتحادًا غير قابل للانفصام، مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة دون غيره، بينما كان المصريّون يأخذون بالمذهب اللاخلقدوني المونوفيزيتي (اليعقوبي)، وقد حاول الروم فرض مذهبهم على جميع الرعايا، فنفر منهم المسيحيّين اليعاقبة، وفضَّلوا الهيمنة الإسلاميَّة كونها تضمن لهم حُريَّة المُعتقد. إعتنقت الغالبيَّة العُظمى من المصريين الإسلام بعد تمام الفتح، وبقي قسمٌ منهم على المسيحيَّة، واستمرَّ هؤلاء يُعرفون بالقِبط أو الأقباط، ومع مُرور الزمن استعرب المصريّون وأصبحت اللُغة العربيَّة لُغتهم الأُم، واقتصرت اللُغة القبطيَّة على الطُقوس والتراتيل الكنسيَّة. وقد قُدِّر لِمصر أن تحتلَّ مركزًا بارزًا ورائدًا في ظل العُهود الإسلاميَّة اللاحقة، فأصبحت مركزًا أساسيًّا من مراكز الإسلام في العالم، كما تزعَّمت حركة القوميَّة العربيَّة في أواسط القرن العشرين الميلاديّ.

  2. نُبوءة فتح مصر في المُعتقد الإسلامي

    دقيقة قراءة واحدةيُؤمن المُسلمون بأنَّ الرسول مُحمَّد تنبأ وبشَّر بِفتح مصر قبل حُصول هذا الأمر بِسنواتٍ عديدةٍ، ووردت في ذلك عدَّة أحاديث، ومن ذلك حديثٌ رواه الإمام مُسلم بن الحجَّاج في صحيحه عن جابر بن سمُرة عن نافع بن عُتبة عن الرسول…

    يُؤمن المُسلمون بأنَّ الرسول مُحمَّد تنبأ وبشَّر بِفتح مصر قبل حُصول هذا الأمر بِسنواتٍ عديدةٍ، ووردت في ذلك عدَّة أحاديث، ومن ذلك حديثٌ رواه الإمام مُسلم بن الحجَّاج في صحيحه عن جابر بن سمُرة عن نافع بن عُتبة عن الرسول أنَّهُ قال:، ومن المعروف أنَّ مصر كانت جُزءًا من بلاد الروم. وكذلك فقد أخبر الرسول بفتح مصر تحديدًا، ودعا إلى الإحسان إلى أهلها إكرامًا لهاجر أُم النبي إسماعيل وزوجة النبيّ إبراهيم، فقد كانت من أرض مصر، كما أخبر بدخول أهلها في الإسلام واشتراكهم مع إخوانهم في التمكين له. فقد ورد عن عن أبي ذرٍّ الغفَّاريّ أنَّهُ قال:. قال:. وفي روايةِ لابن حبَّان أنَّ الرسول قال عن أهل مصر:. وفي روايةٍ أُخرى عن عبد الملك بن مسلمة عن الليث وابن لهيعة بأنَّ الرسول مُحمَّد قال عندما حضرته الوفاة:.

  3. العلاقات العربيَّة المصريَّة قبل الفُتوح

    3 دقائق قراءةعرف العرب مصر مُنذُ حقبٍ بعيدة، وذلك بِفضل ما كان بينها وبين شبه الجزيرة العربيَّة من صَلاتٍ أبرزُها الصلة التجاريَّة. ذلك أنَّ مصر كانت مُنذ العصر الفرعوني دولةً بحريَّة تجوبُ سُفُنها التجاريَّة البحرين المُتوسِّط…

    عرف العرب مصر مُنذُ حقبٍ بعيدة، وذلك بِفضل ما كان بينها وبين شبه الجزيرة العربيَّة من صَلاتٍ أبرزُها الصلة التجاريَّة. ذلك أنَّ مصر كانت مُنذ العصر الفرعوني دولةً بحريَّة تجوبُ سُفُنها التجاريَّة البحرين المُتوسِّط والأحمر، وهيمنت على التجارة الشرقيَّة، والمعروف أنَّ الفراعنة شقَّوا طُرُقًا ملاحيَّةً تصلُ البحر الأحمر بِفُروع النيل لِتسهيل الحركة التجاريَّة، ومنها تاجروا مع الحجاز واليمن وحضرموت. ولم تكن الطُرق البحريَّة الأداة الوحيدة التي تصل مصر بشبه الجزيرة العربيَّة، بل كان مضيق السُويس أداة اتصالٍ بينهُما. فقد كان في شبه جزيرة سيناء طريقٌ عبَّدهُ المصريّون القُدماء، يُؤدّي إلى مناجم النُّحاس فيها، وكان هذا الطريق يتَّصل بِشمالي الحجاز ويتقاطع عند تيماء مع الطريق الذاهب إلى العراق، ويتَّصل بِطريق القوافل المُنحدر إلى مكَّة واليمن، إنَّهُ الطريق التُهامي المُوازي تقريبًا لِساحل البحر الأحمر من عدن إلى أيلة - العقبة - ومنها إلى مصر.

    كان المصريّون يحملون البضائع التجاريَّة إلى بلاد العرب ويُقيمون فيها ريثما يعودون بِتجارة الشرق، وكذلك فعل العرب، فكانوا يحملون تجارة الشرق إلى مصر ويُقيمون فيها ريثما يعودون إلى بلادهم. ومن أبرز القصص والأدلَّة على ذلك ما ورد في سفر التكوين عن قصَّة النبيّ يُوسُف وقافلة الإسماعيليين (العرب) التي كانت جمالُهم تحملُ كثيراء وبلسانًا ولاذنًا، فقد جاء في الإصحاح السابع والثلاثين:. ولقد أدَّت هذه الحركة التجاريَّة إلى استقرار جالية مصريَّة في بلاد العرب، وإقامة جالية عربيَّة في مصر. ويُشير بعض الباحثين والمُؤرخين إلى هذه العلاقة التاريخيَّة الوثيقة بين مصر والعرب، وعلى رأسهم المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت الذي أكد لدى رحلته لِمصر قبل الميلاد تواجد العرب من أبناء شبه الجزيرة العربيَّة في مصر سواء من جهة الشمال في سيناء والمناطق المُجاورة أو من جهة الجنوب في ولايات الصعيد والبحر الأحمر. وبحسب الجُغرافي جمال حمدان فإنَّهُ وقبل ظُهور الإسلام كانت حركة التاريخ الإقليمي والتجارة والعلاقات والهجرات بلا انقطاع بين غرب شبه الجزيرة العربيَّة ووادي النيل خاصة بين مصر والجزيرة في الشمال. وعلى نطاقٍ محليٍّ أصغر انتقلت جالية من صعيد مصر إلى مدينة في الحجاز قبل الإسلام حتى استقرَّت وتوطَّنت، ويُقال أنَّ أصل أبنائها هم الذين استقبلوا النبي بالترحيب عندما هاجر من مكَّة إلى يثرب.

    استمرَّت الصلة التجاريَّة بين مصر وشبه الجزيرة العربيَّة قائمة بعد قضاء الرومان على حُكم البطالمة في مصر، تقوى حينًا وتضعف أحيانًا. ثُمَّ حدث أن ورثت بيزنطة المناطق الشرقيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة في القرن الخامس الميلاديّ على إثر انقسام هذه الأخيرة إلى قسمين شرقي وغربي، في الوقت الذي استأنف فيه العرب رحلاتهم التجاريَّة، وبِخاصَّة رحلة الصيف إلى الشَّام حيثُ كانت بعض القوافل تنحدر عند أيلة إلى مصر. ويدلُّ ذلك على أنَّ جُزءًا مُهمَّا من البضائع الشرقيَّة كان مُعدًّا للتصدير بحرًا إلى موانئ البحر المُتوسِّط عبر ميناء الإسكندريَّة. كوَّن العرب، بِحُكم هذا الواقع التجاري، صورةً عن أوضاع مصر، زادها القُرآن وُضوحًا حين تحدَّث عن غنى هذا البلد الزراعي. فقد ورد في القُرآن تعقيبٌ على ما حدث من غرق فرعون وقومه:. وجاء أيضًا:، وورد على لِسان بني إسرائيل بعد أن أخرجهم النبيّ موسى من مصر:. وقد أثبت بعضُ الباحثين اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين اللُّغة المصريَّة القديمة واللغة العربيَّة، مما يدل على أنَّ عرب شبه الجزيرة لم يكفوا عن الخُروج منها والتدفق على مصر قبل وطوال التاريخ المكتوب. وكانت صحراء سيناء وأطراف الدلتا بالنسبة لهم منطقة انتقال وتأقلم إلى أن يتم اندماجهم وتشرُّبهم. ويؤكِّد جمال حمدان أنَّ ذلك يعني بوضوح إنَّ تعريب مصر سبق في بدايته الفتح الإسلامي، وأنَّه قديمٌ في مصر قدمًا أزليًّا وإن كان الفتح نفسه هو الخطوة الحاسمة.

    وفي عصر الرسالة، ومن خِلال عالميَّة الدعوة الإسلاميَّة، أرسل الرسول مُحمَّد العديد من المبعوثين إلى مُلوك وأُمراء الشرق الأدنى، ومنهم نجاشي الحبشة أصحمة بن أبجر، وكسرى الثاني شاه فارس، وهرقل قيصر الروم، والمُقوقس قيرس السَّكندري عامل الروم على مصر، يدعُوهم إلى الإسلام. وكان حامل الرسالة إلى المُقوقس هو حاطب بن أبي بلتعة، وقد ورد فيها:. والمُلفت أنَّ ردَّ المُقوقس كان لطيفًا، بل أكثر الأجوبة مُجاملةً، فكتب يقول:. وقد اصطفى النبيُّ لِنفسه إحدى الجاريتين، وهي ماريَّة القبطيَّة، فتزوَّجها وولدت لهُ إبراهيم، وكان يقول:.

  4. أوضاع مصر عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة

    12 دقيقة قراءةكانت الأوضاع السياسيَّة في مصر عشيَّة الفتح الإسلامي مُضطربة نتيجة قُرونٍ من الاستغلال الروماني والبيزنطي. فقد اتَّصف الحُكمُ الرومانيُّ لِمصر بالتعسُّف، وبرع الرومان في ابتكار الوسائل التي تُتيح لهم استغلال موارد…

    الوضع السياسي

    كانت الأوضاع السياسيَّة في مصر عشيَّة الفتح الإسلامي مُضطربة نتيجة قُرونٍ من الاستغلال الروماني والبيزنطي. فقد اتَّصف الحُكمُ الرومانيُّ لِمصر بالتعسُّف، وبرع الرومان في ابتكار الوسائل التي تُتيح لهم استغلال موارد البلاد. ففرضوا على المصريين نُظُمًا ضريبيَّةً مُتعسِّفة شملت الأشخاص والأشياء والصناعات والماشية والأراضي، فضاق المصريُّون ذرعًا بها وقاموا بِعدَّة ثورات ضدَّ الحُكم الروماني لعلَّ أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس (161 - 180م)، وتُعرف بِحرب الزراع أو «الحرب البوكوليَّة» (نسبةً إلى المنطقة المعروفة باسم «بوكوليا» الواقعة في شمالي الدلتا)، ولكنَّ الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كُل مرَّة. وبعد انقسام الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي، تبعت مصر الإمبراطوريَّة الشرقيَّة أو «البيزنطيَّة». كان الحُكمُ البيزنطيُّ لِمصر، مُباشرًا ومُستبدًا، يُدارُ بواسطة حاكمٍ يُعيِّنهُ الإمبراطور، لكنَّ الحُضور السياسي كان ضعيفًا، ممَّا أدّى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحُكم المركزي والشعب المصري. وكان المظهر الوحيد للسِّيادة المركزيَّة والإدارة التي تؤمِّن مصالح الدولة الحاكمة، هُو وُجود مراكز عسكريَّة في المُدن الكُبرى، وبعض الحاميات المُنتشرة في الداخل. وكانت مصر، بوصفها مُرتبطة مُباشرةً بالحُكم المركزي، تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعاتٍ ومُؤامراتٍ من أجل السُلطة. فتعرَّض المصريّون لِأشد أنواع المُضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس (602 - 610م)، فما اشتهر به عهده من المُؤتمرات والاغتيالات، إنَّما حدَّد الإطار الخارجيّ الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أدَّى إلى انتشار الفوضى والتفكَّك البطيء في الحُكومة والمُجتمع. وقد تأثَّرت مصر بِذلك، فامتلأت أرض الصعيد بِعصابات اللُصوص وقُطَّاع الطُرق، وغزاها البدو وأهل النوبة. واضطربت أوضاع مصر السُفلى أيضًا وأضحت ميدانًا للشغب والفتن والثورات بين الطوائف، التي كانت توشك في بعض الأحيان أن تتحوَّل إلى حُروبٍ أهليَّة. وانصرف الحُكَّام إلى جمع المال لِخزينة الإمبراطوريَّة بِغض النظر عن مشروعيَّة الوسائل أو عدم مشروعيَّتها، فاضطرمت مصر بِنار الثورة.

    وتعرَّضت الإمبراطوريَّة في هذه الأثناء إلى كارثةٍ خطيرة، إذ هُزمت عسكريًّا في البلقان وآسيا الصُغرى والشَّام، واجتاحتها الجُيوش الفارسيَّة الساسانيَّة. ثُمَّ شرع الفُرس بِغزو مصر، فسقطت الإسكندريَّة في أيديهم في سنة 619م، ولم تلبث مصر كُلَّها أن أضحت تحت حُكمهم. شعر المصريّون بِحُريَّة لم يعهدوها من قبل في ظل حُكم فوقاس، ذلك أنَّ الفُرس تركوا لهم أمر الحُكم على نحوٍ من اللامركزيَّة المألوفة في بلادهم، وأسقطوا عنهم كثيرًا من الأعباء التي كانت تُرهقهم وإن ظلّوا مُتعالين عليهم بوصفهم الطبقة الحاكمة. وهكذا استهلَّ القرن السابع الميلاديّ والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تسيرُ في طريق الانحدار، ولم يُنقذ الموقف إلَّا ثورة حاكم أرخونيَّة إفريقية هرقل الأكبر، على حُكم فوقاس، وانحازت إليه مصر، ونجح هرقل في خلع فوقاس وتولّى ابنه هرقل الأصغر الحُكم. وبًفضل ما اتخذه من تدابير إصلاحيَّة، عسكريَّة وإداريَّة، نهض لِقتال الفُرس، واستردَّ ما فقدته الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة على أيديهم، فاستعاد الشَّام ومصر. وكان المصريّون يأملون أن يجدوا في الحُكم الجديد سيرًا أرفق بهم ممَّا كانوا يُعانونه من عسف فوقاس، وبأن يُكافأهم هرقل على مُساندتهم له، وألَّا يُرهقهم حُكمه. والواقع أنَّهُم لم يشعرُوا بِخيبة أملٍ بالغة في بادئ الأمر، إذ ليس ثمَّة ما يدعو إلى الشك بأنَّ هرقل كان حريصًا على أن يستقطب المصريين، وكان واليه على مصر نيقتاس يرى لزامًا عليه أن يُجزيهم على ما قدَّموه من خِدمة للإمبراطوريَّة. لكن سُرعان ما خاب أملهم، فقد عاد الحُكم البيزنطي إلى سيرته الأولى من التعسُّف، ممَّا أدّى إلى التباعد بين الشعب وحُكَّامه، كانت تُغذيه باستمرار المُحاباة القمعيَّة التي ارتبطت بِآخر الحُكَّام البيزنطيين، ألا وهو المُقوقس، الذي سعى إلى تنفيذ برنامج هرقل الهادف إلى تدعيم مركزيَّة النظام بِضرب المذاهب المُتعارضة مع المذهب الرسمي للدولة.

    الوضع الإداري

    كانت مصر ولايةً رومانيَّة تابعةً مُباشرةً لِروما مُنذُ سنة 31 ق.م، حين استولى الرومان عليها وقضوا على حُكم آخر سُلالةٍ فرعونيَّة فيها، وهي السُلالة البطلميَّة الإغريقيَّة، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنًا يمُدُّ روما بِحاجتها من الغِلال. وفي سنة 381م جُعلت مصر أبرشيَّةً مُستقلَّة، وتنُصُّ وثيقة الكرامات العرضيَّة أنَّ الأبرشيَّة كان يحكُمُها فيقار واتبعت ولاية الشرق الإمبراطوريَّة، وضمَّت ست مُقاطعات، هي: مُقاطعتيّ مصر وأغسطُمنِكة اللتان تأسستا في القرن الرَّابع الميلاديّ، ومُقاطعة أركادية التي تأسست سنة 397م، ومُقاطعة طيبة، ومُقاطعة ليبيا الدُنيا، ومُقاطعة ليبيا القُصوى أو برقة. ظلَّت مصر تحت الحُكم الروماني ما يزيد على أربعة قُرون. ففي سنة 395م انقسمت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة إلى قسمين شرقي وغربي. وعلى الرُغم من استمرار فكرة وحدة الإمبراطوريَّة، فقد حكم إمبراطوران معًا، واحد في الشرق وآخر في الغرب. وفي سنة 476م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان في حين نجا القسم الشرقي الذي عُرف بالإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وعاصمته القُسطنطينيَّة. وكانت شمالي أفريقيا ومن ضمنها مصر تابعة لِهذه الإمبراطوريَّة من خِلال ما كان يُعرف بِأرخونيَّة إفريقية، إلَّا أنَّها بِظُروفها السياسيَّة والدينيَّة، تُعدُّ امتدادًا طبيعيًّا للشَّام مع بعض الاختلاف في المدى الذي ترتبط فيه بالحُكم المركزي في القُسطنطينيَّة. فقد وحَّدت بينهُما الديانةُ المسيحيَّة، ولكن وفقًا لِعقيدةٍ ومذهبٍ مُخالفٍ لِعقيدة الإمبراطوريَّة الرسميَّة.

    الوضع الاقتصادي

    كانت مصر إحدى أغنى ولايات الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة إن لم تكن أغناها مالًا وزرعًا وخيرات. وكانت بيزنطة تراها مصدرًا هاما للثراء كما كان الحال زمن الرومان، وقد اعتمد الروم على مصر لِتزويد الإمبراطوريَّة بالحُبوب كما فعل أسلافهم. ولم يقتصر ثِقل مصر الاقتصادي على إنتاج الحُبوب، بل تعدَّاها إلى صناعة الزُجاج والتعدين وورق البردي والكثير من المُتنجات الصناعيَّة الأُخرى، من شاكلة: النسيج والمواد الطبيَّة والعُطور وصناعة الفخار والصناعات الغذائيَّة والزيت، والنبيذ والخبز والمحاجر ومواد البناء، إلى جانب الصناعات المُتعلِّقة بالذهب والفضَّة والنُّحاس والبرونز؛ بالإضافة إلى تجارة التوابل من الهند والبُخُور من الحجاز واليمن والأحجار الكريمة من فارس والأخشاب من الشَّام والعاج من جنوب الصحراء الكُبرى بأفريقيا، عبر أساطيلها المُنتشرة عبر البحر الأحمر وفُروع النيل، وقوافلها عابرة الصحاري.

    وقد اعتُبرت أرض مصر خِلال الحقبتين الرومانيَّة والبيزنطيَّة صمام الأمان لغذاء العالم وسلَّة طعامه وفاكهته، إذ كانت تُصدِّر لِروما وحدها 11 مليون أردب من القمح، وكانت قادرةً على إطعام جميع ولايات العالم الرومي، لِدرجةٍ جعلت البيزنطيين يفرضون على المصريين من عهد قسطنطين الأوَّل ضرائب غذائيَّة وأشهرها ضريبة القمح والشعير والفول والكتَّان والزيتون وكانت تُجمع لِصالح الجيش الرومي. وكان النظام الضريبيّ الذي فرضه الروم في مصر نظامًا جشعًا وصارمًا شمل كُل الأنشطة الاقتصاديَّة مثل الزراعة والصناعة والتجارة، وكانوا دائمًا ما يُغيرون قوانينهم الضريبيَّة والماليَّة وطُرق جمع الضرائب حسب الظُروف من أجل إحكام قبضتهم على البلاد. وكان من ضمن هذه الضرائب ضريبة «الأنونا المدنيَّة» وكانت عبارة عن كميَّاتٍ من القمح وباقي المحاصيل تُشحن من مصر إلى القُسطنطينيَّة حسب احتياجاتها وكان يُطلق على هذه الشُحنة «الشُحنة السعيدة». وكانت الكميَّة المُرسلة من الشُحنة الغذائيَّة تصنع حوالي 80,000 رغيف خبز يوميًّا. وخلال الفترة المُمتدَّة من سنة 284م حتى 642م، كانت ضريبة الأنونا المدنية تُدفع لِكنائس الإسكندريَّة على شكل كميَّاتٍ من القمح، حتَّى جاء الإمبراطور يُوليان وألغى الضريبة. وكانت الضرائب المفروضة على الأراضي الزراعيَّة تُجبى حسب منسوب النيل، وكان للقُرى خزانة للضرائب تتصل بها إدارة للحسابات لتحديد المصروفات والجبايات يُشرف عليها موظف حُكومي رومي، يُناط به إعداد القوائم الخاصة بالضرائب، وإثبات أسماء أهل القرية، وما أدَّاه كُلٌ منهم من الضرائب. وقد كتب المُؤرِّخ اليهودي فيلون السَّكندري يصف حال المصريين في ظل النظام الضريبي الرومي، فقال أنَّ جُباة الضرائب كانوا يستولون على جُثث أولئك الذين عجزوا عن سداد الضرائب خلال حياتهم، ثُمَّ أدركهم الموت، حتَّى يُكرِهوا أقربائهم على دفع الضرائب المُتأخرة عليهم؛ استنقاذًا لجُثثهم، كما ذكر أنَّ الزوجات والأطفال وغيرهم من الأقرباء كانوا يُحشرون إلى السُجون، ويُصَبُّ عليهم التعذيب حتى يعترفون بمكان المُفلس الهارب، فكان يحدث أن يهرب الأهالي من مُدن بِرُمَّتها بحال أفلس مُعيلهم.

    الوضع الديني

    كان أغلب المصريين قبل الفتح الإسلامي يُدينون بالمسيحيَّة، ومنهم قلَّة ضئيلة تُدينُ باليهوديَّة. وكانت مصر في طليعة البُلدان الشرقيَّة التي تسرَّبت إليها المسيحيَّة في القرن الأوَّل الميلادي، وانتشرت تدريجيًّا في جميع أنحاء البلاد في القرن الثاني. أمَّا اليهود فوُجودهم في مصر قديم، يرجع إلى زمن النبيّ يُوسُف وفقًا للمُعتقدات الإبراهيميَّة، وقد وردت قصَّة انتقالهم إليها وخُروجهم منها في التوراة والقُرآن، ويظهر بأنَّ جُمهرةً من اليهود عادت إلى مصر آتيةً من فلسطين خِلال العهد البطلمي، فاستوطنت الإسكندريَّة وضواحيها، إذ أنَّ المصادر التاريخيَّة العائدة لِتلك الفترة تنصُّ على تمركُزهم في هذه النواحي. وكان لهُم جالياتٌ أُخرى في بعض مُدن الصعيد، وكذلك في الفيُّوم، كما كان في البهنسا جالية يهوديَّة كبيرة وكانت تُقيم في حيًّ خاصٍّ بها. وتحوَّل كثيرٌ من اليهود إلى المسيحيَّة، مع احتفاظهم بِأسمائهم القديمة. وتُشيرُ بعض أوراق البردي إلى أنَّ كثيرًا من اليهود في العصر البيزنطي كانوا يشتغلون بالتجارة. ويُلاحظ بأنَّ المصادر التاريخيَّة القديمة والحديثة قلَّما تُشيرُ إلى اليهود في مصر في ذلك العصر، ولعلَّ سبب ذلك هو ما ساد هذا العصر من خِلافاتٍ مذهبيَّة ودينيَّة وسياسيَّة، وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ اليهود كانوا حريصين على أن يبتعدوا عن هذه الخِلافات لِيُمارسوا حياتهم الدينيَّة ونشاطهم الاقتصادي بِهُدوء. وتاريخُ المسيحيَّةِ في مصر يبدأ بِهجرة العائلة المُقدَّسة إليها هربًا من ظُلم حيرود الأوَّل ملك اليهوديَّة، وبعدها بِسنوات أقبل بعض الحواريين إلى مصر داعين الناس إلى ترك عبادة الأوثان وعبادة الله، وأقبل الحواري مرقس، فأنشأ الكنيسة المرقسيَّة في الإسكندريَّة، التي انتقلت إليها زعامة المسيحيَّة لاحقًا، وفيها كتب إنجيله. وقد تعارضت التعاليم المسيحيَّة مع المفاهيم الرومانيَّة المُتعلِّقة بِتأليه الإمبراطور وعبادته، ورفض النصارى الخدمة في الجيش الروماني، واتخذوا الأحد أوَّل أيَّام الأُسبوع لِيكون فُرصةً لِمُباشرة طُقوسهم الدينيَّة، لِذلك رأت الحُكومة الرومانيَّة أنَّ اعتناق المسيحيَّة هو جُرمٌ في حق الدولة، وعدَّت النصارى فئة هدَّامة، تُهدد أوضاع الإمبراطوريَّة وسلامتها، فمنعت اجتماعات النصارى، ونظَّمت حملات الاضطهاد ضدَّهم. بدأت هذه الحملات ضدَّ نصارى مصر أثناء حُكم الإمبراطور سپتيموس سڤيروس (193 - 211م). وظلَّ هؤلاء يتعرَّضون لاضطهادٍ كبيرٍ، وتسامُحٍ قليلٍ إلى أن تولّى دقلديانوس (284 - 305م) عرش الإمبراطوريَّة، حيثُ بلغ اضطهادُ النصارى حدَّهُ الأقصى. قاوم المسيحيّون في مصر هذا الاضطهاد بِقُوَّةٍ وعناد، وقد انبثقت عن هذه المُقاومة حركةً قوميَّة أخذت تنمو تدريجيًّا، وليس أدلَّ على ذلك من أنَّ الكنيسة القبطيَّة بدأت تقويمها، الذي سمَّتهُ «تقويم الشُهداء»، بالسنة الأولى من حُكم دقلديانوس، وذلك نتيجةً لِما خلَّف الاضطهاد من أثرٍ كبيرٍ في نُفوس المصريين.

    تحسَّن وضع النصارى في مصر بعد أن اعترف الإمبراطور قُسطنطين الأوَّل بالمسيحيَّة دينًا مسموحًا به ضمن الديانات الأُخرى في الإمبراطوريَّة، بِموجب مرسوم ميلانو الشهير في سنة 343م، ثُمَّ بعد أن أصبحت المسيحيَّة الدين الرسمي الوحيد للإمبراطوريَّة في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأوَّل (379 - 395م).

    لكنَّ مصر لم تنعم طويلًا بهذا النصر الذي أحرزتهُ المسيحيَّة، إذ ثار الجدل والنزاع مُنذُ أيَّام قُسطنطين الأوَّل بين النصارى حول طبيعة المسيح، وقد تدخَّل قُسطنطين الأوَّل في هذه النزاعات الدينيَّة البحتة وعقد مجمع نيقية سنة 325م من أجل ذلك، وناقش هذا المجمع مذهب القس آريوس السَّكندري، الذي أنكر صفة الشبه بين الأب والابن، وعدَّ أنَّ «ابن الله» ليس إلَّا مخلوقًا، فأنكر بذلك أُلوهيَّة المسيح، وتقرَّر بُطلان مذهبه والإعلان عن أنَّ الابن من جوهر الأب نفسه. واتَّخذ مُعظم الأباطرة الذين جاؤوا بعد قُسطنطين الأوَّل موقفًا عدائيًّا من مُعتقدات النصارى في مصر، ممَّا أدَّى إلى احتدام الجدال والنزاع الديني بين كنيستيّ الإسكندريَّة والقُسطنطينيَّة، وقد بلغ أقصاهُ في مُنتصف القرن الخامس الميلاديّ حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح. فاعتقدت الكنيسة القبطيَّة بأنَّ للمسيح طبيعة إلهيَّة واحدة (مونوفيزيَّة)، وتبنَّت كنيسة القُسطنطينيَّة القول بِثُنائيَّة الطبيعة المُحدَّدة في مجمع خلقدونيَّة، ورأت أنَّ في المسيح طبيعة بشريَّة وطبيعة إلهيَّة، وتبنَّت هذا المذهب لِيكون مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة، وأنكرت نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة، كما حرموا ديسقوروس بطريرك الإسكندريَّة حرمانًا كنسيًّا. لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر ما أقرَّهُ مجمع خلقدونيَّة وأطلقوا على أنفُسهم اسم «الأرثوذكس» أي أتباع الديانة التقليديَّة الصحيحة، وعُرفت الكنيسة المصريَّة مُنذ ذلك الوقت باسم «الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة»، ومال المصريّون إلى الانفصال عن الإمبراطوريَّة، فأعلنوا التمرّد، وكانت أولى مظاهره إلغاء كنيسة الإسكندريَّة استخدام اللُغة اليونانيَّة في طُقوسها وشعائرها واستخدمت بدلًا منها اللُغة القبطيَّة. وسُرعان ما تطوَّرت الأُمور في الإسكندريَّة إلى قلاقل دينيَّة عنيفة اتخذت صفة الثورات الوطنيَّة، تعرَّض خلالها المصريّون لِأشد أنواع الاضطهاد ولم تقمعها السُلطات إلَّا بعد أن أراقت دماء كثيرة. وعندما استولى هرقل على الحُكم، رأى أن يُنقذ البلاد من الخِلاف الديني، وأمل المصريّون بانتهاء عهود الاضطهادات وإراقة الدماء، لكنَّ النتيجة جاءت مُخيبة للآمال مرَّة أُخرى، إذ عهد هرقل بالرئاسة الدينيَّة والسياسيَّة في مصر للمُقوقس، وطلب منه أن يحمل المصريين على اعتناق مذهبٍ جديدٍ مُوحَّد يُوفِّق بين المذهبين الخلقدوني والمونوفيزي، هو المذهب المونوثيلستي، غير أنَّ كنيسة مصر رفضت هذا المذهب رفضًا قاطعًا، فاضطرَّ المُقوقس للضغط على المصريين وخيَّرهم بين أمرين: إمَّا الدُخول في مذهب هرقل الجديد وإمَّا الاضطهاد. وقبل أن يصل الحاكم الجديد إلى الإسكندريَّة في سنة 631م هرب البطريرك القبطي بنيامين الأوَّل، توقُعًا لِما سيحلُّ به وبطائفته. كان هذا القرار نذيرًا أزعج المصريين وأفزع رجالُ الدين منهم، وبخاصَّةٍ أنَّهُ كان لِهذا البطريرك مكانة مُحببة بين الأهالي. ولجأ المُقوقس إلى البطش والتعذيب، وقاسى المصريّون جميع أنواع الشدائد فيما سُمي «بالاضطهاد الأعظم» الذي استمرَّ عشرُ سنوات، ممَّا كان لهُ أثرٌ في سُهولة فتح المُسلمين لِمصر حيثُ وقف السُكَّان، بشكلٍ عام، على الحياد في الصراع الإسلامي - الرومي على مصر.

    الوضع العسكري

    ترك الروم في مصر حاميةً عسكريَّةً كبيرة لِحمايتها ودفع الأخطار عنها بوصفها إحدى أهم الولايات وأثراها، ولِأنَّ انسلاخها عن الإمبراطوريَّة من شأنه أن يؤثِّر سلبًا عليها. وتشكلت الحامية العسكريَّة الروميَّة في مصر من ثلاث فرق مُوزَّعة على الأقاليم الثلاثة: واحدة في الإسكندريَّة، والاثنتان الأخريتان في سائر القطر المصري؛ إلى جانب تسع سرايا: ثلاث في الإسكندريَّة، وثلاث على الحُدود الحبشيَّة في أسوان جنوب مصر، وثلاث في سائر أنحاء القطر المصري. فضلًا عن ثلاث وحدات من الفُرسان مُعيَّنة في مناطق الخطر. وانقسمت القُوَّات العسكريَّة في مصر إلى عدَّة فرق هي: فرقة الأتباع، ويجري تجنيد أفرادها عن طريق الإلزام أو التطوُّع أو الوراثة لأبناء الجُنود المُسرَّحين؛ جيشُ الحُدود أو الأطراف؛ وهي الفرقة التي تُرابط على الحُدود الغربيَّة والجنوبيَّة، وتقوم بِحراسة الحُدود وتُرابط في القلاع؛ وفرق جيش المُعاهدين وتتألف من الجرمان والمُغامرين الوافدين من خارج حُدود الإمبراطوريَّة، ويتولَّى قيادتهم قادة مُعينون من قبل الإمبراطور نفسه. وزيد على هذه الفئة الجُند المأجورين الذين استخدمهم بعض كبار المُلَّاك للحراسة الخاصَّة. وقد اشترطت الحُكومة البيزنطيَّة أن يتفرَّغ الجُنود المُرابطين في مصر للقتال فقط دون غيره، وحرَّمت عليهم القيام بالأعمال التجاريَّة. ولم يكن في بداية الأمر يُسمح للمصريين بالانخراط في الخدمة العسكريَّة، ولكن عُدل عن هذه السياسة وسُمح لهم بدُخول الجيش إمَّا بالتطوع أو الاقتراع أو الوراثة.

    تراوح عدد عناصر كُل وحدة من وحدات الجيش البيزنطي في مصر بين 300 إلى 500 جُندي، بينما تراوح عدد الجيش بالكامل بين 25 إلى 30 ألف جُندي، يرأس قيادة كُل وحدةٍ منها قائد يُسمَّى «التريپون» (عُرِّب إلى «أرطبون»)، بينما الدوق هو القائد الأعلى للكتائب المُرابطة في إقليمه، وبذلك خضعت الجُيوش في مصر لِقيادة خمسة أدواق. وعلى الرُغم من ضخامة الحامية العسكريَّة في مصر إلَّا أنَّها عانت من عُيوبٍ مُتعدِّدة، فقد كان هذا الجيش مُجرَّد أداة لِقمع الشعب ومُساعدة الشُرطة في تحصيل الضرائب وإخماد الثورات ضدَّ الحُكم الرومي، كما أنَّ جُنوده لم يكونوا على تدريبٍ جيِّد بسبب مُرابطتهم في مصر على الدوام وعدم خوضهم الحُروب، ونتيجةً لِما كان يتمتع به المُجنَّد من امتيازاتٍ في مُقدِّمتها الإعفاء من الضرائب، فقد أصبح الالتحاق بالجُنديَّة وسيلةً للهُروب من وطأتها على المُواطنين، فتطوَّع الكثير من الفلَّاحين وأصحاب المهن ممَّا جعل الجيش يتكوَّن من عناصر رديئة ليس لها علاقة بالجُنديَّة. أضف إلى ذلك فإنَّ القيادة العسكريَّة لم تكن مُوحدة، الأمر الذي جعل كُل دوق يُواجه ما تتعرض له دوقيَّته من أخطار مُنفردًا، وغالبًا ما تقاتل هؤلاء مع بعضهم البعض تحقيقًا لِمصالحهم الشخصيَّة، كما أنَّ روح الولاء لِبيزنطة كانت مُنعدمة تقريبًا عند المصريين، كما أدَّى تغلغل النزاعات الطائفيَّة بين صُفوف الجيش إلى عدم ترابطه وتناغمه.

  5. دوافع فتح مصر والتمهيدات

    دقيقتا قراءةيرتبطُ فتحُ مصر بِأهميَّتها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وذلك بما لديها من خصائص وما تُوفرهُ من إمكاناتٍ على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة. ويروي ابن عبد الحكم أنَّ عمرو بن العاص أشار على عُمر بن الخطَّاب بِفتحها وقال:.…

    يرتبطُ فتحُ مصر بِأهميَّتها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وذلك بما لديها من خصائص وما تُوفرهُ من إمكاناتٍ على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة. ويروي ابن عبد الحكم أنَّ عمرو بن العاص أشار على عُمر بن الخطَّاب بِفتحها وقال:. والمعروف أنَّ عمرو كان قد سافر إلى مصر في الجاهليَّة لِلتجارة، فوقف على معالِمها وعلى أوضاعها الداخليَّة، وبِخاصَّةً النزاعُ الدينيّ بين البيزنطيين الحاكمين وبين الشعب المصري الذي يُخالفهم في المذهب، وظنَّ أنَّ المصريين سوف يمتنعون عن مُساعدة الحاميات العسكريَّة البيزنطيَّة المُنتشرة في مصر إذا هاجمها المُسلمون، وممَّا زاده اقتناعًا بما يظُنَّهُ ما تناهى إلى أسماع المصريين عن سياسة المُسلمين المُتسامحة في الشَّام. اجتمع عمرو بن العاص بِعُمر بن الخطَّاب في الجابيَّة حين جاء إلى الشَّام لِيتفقَّد أحوالها بعد طاعون عمواس، وعرض عليه فتح مصر وطلب السماح لهُ بالمسير إليها.

    وهُنا تظهر لِأوَّل مرَّة في المصادر العربيَّة والإسلاميَّة فكرة فتح مصر وكأنَّها فكرةٌ طارئة عنَّت لِعمرو بن العاص الذي كان يسعى للحُصول على ميدانٍ جديدٍ يُظهرُ فيه نشاطه، وحسَّنها للخليفةُ عُمر. وتُجري بعض المصادر أنَّ فكرة فتح مصر تعود إلى عُمر بن الخطَّاب نفسه الذي أمر عمرو بالمسير إليها. والواقع أنَّ فتح مصر أضحى ضرورةً بعد فتح الشَّام. وقد أثارت هذه البلاد اهتمام المُسلمين الجدِّي بعد أن وقفوا على أوضاعها السياسيَّة والاقتصاديَّة والدينيَّة المُتردية، ذلك أنَّ تطلُّعات عمرو بن العاص ومن خِلالها عُمر بن الخطَّاب تكمن في فتح مصر وضمِّها إلى الدولة الإسلاميَّة من خِلال هذا الواقع. ويُمكنُ حصر الدوافع الإسلاميَّة لِفتح مصر في ثلاث نقاط:

    وكان عُمر بن الخطَّاب يتخوَّف دائمًا من مُتابعة الزحف قبل أن يُرسِّخ المُسلمون أقدامهم في المناطق التي فتحوها في العراق والشَّام، خاصَّةً بعد عام الرمادة وطاعون عمواس سنة 18هـ المُوافقة لِسنة 639م، حيثُ قضى عشرات الأُلوف من الجُوع والوباء. ثُمَّ اقتنع بِفكرة عمرو بن العاص بِضرورة الزحف من الشَّام إلى مصر، كما اقتنع بعدها بِقليل بِضرورة الزحف من العراق إلى فارس. فعهد إليه بِقيادة العمليَّة ووضع بِتصرُّفه ثلاثة آلاف وخمسُمائة جُندي، وقيل أربعة آلاف أو خمسة آلاف، وطلب منهُ أن يجعل ذلك سرًّا وأن يسير بِجُنده سيرًا هنيًّا. وهكذا سار عمرو بن العاص إلى مصر مُخترقًا صحراء سيناء ومُتخذًا الطريق الساحليّ، ومع ذلك بقي عُمر بن الخطَّاب مُترددًا، حتَّى يبدو أنَّهُ عدل عن موفقته فأرسل كتابًا إلى عمرو بن العاص وهو بِرفح فلم يستلمهُ ويقرأهُ إلَّا بعد أن دخل حُدود مصر. ويعتقد البعض أنَّ تلك كانت حيلةً بارعةً جعلته يزحف نحو مصر دون أن يُخالف أمر الخليفة. وقيل أنَّ عمرو بن العاص سار إلى مصر من تلقاء نفسه، ثُمَّ استأذن عُمر بن الخطَّاب، وقيل لم يستأذنه، فغضب عليه وأرسل إليه الكتاب المذكور، فلم يقرأه إلَّا بعد دُخوله مصر، كما قيل أنَّ الكتاب وافاه وهو بالعريش داخل حُدود مصر.

  6. مسير العمليَّات العسكريَّة

    28 دقيقة قراءةوصل الجيش الإسلامي إلى العريش في عيد الأضحى يوم 10 ذو الحجَّة 18هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 639م، فوجدها خالية من القُوَّات البيزنطيَّة، فدخلها. وشجَّع ذلك الأمر عمرو بن العاص على استئناف التقدُّم، فغادر…

    فتح العريش والفرما

    وصل الجيش الإسلامي إلى العريش في عيد الأضحى يوم 10 ذو الحجَّة 18هـ المُوافق فيه 12 كانون الأوَّل (ديسمبر) 639م، فوجدها خالية من القُوَّات البيزنطيَّة، فدخلها. وشجَّع ذلك الأمر عمرو بن العاص على استئناف التقدُّم، فغادر العريش سالكًا الطريق الذي كان يسلكهُ المُهاجرون والفاتحون والتُجَّار مُنذُ أقدم العُصور، ثُمَّ انحرف جنوبًا تاركًا طريق السَّاحل، واتَّخذ الطريق الذي سار فيه الفُرس عندما استولوا على مصر، حتَّى وصل إلى الفرما. كانت أنباء زحف المُسلمين قد وصلت إلى مسامع المُقوقس فاستعدَّ للتصدّي لهُم، ولكنَّهُ آثر ألَّا يصطدم بهم في العريش أو الفرما وتحصَّن وراء حصن بابليون، ولعلَّ مرد ذلك يعودُ إلى:

    افتقر عمرو إلى آلات الحصار، إذ لم يكن للمُسلمين عهدٌ بِأساليب حِصار المُدن، واعتمدوا في فُتوحهم لِمُدن العراق والشَّام على المُواجهة أو الصبر عليها إلى أن يضطرَّها الجوع ونقص المُؤن إلى الاستسلام. وهكذا ضرب عمرو الحصار على الفرما، وتحصَّنت حاميتها البيزنطيَّة وراء الأسوار، وجرت مُناوشاتٌ بين الطرفين استمرَّت مُدَّة شهر، بينما يذكر ياقوت الحموي أنَّ القتال بالفرما استمرَّ مُدَّة شهرين من الزمن، ثُمَّ اقتحمها المُسلمون في 19 مُحرَّم 19هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 640م. كان أهلُ الفرما وفق بعض المُؤرخين عربًا مسيحيّون من موالي الروم، وكانوا يُؤدون الأموال إلى المُقوقس، وقد رحبوا بالمُسلمين من واقع صلة الرحم، كما كان يسكُنها مصريّون، وتُشيرُ بعض الروايات التاريخيَّة أنَّ المصريين من أبناء المدينة ساعدوا عمرو بن العاص ضدَّ الروم، ذلك أنَّ بطريرك الإسكندريَّة بنيامين الأوَّل لمَّا بلغتهُ أخبار قُدوم عمرو بن العاص على رأس الجُند المُسلمين إلى مصر، كتب إلى المصريين يُبشرهم بِقُرب زوال مُلك الروم، وانتهاء حُكمهم في مصر. وطلب من المصريين مُساعدة المُسلمين وقائدهم، كما قيل أنَّهُ وجَّه رسالةً إلى جميع الأساقفة يطلب إليهم أن يُناصروا الفاتحين الجُدد.

    أمَّن فتح الفرما للمُسلمين المركز المُسيطر على خُطوط مُواصلاتهم مع الشَّام، وضمن لهم وُصول الإمدادات التي وعدهم بها عُمر بالإضافة إلى طريق الانسحاب إذا تعرَّضوا للهزيمة. ولمَّا كانت قُوَّاته قليلة العدد، ولا يُمكنه ترك حامية عسكريَّة لِحراستها، فقد هدم عمرو أسوار المدينة وحُصونها حتَّى لا يستفيد البيزنطيّون منها فيما لو امتلكوها ثانيةً.

    فتح بِلبيس

    تابع عمرو توغُّلهُ في أرض مصر بعد فتح الفرما، وانضمَّ إليه جُندٌ من البدو المُقيمين على تُخوم الصحراء المصريَّة، طمعًا في الغنيمة، فعوَّضوا المُسلمين عمَّن فقدوه حتَّى ذلك الوقت. وسار مُنحدرًا إلى الجنوب فتخطَّى مدينة مجدل القديمة إلى موقع القنطرة المُعاصر، ومن ثُمَّ توجَّه غربًا إلى القصاصين - الصالحيَّة - ثُمَّ انحرف جنوبًا فاجتاز وادي الطميلات حتَّى بلغ بِلبيس، وفتح خلال سيره سنهور (موقعها قرب المناجاة الكبرى) وتنيس. وقد اختار هذا الطريق لِخُلُوِّه من المُستنقعات، ولم يلقَ في طريقه الطويل هذا مُقاومةٌ تُذكر لا من جانب السُكَّان ولا من جانب البيزنطيين، ولم يكن يُدافع إلَّا بالأمر الخفيف. ضرب عمرو الحصار على المدينة وقاتل حاميتها الروميَّة شهرًا. وكان الروم قد تحصَّنوا فيها بِقيادة الأرطبون، وكان بها «أرمانوسة» ابنة المُقوقس، وقد جهَّزها بِأموالها وجواريها وغلمانها وهي في طريقها نحو قيسارية لِتتزوَّج من قُسطنطين بن هرقل. وينفردُ الواقدي بالإشارة إلى يوقنا - صاحب حلب - وكان قد اعتنق الإسلام، تقدَّم على رأس بعض الجُند وقد تنكروا بزيِّ الروم حتَّى وصل بِلبيس، في مُحاولةٍ منه أن يستطلع الأخبار ويُمهِّد الأُمور، فلم يعلم أحدٌ من البيزنطيين بما أراده، ولمَّا علم بِوُجود أرمانوسة في المدينة، سار إليها حتَّى يُوهمها بأنَّهُ قادمٌ من قِبل قُسطنطين لِيحملها إليه في القُسطنطينيَّة، فأحسنت إليه ولِصحبه أولًا، ولكنَّها ما لبثت أن علمت بالخديعة التي أرادها، فأعدَّت العدَّة لِقتاله وبعثت بِكتابٍ إلى أبيها المُقوقس تُعلمه بما حدث، وتُخبرهُ بِتقدُّم جُند المُسلمين في الأراضي المصريَّة، وسألته الاستعداد لِلقائهم وإرسال قُوَّة لِنُصرتها عليهم.

    ولمَّا عرف المُقوقس بِوُصول المُسلمين جمع كِبار رجال ولاية مصر وسألهم المشورة، فاقترحوا عليه إرسال جيش إلى أرمانوسة لِمُساعدتها ضدَّ المُسلمين، إلى جانب الاستنجاد بِجيرانه لِنُصرته عليهم، وجمع الجُيوش من جميع البلاد المصريَّة، استعدادًا لِمُواجهة الغُزاة. ولكنَّ المُقوقس أبى ذلك، وأعلم الحاضرين بِأنَّهُ مهما استعد فلن يقوى على هؤلاء، وأنَّهُ من الحكمة أن يُرسل إلى ابنته كتابًا يطلب فيه منها التلطُّف في مُعاملة يوقنا ومن معه من الجُند المُسلمين، ومنحهم الأمان، وإرسالهم إليه لِتطيب خاطرهم. بالمُقابل، يُشيرُ البعض إلى أنَّ المُقوقس أرسل قُوَّةً عسكريَّةً للاستطلاع، ولكنَّها لم تُحاول إلَّا مُناوشة المُسلمين في قتالٍ خفيفٍ، إلَّا أنها فشلت في مُهمَّتها وخسرت المعركة، فتمزَّق الجيش، وقُتل منهُ نحو ألف جُنديّ وأُسر نحو ثلاثة آلاف وفرَّ الباقون، كما خسر المُسلمون بعض الجُند ودخلوا على إثر ذلك مدينة بِلبيس. أمَّا أرمانوسة فأرسلها عمرو بن العاص في جميع مالها إلى أبيها المُقوقس، في صُحبة قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، الذي قال للمُقوقس في حديثٍ طويلٍ له معه:، أي أنَّ فتح المُسلمين لِمصر لا بُدَّ وأن يقع، وعرض عليه الإسلام مرَّة أُخرى، فوعدهُ المُقوقس بِعرض الأمر على قومه، مع الإشارة إلى أنَّهُ واثق من عدم استجابتهم له.

    فتح أُم دنين

    سار عمرو بن العاص من بِلبيس مُتاخمًا للصحراء، فمرَّ بِمدينة عين شمس ثُمَّ هبط إلى قريةٍ على النيل اسمُها «أُم دنين»، وتقعُ إلى الشمال من حصن بابليون، وعسكر قريبًا منها. اشتهرت أُم دنين بِحصانتها، وكان يُجاورها مرفأ على النيل فيه سُفنٌ كثيرة، حتَّى أنها كانت تُعتبرُ ميناء قلب مصر، وما كان المُقوقس لِيرضى بِأن تقع في أيدي المُسلمين. وأدرك أخيرًا خطأ ما اتخذهُ من قرار الإحجام والتصدي للمُسلمين باكرًا حتَّى وصل خطرهم إلى قلب مصر، فغادر الإسكندريَّة إلى حصن بابليون لِيُدير العمليَّات العسكريَّة ويُشرف عليها، وحشد جيشًا استعدادًا للقتال. وجرت بين الجيش الإسلامي وحامية المدينة بعض المُناوشات على مدى عدَّة أسابيع لم تُسفر عن نتيجة حاسمة لِأيٍّ منهُما، إنَّما بدأ المُسلمون يشعُرون بِتناقص عددهم بمن كان يُقتل منهم في الوقت الذي لم يتأثر البيزنطيّون كثيرًا بِفُقدان بعض جُندهم، فاضطرَّ عمرو أن يُرسل إلى الخليفة عُمر في المدينة المُنوَّرة يستحثُّه في إرسال إمدادات على وجه السُرعة، فوعدهُ بذلك. والواقع أنَّ موقف عمرو كان حرجًا، فقد علم من خِلال العُيون التي بثَّها في المنطقة أنَّهُ لن يستطيع أن يُحاصر حصن بابليون أو يفتحه بمن بقي معهُ من الجُند، وبالتالي فتح مدينة منف المُتصلة به، كما أنَّهُ يتعذَّر عليه التراجع حتَّى لا يفُتَّ في معنويَّات جُنوده، فيُقوِّي عليهم عدُوِّهم، بالإضافة إلى أنَّهُ كان مُصرًّا على فتح منف، غير أنَّهُ كان لديه بصيصُ أمل من واقع وعد الخليفة بِإمداده بالمُساعدة. ودار في غُضون ذلك قتالٌ شديدٌ تحت أسوار أُم دنين، وكانت كفَّة الصراع مُتأرجحة بين النصر والهزيمة من واقع توازن القوى. لكنَّ الإمدادات تأخَّرت في الوُصول، وتضايق المُحاصرون، وكاد اليأسُ يدبُّ في نُفوسهم. ولمَّا كان فتح أُم دنين يُشكَّل ضرورةً قُصوى حتَّى يستفيد المُسلمين من السُفن الرَّاسية في المرفأ لاجتياز النهر، رأى عمرو أن يُشغل جُنوده بِنصرٍ آخر كسبًا للوقت حتَّى تصل الإمدادات، فقسَّم جُندهُ إلى مجموعتين: ترك إحداها في حصار أُم دنين، وقاد الأُخرى بنفسه إلى مدينة عين شمس. ووصلت في غُضون ذلك طلائع الإمدادات، وبلغت وفق بعض المصادر أربعة آلاف جُنديّ بِقيادة الزُبير بن العوَّام، ويذكر المُؤرخون المُسلمون أنَّ المدد الذي بعث به الخليفة إلى عمرو بن العاص كان اثني عشر ألف مُقاتل، ويذكر بعضُهم أيضًا أنَّهُ كان عشرة آلاف فقط. ومهما يكن من أمر فقد قويت عزيمةُ المُسلمين بعد أن بلغتهم الإمدادات. وأُسقط في يد حامية أُم دنين فقلَّ خُروجهم لِلقاء المُسلمين، فاستغلَّ عمرو هذا الإحجام وشدَّد حِصاره على المدينة حتَّى سقطت في يده، وهُزمت حاميتها الروميَّة شرَّ هزيمة. وفي الحقيقة، أظهر عمرو بن العاص مقدار حنكته العسكريَّة والإستراتيجيَّة حين قسَّم جُندهُ إلى ثلاث فرق، حتَّى يُوهم عدوَّهُ بِكثرة المُسلمين، وجعلها تُحارب في ميادين ثلاثة مع تركيزه على الهدف الرئيسي، فكان لِهذا صدىً في انتصاره. تمكَّن بعضُ الروم وقادتهم من الفرار إلى حصن بابليون، في حين هلك كثيرٌ منهم، وسُرعان ما ترك هؤلاء الناجين الحصن ولجأوا إلى مدينة نقيوس، فرارًا من مذبحة قد تحلُّ بهم فيما لو تقدَّم المُسلمون.

    الإغارة على الفيُّوم

    تذكرُ بعض الروايات التاريخيَّة القبطيَّة أنَّ فتح الفيُّوم كان بعد حِصار أُم دنين وقبل فتح حصن بابليون، كما تُشيرُ إلى أنَّ عمرو بن العاص قد حاول فتح إقليم الفيُّوم قبل إتمام فتح أُم دنين، ولكن لم يُحالفه التوفيق. وتنصُّ هذه الروايات أنَّ عمرو سار ومن معهُ من المُسلمين إلى الجنوب بعد أن عبروا النهر سالمين، وتوجَّهوا نحو الفيُّوم، وعندما وصل إلى تُخومها وجد الحاميات البيزنطيَّة مُتأهبةً للتصدي لهُ بِقيادة «دومنتيانوس» حاكم الفيُّوم، فاصطدم بِقُوَّة الطليعة بِقيادة يوحنَّا وتغلَّب عليها وقتل قائدها إلَّا أنَّهُ لم يتمكن من فتح الفيُّوم. وعلِم في هذه الأثناء بِوُصول الإمدادات الإسلاميَّة، فعاد أدراجه إلى الشمال مُنحدرًا مع النهر، واتَّصل بالمدد العسكري في عين شمس على مقرُبةٍ من حصن بابليون. ولم يُحاول ثُيودور القائد العام للجيش البيزنطي أن يخرج من الحصن لِيحول دون التقاء الجيشين الإسلاميين مُضيعًا فُرصة بيزنطيَّة أُخرى. حقَّقت غارات عمرو بن العاص على الفيُّوم عدَّة فوائد للمُسلمين لعلَّ أهمَّها: إخراج الجيش الإسلامي من المأزق الذي وُجد فيه عند أُم دنين والانتقال به إلى مكانٍ أكثر أمانًا بانتظار وُصول الإمدادات الإسلاميَّة، وإنجاز بعض الانتصارات ممَّا رفع معنويَّات المُسلمين وفتَّ في عضد البيزنطيين الذين أظهروا حُزنًا بالغًا لِمقتل القائد يوحنَّا، وبثُّ الرُّعب في قُلوب الحاميات البيزنطيَّة المُنتشرة في النواحي، وإظهار الدليلُ القاطع للمصريين على أنَّ الوُجود البيزنطي في البلاد بدأ يتعرَّض لِخطرٍ حقيقيٍّ.

    معركة عين شمس

    كان من بين الجُنود الذين أرسلهم عُمر بن الخطَّاب عددٌ من كبار الصحابة، أمثال الزُبير بن العوَّام وعبادة بن الصَّامت والمُقداد بن الأسود ومسلمة بن مُخلَّد وغيرهم، فاغتبط المُسلمون بمقدمهم. وكان الهدف التالي لِعمرو فتح حصن بابليون، فعسكر في عين شمس واتَّخذها مقرًّا له، وراح يستعد لِمُهاجمة الحصن. والمعروف أنَّ موقع عين شمس يصلح لِأن يكون قاعدةً عسكريَّة، فهُو مُرتفع من الأرض يُحيطُ به سورٌ غليظ، ويسهُل الدفاع عنه، وتتوفَّر فيه المياه والمُؤن. وضع عمرو خطَّة تقضي باستفزاز الجُنود البيزنطيين وحملهم على الخُروج من حصن بابليون، لِيُقاتلهم في السهل خارج الأسوار. ويبدو أنَّ ثُيودور قائد الجيش البيزنطي شعر بالقُوَّة بما كان تحت إمرته من المُقاتلين، فخرج من الحصن على رأس عشرين ألفًا وسار بهم باتجاه عين شمس، وكانت على مسافة ستَّة أميال أو سبعة من المُعسكر الإسلامي؛ للاصطدام بالمُسلمين. وتلقَّى عمرو أنباء هذا الخُروج بِسُرورٍ بالغ، فعبَّأ قُوَّاته استعدادًا للقاء المُرتقب، ونفَّذ خطَّةً ذكيَّةً للاطباق على القُوَّات البيزنطيَّة، ففصل فرقتين من جيشه يبلغ عدد أفراد كُلٍ منها خُمسُمائة مُقاتل، وأرسل إحداهُما إلى أُم دنين، والأُخرى إلى مغار بني وائل (عند قلعة الجبل المُعاصرة) شرقي العبَّاسيَّة، وكانت بِقيادة خارجة بن حُذافة السهمي. وسار هو من عين شمس باتجاه القُوَّات البيزنطيَّة المُتقدِّمة، وتوقَّف في موضع العبَّاسيَّة الحالي ينتظر وُصول جُموع البيزنطيين لِيصطدم بهم. انتشرت القُوَّات البيزنطيَّة في السهل إلى الشمال الشرقي من الحصن، وإذ بلغهم خُروج المُسلمين من عين شمس، سُرّوا بذلك، وظنّوا أنَّهم ضمنوا النصر عليهم، فتعاهدوا على القتال حتَّى الموت، ولم يعلموا بِخطَّة عمرو العسكريَّة. ثُمَّ حدث اللقاء، وكان ذلك خِلال شهر شعبان سنة 19هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) سنة 640م، ولعلَّهُ كان في مكانٍ وسط بين المُعسكرين الإسلامي والبيزنطي عند العبَّاسيَّة المُعاصرة. وأثناء احتدام القتال، خرج أفراد الكمين الذي أعدَّهُ عمرو، فاجتاحت فرقة خارجة مُؤخرة الجيش البيزنطي التي فُوجئت وأُخذت على حين غرَّة، فحلَّت بالروم كارثة إذ وقعوا بين فكيّ الكمَّاشة، وتولَّى جُنودهم الفزع ودبَّت الفوضى في صُفوفهم، فحاولوا الفرار نحو أُم دنين، فأطبقت عليهم الفرقة الأُخرى، وأضحوا بين ثلاثة جُيوش، فانحلَّ نظامهم، وإذ أدركوا أنَّ لا أمل لهم في المُقاومة والصُمود لاذوا بالفرار لا يلوون على شيء، ونجحت فئة قليلة منهم ببلُوغ الحصن وهلكت فئة كبيرة. ودخل المُسلمون إلى أُم دنين مرَّة أُخرى، ووطدوا أقدامهم على ضفاف النيل. عندما بلغت أنباء الهزيمة من بِحصن بابليون من الجُند الروم خافوا على أنفُسهم، ففرَّ بعضهم عبر النهر إلى مدينة نقيوس إلى الشمال من منف، وبقي بعضُهم الآخر في الحصن للدفاع عنه. استغلَّ عمرو انتصاره الحاسم هذا، فنقل مُعسكره من عين شمس وضربهُ في شمالي الحصن وشرقه بين البساتين والكنائس، وهو المكان الذي عُرف فيما بعد بالفسطاط، ثُمَّ سار إلى مدينة منف واستولى عليها بدون قِتال. ولم يستطع الجيش البيزنطي الموجود في الحصن أن يمُد لها يد المُساعدة.

    فتح الفيُّوم

    تنُصُّ بعض الروايات التاريخيَّة القبطيَّة أنَّ عمرو بن العاص ما أن وصلهُ المدد من الخليفة حتَّى وجَّه جهُوده لِإتمام الاستيلاء على إقليم الفيُّوم. وتنص هذه المصادر على أنَّ من تولَّى الدفاع عن الفيُّوم كان قائد الحامية الروميَّة المدعو يوحنَّا، كما أقام الروم أيضًا حامية في مدينة اللاهون لِتُتابع تحرُّكات القُوَّات الإسلاميَّة وتنقل أخبارها إلى يوحنَّا وجُنده المُقيمين بالقُرب من شاطئ النهر. وأرسل الروم سريَّة من الرُماة والفُرسان لِتحول بين المُسلمين الفاتحين وبين تقدُّمهم نحو الفيُّوم. وهكذا بذلت القُوَّات الروميَّة كُل الجُهود العسكريَّة لِمُواجهة الفتح الإسلامي. واضطرَّ المُسلمون أمام هذه الاستحكامات البيزنطيَّة إلى الزحف في الصحراء، وواصلوا تقدُّمهم حتَّى وصلوا إلى البهنسا، وقضوا على حاميتها الروميَّة. ثُمَّ اتجهوا لِقتال حامية يوحنَّا التي لجأت إلى مدينة أبويط. ولكنَّ القُوَّات الإسلاميَّة حاصرتها وقضت عليها. وعلم ثيودوسيوس - حاكم إقليم الفيُّوم - وانستاس حاكم مدينة الإسكندريَّة - بانتصارات المُسلمين، فسارعا بالفرار إلى حصن بابليون، حيثُ لحق بهما بعض القادة من أبويط، وأخبراهم ومن معهم من القُوَّات المُحتشدة بِخُطورة الموقف.

    وبعد نجاح عمرو بن العاص وجُنده في الاستيلاء أُم دنين وإلحاق الهزيمة بالبيزنطيين، أعدَّ العدَّة لِإتمام فتح الفيُّوم. وكان يقوم بأمرها - بعد هرب ثيودوسيوس - شخصٌ يُدعى دومنتيانوس، فأصابهُ الذُعر عندما علم بانتصارات المُسلمين الساحقة على الروم، فأسرع بالفرار إلى مدينة نقيوس دون أن يعلم بِقراره أحد، تاركًا الفيُّوم وشأنها، فعلم عمرو بن العاص بذلك، واشتدَّ ساعده، وأرسل فرقة من جُنده نجحت في الاستيلاء على مدينة الفيُّوم ومدينة أبويط. وهكذا تمَّ للمُسلمين فتح إقليم الفيُّوم وباءت جُهودُ الروم بالفشل.

    هذه هي الروايات القبطيَّة التي تتحدَّث عن فتح المُسلمين لِإقليم الفيُّوم، ولكن المُؤرخين المُسلمين يجمعون على أنَّ فتح الفيُّوم كان بعد فتح حصن بابليون، وليس قبله، كما يذهب المُؤرِّخ القبطي يوحنَّا النقيوسي. كما أنَّ الروايات الإسلاميَّة تذكر أنَّ الذي قام بِفتح إقليم الفيُّوم أحد قادة عمرو، وتنُصُّ بعض المصادر أنَّه ربيعة بن حُبيش بن عوفطة الصرفي، وفي روايةٍ أُخرى أنَّه قيس بن الحارث المُرادي الذي عهد إليه عمرو أيضًا بِفتح بلاد الصعيد، وأنَّ ربيعة بن حُبيش قد لحق به عند مدينة القيس (التي قيل أنَّها سُميت بِذلك نسبةً إلى قيس بن الحارث نفسه) فاشتركا معًا في فتح إقليم الفيُّوم. في حين يذكر البلاذري أنَّ عمرو بن العاص لمَّا فتح حصن بابليون أرسل خارجة بن حذافة العدوي لِفتح الفيُّوم وقُرى الصعيد، فغلب عليها. وتُشيرُ بعض هذه المصادر الإسلاميَّة إلى أنَّ المُسلمين ظلَّوا يجهلون مكان إقليم الفيُّوم بعد فتح الحصن بسنةٍ كاملة، حتَّى دلَّهم إليه بعضُ المصريين، فأرسل عمرو بن العاص أحد قادته على رأس قُوَّة عسكريَّة لِفتح الفيُّوم، وأنَّ هذه القُوَّة توغلت في جنوبي الدلتا فاستولت على أثريب ومنوف في إقليم المُنوفيَّة. ويبدو أنَّ أهل مصر، من المسيحيين بِصفة خاصَّة، بدءوا يُقدِّمون المُساعدات الفعَّآلة للمُسلمين ويتعاونون معهم، بعد استيلائهم على إقليم الفيُّوم. فقد طلب عمرو من «أبي قيرس» حاكم دلاص أن يبعث إلى القُوَّات الإسلاميَّة في الفيُّوم بعض السُفن لِينتقلوا بها من الجانب الغربي للنيل إلى الجانب الشرقي للسيطرة على ضفَّتيّ النيل. كما طلب عمرو أيضًا من الأعيرج (لعلَّهُ تحريف لاسم جورج أو جرجس) حاكم إقليم منف، أن يبني جسرًا على قناة مدينة قليوب حتَّى يتمكَّن من فتح المُدن المصريَّة. كما أنَّ فتح مدينتيّ أثريب ومنوف تمَّ بمُساعدة المصريين النصارى له.

    فتح حصن بابليون

    لم يبقَ بِأيدي البيزنطيين سوى حصن بابليون، فكان هدف عمرو التالي قبل أن يتوجَّه إلى الإسكندريَّة لِفتحها. إذ لم يشأ أن يُشتِّت قُوَّاته ويُضعفها لِيذر قسمًا منها على حصار الحصن ولِيسير بالقسم الآخر إلى الشمال حتَّى يبلغ الإسكندريَّة، ممَّا يُشكِّلُ خطرًا على إنجازاته التي حقَّقها حتَّى ذلك الحين من واقع رد فعل البيزنطيين الذين سوف يستغلّون هذه الفُرصة لِيقوموا بِحركاتٍ ارتداديَّةٍ يستعيدون بِواسطتها ما فقدوه من أراضٍ ويطردون المُسلمين من مصر، لِذلك ركَّز جُهوده العسكريَّة على فتح الحصن، فسار إليه في شهر شوَّال سنة 19هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 640م وحاصره. ويقعُ حصن بابليون قُرب منف ومُقابل جزيرة الروضة التي تُحيط بها مياه النيل، وكان من أقوى الحُصون بعد الإسكندريَّة، وذلك بِسبب قربه من منف ولِمناعة أسواره، فهُو مبني بالطوب والحجر، ويبلغ عرض جُدرانه نحو ثمانية أقدام وارتفاعها نحو ستين قدمًا، وأبراجه مُرتفعة، وهو مُحاطٌ بالخنادق ومياه النيل. أدرك سُكَّان الحصن وأفراد حاميته أنَّ الحصار سوف يطول لِسببين: الأوَّل هو أنَّهُ بدأ في وقت فيضان النيل وارتفاع مياهه، فيتعذَّر على المُسلمين أن يجتازوه أو يُهاجموا الحصن، ولا بُدَّ لهم من الانتظار حتَّى هُبوط الفيضان؛ الثاني هو أنَّ مناعة الحصن ومتانة أسواره وما يُحيط به من الماء وضعف وسائل الحصار سوف يُشكِّلُ عائقًا أمام المُحاصرين من الصعب أن يجتازوه بسُرعة، وما غنموه من بعض آلات القتال لم يكن لهم خبرة باستعمالها أو بِطُرق إصلاحها إذا تعطَّلت، لِذلك استعدَّ الطرفان لِحصارٍ طويل. والواقع أنَّ الحصار لم يكن مُحكمًا، فقد ظلَّت طريق الإمدادات بين الحصن وجزيرة الروضة مفتوحة لِأنَّ عمرو لم يكن قد أحكم سيطرته على الطُرق المائيَّة بعد.

    كان عددٌ من حُكَّام الروم من ضمن المُتحصنين في بابليون، وما أن عرفوا بِقُدوم المُسلمين وانتصارهم في إقليم منف ومُساعدة بعض المصريين لهم، بادروا بالخُروج إلى الإسكندريَّة، تاركين الحامية تتولّى مُهمَّة الدفاع عنه، ومما زاد في إحباطهم وخوفهم أنَّ بعض المصريين اعتنقوا الإسلام وانضموا إلى الجيش الإسلامي بِقيادة عمرو بن العاص، فكانوا له خير أعوان وأدلَّاء يصحبونه ويدُلونه على الطُرق والمواقع، ويُخبروه عن أسرار وأوضاع الروم. يُشيرُ بعض المُؤرخين إلى أنَّ المُقوقس كان في جزيرة الروضة عندما ضرب المُسلمون الحصار على الحصن، وقيل كان في الحصن مع سائر القادة ولم يخرج منه إلَّا بعد شهر، أمَّا قيادة الجيش فكانت للأعيرج. وتراشق الطرفان بالمجانيق من جانب البيزنطيين والسهام والحجارة من جانب المُسلمين، مُدَّة شهر، حيثُ بدأ فيضان النيل بالانحسار. وأدرك المُقوقس أنَّ المُسلمين صابرون على القتال وأنَّهم سيقتحمون الحصن لا محالة، كما يئس من وُصول إمدادات من الخارج، فاضطرَّ إلى عقد اجتماع مع أركان حربه للتشاور في الأمر، وتقرَّر بذل المال لهم ليرحلوا عنهم وأن يذهب المُقوقس بِنفسه للتفاوض مع عمرو في هذا الشأن بشكلٍ سريٍّ حتَّى لا يعلم أحد من المُدافعين عن الحصن، فتهن عزائمهم. فخرج من الحصن تحت جُنح الظلام مع جماعة من أعوانه، وركب سفينة إلى جزيرة الروضة. فلمَّا وصل إليها أرسل رسالةً إلى عمرو مع وفدٍ ترأسهُ أُسقف بابليون، يعرض عليه أن يُرسل وفدًا لِإجراء مُفاوضات بِشأن التفاهم على حلٍّ مُعيَّن. تعمَّد عمرو بن العاص الإبطاء في الرَّد مُدَّة يومين وأبقى أعضاء الوفد عنده رغبةً منه أن يطَّلع المُقوقس وأهل مصر على بأس المُسلمين وحالهم. ومهما يكن من أمر، فقد عاد أعضاء الوفد بعد يومين يحملون رد عمرو يُخيِّرُ المُقوقس بين الإسلام أو الجزية أو القتال. كان من الصعب على المُقوقس وجماعته التخلّي عن المسيحيَّة واعتناق الإسلام، ذلك الدين الذي لا يعرفون عنهُ شيءًا، وبذلك رفضوا الشرط الأوَّل، وخشوا إن هُم قبلوا بدفع الجزية أن يستضعفهم المُسلمون، ويذُلُّوهم في الوقت الذي استبعدوا فيه فكرة الحرب خشية الهزيمة وبِخاصَّةٍ بعد أن وصف أعضاء الوفد وضع المُسلمين الجيِّد وتضامُنهم وجُهوزيَّتهم القتاليَّة. ومع ذلك فقد قبل المُقوقس الدُخول في الصُلح، وطلب من عمرو أن يُرسل إليه جماعةً من ذوي الرأي للتباحُث بِشُروطه، فأرسل إليه وفدًا بِرئاسة عبادة بن الصَّامت، فاستقبلهُ الروم والمصريّون حيثُ طمأنهم بأنَّهم سيكونون آمنين على أنُفسهم وأموالهم وكنائسهم وصُلبانهم ونسائهم وذراريهم إن هُم قبلوا دفع الجزية، ممَّا شجَّع المُقوقس على المضيّ في طريق الإذعان.

    استضاف عمرو - عقب هذا الصُلح - الروم ومن معهم من المصريين، وصنع لهم الثريد (الخُبز الذي يُفت ثُمَّ يُبل بالمرق) والعراق (العظم الذي أُكل لحمُه) وأمر أصحابه أن يقعُدون على رُكبهم إلى جانب الروم في مُحاولةٍ منه لِتهدئة روعهم والتأكيد على أنَّ المُسلمين لم يأتوا للاعتداء على الأهالي وسلبهم نفائسهم ومُقدَّساتهم. ولكن يبدو أنَّ القُبول بِقرار الاستسلام لم يكن عامًّا، فقد وُجدت فئة من الجُند رفضت الصُلح مع المُسلمين، وكانت بِقيادة الأعيرج، وأصرَّت على المُقاومة المُسلَّحة، عند ذلك طلب المُقوقس من عمرو المُهادنة مُدَّة شهر للتفكير في الأمر، فمنحهُ ثلاثة أيَّام. ولم تلبث أنباء المُفاوضات أن انتشرت بين عامَّة الجُند، فثارت ثائرتهم ضدَّ المُقوقس. ولمَّا انتهت أيَّامُ الهدنة، استعدَّ الطرفان لاستئناف القتال، وأحرز المُسلمون بعض الانتصارات ممَّا دفع المُقوقس إلى تجديد الدعوة لِأركان حربه للاستسلام، فقبلوا مُكرهين، واختار المُقوقس خصلة دفع الجزية، واشترط موافقة الإمبراطور هرقل وتجميد العمليَّات العسكريَّة حتَّى يأتي الرد من القُسطنطينيَّة، وتبقى الجُيوشُ في أماكنها خِلال ذلك، وتعهَّد أن يبعث بِعهد الصُلح إلى القُسطنطينيَّة لِأخذ مُوافقة الإمبراطور. غادر المُقوقس حصن بابليون وتوجَّه إلى الإسكندريَّة حيثُ أرسل عهد الصُلح إلى القُسطنطينيَّة وطلب مُوافقة هرقل عليه، لكنَّ الأخير لم يقتنع بِوجهة نظر المُقوقس بِشأن الصُلح مع المُسلمين، ورأى أنَّ العوامل القوميَّة والجُغرافيَّة التي ساعدت هؤلاء على فتح الشَّام غير مُتوفرة في مصر، وأنَّ بِحوزته - المُقوقس - قُوَّةٌ عسكريَّةٌ كبيرة تفوقُ في العدد قُوَّة المُسلمين، كما أنَّ الحصن كان متينًا يصعبُ على المُسلمين اقتحامه، فلا يُعقلُ والحالةُ هذه أن ينتصر المُسلمون، ولا بُدَّ من وُجود سر في الأمر أدَّى إلى هذه النكبة. واتَّهمهُ بالتقصير والخيانة والتخلّي للمُسلمين عن مصر، ونفاهُ بعد أن شهَّر به، ورفض عرض الصُلح مع المُسلمين. علِم المُسلمون بِرفض هرقل لِعهد الصُلح في شهر ذي الحجَّة 19هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 640م، فانتهت بذلك الهدنة واستأنف الطرفان القتال. كان المُدافعون عن الحصن قد قلَّ عددهم بسبب فرار كثيرٍ منهم إلى الإسكندريَّة، ولم تأتهم نجدة من الخارج، وبدأ المرض ينتشر بينهم، وانتهى فيضان النيل وغاض الماء عن الخندق حول الحصن، فأضحى بِمقدور المُسلمين الآن أن يُهاجموه. وتُشيدُ بعض المصادر التاريخيَّة بِجُهود الروم التي بُذلت للدفاع عن الحصن ومُقاومة الفتح الإسلامي. فقد ألقوا حسك الحديد في الخندق بدل الماء، وتراشقوا مع المُسلمين بالمجانيق والسهام. وجاءهم وهُم على هذه الحال نبأ وفاة الإمبراطور هرقل في شهر ربيع الأوَّل سنة 20هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 641م، ففتَّ ذلك في عضُدهم، واضطربوا لِموته، وتراجعت قُدرتهم القتاليَّة، ممَّا أعطى الفُرصة للمُسلمين لِتشديد الحصار قبل أن يقتحموا الحصن في 21 ربيع الآخر 20هـ المُوافق فيه 9 نيسان (أبريل) 641م. وقد اعتلى الزُبير بن العوَّام مع نفرٍ من المُسلمين، السُّور، وكبَّروا، فظنَّ أهلُ الحصن أنَّ المُسلمين اقتحموه، فهربوا تاركين مواقعهم، فنزل الزُبير وفتح باب الحصن لِأفراد الجيش الإسلامي فدخلوه. وفي رواية أنَّ الزُبير ارتقى السُّور، فشعرت حامية الحصن بِذلك، ففتحوا الباب لِعمرو وخرجوا إليه مُصالحين، فقبل منهم. ونزل الزُبير عليهم وخرج على عمرو من الباب معهم. واتفق أهلُ الحصن مع عمرو على رد ما أُخِذَ منهم عنوة والإبقاء على السبايا وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوب مجرى أهل مصر، ويقول ابن الأثير أن الخليفة عُمر عاد ورد سبايا من لم يُقاتلهم. وكان صُلحُهم: ساعد بعضُ المصريين عمرو بن العاص في أثناء حصاره للحصن، فقد تقدَّم إليه فريقان - على التوالي - أحدهُما بِقيادة شخص يُدعى مينا (ميناس)، والآخر بِقيادة قُزما (قُزماس) بن صموئيل، وقد قدموا على عمرو من الشاطئ الغربي للنيل، وكان هدفهم الكيد للروم، وهُم من أهالي إقليم الفيُّوم. وكانت المُعاونات التي يُقدِّمُها المصريّون للمُسلمون تدعمُ جُهودهم، وتُضعفُ من مُقاومة الروم، وتُحرج موقفهم، وتُقلل من هيبتهم. واتخذت المُساعدات التي قدَّمها المصريّون للجيش الإسلامي أثناء حِصار الحصن صُورًا عديدة، منها رفض أهل سمنود قتال المُسلمين عندما طلب منهم القائد ثُيودور ذلك كي يصرف انتباه عمرو عن الحصن بعض الشيء، كما قيل بأنَّ المصريّون من أعضاء الحامية الذين فتحوا أبواب الحصن لِعمرو رؤا في ذلك خير انتقامٍ لهم من الروم الذين لم يُراعوا حُرمة عيد الفُصح، فأخرجوا في هذا اليوم المصريين الذين كانوا في سجن الحصن - لِرفضهم اتباع مذهب الإمبراطور الديني - وأساؤا مُعاملتهم، فانهالوا عليهم ضربًا بالسياط وقطَّعوا أيديهم.

    وفاة هرقل وخِلافته

    تُوفي الإمبراطور هرقل يوم 24 صَفَر 20هـ المُوافق فيه 11 شُباط (فبراير) 641م، وسُرعان ما ساد الاضطراب عاصمة الإمبراطوريَّة بعد وفاته بِسبب النزاع الأُسري على العرش. فقد تزوَّج هرقل خلال حياته من امرأتين: فابيا إيدوسا ومارتينا، ورُزق بِولدين من الأولى وحوالي تسعة من الأُخرى، لكنَّ أغلب أولاده كانوا عليلين ومُصابين بِإعاقاتٍ جسديَّة وعقليَّة. وهكذا لم يبقَ من يتولَّى العرش بعد وفاته إلَّا ولديه الكبيرين الصحيحين، وهُما قُسطنطين الثالث ابن فابيا إيدوسيا البالغ من العُمر ثمانية وعشرين سنة، وهرقلوناس ابن مارتينا البالغ من العُمر خمسة عشر سنة. وخِلال السنوات الأخيرة من حياة الإمبراطور، أصبح واضحًا أنَّ النزاع حول السُلطة سيحتدم بين قُسطنطين ومارتينا التي كانت تُحاول فرض ابنها وليًّا للعهد، فما كان من هرقل إلَّا أن أشار في وصيَّته إلى أنَّهُ ينبغي أن يشترك الأخوان معًا في الحُكم وأن يتساويا في المكانة والحُقوق. ولِحرصه على أن يجعل لِمارتينا قدرًا من النُفوذ المُباشر في إدارة الدولة، أعلن في وصيَّته بأنَّهُ ينبغي أن تشترك الإمبراطورة الأُم في الحُكم. عندما أعلنت مارتينا وصيَّة زوجها لقيت مُعارضةً شديدةً من جانب أركان الحُكم والشعب، فأُثيرت نتيجة ذلك مسائل تتعلَّق بالوضع الدُستوري العام، إذ أقرَّ أفرادُ الشعب تولية الأخوين العرش غير أنَّهم لم يقُرّوا باشتراك مارتينا في إدارة الشُؤون العامَّة، وأعلنوا أنَّها بوصفها امرأة لا تُمثِّلُ الإمبراطوريَّة وليس لها أن تستقبل السُفراء، وزعمت مارتينا لِنفسها هذا الحق ووقع الشقاق داخل شطريّ الأُسرة الحاكمة.

    وهكذا ساد الصِّراعُ الحياة العامَّة في العاصمة البيزنطيَّة في وقتٍ تعرَّضت فيه الإمبراطوريَّة لِخطرٍ سياسيٍّ بالغ الشدَّة في الخارج. كان قُسطنطين الثالث أكثر أتباعًا وأنصارًا من أخيه غير أنَّهُ أُصيب بالمرض وتُوفي في 8 جمادى الآخرة 20هـ المُوافق فيه 25 أيَّار (مايو) 641م بعد أن حكم ثلاثة أشهر، وأضحى هرقلوناس مُتفردًا في الحُكم. والواقع أنَّ مارتينا هي التي كانت تُسيِّر شؤون الإمبراطوريَّة، فنفت أنصار قُسطنطين وقرَّبت أنصارها، وكان من بينهم البطريرك پيروس المونوثليستي. كانت مصر في رأس اهتمامات مارتينا، إذ أنَّ ضياع هذا البلد من شأنه أن يُعرِّض الإمبراطوريَّة لِنقصٍ في الأقوات، لِذلك أسرعت باستدعاء المُقوقس من المنفى، ووضعت ثقتها فيه، وأعادتهُ إلى منصبه السَّابق في مصر. كان المُقوقس لا يزالُ على رأيه أنَّ لا جدوى من مُقاومة المُسلمين، ولكنَّهُ تظاهر بالاقتناع بِحُجج الذين يرون ألَّا يدخل البيزنطيُّون في صُلحٍ مع المُسلمين، ووعدتهُ مارتينا بِمُساعدته بالإمدادات الكبيرة، وجهَّزت السُفن من أجل ذلك. أسرع المُقوقس بالسفر إلى مصر على رأس جيشٍ أُعدَّ لِهذه الغاية ورافقهُ عددٌ من القساوسة. ثُمَّ حدث أن تدهورت أوضاع مارتينا وابنها هرقلوناس بعد أن انقلب أصحاب السُلطة والنُفوذ في الإمبراطوريَّة على حُكومتهما، أمثال القادة العسكريّون ورجال الدين. وظلَّ الناسُ على كراهيتهم للإمبراطورة والبطريرك پيروس، وجرى اتهامهُما بأنَّهُما تآمرا ضدَّ قُسطنطين بِدسِّ السُّمِّ له، وطالبوا بأن يكون العرش لابن قُسطنطين الثالث ولم يكن يتجاوز الحادية عشر من عُمره واتخذ اسم هرقل عند تعميده، غير أنَّهُ عند تتويجه اتخذ اسم قُسطنطين وأطلق الناس عليه اسم «قُنسطانز» وهو مُصغَّر قُسطنطين. وثارت القُوَّات المُرابطة في آسيا الصُغرى ضدَّهُما وزحفت نحو العاصمة حتَّى بلغت خلقدونية، فاضطرَّ هرقلوناس للإذعان للثائرين وتُوِّج قُنسطانز قسيمًا لهُ في الحُكم، غير أنَّ هذا الإجراء لم يمنع سُقوطه في شهر شوَّال \ أيلول (سپتمبر)، كما تقرَّر عزل مارتينا، وتفرَّد قُنسطانز بالحُكم.

    الزحف نحو الإسكندريَّة

    كان لِسُقوط حصن بابليون، ذلك الموقع العسكري الحصين الذي حُشدت فيه أعظم طاقات البيزنطيين العسكريَّة في مصر، التأثير الجذري على مسار المعركة، فلم يعد هُناك مجالٌ للشك، بأنَّ المُبادرة قد أصبحت في أيدي المُسلمين، وأنَّ أبواب السيطرة قد فُتحت أمامهم على هذه البلاد الواسعة. ويُعدُّ هذا السُقوط بِمثابة انهيار خط الدفاع الأوَّل عن مصر، حيثُ أنَّ الطريق بات مفتوحًا إلى الإسكندريَّة. بعد الانتهاء من فتح حصن بابليون، طلب عمرو من الخليفة أن يأذن لهُ بالزحف نحو الإسكندريَّة لِفتحها وضمِّها إلى الأراضي الإسلاميَّة، وهي خُطوةٌ لا بُدَّ منها لاستكمال فتح مصر، ثُمَّ أخذ يُنظِّمُ إدارة البلاد المفتوحة. والحقيقة أنَّ الخليفة لم يتأخَّر في منح الإذن لِقائده بالسير إلى الإسكندريَّة، وبِخاصَّةً أنَّهُ علم أنَّ النيل سيعود بعد ثلاثة أشهر إلى مدِّه وفيضانه وأنَّهُ من الأفضل أن يسير جيش مصر إلى الإسكندريَّة قبل ذلك. وما لبث عمرو حين تسلَّم الإذن أن زحف نحو الإسكندريَّة، وترك حاميةً عسكريَّةً في حصن بابليون بِقيادة خارجة بن حُذافة السهميّ. كانت الإسكندريَّة في ذلك الوقت قصبة الديار المصريَّة، وثاني حواضر الإمبراطوريَّة بعد القُسطنطينيَّة، وأوَّلُ مدينةٍ تجاريَّةٍ في العالم، وقد أدرك البيزنطيّون أنَّ سُقوطها في أيدي المُسلمين من شأنه أن يُؤدّي إلى زوال سُلطانهم من مصر، وقد عبَّر الإمبراطور البيزنطي عن ذلك بِقوله:، فأسرعوا بِإرسال المُقوقس على رأس قُوَّةٍ عسكريَّةٍ كما سلف. وصل المُقوقس إلى الإسكندريَّة في شهر شوَّال سنة 20هـ، المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 641م، وفي نيَّته الدُخول في صُلحٍ مع المُسلمين بِسبب عجزه عن مُواجهتهم، وبِخاصَّةً أنَّهُ بدت في الأُفق السياسي ملامح انهيار الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، لكن يبدو أنَّ أركان حربه رفضوا هذا وأصرَّوا على المُقاومة.

    غادر عمرو بن العاص حصن بابليون في شهر جمادى الأولى 20هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) 641م، وقد آثر السير على الضفَّة اليُسرى للنيل، حتَّى لا تُشكِّلُ الترع الكثيرة المُنتشرة في جنوبي الدلتا عائقًا يُؤخِّر زحفه، وخِلال زحفه لقي كثيرًا من المُساعدات والمُعاونات التي قدَّمها المصريّون، فقد أصلحوا الطُرق، وأقاموا الجُسور والأسواق، كما اصطحب معهُ عددًا من زُعمائهم لِيكونوا أداة اتصالٍ بينهُ وبين من يلقاهم في طريقه. ولم يلق عمرو أيَّة مُقاومة على طُول الطريق من حصن بابليون إلى الإسكندريَّة حتَّى بلغ قرية ترنوط حيثُ التقى بالروم ودار القتال بين الفريقين، وتحقق النصر للمُسلمين. وتابع المُسلمون تقدُّمهم حتَّى وصلوا إلى نقيوس الواقعة على بُعد عدَّة فراسخ من منوف، فأسرع سُكَّانها إلى التسليم والإذعان، لكنَّ حامية الحصن أصرَّت على المُقاومة، وهذا يعني أنَّهُ لم يكن هُناك تنسيق بين السُّكَّان الوطنيين والحاميات البيزنطيَّة، ولعلَّ مرد ذلك يعود إلى فُقدان الثقة بين الجانبين بسبب العداء المُستحكم بينهُما. فاصطدم عمرو بِأفراد الحامية وانتصر عليهم، ودخل نقيوس، وفرَّت فُلول المُنهزمين إلى الإسكندريَّة.

    تابع المُسلمون تقدُّمهم، واصطدموا بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ بيزنطيَّةٍ أُخرى عند قرية سلطيس وتغلَّبوا عليها. وكان حصن كريون آخر سلسلة الحُصون قبل الإسكندريَّة، وقد اعتصم به ثُيودور قائد الجيش البيزنطي مع حاميةٍ قويَّةٍ، كما تدفَّقت عليه الإمدادات من المناطق المُجاورة. واشتبك الطرفان في عدَّة معارك على مدى بضعة عشر يومًا، كان بعضُها شديدًا حتَّى أنَّ عمرو صلَّى يومًا صلاة الخوف. وتمكَّن المُسلمون أخيرًا من اقتحام الحصن، وتغلَّبوا على الحامية العسكريَّة، فقتلوا بعض أفرادها وفرَّ البعضُ الآخر إلى الإسكندريَّة للاحتماء بها، وكان ثُيودور من بين هؤلاء. وطاردهم المُسلمون حتَّى بلغوا الإسكندريَّة في مُنتصف رجب 20هـ المُوافق فيه أواخر حُزيران (يونيو) 641م.

    فتح الإسكندريَّة

    كانت الإسكندريَّة مدينةً منيعة، ذات حُصونٍ عظيمة، وقد عسكر الجُند المُسلمون بالقُرب منها، وكان يصحبُهم رؤساء المصريين الذين كانوا يُقدمون الطعام للجُند المُسلمين، والعلف لِخُيولهم. كما كانوا يدُلّونهم إلى الطُرق والمسالك المُؤدية إلى المدينة. والحقيقة أنَّ أهل المُدن المصريَّة المُجاورة للإسكندريَّة انقسموا إلى فريقين: فريقٌ مع القائد العام الرومي ثُيودور، والآخر يُؤيِّد الجيش الإسلامي. وسادت البلاد حالة أشبه بالحرب الأهليَّة، فكان أتباع كُل فريق ينقض على أتباع الفريق الآخر، وساد الإسكندريَّة جوٌّ من الاضطراب والفتنة، وقد تنازع الرؤساء والحُكَّام والقادة كما انقسم الأهالي والمُهاجرون إلى فريقين مُتاخصمين، ونشب القتال بينهُما، وراحت ضحيَّته أعدادٌ هائلة. ويتَّضح من هذه الرواية التاريخيَّة أنَّ ذلك النزاع قد نتج عن عداءٍ شخصيٍّ وتنافُسٍ سياسيّ إلى جانب الخلافات الدينيَّة سواء أكان ذلك الخلاف بين الملكانيين واليعاقبة، أم بين المسيحيين بِصفةٍ عامَّة وبين اليهود، وإن كان يبدو من الروايات التاريخيَّة السَّابقة أنَّ اليهود كانوا مُسالمين طيلة سنوات الفتح، إذ لم يرد لهم أيُّ ذكرٍ في المصادر التاريخيَّة.

    أدرك عمرو، فور وُصوله للإسكندريَّة ودراسته للوضع الميداني، أنَّ المدينة حصينة إذ يُحيطُ بها سوران مُحكمان، ولها عدَّة أبراج ويُحيطُ بها خندق يُملأُ من ماء البحر عند الضرورة للدفاع، وتتألَّف أبوابها من ثلاث طبقات من الحديد، ويُوجد مجانيق فوق الأبراج، ومكاحل، وقد بلغ عدد جُنود حاميتها بعد الإمدادات التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي خمسين ألف جُندي، ويحميها البحر من الناحية الشماليَّة وهو تحت سيطرة الأُسطول البيزنطي، الذي كان يمُدَّها بالمُؤن والرجال والعتاد، وتحميها قريوط من الجنوب، ومن المُتعذَّر اجتيازها، وتلُفَّها ترعة الثُعبان من الغرب، وبذلك لم يكن للمُسلمين طريقٌ إليها إلَّا من ناحية الشرق، وهو الطريق الذي يصلُها بِكريون. وكان المدينة حصينة من هذه الناحية، ومع ذلك لم ييأس عمرو بن العاص، ووضع خطَّة عسكريَّة ضمنت لهُ النصر في النهاية؛ قضت بِتشديد الحصار على المدينة حتَّى يتضايق المُدافعون عنها ويدبُّ اليأس في نُفوسهم، فيضطرّوا للخُروج للاصطدام بالمُسلمين لِتخفيف وطأة الحِصار، وهكذا يستدرجهم ويحملهم على الخُروج من تحصيناتهم ثُمَّ ينقضُّ عليهم.

    بناءً على هذا، نقل عمرو مُعسكره إلى مكانٍ بعيدٍ عن مرمى المجانيق، بين الحُلوة وقصر فارس. استمرَّ الوضع على ذلك مُدَّة شهرين لم يخرج البيزنطيّون من تحصيناتهم للقتال، سوى مرَّة واحدة حيثُ خرجت قُوَّةٌ عسكريَّةٌ بيزنطيَّة من ناحية البحيرة واشتبكت مع قُوَّة إسلاميَّة ثُمَّ ارتدَّت إلى الحصن، ولعلَّها كانت بِمثابة قُوَّة استطلاع أو جس نبض. ورأى عمرو أن يقوم بِعملٍ عسكريٍّ يُشغلُ به جُنوده، إذ أنَّ الانتظار قد يُؤثِّر على معنويَّاتهم القتاليَّة، ويدفعُهم إلى الخُمول، فشغلهم بالغارات على الدلتا، وأبقى مُعظم جُنوده على حصار الإسكندريَّة. وقد نجحت الفرق العسكريَّة الإسلاميَّة هذه بالسيطرة على ما تبقّى من قُرى وبلدات بقيَّة الوجه البحري، في الوقت الذي اشتدَّ فيه الصراع بين المصريين والبيزنطيين داخل الإسكندريَّة وبين البيزنطيين أنفُسهم داخل القُسطنطينيَّة حول العرش. ونتيجةً لاشتداد الصراع في القُسطنطينيَّة بين أركان الحُكم، انقطعت الإمدادات البيزنطيَّة عن الإسكندريَّة، إذ لم يعد أحدٌ منهم في الدفاع عنها، ممَّا أثَّر سلبًا على معنويات المُدافعين عنها، فرأوا أنفُسهم معزولين ولا سند لهم. وممَّا زاد من مخاوفهم ضمّ المُسلمين لِقُرى الدلتا والسَّاحل، الأمر الذي يُفيد بِقطع الميرة عنهم. وفي ذلك الوقت كان عُمر بن الخطَّاب في المدينة المُنوَّرة ينتظرُ أنباء مصر، وهو أشدُّ ما يكون استعجالًا لِنبأ سُقوط الإسكندريَّة في أيدي المُسلمين. ولكنَّ هذا النبأ أبطأ عنهُ أشهُرًا، فراح يبحثُ عن السبب وهو لم يُقصِّر عن إمداد عمرو بما يحتاج إليه من المُساندة التي تكفلُ لهُ النصر، وخشي أن تكون خيراتُ مصر قد أغرت المُسلمين، فتخاذلوا، وقال لِأصحابه:. ثُمَّ كتب إلى عمرو يعظه ويستعجله ويُنبهه على أنَّ النصر لن يكون حليف المُسلمين إلَّا لو أخلصوا النيَّة، وطلب منهُ أن يخطُب في النَّاس ويحُضَّهم على قتال عدُوِّهم ويُرغِّبهم في الصبر والنيَّة، وأن يدعوا المُسلمين الله ويسألوه النصر.

    شكَّل كتابُ عُمر عامل دفعٍ للمُسلمين فاقتحموا حُصون الإسكندريَّة ففتحوها بِحدِّ السيف في 28 ذو القعدة 20هـ المُوافق فيه 8 تشرين الثاني (نوڤمبر) 641م بعد حصارٍ دام أربعة أشهُرٍ ونصف. وفرَّ البيزنطيّون منها بكُلِّ اتجاهٍ للنجاة بأنفُسهم، وأذعن سُكَّانها من المصريين، واستبقى عمرو أهلها ولم يقتل ولم يسبِ وجعلهُم ذمَّة كأهل حصن بابليون. وتذكر بعض المصادر التاريخيَّة أنَّ المُقوقس طلب من عمرو بن العاص، في أثناء حصار الإسكندريَّة، الصُلح والمُهادنة لِمُدَّة مُعيَّنة، فرفض عمرو. ثُمَّ تقول هذه المصادر: «إلَّا أنَّ القبط في ذلك يُحبّون المُوادعة»، وقد تدلُّ هذه العبارة على أنَّ المُقوقس والمصريين المُعتصمين بالإسكندريَّة أرادوا الصلح والمُهادنة، في حين أصرَّ الروم على مُواصلة القتال. ويُشيرُ عددٌ من المؤرخين إلى عدم عدم إمكانيَّة تأييد هذه الرواية التي تذهب إلى وُجود المُقوقس بالإسكندريَّة، لأنَّ هُناك رواياتٌ أُخرى تُشير إلى وُجوده في حصن بابليون خِلال هذه الفترة. وتذكرُ بعض الروايات أنَّ الذي ساعد عمرو والمُسلمين على فتح الإسكندريَّة رجلٌ يُسمَّى «ابن بسَّامة»، وكان على أحد أبواب المدينة وقد طلب الأمان من عمرو بن العاص على نفسه وأرضه وأهل بيته، على أن يفتح له باب المدينة، فأجابهُ عمرو إلى ذلك. ودخل عمرو والمُسلمون من جهة القنطرة التي يُقالُ لها قنطرة سُليمان. وتنصُّ مراجع أُخرى أنَّ عمرو ترك فرقة من جُنده لِحراسة المدينة، وأسرع بِقُوَّاته لِتتبع الفارين برًّا. ولكنَّ الروم الذين هربوا عن طريق البحر رأوا أنَّ الفُرصة مُواتية لاستعادة الإسكندريَّة، فعادوا إليها وقتلوا من بها من المُسلمين. وعلم عمرو بذلك، فعاد إلى الإسكندريَّة وقاتل هؤلاء الروم وأجلاهم. تتباينُ الروايات التاريخيَّة حول كيفيَّة إتمام فتح الإسكندريَّة وجلاء الروم عنها نهائيًّا، فقال البعض أنَّ الفتح كان عنوةً، بينما قال آخرون أنَّهُ كان صُلحًا، لكن ممَّا لا خلاف فيه أنَّ ضمها إلى دولة الخِلافة الراشدة كان في أوَّل مُحرَّم 21هـ المُوافق فيه 17 أيلول (سپتمبر) 642م. وتنص أكثر الروايات شُيوعًا، وهي الرواية القبطيَّة، أنَّ الإسكندريَّة فُتحت صُلحًا، إذ فوَّض الإمبراطور قُنسطانز إلى المُقوقس عقد الصُلح مع المُسلمين في الإسكندريَّة ومعهُ القائد ثُيودور في 14 أيلول (سپتمبر) 641م. ثُمَّ قصد بابليون حيثُ اجتمع بِعمرو بن العاص ووقَّع على عقد الصُلح في 8 تشرين الثاني (نوڤمبر) 641م، ويقضي اتفاق الصُلح بِتسليم الإسكندريَّة على أن يبقى المُسلمون مُدَّة أحد عشر شهرًا خارجها حتَّى يُبحرُ عنها البيزنطيّون، وأن لا يعود جيشٌ من الروم إلى مصر أو يسعى لِردِّها، وأن يُقدموا لِعمرو بن العاص مائة وخمسين جُنديًّا وخمسين مدنيًّا بِمثابة رهائن، وأن يكف المُسلمون عن أخذ كنائس المسيحيين ولا يتدخلوا في أُمورهم أي تدخُّل. وبناءً عليه خرج البيزنطيّون من الإسكندريَّة بحرًا في أوَّل مُحرَّم 21هـ المُوافق فيه 17 أيلول (سپتمبر) 642م، ودخلها المُسلمون وأعطوا الأمان لِأهلها، لتنتهي بذلك العمليَّات العسكريَّة، وتخرج مصر نهائيًّا من تحت الراية البيزنطيَّة وتدخل تحت ظل الرَّاية الإسلاميَّة، ويبدأ فصلٌ جديد من التاريخ في الديار المصريَّة.

  7. مصر في ظل الحُكم الإسلامي

    8 دقائق قراءةبعد تمام فتح مصر، كتب عُمر بن الخطَّاب إلى واليه عمرو بن العاص يسألهُ عن أوضاع البلاد طالبًا منه أن يصفها إليه وكأنَّهُ حاضرها ويراها بنفسه. فكتب عمرو بن العاص إليه يشرح أحوال مصر، فوصف له تباين بيئاتها ما بين الصحاري…

    بعد تمام فتح مصر، كتب عُمر بن الخطَّاب إلى واليه عمرو بن العاص يسألهُ عن أوضاع البلاد طالبًا منه أن يصفها إليه وكأنَّهُ حاضرها ويراها بنفسه. فكتب عمرو بن العاص إليه يشرح أحوال مصر، فوصف له تباين بيئاتها ما بين الصحاري والأراضي الزراعيَّة، مُبينًا إليه حُسن الأراضي المعطاء وحُسن النيل وخيراته الكثيرة، مُقترحًا عليه ثلاث أشياء لِإصلاح أحوالها بعد أن أنهكها الروم واستنفذوا مواردها طيلة سنواتٍ وسنوات، وهي: أن لا يُقبلُ قول خسيسُها في رئيسها، وأن يؤخذ ثُلث ارتفاعها ويُصرف في عمارة ترعها وجُسورها، وأن لا يُستأدى خراج ثمرها إلَّا في أوانها. وفي الحقيقة فإنَّ الفتح الإسلاميَّ لِمصر كان لهُ عدَّة آثار على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة.

    الأثر الديني

    تعرَّض المصريّون قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثُمَّ رأوا في القُوَّة الإسلاميَّة الداخلة، الأمل بالخلاص ممَّا هُم فيه، فساندوها، ورحَّبوا بِدُخول المُسلمين أرض مصر، لكنَّ هذه المُساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حياديَّة. وشكَّلت انتصاراتُ المُسلمين وإخضاعهم البلاد نصرًا دينيًّا للمصريين المسيحيين حيثُ غادر البلاد عددٌ كبيرٌ من البيزنطيين. ولمَّا استقرَّت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العُمريَّة الخاصَّة ببيت المقدس ونصارى الشَّام قد تسرَّبت إلى مصر، لقي المصريّون من الحُكم الجديد ما شعروا معهُ بكثيرٍ من الحُريَّة. ولعلَّ أوَّل عملٍ قام به عمرو بن العاص بعد استقرار الأوضاع الداخليَّة؛ الإعلان بين الناس جميعًا أنَّ لا إكراه في الدين، وأنَّ حُريَّة العقيدة أمرٌ مُقدَّس، فلن يُتعرَّض لِأحدٍ في حُريَّته أو في ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدُخول في الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون لهُ ما للمُسلمين وعليه ما عليهم، ومن يبقى على المسيحيَّة أو اليهوديَّة فعليه الجزية، ولا يُفرض عليه الإسلام بالقُوَّة. والواقع أنَّ عُمرًا انتهج سياسة المُساواة الدينيَّة بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرَّا في مصر. وتذكر روايات المصادر أنَّ كثيرًا من كنائس الملكانيين بقيت موجودة واستمرَّت في إقامة الشعائر الدينيَّة وأنَّ عددًا كبيرًا من الملكانيين فضَّلوا البقاء في مصر؛ وأنَّ أُسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتَّى مات لم يمسَّهُ أحدٌ بأذى، وأنَّ البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندريَّة بعد أن قضى ثلاثة عشر سنة لاجئًا مُتخفيًا خشية أن يُقبض عليه، أُعيد إلى مركزه وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينيَّة وهو مُطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحُجَّة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيّون بعد خُروجهم وضمَّها إلى كنائس البطريركيَّة، ولمَّا عاد إلى الإسكندريَّة قال لِأتباعه:. ويذهب المُفكّر والباحث اللُبناني إدمون ربَّاط إلى القول بأنَّ السياسة القائمة على عدم الإكراه في الدين إنما هي سياسة إنسانيَّة «ليبراليَّة» استمالت قُلوب المسيحيين إلى الإسلام وجعلت النصارى يُفضلون العيش في ظلِّه، فلِأوَّل مرَّة في تاريخ الشوام والمصريين عُمومًا والمسيحيين خُصوصًا، خرجت دولة لِفتح بِلادهم دون أن تفرض عليهم اعتناق دينها بالقُوَّة، وذلك في زمنٍ كان يقضي المبدأ السائد إكراه الرعايا على اعتناق دين مُلوكهم، بل وحتَّى على الانتماء إلى الشكل الخاص الذي يرتديه هذا الدين.

    كان من ضمن بُنود الصُلح الذي أُبرم بين المُسلمين والروم السَّماح لليهود بالإقامة في الإسكندريَّة، ويذهب البعض إلى القول بأنَّ سماح عمرو بن العاص لليهود بالإقامة في الإسكندريَّة - أهم مراكز نشاطهم - كان مُكافأةً لهم، لِعدم تدخُلهم في قتال المُسلمين، والتزامهم الحياد طوال أحداث الفتح. وقد ذكر عمرو في كتابه للخليفة عُمر بن الخطَّاب أنَّ عدد اليهود بالإسكندريَّة حوالي أربعين ألفًا، وهُم يُؤدون الجزية. على حين تُشيرُ روايةٌ أُخرى إلى أنَّهُ كان يوجد بالإسكندريَّة نحو سُتمائة ألف يهودي وأنَّ كثيرًا منهم هرب إلى بلاد الروم فبلغ عدد من بقي منهم ويُؤدون الجزية نحو خمسين ألف يهودي. ويذكر أحد المصادر أنَّهُ قد رحل حوالي سبعين ألف يهودي من الإسكندريَّة عند دُخول عمرو بن العاص فيها، ولم يُشر هذا المصدر إلى سبب رحيلهم ولا إلى أيِّ جهةٍ ذهبوا، وقد يكونُ بعضهم قد ترك الإسكندريَّة إلى غيرها من المُدن المصريَّة، وقد يكونون قد غادروا الأراضي المصريَّة. ويُرجِّح بعض المُؤرخين الاحتمال الأوَّل لأنَّ موقف اليهود من الفتح الإسلامي كان موقف حياد، ولم يقوموا بأيَّة مُقاومة أو عملٍ عدائيّ ضدَّ المُسلمين حتَّى يخشوا بطشهم، بل وعلى العكس من ذلك كانوا يكرهون الحُكم البيزنطي، وعليه يرى أصحاب هذا الرأي إلى أنَّ هؤلاء اليهود فضَّلوا الإقامة في غير الإسكندريَّة من المُدن المصريَّة حتَّى تتسع دائرة نشاطهم في ظل الحُكم الإسلامي الجديد. كان من أثر الحُريَّة الدينيَّة والمُعاملة السمحة أن أقبل كثيرٌ من المصريين على النظر في المذاهب المُختلفة، ثُمَّ انتهى أكثر هؤلاء إلى قُبول الإسلام والدُخول فيه، ومع مُرور الزمن اعتنقت الغالبيَّة العُظمى من المصريين الإسلام، وبقيت فئة على المسيحيَّة، وفئةٌ أصغر على اليهوديَّة، وقد تحوَّلت مصر مع تعاقب القُرون إلى إحدى أهم وأبرز البُلدان الإسلاميَّة في العالم، وإحدى أبرز معاقل الإسلام من الناحيتين البشريَّة والدينيَّة، نظرًا لِحجم سُكَّانها الكبير ولِاحتضانها بعض أهم المراكز الدينيَّة الإسلاميَّة، كما استمرَّت في ظل العُهود الإسلاميَّة المُتتالية إحدى أبرز وأهم معاقل المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة في العالم لِاحتضانها الكُرسي البابوي القبطي الأرثوذكسي.

    الأثر الإداري

    خلت بِخُروج البيزنطيين بعض الوظائف الحُكوميَّة التي كان يشغلها هؤلاء. ولِأنَّ المُسلمين لم يكن لهم عهد بعد بالشؤون الإداريَّة، وكان يهُمهم أن تستمر الإدارة في العمل، وأن تُجمَّع الضرائب، بِغض النظر عمَّا يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي؛ فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من المصريين. والمعروف أنَّ الإدارة الإسلاميَّة الجديدة احتفظت بِثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إداريَّة كبيرة هي: حاكميَّة مصر السُفلى وتولَّاها مينا (ميناس)، وحاكميَّة منطقة الفيُّوم وتولَّاها فيلوخينوس، وحاكميَّة الريف الغربي وتولَّاها سنيوتوس. وبِفعل هيمنة المُوظفين المصريين على العمل الإداري، أضحت اللُغة القبطيَّة اللُغة الرئيسيَّة في الإدارة، ولُغة الدواوين، فحلَّت بذلك محل اللُغة اليونانيَّة. وحافظ المُسلمون على الأساليب البيزنطيَّة في تدوين الدواوين وجمع الضرائب، فانتعشت الثقافة القبطيَّة مُجددًا وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخُروج البيزنطي. واعتنى المصريّون بِتعلُّم اللُغة العربيَّة لِأنَّها كانت لُغة الفاتحين، واحتفظ المُسلمون بِقيادة الجُند والقضاء. هذا وقد جُعلت مصر ولايةً من ولايات دولة الخِلافة الراشدة، وولَّى عُمر بن الخطَّاب عمرو بن العاص عليها. ومع مُرور السنين ونتيجةً للتثاقف طويل الأمد، استعرب المصريّون وأصبحت اللُغة العربيَّة لُغتهم الأُم، واقتصر استعمال اللُغة القبطيَّة على التراتيل والترانيم الدينيَّة المسيحيَّة، وفي كتابة بعض النُصوص المُقدَّسة.

    الأثر الاقتصادي

    كانت مصر تتعرَّض بين سنةٍ وأُخرى لِضائقةٍ اقتصاديَّة ناتجة عن انخفاض ماء النيل ممَّا يُسببُ خللًا في المُعادلة الاقتصاديَّة، وقد عانى المصريّون كثيرًا من هذه الظاهرة، وقد أدرك عمرو بن العاص ذلك، فخفَّف عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيّون عليهم. والمعروف أنَّ الضرائب البيزنطيَّة، كانت كثيرة ومُتنوعة، وتناولت مُعظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وسوَّى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها.

    ويُذكر في هذا المقام أنَّ الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المُقوقس في خير وسيلةٍ لِحُكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المُقوقس بالشُروط التالية: أن يُستخرج خراج مصر في وقتٍ واحدٍ عند فراغ الناس من زُروعهم، وأن يُرفع خراجُها في وقتٍ واحد عند فراغ أهلها من عصر كُرومهم، وأن تُحفر خُلجانها كُلَّ سنة، وأن تُصلح جُسورها وتُسدُّ ترعها، وألَّا يُختار عاملٌ ظالمٌ لِيلي أُمورها. ونتيجة لِهذه التوصيات رسم المُسلمون خطَّة جباية الخِراج، واعتنوا بِهندسة الرَّي، من حفر الخلجان وإصلاح الجُسور، وسد الترع، وبناء مقاييس للنيل، وإنشاء الأحواض والقناطر. ولعلَّ من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر قناة سيزوستريس التي تصلُ النيل بالبحر الأحمر، وتُسهِّلُ الاتصال بشبه الجزيرة العربيَّة، وتُؤمِّنُ طريقًا أفضل للتجارة الشرقيَّة، وعُرفت بخليج أمير المؤمنين.

    ولم يُقسم المُسلمون أرض مصر بين الفاتحين ولكن اكتفوا بفرض الضرائب على المصريين، وتركوها في أيدي الشعب يتعهدها فتُثمر. وبعد حين مُسحت الأراضي، واحتفظت الحُكومة بِسجلَّاتها، وأنشأت عددًا كبيرًا من الطُرق وعنيت بصيانتها، وأُقيمت الجُسور حول الأنهار لمنع فيضانها. كما أبطل المُسلمون إحدى العادات السيِّئة التي كانت موجودة قبل الفتح وهي عادة ما تُسَّمى بِعروس النيل وهي إلقاء فتاة بكر في النيل في شهر بؤونة حتى يجري ويفيض: وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسَّنت حالة المصريين وزادت ثرواتهم، واطمأنَّوا على أرواحهم ومُمتلكاتهم ومُستقبلهم، ونعموا بالهُدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمُسلمين مع مُرور الوقت، ودخل كثيرٌ منهم في الإسلام. وكان الرأي السَّائد آنذاك أن يبقى المُسلمون على رباطهم لا يشتغلون بالزراعة ولا يحلُّون بالبلاد كأهلها، فلمَّا اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يُرفعُ عنهم، وأُبيح لهم أن يمتلكوا الأراضي.

    تخطيط الفسطاط

    بعد أن فرغ عمرو بن العاص من فتح الإسكندريَّة وأجلى البيزنطيين عنها وطردهم من مصر، همَّ أن يستقرَّ بها لِما فيها من عُمران، فيجعُلها عاصمةً للولاية التليدة كما كانت زمن الروم، وكتب بذلك إلى عُمر في المدينة المُنوَّرة، لكنَّ عُمرًا أمره أن ينزل بالمُسلمين منزلًا لا يحول بينه وبينهم نهرٌ ولا بحر سواء في الشتاء أو الصيف. والواقع أنَّ الإسكندريَّة لم تكن صالحة لِأن تكون حاضرة مصر الإسلاميَّة، إذ أنَّ انتقال السيادة عليها من البيزنطيين إلى المُسلمين المُنطلقين من شبه الجزيرة العربيَّة، يُحتِّم على هؤلاء أن يختاروا مكانًا لِإقامتهم يقع إمَّا على ساحل البحر الأحمر، وإمَّا في مكانٍ يسهلُ معهُ الاتصال ببلاد العرب، ولمَّا لم يكن للمُسلمين عهدٌ بالبحر بعد، لِذلك كان الاختيار الثاني هو الحل المُناسب. كان عمرو قد أقام فسطاطهُ (بيتٌ من أدم أو شعر) في أرضٍ فضاء ومزارع بين حصن بابليون وجبل المُقطَّم أثناء حِصار الحصن المذكور. فلمَّا فتح الحصن وقرَّر الزحف نحو الإسكندريَّة أمر بِنزع هذا الفسطاط، فإذا بِيمامةٌ قد باضت في أعلاه، فتركها حتَّى تكبُر فراخها وتطير. فلمَّا عاد من الإسكندريَّة بعد فتحها أمر جُنوده أن ينزلوا عند الفسطاط وأن يختطّوا دورهم فيها، فسُمِّت تلك البُقعة بالفسطاط. وهكذا أسَّس عمرو بن العاص مدينةً جديدةً للمُسلمين في سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م، وبنى فيها أوَّل جامعٍ في مصر عُرف باسمه لاحقًا، وسُمي أيضًا جامعُ الفتح أو الجامع العتيق. ويُستبعد أن تكون مدينة الفسطاط قد جُعلت عند اختطاطها مدينةٌ كبيرة أو أنَّهُ كان يُقصدُ منها أن تكون عاصمةً للمُسلمين، لكنَّها وإن ابتدأت صغيرة، فقد نمت نُموًّا سريعًا بعد سنةٍ من تأسيسها، فقد رأى المُسلمون أنَّهم يستطعون البناء خارج أسوار الحصن ويتوسَّعون لا يخافون شيءًا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأمنوا الغدر من أن يأتيهم من جانب المصريين. وسُرعان ما نزلت في الفسطاط عدَّة قبائل عربيَّة مثل: أسلم، وبلي، ومعاذ، وليث، وعنزة، وهذيل، وعدوان، وغيرهم، وقد نزل فيها المصريّون أيضًا واختلطوا مع العرب المُسلمين وامتزجوا تدريجيًّا، حتَّى أصبحت المدينةُ الجديدة حاضرةُ مصر.

  8. أُمورٌ خِلافيَّة

    9 دقائق قراءةتتباين روايات المصادر حول كيفيَّة فتح الإسكندريَّة، أكان عنوةً أو صُلحًا؟ ويذكر البلاذري أنَّ المُسلمين قاتلوا الحامية البيزنطيَّة قتالًا شديدًا وحاصروهم مُدَّة ثلاثة أشهر، ثُمَّ أنَّ عمرو فتحها بالسيف وغنم ما فيها…

    كيفيَّة فتح الإسكندريَّة

    تتباين روايات المصادر حول كيفيَّة فتح الإسكندريَّة، أكان عنوةً أو صُلحًا؟ ويذكر البلاذري أنَّ المُسلمين قاتلوا الحامية البيزنطيَّة قتالًا شديدًا وحاصروهم مُدَّة ثلاثة أشهر، ثُمَّ أنَّ عمرو فتحها بالسيف وغنم ما فيها واستبقى أهلها، ولم يقتل ولم يسبِ، وجعلهم ذمَّة كأهلِ بابليون. ويُخالف ابن إسحٰق البلاذري، في روايته حول فتح الإسكندريَّة، فيذكر أنَّها فُتحت صُلحًا وليس عنوةً على الرُغم من أنَّ كلا الطرفين، الإسلامي والبيزنطي في مصر، استعدا للقتال الذي أمكن تجنُّبهُ في اللحظة الأخيرة. وتُشيرُ هذه الرواية إلى أنَّ المُسلمين فتحوا الكثير من القُرى حتَّى وصلوا إلى الإسكندريَّة، وكانت سباياهم من فُتوح هذه القُرى عظيمةٌ جدًا، وقد بلغت المدينة المُنوَّرة ومكَّة واليمن، حتَّى إذا وصل إلى بلهيب راسلهُ صاحب الإسكندريَّة وعرض عليه الجزية مُقابل ردِّ السبايا، فأرسل عمرو كتابًا إلى عُمر يستشيره، فجاءه الجواب بالمُوافقة على أن يُخيَّر السبايا بين البقاء على دينهم وعليهم الجزية وبين الدُخول في الإسلام، فتُرفع الجزية عنهم، أمَّا من تفرَّق في شبه الجزيرة العربيَّة فلا يقدرون على ردِّه ولا يُحبُّون مُصالحته على أمرٍ لا نفي لهم به. وتُشير الرواية القبطيَّة أنَّ الإسكندريَّة فُتحت صُلحًا، فيذكر يوحنَّا النقيوسي أنَّ قيرس - المُقوقس - لم يكن وحده الذي رغب في السَّلام، وإنَّما رغب فيه السُّكَّان والحُكَّام ودومنتيانوس الذي كان مُواليًا للإمبراطورة مارتينا، ولذا اجتمعوا واتفقوا مع المُقوقس على إنهاء الحرب بِعقد الصُلح مع المُسلمين. وذهب قيرس إلى بابليون حيثُ كان عمرو بن العاص هُناك بعد غاراته على الدلتا، وعقد معه المُعاهدة سالِفة الذِكر القاضية بِخُروج الروم من الإسكندريَّة وإعطاء الأمان لِأهلها في أنفُسهم وكنائسهم وأموالهم وعائلاتهم، والإباحة لليهود بالإقامة في رُبوعها.

    إحراق مكتبة الإسكندريَّة

    يذكر ابن العبري، واسمه گريگوريوس أبو الفرج بن هٰرون في كتابه «مُختصر الدول»، أنَّ عمرو بن العاص أحرق المكتبة الشهيرة بعد دُخوله الإسكندريَّة وبعد استئذان عُمر بن الخطَّاب. وأنَّ هذا الحريق استغرق ستَّة أشهر عندما وزَّع مكتبة الإسكندريَّة على مواقد الحمَّامات وعددها أربعة آلاف. وقد ورد هذا الخبر في دائرة المعارف البريطانيَّة الطبعة الحادية عشر، ثُمَّ حُذف منها في الطبعة الرَّابعة عشر بعدما مال أغلب المُحققين إلى عدم تصديق هذه الرواية. وقد ذكر بعض الكُتَّاب المُسلمون هذه الرواية أيضًا، ومنهم موفق الدين عبد اللطيف البغدادي، وجمالُ الدين القفطي. ويتفق أغلب المُؤرخين المُعاصرين سواء أكانوا مُسلمين أم غربيين أنَّ هذه القصة غير حقيقيَّة، إذ أنَّ مكتبة الإسكندريَّة لم تكن موجودة عند قُدوم عمرو بن العاص إليها وقد احترق مُعظمها قبل سبعة قُرون وتحديدًا زمن يوليوس قيصر سنة 47 ق.م، ثُمَّ أُتلف ما تبقَّى منها سنة 290م أي قبل قرنين ونصف من الفتح الإسلامي، لأنَّ غالبيَّة المخطوطات التي وُجدت فيها كانت تتعلَّق بالوثنيَّة وتتعارض مع المسيحيَّة. ويُشيرُ المُؤرِّخ البريطاني - الأمريكي الكبير برنارد لويس إلى أنَّ هذه القصَّة رُبَّما يكون السُلطان صلاحُ الدين الأيُّوبيّ هو من روَّج لها أو سمح بالترويج لها عندما انهارت الدولة الفاطميَّة في مصر، ذلك لأنَّهُ عقد العزم على حرق العديد من الكُتب والمخطوطات الإسماعيليَّة كإحدى خُطوات استئصال هذا المذهب نهائيًّا من مصر وإعادة تثبيت المذهب الشافعي بدلًا منه، فكانت قصَّة إحراق عمرو بن العاص للمكتبة بناءً على أمر الخليفة عُمر نفسه من شأنها أن تجعل فعله أكثر قُبولًا في أعين الناس. كذلك، يرفض المُؤرخان الغربيَّان كلي ترمّبل وروي مكليود قصَّة إحراق المُسلمين لِلمكتبة ويُؤيدان نظريَّة لويس سالِفة الذِكر.

    موقف المصريين من الفاتحين الجُدد

    رُغم شُيوع قصة تقبُّل المصريين للفاتحين المُسلمين وتعاونهم معهم ضدَّ الروم بعدما تبيَّنت لهم أهدافهم، واعتمادها في القسم الأكبر من المراجع والمصادر العربيَّة والإسلاميَّة وحتَّى الغربيَّة إلى حدٍ ما، إلَّا أنَّ هُناك آراءٌ أُخرى قال بها عددٌ من المؤرخين المُحدثين ناقضت ما قيل سابقًا أو فصَّلته وبرَّرته. يُشيرُ الدُكتور جاك تاجر أنَّ نصارى مصر لا يصح القول أنهم أرادوا الانتقام ممن اضطهدوهم زمن الفتح الإسلامي، عكس اليهود المصريين. فاليهود كانوا حاقدين على الروم بعد أن أمر هرقل بتعميدهم بالقُوَّة لمَّا رأى منامًا أنَّ شعبًا مختونًا سيثورُ عليه ويهزمه ثُمَّ يحكم العالم كُلَّه، فاعتقد أنَّ هذا الشعب ما هو إلَّا الشعب اليهودي. ولمَّا لم يكن عند اليهود الوسائل التي تسمح لهم بالقيام بِثورة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، فقد صبروا حتَّى حانت لهم الفرصة المُلائمة. ولمَّا تغلغل المُسلمون في أراضي العدو، تذكَّر اليهود أعمال العُنف والاضطهاد التي تحمَّلوها في عهد البيزنطيين، وعرضوا على المُسلمين خدماتهم وأعطوهم المعلومات التي تُفيدهم وبذلوا لهم المُساعدة. أمَّا المسيحيّون، فيرى تاجر أنَّهم رغبوا بتغيير حُكَّامهم دون شك، لكنَّهم فوجئوا بِتقدُّم المُسلمين غير المُنتظر، فبقوا حيارى زمنًا طويلًا وتركوا الحوادث تُقرر مصيرهم. ولمَّا أرادوا أن يتخذوا موقفًا إيجابيًّا، كان السيفُ قد سبق العزل، لِأنَّ قرارهم جاء مُتأخرًا. ويُضيف، أنَّهُ لو تواطأ المُسلمون مع كبار نصارى مصر أن يخوضوا المعركة، لاستطاعوا دون شك أن يعتمدوا على تعاون الشعب لهم. ولكنَّ الشعب كان يجهل نيَّات المُسلمين، فخاف أن يُظهر عدائهُ لِبيزنطة أثناء الحرب، قبل أن تُصبح بيزنطة على هاوية الانكسار. فلمَّا توغَّل المُسلمون في الأراضي المصريَّة، كان المصريُّون يجهلون كُلَّ شيءٍ عن نواياهم، فلا يعلمون إذا كان المُسلمون سيُرغمونهم على اعتناق الإسلام، أو سيُصادرون أملاكهم، أو سيحتفظون بِنظام الضرائب البيزنطي. وظلَّت هذه المسائل محلَّ استفهام الأهالي، فلم يُدركوا أغراض المُسلمين إلَّا أثناء حصار حصن بابليون، أي عندما أُثيرت مسألة الهدنة بين المُتحاربين، وأدرك المصريّون حينئذٍ أنَّ الحاكم المُسلم أكثر تسامُحًا من الحاكم البيزنطي أو الحاكم الفارسي، إذ خيَّرهم بين الإسلام أو البقاء على دينهم مع دفع دينارين عن كُلِّ رجلٍ يصلح للقتال، وإمَّا استئناف القتال وقُبول ما يترتب عليه من نتائج، وهو أمرٌ لم يسبق أن اتبعهُ أيُّ جيشٍ غازٍ دخل البلاد المصريَّة.

    يزيدُ جاك تاجر على ما سلف بقوله أن المُسلمين لم يُحاولوا قط أن يُطمئنوا الشعب المصري على نواياهم، إذ كانوا يجهلون اللُغتين اليونانيَّة والقبطيَّة، كما لم يُحيطوا أعمالهم الحربيَّة بِأيَّة دعاية. ويعترفُ بأنَّ المُسلمين قاتلوا - على عكس الفُرس - بشيءٍ من الرفق ولم يقوموا بِأعمالٍ تخريبيَّةٍ مُنظمة أو بإهراق دماء الشعب، لكنَّهُ يُضيف بأنَّهم تمادوا مُضطرين في بعض الأحيان في اقتراف أعمالٍ مُشينة وحركات قمعٍ دامية ممَّا لم يُساعدهم على كسب ثقة الشعب وعطفه عليهم. وفي نفس المجال، اهتمَّ الأُسقف يوحنَّا النقيوسي - وهو المصدر الوحيد المُعاصر للفتح - بالشكوى من هذا التمادي أكثر من ذكر الأعمال التي تُشرِّف الفاتحين، فيقول واصفًا فتح أتريب ومنوف: يقولُ الدُكتور تاجر أيضًا أنَّ المصريين لم يستطيعوا استقبال المُسلمين كمُحررين، ذلك لأنَّ الفاتحين كانوا يدينون بِديانةٍ أُخرى. فممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المُسلمين حرروا اليعقوبيين من نير البيزنطيين، ولكن لم يكن هؤلاء اليعقوبيّون يرتاحون إلى حُكَّام آخرين عقيدتهم تُخالف العقيدة المسيحيَّة. وقد لخَّص الأب «جانو» موقف المصريين بقوله: «إنَّهم لم يقُوموا بِأيِّ مجهودٍ لِوقف الكارثة، ولكنَّهم احتموا خلف أسوار المُدن التي لم يجرؤ العرب بعد على اقتحامها، وانتظروا هُجومهم عليها». وكتب مُحمَّد حسين هيكل باشا، بعد دراسةٍ طويلةٍ لِعصر الخُلفاء الراشدين مُستندًا إلى النُصوص العربيَّة يقول:.

    بالمُقابل، يؤيِّد البعض الآخر من المُؤرخين المُحدثين المصادر العربيَّة والإسلاميَّة القديمة التي تنص على ترحيب المصريين بالمُسلمين ويُؤكدون على أنَّ الفتح الإسلامي لِمصر كان له إيجابيَّات كثيرة. فيقول الراهب القمص أنطونيوس الأنطوني: وينسب طوماس أرنولد النجاح السريع الذي أحرزه الفاتحون المُسلمون إلى ما وجدوه من ترحيب المصريين بهم، الذين كرهوا الحُكم البيزنطي الظالم، ولِما أضمروه من حقدٍ مريرٍ على عُلماء اللاهوت. فإنَّ اليعاقبة - وهُم يُكونون السَّواد الأعظم من المصريين - قد عُوملوا مُعاملةً مُجحفة من أتباع المذهب الملكاني التابعين للإمبراطور. ويرى الدُكتور علي إبراهيم حسن أنَّهُ لمَّا قدم المُسلمين إلى مصر فاتحين، احتاجوا إلى ما يشُدُّ أزرهم، فوجدوا في المصريين خير مُعين، وإن كان ليس هُناك ما يدُلُّ دلالةً واضحةً على مُساعدة المصريين للمُسلمين في تقدُّمهم من العريش حتَّى فتح حصن بابليون، إلَّا أنَّهُ من الثابت أنَّهم لم يُساعدوا الروم ضدَّ المُسلمين، بل أمدُّوا المُسلمين بالعُلوفة والمُؤن وغيرها. ويذكر سلڤستر شولير أنَّ المصريّون لم يرتكبوا خيانةً في حق الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، فقد كانوا من قبل ساخطين على فساد الإدارة، وسياسة الإمبراطور الدينيَّة، ولذا كان من الطبيعي أن يخضع المصريّون، ويُسلِّموا للمُسلمين الفاتحين تخلُّصًا من طغيان الروم واستبدادهم. ويُؤكِّد هذا المُؤرِّخ رأيه بِروايةٍ تذكر أنَّ الرُهبان قد تركوا أديرتهم، وانضمُّوا إلى الجُند المُسلمين ضدَّ الروم، كما أنَّهُ عندما حاول البيزنطيّون غزو مصر ثانيةً، كان موقف المصريّين أكثر وُضوحًا، وقد انحازوا إلى جانب المُسلمين وقدَّموا إليهم كُلَّ مُساعدةً مُمكنة. ويقول القس منسَّى يوحنَّا:

    شخصيَّة المُقوقس

    أشار بعضُ المُؤرخين إلى أنَّ الشخص الذي أطلق عليه المُؤرخون العرب والمُسلمون اسم «المُقوقس» لم يزل غامضًا. فهل كان مصريًّا أم روميًّا؟ وهل المُقوقس الذي سلَّم بابليون هو نفسه الذي أبرم اتفاقيَّة الإسكندريَّة؟ لم يصل الباحثون والمُؤرخون بما فيهم المُستشرقون إلى جوابٍ دقيقٍ عن هذه الأسئلة، وكان المُستشرق والعلَّامة الفرنسي الكبير جان فرانسوا شامپليون قد فرَّق بين «قيرس» (وهو الاسم المُفترض للمُقوقس) و«المُقوقس»، فصوَّر الأوَّل على أنَّه قسٌّ قلق ومُفسد خلف البطريرك جرجس الأوَّل سنة 630م، بينما حكم مصر أحد المصريين كريم الأصل ومن أغنى أغنياء البلاد، اسمه «المُقوقس». غير أنَّ المُستندات التي تحصَّل عليها المُؤرخون لا تسمح بعد بتفسير هذا اللُغز التاريخي تفسيرًا تامًّا. يقول الدُكتور جاك تاجر إلى أنَّ المُؤرخون استعملوا كلمة «مُقوقس» باعتبارها اسمُ شخصٍ مُعيَّن، على أنَّه يُحتمل أن تكون لقبًا حُرَّف لفظه في اللُغة العربيَّة. فالبطريرك قيرس الذي عيَّنهُ الإمبراطور هرقل دوقًا على دوقيَّة الإسكندريَّة، كان قبل تعيينه أُسقُفًا لِمدينة «فاز»، وهي من مُدن القفقاس، فلُقِّب في مصر بِلقب «قوقيوس» أي «القفقاسي»، كما يشهد على ذلك أحد المُستندات القبطيَّة النادرة التي كشف عنها وأشار إليها المُؤرِّخ الفرنسي إميل إميلينو. ويُشيرُ تاجر إلى أنَّ تحريفُ اللفظ في حد ذاته ليس خطيرًا، ولكن الخطر هو ذلك اللُّبس الذي وقع فيه المُؤرخون عندما كانوا يتحدثون عن دوقيّي مصر المُختلفين، وأنَّ المُؤرخين المُسلمين يبدوا أنَّهم أهملوا هذه الحقيقة ألا وهي أنَّ كُلَّ دوقٍ كان مسؤولًا أمام بيزنطة مُباشرةً وعليه أن يرفع تقاريرهُ إلى رئيس الأبرشيَّة المشرقيَّة فقط. فعلى الرُغم من أنَّ قيرس، بطريرك ودوق الإسكندريَّة، كان يتمتَّع بِمركزٍ مُمتاز بالنسبة إلى سائر الدوقات، لِأنَّهُ كان مُكلَّفًا بِجباية الضرائب إلى جانب وظيفته، إلَّا أنَّهُ لم يستطع الخُروج على النظام المُتبع أو أن يفرض سياسته الشخصيَّة على زُملائه أو أن يُبرم اتفاقات مع الفاتح، ثُمَّ يُوقعها بالنيابة عنهم.

    ويميلُ تاجر إلى الاعتقاد - دون أن يجزم قطعيًّا - بأنَّ المُقوقس الذي فاوض في تسليم بابليون هو شخصٌ آخر غير البطريرك قيرس الذي أبرم صُلح الإسكندريَّة، بل أنَّه حاكمٌ مصريّ. على أنَّ المُؤرِّخ سعيد بن البطريق يُشيرُ إلى المُقوقس على أنَّهُ «يعقوبيّ مُبغضًا للرُّوم، إلَّا أنَّهُ لم يكن يتهيَّأ لهُ أن يُظهر مقالة اليعقوبيَّة لئلَّا يقتُلوه». ويتهمهُ ابن بطريق، إلى جانب ذلك، بأنَّهُ «قد اقتطع أموال «مصر» من وقت حصار كسرى للقُسطنطينيَّة، فكان يخافُ أن يقع في يد هرقل الملك فيقتُله». وقد تساءل البعض عن المقصود من كلمة «مصر» في تأريخ ابن بطريق، فهي قد تعني البلاد كُلَّها كما قد تعني مدينة منف البائدة، أو الفسطاط التليدة، والأخيرة هي ما درج عليه المُؤرخون المُسلمون والمسيحيّون الذين كتبوا التاريخ باللُغة العربيَّة في البداية أن يُسموها «مصر»، قبل أن يأتي المقريزي ويُدقق في المعنى، حيثُ فرَّق بين «أرض مصر» أي القطر كُلَّه، و«فسطاط مصر» أي المدينة. وقيل أنَّ ما يحمل على الاعتقاد بأنَّ حاكم بابليون أيَّام الحملة كان مصريًّا، هو الفرق الواضح بين اتفاقيتيّ بابليون والإسكندريَّة. فبينما تُعنى اتفاقيَّة الإسكندريَّة صراحةً بِمصير الروم، لم تهتم اتفاقيَّة بابليون إلَّا بِمصير الأهلين، وقد أشار ابن عبد الحكم إلى هذا الموضوع في مُحاولةٍ منه ألَّا يترُك شكًّا فيه، فأضاف بعد أن ذكر الاتفاقيَّة المُوقَّع عليها في بابليون بأنَّ «هذا كُلُّه على القِبط خاصَّة». كما أشار إلى أنَّ المُقوقس أراد أن يُخطر عمرو قبل دُخول الاتفاقيَّة في دور التنفيذ، فقال له أنَّ سُلطانه (أي سُلطان المُقوقس) ليس إلَّا على نفسه ومن أطاعه، وأنَّ صلح القِبط قد تمَّ فيما بينهم وبين المُسلمين ولم يأتِ من قبلهم نقض، وأنَّ الرُّوم هو بريءٌ منهم. ويتحدث ابن بطريق عن المُقوقس بأنَّهُ احتال على الرُّوم وقال سرًّا لِعمرو: «أمَّا الرُّومُ، فإنِّي بريءٌ منهم، وليس ديني دينُهم ولا مقالتي مقالتُهم، إنَّما كُنتُ أخافُ منهم القتل، فلِذلك كُنتُ أستُرُ ديني ومقالتي من مقالتهم وأكتُمُ ذلك».

  9. الفسطاط

    10 دقائق قراءةالفسطاط هي شياخة من شياخات حي مصر القديمة الواقعة في جنوب محافظة القاهرة، وكانت أول عاصمة لمصر تحت الحكم الإسلامي. بناه القائد المسلم عمرو بن العاص مباشرة بعد الفتح الإسلامي لمصر عام 641 م، وكان يضم جامع عمرو بن العاص،…
    الفسطاط في نقش من القرن التاسع عشر
    الفسطاط في نقش من القرن التاسع عشر

    الفسطاط هي شياخة من شياخات حي مصر القديمة الواقعة في جنوب محافظة القاهرة، وكانت أول عاصمة لمصر تحت الحكم الإسلامي. بناه القائد المسلم عمرو بن العاص مباشرة بعد الفتح الإسلامي لمصر عام 641 م، وكان يضم جامع عمرو بن العاص، وهو أول مسجد بني في مصر.

    بلغت المدينة ذروتها في القرن الثاني عشر، حيث بلغ عدد سكانها حوالي 200000 نسمة. كانت مركز السلطة الإدارية في مصر، إلى أن أمر وزيرها شاور بإحراقها في عام 1168 لإبقاء ثروتها بعيدة عن أيدي الغزاة الصليبيين. تم استيعاب بقايا المدينة في نهاية المطاف من قبل القاهرة المجاورة، والتي تم بناؤها إلى الشمال من الفسطاط في عام 969 عندما غزا الفاطميون المنطقة وأنشأوا مدينة جديدة لتكون سياجًا ملكيًّا للخليفة. سقطت المنطقة في حالة سيئة لمئات السنين واستخدمت مكبًا للقمامة.

    تعد الفسطاط اليوم جزءًا من القاهرة القديمة، مع وجود القليل من المباني المتبقية من أيامها كعاصمة. كشفت العديد من الحفريات الأثرية عن ثروة من المواد المدفونة في المنطقة. العديد من القطع الأثرية المسترجعة من الموقع معروضة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

    عاصمة مصر

    كانت الفسطاط عاصمة مصر لما يقرب من 500 عام. بعد تأسيس المدينة في عام 641، لم تنقطع سلطتها حتى 750، عندما قامت الدولة العباسية بثورة ضد الأمويين. لم يتركز هذا الصراع في مصر، ولكن في أماكن أخرى من العالم العربي. عندما تولى العباسيون السلطة، نقلوا عواصم مختلفة إلى مناطق أكثر سيطرة. لقد أقاموا مركز خلافتهم في بغداد، ونقلوا العاصمة من موقعها الأموي السابق في دمشق. تم اتخاذ خطوات مماثلة في جميع أنحاء الدولة الجديدة. في مصر، نقلوا العاصمة من الفسطاط قليلاً شمالاً إلى مدينة العسكر العباسية، والتي ظلت العاصمة حتى عام 868 م. وعندما سيطرت الدولة الطولونية عام 868، انتقلت العاصمة المصرية لفترة وجيزة إلى مدينة شمالية مجاورة أخرى، القطائع. استمر هذا حتى 905 فقط، عندما دمرت القطائع وعادت العاصمة إلى الفسطاط. فقدت المدينة مكانتها مرة أخرى كعاصمة عندما أمر وزيرها شاور بحرقها عام 1168 خوفًا من وقوعها في أيدي أمالريك، ملك مملكة القدس الصليبية. تم نقل العاصمة المصرية في النهاية إلى القاهرة.

    التاريخ

    شيدت الفسطاط عام 641 على يد القائد المسلم عمرو بن العاص بمساعدة القائد عبادة بن الصامت. كما أشرف عبادة بنفسه على بناء مسجد عمرو بن العاص، بما في ذلك القبلة.

    كان السكان الأوائل للمدينة يتألفون بالكامل تقريبًا من الجنود وعائلاتهم، وكان تخطيط المدينة مشابهًا لتخطيط الحامية. قصد عمرو أن تكون الفسطاط قاعدة يتم من خلالها فتح شمال إفريقيا، بالإضافة إلى إطلاق المزيد من الحملات ضد البيزنطيين. وظلت القاعدة الأساسية للتوسع الإسلامي في إفريقيا حتى تأسست القيروان في تونس عام 670.

    تطورت الفسطاط كسلسلة من المناطق القبلية حول المسجد المركزي والمباني الإدارية. جاء غالبية المستوطنين من اليمن، مع ثاني أكبر تجمع من غرب الجزيرة العربية، إلى جانب بعض اليهود والمرتزقة الرومان. كانت اللغة العربية عمومًا هي اللهجة المنطوقة الأساسية في مصر، وكانت لغة الاتصال الكتابي. كانت اللغة القبطية لا يزال يتحدث بها الفسطاط في القرن الثامن.

    كانت الفسطاط مركز القوة في مصر في ظل الدولة الأموية، التي بدأت مع حكم معاوية بن أبي سفيان، وترأس الخلافة الإسلامية من 660 إلى 750. ومع ذلك، كانت مصر تعتبر فقط مقاطعة ذات قوى أكبر، وكان يحكمها حكام الذين تم تعيينهم من مراكز إسلامية أخرى مثل دمشق والمدينة المنورة وبغداد. كانت الفسطاط مدينة رئيسية، وفي القرن التاسع كان عدد سكانها حوالي 120.000 نسمة. لكن عندما استولى القائد جوهر الصقلي من الفاطميين المقيمين في تونس على المنطقة، أطلق هذا حقبة جديدة عندما كانت مصر مركز قوتها. أسس جوهر مدينة جديدة شمال الفسطاط في 8 أغسطس 969، وأطلق عليها اسم القاهرة، وفي عام 971، نقل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي بلاطه من المنصورية في تونس إلى القاهرة. لكن لم يكن القصد من القاهرة أن تكون مركزًا للحكومة في ذلك الوقت - فقد كانت تُستخدم في المقام الأول كغطاء ملكي للخليفة وبلاطه وجيشه، بينما ظلت الفسطاط العاصمة من حيث القوة الاقتصادية والإدارية. ازدهرت المدينة ونمت، وفي عام 987، كتب الجغرافي ابن حوكال أن الفسطاط كانت ثلث مساحة بغداد تقريبًا. بحلول عام 1168، كان عدد سكانها 200000 نسمة.

    اشتهرت المدينة بازدهارها وشوارعها وحدائقها وأسواقها المظللة. كانت تحتوي على مبان سكنية شاهقة، يبلغ ارتفاعها حوالي سبعة طوابق، والتي يمكن أن تستوعب مئات الأشخاص. وصفها شمس الدين المقدسي في القرن العاشر بالمآذن، بينما وصف ناصر خسرو في أوائل القرن الحادي عشر بعضها بارتفاع يصل إلى 14 طابقًا، مع حدائق على السطح في الطابق العلوي مكتملة بعجلات مائية تجرها الثيران للري.

    كتب الرحالة الفارسي ناصر خسرون عن الأواني الغريبة والجميلة في أسواق الفسطاط: الفخار المتقزح اللون والكريستال والعديد من الفواكه والزهور، حتى خلال أشهر الشتاء. من 975 إلى 1075، كانت الفسطاط مركزًا رئيسيًا لإنتاج الفن والخزف الإسلامي، وواحدة من أغنى مدن العالم. وذكر أحد التقارير أنها دفعت ضرائب تعادل 150 ألف دولار في اليوم لإدارة الخليفة معز. كشفت الحفريات الأثرية الحديثة عن قطع أثرية تجارية من أماكن بعيدة مثل إسبانيا والصين وفيتنام. كشفت الحفريات أيضا عن مخططات معقدة للمنازل والشوارع. تتكون الوحدة الأساسية من غرف مبنية حول فناء مركزي، مع وجود رواق من الأقواس على جانب واحد من الفناء هو الوسيلة الرئيسية للوصول.

    التسمية

    وعن سبب التسمية نشير إلى أن عمرو بن العاص كما يذكر الطبري، وبعد فتح حصن بابليون أراد رفع الفسطاط والمسير إلى الإسكندرية تمام فتح مصر، فإذا يمام قد فرخ في أعلاه فتركه على حاله وأوصى به صاحب الحصن والقصر..

    فلما فتح الإسكندرية وأراد الاستقرار بها نهاه عمر بن الخطاب عن ذلك وأوصاه باختيار موضع وسط يتيسر الاتصال به، فلم يجد عمرو أنسب من اختيار الموقع الملاصق لحصن بابليون لحصانته وموقعه وسأل أصحابه: أين تنزلون؟ قالوا: نرجع إلى موقع فسطاطه لنكون على ماء وصحراء. فعاد إليها ومَصَّرَها وأقطعها للقبائل التي معه، فنسبت المدينة إلى فسطاطه، فقيل: فسطاط عمرو. فالفسطاط على هذا النحو معسكر أو مخيم أو بيت من الشعر.

    ويذكر ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار أن العرب يقولون لكل مدينة: الفسطاط، ولذا سموا مصر بالفسطاط، ويستشهد على ذلك بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم رواه أبو هريرة قال فيه: (عليكم بالجماعة فإن يد الله على الفسطاط، أي المدينة).

    تخطيط الفسطاط

    وعن تخطيط المدينة العمراني نشير إلى أن أول بناء اختطه عمرو بن العاص في الفسطاط كان مسجده الجامع، وكان مسجدًا كبيرًا شريف القدر شهير الذكر. ثم بنى عمرو داره الكبرى عند باب المسجد وكان يفصلها عن الجامع طريق، ثم اختط دارًا أخرى ملاصقة لها، وبنى حمام الفار (الذي سمي كذلك لصغر حجمه قياسًا بحمامات الروم الضخمة)، واختطت قريش والأنصار وأسلم وغفار وجهينة ومن كان قد اشترك في جيش المسلمين ممن لم يكن لعشيرته في الفتح اختطوا جميعًا حول المسجد الجامع ودار عمرو.

    هذا وكانت هذه الخطط في الفسطاط بمثابة الحارات في القاهرة، واختط خارجة بن حذافة غربي المسجد، وبنى أول غرفة بمصر، والغرفة هي قاعة تعلو الدار وتطل على الطريق، وهي التي أمره عمر بن الخطاب بهدمها لكي لا يطلع على عورات جيرانه.

    أما الدار البيضاء التي استغرق بناؤها أربعين يومًا فاختطها عبد الرحمن بن عديس البلوي، وبُنِيَتْ لمروان بن الحكم حين قدم إلى مصر وكانت صحنًا وموقفًا لخيل المسلمين بين المسجد ودار عمرو. وبنى عمرو بن العاص لبني سهم دار السلسلة الواقعة غربي المسجد. واختطت ثقيف في الركن الشرقي للمسجد الجامع. واختط أبو ذر الغفاري دار العمد ذات الحمام، واختطت همدان الجيزة وحينما أخبر عمرو عمر بن الخطاب بذلك ساءه وكتب إلى عمرو يقول:

    كيف رضيت أن تفرق عنك أصحابك، لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفاجئهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك فان أبوا عليك وأعجبهم موضعهم فابن عليهم من فيء المسلمين حصنًا. وحينما لم يرجعوا ومن والأهم من رهطهم كيافع وغيرها بنى لهم عمرو الحصن سنة 22 هـ.

    وكان يتوسط خطط الجيزة أرض فناء فسيحة، فلما قدمت الإمدادات زمن عثمان بن عفان، وفيما بعد ذلك، كثر الناس في هذه الأرض وكثر بنيانها حتى التأمت خطط الجيزة، وأصبحت امتدادًا للفسطاط وأرضًا منها.

    وكثرت بالفسطاط الحارات والأزقة والدروب، التي تعتبر مظهرًا من مظاهر التوسع العمراني والازدهار الاقتصادي، ويقول في ذلك جمال الدين الشيال اعتمادًا على حفريات الفسطاط لبهجت وعكوش: أنه كان يفصل بين منازل الفسطاط أنواع من الطرقات المختلفة الاتساع والامتداد فأكبرها لا يزيد عرضه عن ستة أمتار، وأضيقها لا يتجاوز مترًا ونصف المتر، وكان يطلق عليها بنسبة عرضها أو اتساعها أو طولها أو اتصالها اسم حارة أو درب أو زقاق، وكانت تسمى بأسماء القبائل التي نزلت بها أو باسم كبار العرب الذين سكنوها أو بأسماء الحرف والصناعات أو أنواع التجارة.

    الأهمية الاقتصادية

    كانت الفسطاط والتي شيدت بالقرب من حصن بابليون مركزا رئيسيا للتجارة البحرية الخارجية، لوقوعها علي النيل في موقع متوسط بين الوجهين البحري والقبلي، ولاتصالها بثغور مصر الشمالية ومدن الصعيد الجنوبية عن طريق النيل. تأكد هذا الدور في العصر الفاطمي لاتصالها بالقاهرة، مقر الخلفاء الفاطميين. وأصبحت الفسطاط ميناء للتجارة القادمة من الصين والهند واليمن وأوروبا، كما أصبحت المركز الرئيسي لحركة النقل المائي. وقد وصفها المقريزى بانخفاض أسعارها عن القاهرة. ووجدت المحال التجارية علي ساحل الفسطاط، حيث تفرغ البضائع مباشرة علي أبوابها. وكان يستحيل نقل البضائع علي ظهور الدواب نظرا لازدحام مدينة الفسطاط. حتى ان الرحالة المقدسي، الذي زار مدينة الفسطاط، تعجب من كثرة السفن والمراكب التي رآها بميناء الفسطاط. كما أن الرحالة بن سعيد، الذي زار الفسطاط، قال «لئن قلت إنني لم ابصر علي نهر ما أبصرته علي ذلك الساحل فإني أقول حقا».

    وعندما كانت ترسو المراكب الواصلة إليها والمحملة بأصناف الغلات المختلفة، كان الحمالون يقومون بحمل ذلك الي أماكن التخزين الخاصة بها التي تقوم في عدة أماكن بالقاهرة.

    ونلاحظ ان مركز الفسطاط التجاري لم يهتز بشدة عقب المجاعة والشدة، التي حدثت في عصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.

    وقد قام أحمد بن طولون ببناء ترسانة، في جزيرة الروضة بالقرب من الفسطاط، وعندما تولى محمد ابن طغج الاخشيدى الحكم، حول منطقة ترسانة الفسطاط إلي حديقة، وأنشأ ترسانة جديدة سنة 325 هـ / 937 م.

    ويقال أنها ظلت تعمل أيام الفاطميين والأيوبيين والمماليك. كما ذُكر في المصادر التاريخية، أن هذه المدينة هي مركز تصنيع الأسطول الذي أستخدمه صلاح الدين في البحر المتوسط لمحاربة الصلييبين، كما حدث في عهد الملك الكامل محمد وولده الصالح نجم الدين أيوب. وكانت هذه السفن تجهز بالأسلحة والمحاربين، ثم كان يتم إرسالها من الفسطاط عن طريق النيل إلي الموانى الشمالية مثل الإسكندرية، ورشيد ودمياط. كما كان للترسانة أيضاً دوراً حيوياً في بناء المراكب البحرية في عصر المماليك، فقد منع السلطان الظاهر بيبرس الناس من التصرف في خشب السفن وأمر بإنشاء عشرين مركباً. كما كان السلطان الأشرف خليل بن قلاوون وأخيه السلطان الناصر محمد بن قلاوون من كبار صناع السفن في الفسطاط. ويفهم من كتب المؤرخين ان دار صناعة الفسطاط قد توقفت عن العمل في عصر الناصر محمد ابن قلاوون.

    معالمها

    جامع عمرو بن العاص:

    أول جامع أقيم في مصر، ويعرف بالجامع العتيق، وكان موضعه جبانة، وعندما نزل المسلمون في مكانه حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التجيبي ونزله، وحينما رجع المسلمون من الإسكندرية إلى هذا المكان، سأل عمرو قيسبة في منزله هذا أن يجعله مسجدًا فتصدق به على المسلمين، فبُنِيَ في سنة 21 هـ، وقد وقف على تحرير قبلته جمع كبير من جِلَّة الصحابة رضوان الله عليهم قال المقريزي: إنهم ثمانون رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، أبو الدرادء، وأبو ذر الغفاري، وغيرهم رضي الله عنهم، وكان طوله خمسين ذراعًا في عرض ثلاثين، ثم توالت الزيادات، إلى أن كانت سنة 212 هـ، إذ أمر عبد الله بن طاهر والي مصر من قبل المأمون بتوسيعه، فزيد فيه مثله، وبذلك بلغت 50\12 * 50\120 مترًا.. وكانت تقام فيه حلقات الدروس، بعضها للإرشاد، والآخر لدروس الفقه والحديث وعلوم القرآن والأدب، فكان جامعة إسلامية ذاع ذكرها في الآفاق، وصار يقصدها الطلاب من الأقطار المختلفة.. ويروي ابن إسحاق أن عمرًا بنى بعد فتح الإسكندرية مسجدًا كان لا يزال باقيًا إلى عصره

    حصن بابليون:

    يقع حصن بابليون الآن في القاهرة القبطية عند محطة مار جرجس لمترو الأنفاق وكان الأمبراطور تراجان قد أمر ببناؤه في القرن الثاني الميلادي في عهد الاحتلال الرومانى لمصر وقام بترميمه وتوسيعه وتقويته الإمبراطور الرومانى أركاديوس في القرن الرابع حسب رأى العلامة القبطى مرقص سميكة باشا. وقلعة تراجان هذه غير القلعة القديمة التي ذكرها إسترابو المؤرخ وكان موقعها إلى الجنوب من قصر الشمع بالقرب من دير بابليون الحالى

    الكنيسة المعلقة:

    سميت بالمعلقة لأنها بنيت على برجين من الأبراج القديمة للحصن الروماني (حصن بابليون)، ذلك الذي كان قد بناه الإمبراطور تراجان في القرن الثاني الميلادي، وتعتبر المعلقة هي أقدم الكنائس التي لا تزال باقية في مصر.

  10. 664 م

    عمرو بن العاص

    42 دقيقة قراءةأبو عبد الله عَمْرو بن العاص بن وائِل السَّهْمِي القُرَشي الكِناني (47 أو 45 ق هـ - 43 هـ / 575 أو 577 - 664 م)، صحابي من دُهاة العرب، وقائد عسكري مسلم، وأحد القادة الأربعة في الفتح الإسلامي للشام، وقائد الفتح الإسلامي…

    أبو عبد الله عَمْرو بن العاص بن وائِل السَّهْمِي القُرَشي الكِناني (47 أو 45 ق هـ - 43 هـ / 575 أو 577 - 664 م)، صحابي من دُهاة العرب، وقائد عسكري مسلم، وأحد القادة الأربعة في الفتح الإسلامي للشام، وقائد الفتح الإسلامي لمصر، وأوَّل والٍ مسلم على مصر بعد فتحها.

    كان عمرو من سادة قريش في الجاهلية، فأبوه هو العاص بن وائل السهمي، وكان يحترف التجارة، فقد كان يسافر بتجارته إلى الشام واليمن ومصر والحبشة. كما كان من فرسان قريش. أرسلته قريش إلى أصحمة النجاشي ملك الحبشة ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده. حضر عمرو بن العاص غزوة بدر مع قريش ضد المسلمين، ثم حضر غزوة أحد، ثم غزوة الخندق. ولمّا عادت قريش إلى مكة بعد صلح الحديبية ذهب إلى الحبشة عند أصحمة النجاشي، فوجده اعتنق الإسلام، فاعتنق الإسلام هناك على يد النجاشي في السنة الثامنة للهجرة، ثم أخذ سفينة متجهًا إلى المدينة المنورة، فالتقى في الطريق بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، فدخل ثلاثتهم المدينة المنورة في صفر عام 8 هـ معلنين إسلامهم. وحينها قال الرسول: «إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها».

    بعد إسلامه أرسله النبي في سرية إلى ذات السلاسل في جمادي الآخرة سنة 8 هـ، ثم في سرية أخرى لهدم صنم سواع في رمضان سنة 8 هـ، بعد فتح مكة. وفي شهر ذي الحجة سنة 8 هـ، بعثه النبي إلى ملكي عمان جيفر وعباد ابني الجلندي بكتاب يدعوهما إلى الإسلام، وبعد إسلامهم عيَّنه النبي واليًا على الزكاة والصدقات بها، وظل هناك سنتين تقريبًا حتى وفاة النبي.

    استعمله أبو بكر قائدًا عسكريًّا في حروب الردة، ثم وجَّهه لفتح فلسطين على رأس ستة أو سبعة آلاف مقاتل. فبدأ المناوشات في فلسطين، والتقى تحت قيادة خالد بن الوليد في معركة أجنادين، وشارك في معركة فحل وحصار دمشق، وكان على رأس الميمنة في معركة اليرموك. ثم فتح سبسطية ونابلس، واللد ونواحيها ويبنى وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبًا ففتح رفح، وعسقلان، وكان قد فتح غزة في عهد أبي بكر، وحاصر قيسارية، وبدأ حصار بيت المقدس ثم انضم إليه أبو عبيدة بن الجراح، فأصبح تحت قيادة أبي عبيدة. ولما أُصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلفه على الشام.

    عرض عمرو على الخليفة عمر بن الخطاب فتح مصر وطلب السماح له بالمسير إليها، فسار إليها ففتح العريش، حتى وصل إلى الفرما، ثم سار إلى بلبيس، وفتح خلال سيره سنهور وتنيس. وطلب من عُمر المدد فأرسل له فرقة بقيادة الزبير بن العوام، ثم سيطروا على إقليم الفيوم. وعسكر في عين شمس، جرت معركة عين شمس، وحاصر حصن بابليون حتى سقط في أيديهم في 21 ربيع الآخر 20 هـ، وأعطى أهل مصر الأمان. ثم ذهب لفتح الإسكندرية، وحاصرها وانتهى باتفاق صلح، وخرج منها البيزنطيون في 1 محرم 21 هـ، وأعطى أهلها الأمان. وأصبح عمرو أوّل والٍ مسلم على مصر، وأنشأ مدينة الفسطاط، وبنى فيها أول جامعٍ في مصر عُرف باسمه لاحقًا.

    عزله الخليفة عثمان بن عفان عن ولايةِ مصر سنة 24 هـ، وبعد مقتل عثمان طالب بالثأر لدمه، وكان في صف معاوية بن أبي سفيان، وأحد قادة قواته في وقعة صفين، وممثل طرف معاوية في التحكيم بعد المعركة. وتولى ولاية مصر مرة أخرى في عهد معاوية. توفي ليلة عيد الفطر سنة 43 هـ في مصر وله من العمر ثمانية وثمانون عامًا، ودفن قرب المقطم. عُرف عمرو بالدهاء والذكاء والفطنة قبل الإسلام وبعده، حتى وُصف بأدهى العرب أو «داهية العرب». كما اشتهر عمرو ببلاغته وفصاحته، ورصانة شعره، وله من الخطب الكثير. وروى عددًا قليلًا من الأحاديث النبوية تبلغ حوالي أربعين حديثًا.

    مولده ونشأته

    يختلف المؤرخون في زمن مولد عمرو بن العاص، وهو راجع إلى الاختلاف في سنة وفاته وعمره حين توفى، فذكر ابن حجر العسقلاني أنه كان عمره ليلة وُلد عمر بن الخطاب سبع سنين، ومات بعد عُمر بعشرين سنة، ويُروى عنه أنه قال:. وحسب هذه الرواية يكون ميلاد عمرو بن العاص سنة 47 ق هـ / 575م. بينما ذكر شمس الدين الذهبي أنه أسنّ من عُمر بخمس سنين، فيقول:. وحسب قول الذهبي يكون ميلاد عمرو بن العاص سنة 45 ق هـ / 577م، أي بعد عام الفيل بثمان سنين. بينما القول بأن ابنه عبد الله كان أصغر منه باثنتي عشرة سنة فقط فلا يستقيم، حيث أن عبد الله وُلد حوالي سنة 7 ق هـ، فيكون مولد عمرو حوالي سنة 19 ق هـ / 603م.

    ولد عمرو في مكة، ونشأ في بيت أبيه العاص بن وائل من بني سهم إحدى بطون قريش، كان كبير بني سهم وزعيمهم يوم الفجار الثاني، ومن أشراف قريش في الجاهلية. وكان أشراف قريش يهتمون بتعليم أبنائهم البلاغة والفصاحة، وتنشئتهم نشأة غليظة، يذكر البعض أنه تعلم القراءة والكتابة في صغره، وكان يُجيد الشعر، وقد رُوى عنه شعر جيّد.واشتهر عمرو بالفصاحة والإبانة في القول؛ حتى أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: سبحان الله خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.

    قبل إسلامه

    عمله بالتجارة

    كان عمرو بن العاص يعمل بالتجارة مثل والده وأغلب سادة قريش، ويتاجر ببضاعة اليمن والحبشة مثل الجلود ويبيعها بالشام، ويتاجر ببضاعة الشام مثل الطيب والزبيب والتين وغيره ويبيعها باليمن، وذكر أبو عمرو الكندي أن عمرو كان يذهب للتجارة في مصر ويبتاع العطور والأدم. واكتسب عمرو خلال رحلاته التجارية العلاقات مع أهل هذه البلاد، وتوطدت علاقته مع ملوك الحبشة وغيرها، وقد ذكر السيوطي أن عمرًا سافر إلى مصر في الجاهلية، ودخل الإسكندرية، فرأى عمارتها وآثارها، وأعجبه ذلك، وعرف مداخل مصر ومخارجها.

    موقفه من الإسلام والمهاجرين إلى الحبشة

    بعدما أعلن النبي محمد دعوته إلى الإسلام، أصبح عمرو معاديًا للإسلام والنبي مثل أبيه العاص بن وائل، وكان العاص بن وائل من المستهزئين بالنبي، ولما مات عبد الله ابن النبي، قال: إن محمدًا أبتر، لا يعيش له ذكر، فنزلت الآية:. ولما أسلم هشام بن العاص أخو عمرو، قام والده بحبسه وتعذيبه، وكان كل يوم يجلده بالسياط حتى يتراجع، وكانت زوجة عمرو ريطة بنت منبه تشفق على هشام، فكانت تأتيه بالطعام والشراب كل يوم، لكنه تمكن من الهجرة سرًا إلى الحبشة.

    ولمَّا علمت قريش بهجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، اجتمع سادة قريش في دار الندوة، واتفقوا على أن يجمعوا الأموال والهدايا ويهدوها إلى النجاشي، وانتدبوا لذلك رجلين، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا، وقيل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فركبا البحر، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلما عليه، ثم قالا له: «إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا»، قال: «فأين هم؟»، قالا: «في أرضك، فابعث إليهم»، فبعث إليهم. واتفق عمرو بن العاص وعمارة مع البطارقة أن يشيروا على النجاشي بأن يُسِّلم المسلمين إليهم، ولكن النجاشي رأي بأن يدعو المسلمين ليستمع بنفسه إلى ما يقولون. ولمّا حضروا جميعًا عند النجاشي، قال جعفر بن أبي طالب: «أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه»، فسَلَّمَ ولم يسجد، فقالوا له: «مالك لا تسجد للملك؟»، قال: «إنا لا نسجد إلا لله عز وجل»، قال: «وما ذاك؟»، قال: «إن الله بعث إلينا رسولًا ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة»، قال عمرو: «فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم»، قال: «فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟»، قال: «نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد»، ولما سمع النجاشي حديث جعفر لم يقبل بطلب عمرو وعمارة، وردّ هداياهما، وفي بعض الروايات أنه أسلم في هذه اللحظة أيضًا.

    أثناء وجود عمرو وعمارة بالحبشة، تشاجرا بسبب أن عمارة بن الوليد استهوى جارية لعمرو بن العاص؛ فاطلع عمرو على ذلك، فغضب، وحقد عليه، فلما استقر عند النجاشي استهوى عمارة زوجة النجاشي، وهويته زوجة النجاشي لجماله، فواصلته، فاطلع عمرو على ذلك، فأخبر به النجاشي، فعلم النجاشي، فانتقموا منه بأن قيدوه ثم نفخوا في أحليله السم وتركوه هائمًا مع الحيوانات الوحشية هناك، ومات عمارة.

    مشاركته في قتال المسلمين

    حضر عمرو بن العاص غزوة بدر مع قريش ضد المسلمين، ثم حضر غزوة أحد، وأخذت قريش في أُحد حدها وحديدها وخرجوا بنسائهم حتى لا يفروا، فخرج عمرو بزوجته ريطة. وفي غزوة الخندق كان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد يرابطان على الخندق انتظارًا للغفلة من المسلمين حتى ينقضوا عليهم. وبعد تطاير خيام قريش وانسحاب جيش الأحزاب خاف أبو سفيان بن حرب أن يلحق بهم المسلمون، فأمر عمرو بن العاص وخالد بن الوليد أن يعسكرا في جريدة من النخل في مائتي فارس تحسبًا لهجوم المسلمين عليهم. ولم يحضر عمرو الحديبية ولا صلحها.

    إسلامه

    لمّا عادت قريش إلى مكة بعد صلح الحديبية قرر الذهاب إلى الحبشة عند أصحمة النجاشي، فوجده اعتنق الإسلام، فاعتنق الإسلام هنالك على يد النجاشي في السنة الثامنة للهجرة الموافق 629م، ثم أخذ سفينة متجهًا إلى المدينة المنورة، فالتقى في الطريق بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة وهما يتجهان إلى المدينة ليدخلا في الإسلام، فدخل ثلاثتهم المدينة المنورة في صفر عام 8 هـ معلنين إسلامهم. وحينها قال الرسول:. ويروى عمرو قصة إسلامه فيقول: ولمَّا أسلم عمرو بن العاص كان النبي يُقرِّبه ويُدنيه منه، وقد بعث إليه يومًا وقال له: «خُذْ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتِني، قال: فأتيته وهو يتوضأ فصعَّدَ فيَّ النَّظَرِ ثم طَأطأَهُ فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلِّمُكَ اللَّهُ ويغنِّمُكَ، وأرغب لك من المال رغبة صالحة، قال: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: يا عمرو، نِعمَ المال الصالح للمرء الصالح». وكان عمر بن الخطاب يتعجب من عدم إسلام عمرو مُبكرًا، فقال له: «لقد عجبت لك في ذهنك وعقلك كيف لم تكن من المهاجرين الأولين»، فقال له عمرو: «وما أعجبك يا عمر من رجل قلبه بيد غيره لا يستفز التخلص منه إلا إذا أراد الله الذي هو بيده!» فقال عمر: «صدقت».

    في عهد النبي محمد

    سرية عمرو إلى ذات السلاسل

    كان النبي محمد يُرسل السرايا إلى القبائل والأعراب يدعوهم إلى الإسلام، ودخل الكثير منهم في حِلف النبي، لكن بلغ النبي أن جمعًا من قبيلة قضاعة يريدون غزو أطراف المدينة وحِلفها، فأمر النبي عمرو بن العاص أن يخرج إليهم في جمادي الآخرة سنة 8 هـ الموافق 629م، وعقد له لواءً أبيضًا وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعه ثلاثون فرسًا، وأمره أن يستعين بمن يمر به من قبائل بلي وعذرة وبلقين، ولمَّا قرب عمرو من القوم؛ بلغه أن عددهم كبير، فبعث رافع بن مكيث إلى النبي يطلب منه المدد، فقام النبي محمد بإمداده بمائتين من المهاجرين والأنصار برئاسة أبي عبيدة بن الجراح وعقد له لواء وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس للصلاة، فقال عمرو: «إنما قدمت عَلَيَّ مددًا وأنا الأمير»، وأصر عمرو أن يبقى رئيسا على الجميع فقبل أبو عبيدة.

    سار عمرو بالسرية حتى دخل بلاد بلي ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، حتى نزلوا ذات السلاسل؛ وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام. وتقاتلا فهرب مقاتلو قضاعة، وتفرقوا، وبعث عوف بن مالك بريدًا إلى النبي يخبره بانتصارهم. وعندما هرب جيش قضاعة أراد بعض المسلمين ملاحقتهم، فرفض عمرو ذلك، ثم أراد بعض المسلمين أن يوقدوا نارا للتدفئة، فرفض عمرو أيضًا، فلمَّا عادوا اشتكوا للنبي، وقد برر هذا الموقف بعد ذلك النبي محمد حين سأله أنه قال: «كرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، وكرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم»، فحمد النبي محمد ما فعل.

    سرية عمرو إلى سواع

    في رمضان سنة 8 هـ الموافق يناير 630م، بعد فتح مكة، وبعدما حطم المسلمون أشهر أصنام العرب اللات والعزى ومناة المنصوبة حول الكعبة، تبقى صنم آخر شهير عند العرب، وهو صنم سواع، وهو صنم لهذيل على ثلاثة أميال من مكة. وكان هذا الصنم على صورة امرأة: يحجون إليه ويعبدونه. فبعث النبي محمد عمرو بن العاص في جماعة من أصحابه إلى سواع ليهدمه، فلما وصل إليه وعنده السادن قال: قال عمرو:، قال:، فقال:، قال: قلت، ثم دنا منه عمرو فكسره وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئًا ثم قال للسادن قال.

    توليته على الصدقة بعُمان

    في شهر ذي الحجة سنة 8 هـ الموافق 630م، بعثه النبي إلى ملكي عُمان جيفر وعباد ابني الجلندي بكتاب يدعوهما إلى الإسلام. وكان دين البلدة المجوسية وكان نص الكتاب:، وأسلم أهل عُمان على يديه، وعيَّنه النبي واليًا على الزكاة والصدقات بها، وظل هناك سنتين تقريبًا حتى وفاة النبي، حتى أتاه كتاب أبي بكر الصديق مختوما وفيه".. أن لا يحل عقالًا عقله رسول الله وإن لا يعقل عقالًا لم يعقله رسول الله." فلما قرأ الكتاب بكى، وأعلم أهل عمان الخبر.

    دوره في المعارك الإسلامية

    حروب الردة

    أرسل أبو بكر الصديق في طلب عمرو، فأقبل حتى قدم بلاد بني عامر، ونزل على قرة بن هبيرة، وكان قرة قد ارتد عن الإسلام، فلمّا أراد عمرو الرحيل خلا به قرة وقال: «يا هذا. إن العرب لا تطيب لكم نفسًا بالإتاوة فإن أعفيتموها فستسمع لكم وتطيع، وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم»، فقال له عمرو: «أكفرت يا قرة؟ تخوفنا بردة العرب! فوالله لأوطئن عليك الخيل في حفش أمك». ولمّا وصل عمرو المدينة أخبر المسلمين بما رآه، وأن العساكر معسكرة من دبا إلى المدينة. وولاه أبو بكر على جيش كثيف من المسلمين لحرب قضاعة، الذين حاربهم من قبل في سرية ذات السلاسل، وانتصر عمرو عليهم.

    فتوح الشام

    بعد انتهاء حروب الردة عاد عمرو إلى عُمان، وعلى الجانب الآخر نجحت المناوشات العسكرية بين المسلمين والفرس، تطور هجوم المسلمين نحو العراق، وسرعان ما حقق المسلمون نجاحات واسعة حملتهم على العراق، مما دفع الخليفة الأول أبو بكر للتفكير بجدية في فتح الشام. استشار أبو بكر كبار الصحابة في هذا الأمر، وخطب فيهم، فأيده معظمهم، ولكن أشار عليه عبد الرحمن بن عوف بألا يقتحم أرضهم، وأن يبدأ بالإغارة على أطراف أراضيهم، ثم يبعث إلى قبائل اليمن وربيعة ومضر ليستنفرهم للجهاد. استحسن أبو بكر رأي ابن عوف، أمر بدعوة الناس لغزو الروم.

    وصل كتاب أبي بكر الصديق إلى عمرو، يطلب منه المجيء لاستعماله في فتوح الشام. فكان كتاب أبي بكر:، فكتب إليه عمرو:.

    أنفذ أبو بكر الجيوش نحو الشمال عقب تجمعهم بالمدينة بعد أن عقد لأربعة من الأمراء، هم: أبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة. ووجه عمرو بن العاص إلى فلسطين ويتراوح عديده بين ستة وسبعة آلاف مقاتل، على أن يسلك طريق البحر الأحمر حتى العقبة فوادي القرى فالبحر الميت وصولًا إلى بيت المقدس، وخرج من المدينة في 3 محرم 13هـ الموافق فيه 10 مارس 634م. وأمرهم أن يعاون بعضهم بعضا وأن يكونوا جميعا تحت إمرة أبي عبيدة، وأمر عمرو أن يمد الجيوش الأخرى إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

    ودعا أبو بكر عمرو بن العاص فسلم إليه الراية، وأوصاه بوصية طويلة ذكرها الواقدي، فأوصاه بتقوى الله وأمره بإقامة الصلاة وغير ذلك من الأمور، حيث قال:.

    بداية قتال عمرو في فلسطين

    توجه إلى إيليا حتى وصل إلى أرض فلسطين، فلما نزل المسلمون بفلسطين جمع عمرو المسلمين المهاجرين والأنصار وشاورهم في أمرهم فبينما هم في المشورة إذ أقبل عليهم عدي بن عامر يخبرهم باجتماع جيش العدو وأنهم أزيد عن مائة ألف فارس. فجلس عمرو للمشورة، فخاف البعض واقترحوا العودة إلى البيداء، فقال رجل من المهاجرين:، فقال سهل بن عمرو: «أما أنا فلا رجعت عن قتال الكفرة، ولا رددت سيفي عنهم، فمن شاء فلينهض ومن شاء فليرجع، ومن نكص على عقبيه، فأنا وراءه بالمرصاد». فقام عمرو بن العاص بعقد الراية وأعطاها عبد الله بن عمر بن الخطاب، وضم إليه ألف فارس فيهم رجال من الطائف ومن ثقيف وأمرهم بالمسير للقاء جيش الروم، والتقى بطليعة من جيش الروم، وانهزم الروم، فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال، وقُتل من المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر وانعطف الجيش إلى عمرو بن العاص. وفي اليوم التالي تجمع الروم في عشرة آلاف فارس، وأقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في الميمنة الضحاك بن قيس الفهري، وفي الميسرة سعيد بن خالد، وأقام على الساقة أبا الدرداء وعمرو على القلب ومعه أهل مكة وأمر الناس يقرأون القرآن، وثبت الروم في المعركة، وقُتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلًا، يروي الواقدي عن ابن عمر قوله: «فقتلنا في هذه الواقعة قريبًا من خمسة عشر ألف فارس وأكثر، ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد فرح بالنصر». وانتصر المسلمون، وندب عمرو الناس إلى الصلاة، فصلى ما فاته كل صلاة بأذان وإقامة، وسمى الواقدي هذه المعركة بـ «يوم فلسطين». ثم كتب عمرو إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه:. ودفع الكتاب إلى أبي عامر الدوسي، وكتب أبو عبيدة: وطوى الكتاب وسلمه إلى خالد بن سعيد بن العاص. وسار مع أبي عامر إلى أن أتيا إلى جيش عمرو بن العاص. وكتب عمرو كتابًا إلى أبي بكر الصديق وذكر له ما جرى مع الروم، وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي.

    معركة أجنادين

    كتب الروم في الشام إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر، فأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخاه لأبويه تذارق في تسعين ألفًا، وبعث جرجة بن توذرا إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، وبعث الدراقص إلى شرحبيل بن حسنة، وبعث القيقار (اللقيتار بن نسطورس) في ستين ألفا إلى أبي عبيدة بن الجراح.

    رأى هرقل أن يضرب أولًا جيش خالد بن سعيد الزاحف باتجاه مرج الصفر، فاستنفر العرب المتنصرة مثل بهراء وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان، فتوافدوا وعسكروا في مكانٍ قريبٍ من آبل وزيراء والقسطل بقيادة ماهان الأرمني (جابان)، فاصطدم بهم خالد بن سعيد بعد أن استأذن أبا بكر وانتصر عليهم. وفر ماهان مع من تبقى من جنوده من ساحة المعركة. ثم تسرع خالد، فشق طريقه إلى مرج الصفر، مما أعطى الفرصة لماهان للالتفاف حول الجيش الإسلامي وفاجأه. فلاذ خالد بن سعيد بالفرار تاركًا جيشه تحت رحمة الروم، لكن عكرمة بن أبي جهل نجح في إعادة تنظيم صفوفه وانسحب من ميدان المعركة، وعسكر على مقربةٍ من دمشق. وجرت المعركة في 4 محرم 13 هـ الموافق فيه 11 مارس 634م.

    لما علم أبو بكر؛ كتب إلى خالد بن الوليد بالعراق يأمره بالمسير إلى الشام في نصف الجيش، ويُأَمِّرُه على قيادة الجيوش في الشام بدلًا من أبي عبيدة. بينما عاد عمرو بن العاص نحو أجنادين الواقعة بين الرملة وبيت جبرين، وتوقف فيها ينتظر وصول جيش تذارق، ولما وصل تذارق انضم إليه نصارى العرب وغيرهم من أهل الشام آملين أن ينالوا نهائيًا من المسلمين ويخرجوهم من فلسطين. عقد خالد بن الوليد مجلسًا عسكريًا عندما علم بزحف البيزنطيين تقرر فيه تجميع القوى الإسلامية والصمود في أجنادين. وسار خالد وأبو عبيدة ويزيد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص، وجرى اللقاء في هذه البلدة يوم السبت في 27 جمادى الأولى 13 هـ الموافق فيه 30 يوليو 634م. وعلى الروم القيقلان، وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفًا حسب بعض الأقوال، فقُتل القيقلان وانهزمت الروم، وقُتل منهم خلق كثير، واستشهد من المسلمين جماعة؛ منهم هشام بن العاص والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد بن العاص وعمرو بن سعيد بن العاص، والطفيل بن عمرو الدوسي وضرار بن الأزور، وسلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وسعيد بن الحارث بن قيس، وأخوه تميم.

    معركة فحل وفتح دمشق

    لما تولى عمر بن الخطاب الخلافة؛ عزل خالد بن الوليد وأعاد تولية أبي عبيدة بن الجراح، وتوجه أبو عبيدة على رأس الجيوش الإسلامية لفتح دمشق، فجعل خالد بن الوليد في القلب، وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية، وخالد بن الوليد على الباب الشرقي ويزيد بن أبي سفيان على باب كيسان وعمرو بن العاص على باب الفراديس وشرحبيل بن حسنة على باب توما. ونصب عمرو المجانيق، واستمر الحصار من 17 جمادى الآخرة إلى 20 رجب سنة 13 هـ، حتى فتحت المدينة صلحًا.

    قبيل فتح دمشق جرت معركة فحل، بينما ذكرها الطبري بعد فتح دمشق، وكان عمرو بن العاص على الميسرة، وانتصر المسلمون، وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهما من الجيوش نحو حمص، واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص، فحاصرا بيسان، فخرجوا إليهما فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوهم على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية، والخراج على أراضيهم.

    استخلف أبو عبيدة عمرو بن العاص على فلسطين، وبعدما فتح أبو عبيدة حمص، استقر هو في حمص وأرسل خالدًا إلى دمشق ليقيم بها، وكلف عمرو بن العاص أن يقيم في فلسطين. وهكذا توقفت حركة الفتوح في الشام سنة 15 هـ.

    معركة اليرموك

    حشد هرقل جيشًا ضخمًا يضم مائة وعشرين ألفًا من الجنود من مختلف الولايات البيزنطية، منهم فرقة من العرب المسيحيون تقدر بإثني عشر ألفًا من الغساسنة ولخم وجذام بقيادة جبلة بن الأيهم، وفرقة من أرمينية تضم أيضًا اثني عشر ألفًا بقيادة جرجة بن توذار، ونزل الروم بين دير أيوب واليرموك، وكانوا بقيادة تذارق أخو هرقل يساعده القائد الأرمني ماهان وثيودور تريثوريوس أمين صندوق الإمبراطورية البيزنطية وسقلاب الخصي. غادر أبو عبيدة بالمسلمين من حمص إلى دمشق. وصل المسلمون إلى اليرموك فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه، بلغت قوة المسلمين ما بين ستة وثلاثين ألفًا إلى أربعين ألفًا، وقيل ستةٍ وأربعين ألفًا، مقسمة على أربعة ألوية على رأس كلٍ منها أمير

    جعل أبو عبيدة خالدًا أميرًا للمعركة، ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية، فقام خالد في الناس خطيبًا، فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف، فقسمهم إلى ستة وثلاثين كردوسًا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان، وأمر على كل كردوس أميرًا، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي أبو الدرداء الأنصاري، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود. وخطب فيهم عمرو بن العاص فقال: «يا أيها المسلمون، غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فو الذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب، ويجزي بالإحسان إحسانا، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرًا كفرًا، وقصرًا قصرًا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل».

    ثبت جيش الروم، وانكشف جماعة من المسلمين؛ فتقهقر عمرو بن العاص، وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه، وثبت يزيد بن أبي سفيان، وقاتل قتالًا شديدًا، وصاح أبو سفيان بن حرب: «يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين». وحمل خالد بن الوليد على ميسرة الروم ففرق شملهم، وانضم إليه القائد الأرمني جرجة معلنًا إسلامه. ثم كر الروم على المسلمين فتصدى لهم خالد ومعه جرجة الذي قُتل، فتراجع الروم. فزحف خالد بقلب الجيش مخترقًا صفوف البيزنطيين ففرت الخيالة منهم تاركين المشاة أمام الجيش الإسلامي، واقتحم خالد عليهم خندقهم، فتراجع الروم تحت جنح الظلام إلى سهل الواقوصة حيث أمعن المسلمون فيهم قتلًا حتى هُزموا. وقُتل من الروم في هذه المعركة حوالي الستين ألفًا، وقُدِّرَت خسائر المسلمين بثلاثة آلاف قتيل منهم عدد من الصحابة مثل عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد بن العاص وهشام بن العاص وعمرو بن الطفيل. وانحاز جبلة بن الأيهم ومن معه من العرب المسيحيين إلى بني قومهم العرب المسلمون، ثم أظهر الإسلام هو وجماعة من قومه الغساسنة.

    فتح بيت المقدس

    بعد انهزام جيش الروم، كان سهلًا على جيش عمرو دخول البلدات تباعًا، ففتح سبسطية الواقعة إلى الشمال الغربي من نابلس، ثم فتح نابلس، وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم وأموالهم ومنازلهم على أداء الجزية والخراج، ثم فتح اللد ونواحيها ويبنى وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبًا ففتح رفح، وفي رواية أنه فتح عسقلان، وكان قد فتح غزة في عهد أبي بكر، وحاصر قيسارية التي كانت من أشهر المدن آنذاك. كما قاد عمرو بن العاص عملية حصار بيت المقدس بوصفه قائد الجبهة الفلسطينية، وواجه مقاومة ضارية من جانب حاميتها وسكانها، ووجد مشقة بالغة في امتصاص الهجمات البيزنطية، فأرسل إلى الأرطبون يطلب منه التسليم مثل بقية المدن ووعده بالأمان. واستعمل البيزنطيون المجانيق من فوق الأسوار. وطال أمد الحرب، واضطر عمرو بن العاص، في هذه الظروف القتالية الصعبة، أن يكتب إلى عُمر في المدينة المنورة يطلب منه المساعدة، فاستجاب لطلبه وأرسل إلى أبي عبيدة لينجده، وصحبه خالد بن الوليد. وأرسل إلى يزيد بأن يبعث أخاه معاوية لفتح قيسارية كي يشغل البيزنطيين على أكثر من جبهة، كما خرج عُمر بنفسه إلى الشام ليكون قريبًا من مجرى الأحداث.

    تسلم أبو عبيدة فور وصوله قيادة القوات الإسلامية، وعلموا أن عُمر آتٍ فأدركوا أن مدينتهم لن تستطيع الاستمرار بالمقاومة وأن سقوطها أضحى مسألة وقت، فانسحب الأرطبون مستخفيًا في قوة من الجند إلى مصر. وتسلم بطريرك المدينة صفرونيوس مقاليد الأمور، فعرض عليه أبو عبيدة الإسلام أو الجزية أو الحرب. واختار البطريرك تسليم المدينة لعُمر شخصيًا، واستلم عُمر فور قدومه مفاتيح القدس، وأعطى عمر النصارى ما يٌعرف بالعهدة العمرية.

    طاعون عمواس

    في سنة 18 هـ الموافق 639م، وقيل أنه كان سنة 17 هـ انتشر الطاعون في ولاية بلاد الشام الإسلامية، وهو ما عٌرف بطاعون عمواس، وأصيب أبو عبيدة بالطاعون، فقالوا لمعاذ بن جبل صلي بالناس، ثم أُصيب معاذ بن جبل ومات، فاستخلف أبو عبيدة على الشام عمرو بن العاص، فقام عمرو في الناس خطيبًا، فقال: «أيها الناس، هذا الطاعون رجس، فتفرَّقوا عنه في هذه الشعاب وفي هذه الأودية»، فقال شرحبيل بن حسنة: «صحبتُ رسول الله وعمروٌ أضلُّ من حمار أهْله، ولكنه رحمةُ ربكم ودعوة نبيكم ووفاة الصالحين قبلكم»، يشير شرحبيلُ إلى حديث نبويّ بمعنى ما قال. وفي تاريخ الطبري أن الذي رادَّ عَمْرًا هو أبو وائلة الهذلي، وأن عَمْرًا قال: «والله ما أردُّ عليك ما تقول، وايم الله لا نقيم عليه»، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا، ورُفع الطاعون عنهم، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص، فاستحسنه. ثم مات أبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، واستخلف عمر معاوية بن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها، وأمَّر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها.

    فتح مصر

    اجتمع عمرو بن العاص بعمر بن الخطاب في الجابية حين جاء إلى الشام ليتفقد أحوالها بعد طاعون عمواس، وعرض عليه فتح مصر وطلب السماح له بالمسير إليها. وقال:. بينما تذكر بعض المصادر أن فكرة فتح مصر تعود إلى عمر بن الخطاب نفسه الذي أمر عمرو بالمسير إليها. فعهد إليه قيادة الفتح ووضع بتصرفه ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي، وقيل أربعة آلاف أو خمسة آلاف، وطلب منه أن يجعل ذلك سرًا وأن يسير بجنده سيرًا هنيًا. وهكذا سار عمرو بن العاص إلى مصر مخترقًا صحراء سيناء ومتخذًا الطريق الساحلي، ومع ذلك بقي عمر بن الخطاب مترددًا، حتى يبدو أنه عدل عن موفقته فأرسل كتابًا إلى عمرو بن العاص وهو برفح فلم يستلمه ويقرأه إلا بعد أن دخل حدود مصر. ويعتقد البعض أن تلك كانت حيلةً بارعةً جعلته يزحف نحو مصر دون أن يخالف أمر الخليفة. وقيل أن عمرو بن العاص سار إلى مصر من تلقاء نفسه، ثم استأذن عمر بن الخطاب، وقيل لم يستأذنه، فغضب عليه وأرسل إليه الكتاب المذكور، فلم يقرأه إلا بعد دخوله مصر، كما قيل أن الكتاب وافاه وهو بالعريش داخل حدود مصر.

    وصل الجيش إلى العريش في عيد الأضحى يوم 10 ذو الحجة 18 هـ الموافق 12 ديسمبر 639م، فوجدها خالية من القوات البيزنطية، فدخلها. ثم انحرف جنوبًا تاركًا طريق الساحل، حتى وصل إلى الفرما. ضرب عمرو الحصار على الفرما، وتحصنت حاميتها البيزنطية وراء الأسوار، وجرت مناوشات بين الطرفين استمرت مدة شهر، بينما يذكر ياقوت الحموي أن القتال بالفرما استمر مدة شهرين من الزمن، ثم اقتحمها المسلمون في 19 محرم 19 هـ الموافق 20 يناير 640م. ثم سار إلى بلبيس، وفتح خلال سيره سنهور وتنيس. ضرب عمرو الحصار على المدينة وقاتل حاميتها الرومية شهرًا. وكان الروم قد تحصنوا فيها بقيادة الأرطبون، وكان بها «أرمانوسة» ابنة المقوقس، وقد جهزها بأموالها وجواريها وغلمانها وهي في طريقها نحو قيسارية لتتزوج من قسطنطين الثالث. ودخل المسلمون مدينة بلبيس. وأرسل عمرو بن العاص أرمانوسة في جميع مالها إلى أبيها المقوقس، في صحبة قيس بن سعد بن عبادة.

    سار عمرو بن العاص من بلبيس متاخمًا للصحراء، فمر بمدينة عين شمس ثم هبط إلى قريةٍ على النيل اسمها «أم دنين»، وتقع إلى الشمال من حصن بابليون، وعسكر قريبًا منها. ولما علم المقوقس بذلك قَدِمَ من الإسكندرية إلى حصن بابليون ليُشرف على القتال بنفسه. وجرت مع حامية المدينة بعض المناوشات على مدى عدة أسابيع لم تسفر عن نتيجة حاسمة. فأرسل عمرو إلى الخليفة عمر يستحثه في إرسال مدد. فأرسل له مددًا بقيادة الزبير بن العوام، ويذكر المؤرخون المسلمون أن المدد كان اثني عشر ألف مقاتل، ويذكر بعضهم أيضًا أنه كان عشرة آلاف فقط، واغتبط المسلمون بقدوم كبار الصحابة أمثال: الزبير بن العوام وعبادة بن الصامت، والمقداد بن الأسود، ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وسقطت بعدها حامية أم دنين. وتمكن بعض الروم وقادتهم من الفرار إلى حصن بابليون. بعد وصول الإمدادات بدأ عمرو في إرسال الفرق العسكرية للسيطرة على الأقاليم المختلفة، فأرسل فرقة من الجنود للسيطرة على مدينة الفيوم، وسيطروا على إقليم الفيوم. وتوغلت في جنوبي الدلتا فاستولت على أثريب ومنوف في إقليم المنوفية.

    حصن بابليون

    عسكر عمرو في عين شمس، وراح يستعد لمهاجمة حصن بابليون، وحاول استفزاز الجنود البيزنطيين وحملِهم على الخروج من الحصن. وبالفعل في شهر شعبان سنة 19 هـ الموافق يوليو سنة 640م، خرج القائد ثيودور على رأس عشرين ألفًا وسار بهم باتجاه عين شمس. فشكل عمرو فرقتين يبلغ عدد أفراد كلٍ منها خمسمائة مقاتل، وأرسل إحداهما إلى أم دنين، والأخرى إلى مغار بني وائل، وخرج من عين شمس، فلما وصل البيزنطيون، ظنوا أن المسلمين فروا من عين شمس، ولكن في الطريق بين المعسكرين؛ خرج أفراد الكمين الذي أعده عمرو، فاجتاحت فرقة من المسلمين مؤخرة الجيش البيزنطي التي فوجئت وأُخذت على حين غرة، فحاولوا الفرار نحو أم دنين، فأطبقت عليهم الفرقة الأخرى، وأضحوا بين ثلاثة جيوش، ونجحت فئة قليلة منهم ببلوغ الحصن وهلكت فئة كبيرة.

    ثم ركز جهوده العسكرية على فتح الحصن، فسار إليه في شهر شوال سنة 19 هـ الموافق لشهر سبتمبر 640م وحاصره. لم يكن قد أحكم سيطرته على الطرق المائية بعد. وبادر عدد من حكام الروم بالخروج إلى الإسكندرية تاركين الحامية تتولى مهمة الدفاع عنه، ومما زاد في إحباطهم وخوفهم أن بعض المصريين اعتنقوا الإسلام وانضموا إلى الجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص، فكانوا له أعوانًا وأدلاء يصحبونه ويدلونه على الطرق والمواقع، ويخبروه عن أسرار وأوضاع الروم. وخير عمرو المقوقس بين الإسلام أو الجزية أو القتال، وأرسل لهم عبادة بن الصامت، فاستقبله الروم والمصريون حيث طمأنهم بأنهم سيكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم ونسائهم وذراريهم إن هم قبلوا دفع الجزية. طلب المقوقس من عمرو المهادنة مدة شهر للتفكير في الأمر، فمنحه ثلاثة أيام. وغادر المقوقس حصن بابليون وتوجه إلى الإسكندرية، حيث أرسل عهد الصلح إلى القسطنطينية وطلب موافقة هرقل عليه، لكن هرقل رفض الصلح، واتهم المقوقس بالتقصير والخيانة، ونفاه، واستأنف الطرفان القتال. ووصل نبأ وفاة الإمبراطور هرقل إلى حامية الحصن، فاضطربوا لموته، وتراجعت قدرتهم القتالية، مما أعطى الفرصة للمسلمين لتشديد الحصار قبل أن يقتحموا الحصن في 21 ربيع الآخر 20 هـ الموافق فيه 9 أبريل 641م. واعتلى الزبير بن العوام مع نفرٍ من المسلمين، السور، وكبروا، فظن أهل الحصن أن المسلمين اقتحموه، فهربوا تاركين مواقعهم، فنزل الزبير وفتح باب الحصن لأفراد الجيش الإسلامي فدخلوه. وأعطى عمرو أهل الحصن عهدًا كان نصه:

    فتح الإسكندرية

    طلب عمرو من الخليفة أن يأذن له بالزحف نحو الإسكندرية لفتحها، فأذن له، وترك حاميةً عسكريةً في حصن بابليون بقيادة خارجة بن حذافة. ولم يجد عمرو أي مقاومة عسكرية طوال طريقه، إلا في نقيوس الواقعة على بعد عدة فراسخ من منوف، وفي قرية سلطيس، وعند حصن كريون آخر سلسلة الحصون قبل الإسكندرية، حتى وصل الإسكندرية في منتصف رجب 20 هـ الموافق فيه أواخر يونيو 641م.

    كانت الإسكندرية مدينةً منيعة، ذات حصونٍ عظيمة، وقد عسكر الجند المسلمون بالقرب منها، وقام بتشديد الحصار على المدينة. ونقل عمرو معسكره إلى مكانٍ بعيدٍ عن مرمى المجانيق، بين الحلوة وقصر فارس. استمر الوضع على ذلك مدة شهرين. وشن الغارات على مدن دلتا النيل، وأبقى معظم جنوده على حصار الإسكندرية. وقد نجحت الفرق العسكرية الإسلامية هذه بالسيطرة على ما تبقى من قرى وبلدات بقية الوجه البحري.

    استبطأ عمر بن الخطاب نبأ فتح الإسكندرية، فأرسل إلى عمرو يعظه ويستعجله وينبهه على أن النصر لن يكون حليف المسلمين إلا لو أخلصوا النية، وطلب منه أن يخطب في الناس ويحضهم على قتال عدوهم ويرغبهم في الصبر والنية، وأن يدعوا المسلمين الله ويسألوه النصر. شكل كتاب عمر عامل دفعٍ للمسلمين فاقتحموا حصون الإسكندرية ففتحوها بحد السيف في 28 ذو القعدة 20 هـ الموافق 8 نوفمبر 641م بعد حصارٍ دام أربعة أشهرٍ ونصف. وفر البيزنطيون منها بكل اتجاهٍ للنجاة بأنفسهم، وأذعن سكانها من المصريين، واستبقى عمرو أهلها ولم يقتل ولم يسب وجعلهم ذمة كأهل حصن بابليون. تتباين الروايات التاريخية حول كيفية إتمام فتح الإسكندرية وجلاء الروم عنها نهائيًا، فقال البعض أن الفتح كان عنوةً، بينما قال آخرون أنه كان صلحًا، لكن مما لا خلاف فيه أن دخولها تحت سلطان دولة الخلافة الراشدة كان في 1 محرم 21 هـ الموافق 17 سبتمبر 642م.

    ولايته الأولى على مصر

    بعد تمام فتح مصر، كتب عمر بن الخطاب إلى واليه عمرو بن العاص يسأله عن أوضاع البلاد طالبًا منه أن يصفها إليه، فكتب عمرو بن العاص رسالة إليه يشرح أحوال مصر ووصفها، وأصبح عمرو والي مصر المعين من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، وبدأ عمرو بالقيام بالإصلاحات والأعمال الإدارية.

    تخطيط الفسطاط وبناء الجامع

    لما رأى عمرو منازل الإسكندرية أراد أن يتخذها مقرًا له، وقال: «منازل قد كفيناها»، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في ذلك فسأل عمر الرسول: «هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟» قال: «نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل». فكتب إلى عمرو: «إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلًا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف، فلا تجعلوا بيني وبينكم ماء. متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت». وكان عمرو قد أقام فسطاطه في أرضٍ فضاء ومزارع بين حصن بابليون وجبل المقطم أثناء حصار الحصن. فلما فتح الحصن وقرر الزحف نحو الإسكندرية أمر بنزع هذا الفسطاط، فإذا بيمامةٌ قد باضت في أعلاه، فتركها حتى تكبر فراخها وتطير. فلما عاد من الإسكندرية بعد فتحها أمر جنوده أن ينزلوا عند الفسطاط وأن يختطوا دورهم فيها، فسمت تلك البقعة بالفسطاط. وولى عمرو على تخطيط الفسطاط أربعة من المسلمين؛ فاختطوا لكل قبيلة خطة. وكان أول من ابتنى غرفة في الفسطاط خارجة بن حذافة، ثم اتسعت المدينة، أسلم، وبلي، ومعاذ، وليث، وعنزة، وهذيل، وعدوان، وغيرهم، وقد نزل فيها المصريون أيضًا. وهكذا أسس عمرو بن العاص مدينةً جديدةً للمسلمين في سنة 21هـ الموافقة لسنة 642م. كما بنى فيها أول جامعٍ في مصر عرف باسم جامع عمرو بن العاص، وسمي أيضًا جامع الفتح أو الجامع العتيق.

    يروي ابن دقماق أن عمرو بن العاص طلب من قبيسة بن كلثوم التجيبي أن يجعل منزله مسجدًا، فأجابه إلى طلبه وتصدق به على المسلمين، ومن ثم شرع عمرو في بنائه، فكان طوله خمسين ذراعا وعرضه ثلاثين. وكان الجامع في مبدأ أمره أصغر بكثير مما هو عليه الآن. ويقال إنه وقف على إقامة قبلته ثمانون من الصحابة منهم الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت. ولم يكن للمسجد محراب مجوف؛ وأول من بنى المحراب قرة بن شريك العبسي، وكان له بابان مقابلان دار عمرو، وبابان شمالية وبابان غربية، وكان طوله من القبلة إلى الغرب مثل طول دار عمرو، وسقفه منخفضًا جدًا ولا صحن له، وكانوا يصلون بفنائه، وكان بينه وبين دار عمرو سبعة أذرع، وكان الطريق محيطًا به من جميع جوانبه.

    الإصلاحات النيلية

    أجرى عمرو بن العاص العديد من الإصلاحات المتعلقة بنهر النيل والزراعة والفلاحين، فخفف عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيون، واعتنى بهندسة الري، من حفر الخلجان وإصلاح الجسور، وسد الترع، وبناء مقاييس للنيل، وإنشاء الأحواض والقناطر. ولعل من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر قناة سيزوستريس التي تصل النيل بالبحر الأحمر، وتسهل الاتصال بشبه الجزيرة العربية، وتؤمن طريقًا أفضل للتجارة الشرقية، وعرفت بخليج أمير المؤمنين، وذكر أبو عمرو الكندي أن عَمرًا حفر الخليج سنة 23 هـ/643م وانتهى منه في ستة أشهر. وأنشأ عددًا كبيرًا من الطرق، وأقام الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها. كما أبطل المسلمون إحدى العادات السيئة التي كانت موجودة قبل الفتح وهي عادة ما تسمى بعروس النيل وهي إلقاء فتاة بكر في النيل في شهر بؤونة حتى يجري ويفيض، ويُروى في ذلك أن عَمرًا كتب إلى عُمر، فرد عليه عُمر وبعث له ببطاقة مكتوب فيها: فألقى عمرو البطاقة في النيل، فجرى النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة.

    فتح برقة وطرابلس وفزان

    خرج عمرو بقواته من الإسكندرية في سنة 22هـ الموافقة لسنة 643م بعد أن اطمأن على استقرار الأوضاع في مصر، وتوجه نحو برقة التابعة للإمبراطورية البيزنطية، وتسكنها قبيلة لواتة البربرية، وبعث نفرٌ من جنده بقيادة عقبة بن نافع ليستطلعوا أحوال برقة ويوافوه بأخبارها قبل أن يتقدم إليها، فسار هذا إلى زويلة وأطراف برقة وما جاورها من البلاد وبعدما وصلته المعلومات قرر مواصلة السير لفتح كامل بلاد إنطابلس التي تعرف اليوم ببرقة. ولما بلغت خيل ابن العاص برقة، ضربوا الحصار عليها، وعرض عليهم عمرو ابن العاص الثلاث خصال التي عرضها على المقوقس وأهل مصر ومن قبلهم الشام، وهي: الإسلام أو الجزية أو القتال. ووجد أهل برقة أنه لا طاقة لهم بقتال المسلمين فقبلوا المصالحة على أن يؤدوا جزية للمسلمين قوامها 13 ألف دينار، وأن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم، وقيل كذلك دينار عن كل شخصٍ بالغ.

    ثم تقدم عمرو بجنوده حتى طرابلس فحاصرها شهرًا لصمود المدافعين عنها. وأثناء الحصار وجه عمرو عقبة بن نافع لفتح فزان، فافتتح أجدابية صلحًا، ثم واصل حتى بلغ زويلة، فصالحه أهلها، وأتم فتح فزان. وأثناء حصار طرابلس استطاع جماعة من المسلمين الدخول بين أسوار طرابلس والبحر الأبيض المتوسط وقاتلوا حامية البحر، وصاح أفرادها «الله أكبر»، فترددت أصداء التكبير في أزقة المدينة وطرقاتها، فذعر المدافعون عنها، ودبت الفوضى في صفوفهم، فحملوا ما استطاعوا من متاعهم وأسرعوا إلى السفن وأبحروا عليها هاربين، ولما رأى الحراس فرار الحامية البيزنطية، تركوا مراكزهم، فدخل عمرو وجيشه إلى المدينة. ثم فاجأ ابن العاص أهل صبراتة بخيله، وفتحت أبواب المدينة عند أول هجمة إسلامية. وأرسل ابن العاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في التوجه إلى بلاد إفريقية، لكن الخليفة أمره بالتوقف عند ذلك.

    الخراج

    كان عمر بن الخطاب يشتهر بغلظته وشدته مع الولاة، فكان من المسائل التي أغلط بها عمر على عمرو مسألة تأخر الخراج في أحد السنوات، فكتب عمر إليه: وذكر المقريزي أكثر من كتاب بينهما في هذه المسألة كان آخرها رد عمرو: وكان عمرو يجبي الخراج اثني عشر ألف ألف دينار، وجباها المقوقس قبله عشرين ألف ألف دينار، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي السرح حين استعمله عثمان بن عفان أربعة عشر ألف ألف دينار.

    عقاب عمر لعمرو وابنه

    يُروى أن محمد بن عمرو بن العاص تسابق مع رجل من أهل مصر، فغلبه الرجل، فضربه محمد، فذهب الرجل إلى عمر بن الخطاب بمنى واشتكى له، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يأتي مع ابنه، ولما أتيا المدينة أمر عمر بتجريد محمد من ثيابه وضربه المصري بالسوط، ثم أمر بعمرو فخرقت ثيابه، عن أنس بن مالكٍ أنه قال:.

    ما بعد ولاية مصر الأولى

    عزله

    توفي عمر بن الخطاب، وتولى عثمان بن عفان الخلافة في ذي الحجة 23 هـ، وفي سنة 24 هـ عيّن عثمان عبد الله بن سعد بن أبي السرح على خراج مصر، مع بقاء عمرو على الجيش والإدارة في مصر، فاختلف عمرو وعبد الله، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: «إن عمرا كسر الخراج»، وكتب عمرو: «إن عبد الله كسر على حيلة الحرب»، فكتب عثمان إلى عمرو أن ينصرف، وجعل عبد الله بن سعد واليًا لمصر. واختلف المؤرخون في سنة عزل عمرو، فيعتقد البعض أنها في سنة 24 هـ في بداية خلافة عثمان، بينما قال ابن الأثير أن عزل عمرو بن العاص كان سنة 26 هـ. وقال الطبري أنه اعتزل سنة 27 هـ.

    مقتل عثمان وموقعة صفين

    عاد عمرو إلى المدينة المنورة، وقيل بل اعتزل بفلسطين في قصره المسمى (العجلان). ولمّا قُتِل عثمان بن عفان في 18 ذي الحجة سنة 35 هـ، خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجها نحو الشام وقال: فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد وخرج بعده حسان بن ثابت. ووصل إلى دمشق وبايع عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان سنة 36 هـ. وامتنع معاوية وأهل الشام عن بيعة علي بن أبي طالب، وقالوا لا نبايع حتى يقتص من قتلة عثمان. وبعد موقعة الجمل بعث علي بن أبي طالب جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه للبيعة، فاستشار معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام، فأبوا البيعة حتى يقتص من قتلة عثمان. فاستعد علي لغزو الشام، وأخذ يستنفر الجند، وجهز جيشًا وعسكر بالنخيلة بالقرب من الكوفة، وعندما علم معاوية بتحرك جيش العراق نحو الشام، جمع مستشاريه من أعيان أهل الشام، فبايعوا معاوية على الطلب بدم عثمان والقتال، وقد قام عمرو بن العاص بتجهيز الجيش، وعقد الألوية، وقام في الجيش خطيبًا يحرضهم، فقال: «إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم وأوهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، ثم إن أهل البصرة مخالفون لعلي قد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة ومنهم من قد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه وفي دمكم أن تبطلوه.» وساروا إلى صفين، وكان عمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها. واستمر القتال شهرًا في صفين. وما إن دخل شهر المحرم، حتى بادر الفريقان إلى الموادعة والهدنة طمعًا في الصلح.

    عادت الحرب على ما كانت عليه، واشتد القتال بين الطرفين، تقدم جيش معاوية في البداية، ولما رأى عمار بن ياسر تقهقر جيش علي وأصحابه، وتقدم خصومه، أخذ يستحثهم، حتى قُتِل، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام. وقال معاوية: «لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلن أهل فارس على أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى،» ثم قال لأصحابه: «اربطوا المصاحف على أطراف القنا». وقيل أن عمرو بن العاص هو من اقترح ربط المصاحف على أطراف القنا، في إشارة لتحكيم القرآن بين الطرفين. وقَبِل علي بن أبي طالب وقف القتال في صفين، ووافق على التحكيم، ورجع إلى الكوفة، وعلّق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف، وقال: «أنا أولى بذلك».

    التحكيم

    اتفق الفريقان على التحكيم، فوكل معاوية عمرو بن العاص حكمًا من عنده، ووكل علي أبا موسى الأشعري حكمًا من عنده، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في رمضان سنة 37 هـ الموافق 658م. وقد جاء في قصة التحكيم العديد من الروايات التي يختلف عليها أهل السنة والجماعة والشيعة، فالعديد من هذه الروايات يعتقد أهل السنة أنها إما ضعيفة أو موضوعة؛ والعكس أيضًا. وقد ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه نص الوثيقة:

    وذكر ابن عساكر أن هذه الوثيقة أُعلنت في شعبان سنة 38 هـ الموافق 659م، فاجتمع الناس إليهما، ويروي أنه كان بينهما كلامًا في السر خالفه عمرو بن العاص، فقدم أبو موسى فتكلم وخلع عليًا ومعاوية، ثم تكلم عمرو فخلع عليًا وأثبت معاوية، فتفرق الحكمان، بايع أهل الشام معاوية في ذي القعدة. علق على هذه القصة ابن كثير الدمشقي فقال:. وروى محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ الكبير رواية تخالف هذه القصة، وتذكر أن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع عليًا ومعاوية وأن يعهدا بأمر الخلافة إلى أحد أعيان الصحابة الذين توفى النبي وهو راضٍ عنهم، فروى البخاري عن حضين بن المنذر قال: لما عزل عمرو معاوية جاء -أي حضين بن المنذر- فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية، فأرسل إليه فقال:.

    ولايته الثانية على مصر

    بعد حادثة التحكيم عاد القتال من جديد واستطاع جانب معاوية أن يحقق بعض الانتصارات، وسار عمرو بن العاص إلى مصر لضمها لسلطان معاوية سنة 38 هـ، وجهزه معاوية في ستة آلاف مقاتل. وكان محمد بن أبي بكر واليها المُعين من قبل علي. فاقتتل الفريقان، فانتصر جيش عمرو بن العاص وقُتل محمد بن أبي بكر على يد معاوية بن حديج. ثم سار عمرو إلى الفسطاط واستولى عليها في صفر سنة 38 هـ. فأقره معاوية واليًا عليها، وأعطاه إياها على أن يعطي عطاء الجند وما بقي فله، واستقرت ولاية مصر لعمرو بن العاص من جديد. روى ابن عساكر أنه لما صار الأمر كله في يدي معاوية استكثر طعمة مصر لعمرو ما عاش، ورأى عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وبعنايته وسعيه فيه، وظن أن معاوية سيزيده الشام على مصر فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو فاختلفا، وتدخل بعض المسلمين في الأمر وأصلحوا بينهما، واتفقا على أن تكون لعمرو ولاية مصر سبع سنين، وأن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية. وتواثقا وتعاهدا على ذلك، وأشهدا عليهما به شهودًا، ثم مضى عمرو إلى مصر واليًا عليها، وذلك في أواخر سنة 39 هـ، فلم يمكث غير ثلاث سنوات تقريبا حتى مات وهو أمير عليها.

    محاولة اغتياله

    اجتمع ثلاثة من الخوارج، وأجمعوا أمرهم على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جميعًا في يوم واحد هو 17 رمضان سنة 40 هـ الموافق 23 يناير 661م. فأما عبد الرحمن بن ملجم فنجح في طعن عليًا في صلاة الفجر بمسجد الكوفة، بسيف مسموم على رأسه. بينما لم ينجح الحجاج التميمي الذي ذهب لاغتيال معاوية، أما الذي ذهب لقتل عمرو، فكان اسمه عمرو بن بكر التميمي، فانتظر في تلك الليلة أن يخرج عمرو من داره ليقتله، لكنه لم يخرج لمرض ألم به، وندب خارجة بن حذافة أن يصلي بالناس، وبينما خارجة في الصلاة فضربه الرجل بالسيف فقتله ظنًا منه أنه عمرو بن العاص، فلما علم أنه ليس بعمرو قال: «أردت عمرًا وأراد الله خارجة»، ولما وقف الرجل بين يدي عمرو بكى فقيل له: «أجزعًا من الموت مع هذا الإقدام» فقال: «لا والله ولكن غمًا أن يفوز صاحبي بقتل علي ومعاوية، ولا أفوز أنا بقتل عمرو»، فأمر عمرو بضرب عنقه فضُرب وصُلب.

    وفاته وضريحه

    توفي ليلة عيد الفطر 1 شوال سنة 43 هـ في مصر وله من العمر ثمانية وثمانون سنة، واختلفوا في سنه عند وفاته، قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة. وقال العجلي: عاش تسعًا وتسعين سنة. أما الواقدي فقال أنه مات وهو ابن سبعين سنة. ودفن قرب المقطم. ونقل الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وفاته:.

    وجاء في صحيح مسلم:

    وذكر أبو العباس المبرد أنه لما حضرت الوفاة عمرو دخل عليه ابن عباس فقال:.

    صليت عليه صلاة الجنازة بعد صلاة عيد الفطر، فغدا ابنه عبد الله حتى إذا برز به وضعه في الجبانة حتى انقطعت الأزقة بالناس، حتى قيل: «لم يبق أحد شهد العيد إلا صلى عليه ودفنه». واختُلف في مكان قبره، واتفقوا أنه دُفن بسفح هضبة المقطم، في ناحية الفخ، وكان طريق الناس للحجاز. وذكر صاحب كتاب «المزارات المصرية» أن قبره غربي قبل الإمام الشافعي، فيما يُعرف بمقابر قريش. ويبدو أن أثره فُقد. وذكر ابن الزيات أن ابن العاص وعقبة بن عامر الجهني في قبر واحد، وقيل معهم أبو بصرة الغفاري.

    صفاته

    صفاته الخَلقية

    كان عمرو أدْعَج أبْلج قصير القامة، عظيم الهيئة، ناتئ الجبهة، واسع الفم، عظيم اللحية، عريض ما بين المنكبين، عظيم الكفين والقدمين. وكان يخضِبُ بالسواد. قال بَحِير بن ذَاخِر المَعَافِريّ:. قال شمس الدين الذهبي: «كان عمرو من أفراد الدهر، دهاءً، وجلادةً، وحزمًا، ورأيًا، وفصاحةً.».

    عبادته

    كان عمرو بن العاص يُسرد الصوم، وقلما كان يُصيب من قيام الليل أول العشاء أكثر ما يصيب من السحر. وعن أبي قيس مولى عمرو قال:. وكان كثير النفقة والصدقة، قال عمرو بن دينار: وقع بين المغيرة بن شعبة وعمرو كلام، فسب المغيرة عمرو، فقال عمرو: أيسبني ابن شعبة! فقال له ابنه عبد الله: إنا لله، دعت بدعوى القبائل وقد نُهِى عنها، فأعتق عمرو ثلاثين رقبة كفارة لذلك. وعندما حضره الموت جمع حرسه وقال لهم: أي صاحب كنت لكم، قالوا: كنت لنا صاحب صدق تكرمنا وتعطينا وتفعل وتفعل.

    وكان عمرو يرى أن أخاه هشام والعديد من الصحابة أفضل منه، فعن الْحَسَنَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يُحِبُّهُ، أَلَيْسَ رَجُلًا صَالِحًا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: قَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يُحِبُّكَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَكَ. فَقَالَ: قَدْ اسْتَعْمَلَنِي فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَحُبًّا كَانَ لِي مِنْهُ، أَوْ اسْتِعَانَةً بِي، وَلَكِنِّي سَأُحَدِّثُكَ بِرَجُلَيْنِ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يُحِبُّهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ». وحين سُئل عن أخيه هشام قال: «فهو خير مني»، وكررها ثلاثًا.

    دهاؤه

    عُرف عمرو بالدهاء والذكاء والفِطنة قبل الإسلام وبعده، حتى وُصف بأدهى العرب أو «داهية العرب». يقول شمس الدين الذهبي:. ولقَّبه عمر بن الخطاب في معركة أجنادين بأرطبون العرب، وقال: «لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عما تنفرج». ويقصد بذلك أن كلا القائدين أدهى الرجال في قومه. وقال عامر الشعبي: «أدهى العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد. فأمَّا معاوية فللأناة والحِلم، وأما عمرو فللمُعضِلات، وأما المغيرة فللمُبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير». وعن قبيصة بن جابر قال: «صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلًا أنصع طرفًا منه ولا أكرم جليسًا ولا أشبه سريرة بعلانية منه».

    روايته للحديث

    لعمرو بن العاص أحاديث ليست كثيرة، تبلغ بالمكرر نحو الأربعين، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. وروى عمرو عن النبي محمد، وعن عائشة، وعن أخيه هشام بن العاص، وأبي بكر الصديق، ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة. وحدَّث عنه ابنه عبد الله، ومولاه أبو قيس، وقبيصة بن ذؤيب، وأبو عثمان النهدي، وعلي بن رباح، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزبير، وجعفر بن المطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن منين، والحسن البصري مرسلا، وعبد الرحمن بن شماسة المهري، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو مرة مولى عقيل، وأبو عبد الله الأشعري، وأبو الغادية اليمامي، وأبو بكر بن عمرو الأنصاري، وأبو ظبية الكلاعي، وأبو كبشة السلولي، وأبو هاشم بن عتبة، وأخضر بن خوط الحبراني، وأسعد بن سهل الأنصاري، وإسماعيل بن أبي خالد، ومحمد بن عمر بن أبي سلمة، وتميم بن سلمة الخزاعي، وجعفر بن عبد الله الأنصاري، وحبيب بن أوس الثقفي، وأبو صالح السمان، وراشد بن سعد المقرائي، وزيد بن أسلم، وزيد بن وهب، وسعيد بن المسيب، وشرحبيل بن شفعة، وشعيب بن محمد السهمي، وعامر الشعبي، وعامر الأحول، وعبد الرحمن بن ثابت، وعبد الرحمن بن جبير، وعبد الله بن أبي الهذيل، وعبد الله بن الحارث الهاشمي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلقمة بن وقاص، وعمرو بن ميمون، ولاحق بن حميد، ومحمد بن المنكدر، ومرثد بن عبد الله اليزني، وعمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وحيان بن أبي جبلة، وميزان البصري، وهني العدوي.

    بلاغته وشعره

    اشتهر عمرو ببلاغته وفصاحته، ورصانة شعره، وله من الخطب الكثير، حيث كان يخطب خطبة الجمعة في مسجده بالفسطاط طوال فترة ولايته لمصر. وروى أنه كان حكيمًا، كاتبًا قارئًا، بليغًا في نثره ونظمه، وقد رُوِيَت له آثارٌ في الشعر والخطب الطوال، وقد ذكر المبرد في كتابه الكامل في اللغة والأدب العديد من خطب عمرو. وكان عمر بن الخطاب إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: سبحان الله خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وتحدث النُقاد عن رسالة عمرو إلى عمر بن الخطاب في وصف مصر وما فيها من البلاغة. ويروي ابن تغري بردي أن عمر بن الخطاب عندما قرأت الرسالة قال: «لله درك يا ابن العاص! فلقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده». وقد ترجم الكاتب الفرنسي «أوكتاف أوزان» هذه الرسالة، ونشرها في جريدة «الفيجارو»، وعلَّق أوزان على الرسالة ووصفها بأنها: «أكبر آيات البلاغة في كل لغات العالم». وله أيضًا العديد من الأشعار، فمن شعره ما خاطب به عمارة بن الوليد عن النجاشي فقال:

    ومن شعره يوم أحد:

    الآراء والمواقف حوله

    نظرة أهل السنة والجماعة

    يعد أهل السنة والجماعة عمرو بن العاص من صحابة النبي، ومن قادة المسلمين، وفاتح مصر، وقد ورد في فضله عدة أحاديث نبوية في كتب الحديث السنيِّة. منها:

    نظرة الشيعة

    يعتبر الشيعة عمرو بن العاص من أعداء علي بن أبي طالب، ودائمًا ما يُوصف بأوصاف سيئة في التراث الشيعي، ومن هذه الأوصاف: «ابن النابغة»، و«الأبتر ابن الأبتر»، وتصفه إحدى الروايات بـ «شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام». ويصفه بعض كتاب الشيعة بالملحد والكافر، يقول أبو القاسم البلخي: «وما زال عمرو بن العاص ملحدا، ما تردد قط في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله». كما شكك عبد الحسين الأميني في كتابه الغدير في الكتاب والسنة والأدب في نسب عمرو، وقال أن أمه كانت أشهر بغي بمكّة، وأرخصهن أجرة، لذلك يكثر في الروايات الشيعية وصفه بـ«ابن اللخناء النابغة».

    كما يذكر الشيعة أنه كان يتعرض لأهل البيت بالسوء، وأنه كان يستنقص من علي بن أبي طالب بين الناس ويزعم أن فيه دعابة وأنه كثير المزاح، ويروون أنه سب الحسن بن علي في الطواف، وقد قام بعدة أمور، ومنها: قوله إنَّ الله أقام الدين بمعاوية لا بعلي، واتهامه للحسن بقتل عثمان بن عفان، وأن الحسن رد عليه بقوله: «فإنما أنت نجس، ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرًا».

    نظرة المسيحيين والمستشرقين

    تذكر المصادر الإسلامية أن عمرو بن العاص كان يعامل المصريين باللين والرفق، وخفف عنهم الضرائب والخراج، وجعلها أقل مما كانت عليه في عهد المقوقس. كما يمتدح بعض الكتاب المسيحيين المصريين موقف عمرو مع بنيامين الأول الذي كان هاربًا من اضطهاد الرومان، وسمح له عمرو بن العاص بالعودة إلى منصبه بعد أن قضى ثلاثة عشر سنة لاجئًا متخفيًا خشية أن يقبض عليه، أعيد إلى مركزه وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينية وهو مطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحجة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيون بعد خروجهم وضمها إلى كنائس البطريركية، ولما عاد إلى الإسكندرية قال لأتباعه:. ويذكر المفكر والباحث اللبناني إدمون رباط أن سياسة عمرو والمسلمين كان قائمة على عدم الإكراه في الدين، مما استمال قلوب المسيحيين إلى الإسلام وجعلت النصارى يفضلون العيش في ظله.

    بينما ينتقد عدد من الكتاب المسيحيين والمستشرقين عمرًا ويرون أنه كان يحكم بالشدة والرعب، مثل الأسقف يوحنا النقيوسي الذي قال: كما رفض الكاتب والباحث القبطي الأب بيجول باسيلي المعتقد السائد حول ترحيب المصرين بالمسلمين فيقول:

  11. 672 م

    مسجد عمرو بن العاص

    دقيقتا قراءةجامع عمرو بن العاص أو (مسجد الفتح، المسجد العتيق، تاج الجوامع) هو أحد جوامع القاهرة التاريخية، أنشئ خلال عهد حكم عمرو بن العاص لمصر في مدينة الفسطاط التي أسسها المسلمون كأول عاصمة إسلامية.

    جامع عمرو بن العاص أو (مسجد الفتح، المسجد العتيق، تاج الجوامع) هو أحد جوامع القاهرة التاريخية، أنشئ خلال عهد حكم عمرو بن العاص لمصر في مدينة الفسطاط التي أسسها المسلمون كأول عاصمة إسلامية.

    كانت مساحة الجامع وقت إنشائه 50 ذراعاً في 30 ذراعاً وله ستة أبواب، وظل كذلك حتى عام 53هـ / 672م حيث توالت التوسعات فزاد من مساحته مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر من قبل معاوية بن أبي سفيان وأقام فيه أربع مآذن، وتوالت الإصلاحات والتوسعات بعد ذلك علي يد من حكموا مصر حتى وصلت مساحته بعد عمليات التوسيع المستمرة نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معماري، وهو الآن 120 في 110أمتار.

    إبان الحملة الصليبية على بلاد المسلمين وتحديدا عام 564 هـ، خاف الوزير شاور من احتلال الصليبيين لمدينة الفسطاط فعمد إلى إشعال النيران فيها إذ كان عاجزا عن الدفاع عنها واحترقت الفسطاط وكان مما احترق وتخرب وتهدم جامع عمرو بن العاص. عندما ضم صلاح الدين الأيوبي مصر إلى دولته، أمر بإعادة إعمار المسجد من جديد عام 568 هـ، فأعيد بناء الجامع والمحراب الكبير الذي كسي بالرخام ونقش عليه نقوشا منها اسمه.

    التخطيط المعماري للجامع:

    كان التخطيط المعماري الأصلي للجامع يتكون من مساحة مستطيلة طولها نحو 45 متراً وعرضها نحو 27 متراً، وقد أحيط الجامع من جهاته الأربع بطريق، و لم يكن له صحن ولا محراب مجوف ولا مئذنة وكان به منبراً وقد بنيت جدران الجامع الخارجية من الطوب اللبن وكانت خالية من الزخارف أما ارتفاع الجامع من الداخل فمن المرجح أنه كان حوالي ثلاثة أمتار مثل المسجد النبوي، وقد أجريت على جامع عمرو بن العاص عدة زيادات وإضافات خلال عصور إسلامية مختلفة وحتى عصرنا الحالي.

    التخطيط الحالي للجامع:

    فإنه يتكون من مدخل رئيسي بارز يقع في الجهة الغربية للجامع الذي يتكون من صحن كبير مكشوف تحيط به أربعة أروقة ذات سقوف خشبية بسيطة، أكبر هذه الأروقة هو رواق القبلة، وبصدر رواق القبلة محرابين مجوفين يجاور كل منهما منبر خشبي، كما يوجد بجدار القبلة لوحتان ترجعان إلى عصر المماليك.

    كما يوجد بالركن الشمالي الشرقي لرواق القبلة قبة يرجع تاريخها إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، أما صحن الجامع فإنه يتوسطه قبة مقامة على ثمانية أعمدة رخامية مستديرة الشكل، وكانت نوافذ الجامع القديمة مزخرفة بزخارف جصية لا زالت بقاياها موجودة بالجدار الجنوبي، أما عقود الجامع في رواق القبلة فإنها ترتكز على أعمدة رخامية ذات تيجان مختلفة استجلبت من عمائر قديمة.

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (87)بحث أكاديمي16جهة رسمية2كتاب متخصص56موقع موثوق13

بحث أكاديمي(16)

  1. Booth · The Last Years of Cyrus, Patriarch of Alexandria · Travaux et mémoires · 2016
  2. Ajlan: Locating the Estate of Amr b. al-As · Near Eastern Archaeology · 2010
  3. Egypt under Muʿāwiya Part I: Flavius Papas and Upper Egypt · Bulletin of the School of Oriental and African Studies · 2009
  4. Egypt under Muʿāwiya Part II: Middle Egypt, Fusṭāṭ and Alexandria · Bulletin of the School of Oriental and African Studies · 2009
  5. The Murder of the Caliph 'Uthman · International Journal of Middle East Studies · 1972
  6. A Note on Early Marriage Links between Qurashīs and Jewish Women · Jerusalem Studies in Arabic and Islam · 1987
  7. The Estates of 'Amr b. al-'Āṣ in Palestine: Notes on a New Negev Arabic Inscription · Bulletin of the School of Oriental and African Studies, University of London · 1989
  8. The First Muslim Attacks on Southern Palestine (A.D. 633–634) · Transactions and Proceedings of the American Philological Association · 1964
  9. Amr ibn al-As and His Conquest of Egypt · Islamic Culture · 1981
  10. Fustat and the Islamic Art of Egypt · Archaeology · 1968
  11. An Early Umayyad Papyrus Invitation for the Ḥajj · Journal of Near Eastern Studies · 2014
  12. Fiscal documents from the Muslim conquest of Egypt: military supplies and administrative dislocation, ca 639–644 · Revue des Études Byzantines · 2013
  13. Mason · New Looks at Old Pots: Results of Recent Multidisciplinary Studies of Glazed Ceramics from the Islamic World · Brill Academic Publishers · 1995
  14. Scanlon, George T. · The Pits of Fustat: Problems of Chronology · The Journal of Egyptian Archaeology, Vol. 60 · 1974
  15. Stewart, W. A. · The Pottery of Fostat, Old Cairo · The Burlington Magazine for Connoisseurs · 1921
  16. Gascoigne · Sherds and the City: Pottery Production, Society, and the Changing Urban Fabric of Fustat, Egypt · Journal of Field Archaeology · 2024

جهة رسمية(2)

  1. An Online Encyclopedia of Roman Emperors
  2. Gibbon · History of the Decline and Fall of the Roman Empire

كتاب متخصص(56)

  1. A Sword over the Nile · Austin Macauley · 2020
  2. Mango · Nikephoros' Short History [for the years 602-769 A.D.] · Dumbarton Oaks, Research Library and Collection · 2018
  3. Kaegi · Byzantium and the early Islamic conquests · Cambridge University Press · 1995
  4. Butcher · The Story of the Church of Egypt: An Outline Of The History Of The Egyptians Under Their Successive Masters From The Roman Conquest Until Now · Smith, Elder, & Company · 1897
  5. The Prosopography of the Later Roman Empire · Cambridge University Press · 1992
  6. al-Tabari · The History of al-Tabari, Volume XII: The Conquest of Iraq, Southwestern Persia, and Egypt · State University of New York Press · 1992
  7. Butler · The Arab Conquest of Egypt and the Last Thirty Years under Roman Dominion · Oxford University Press · 1903
  8. Bagnall · Roman Egypt: A History · Cambridge University Press · 2021
  9. Nikephoros' Short History [for the years 602-769 A.D.]
  10. Rosenwein · A Short Medieval Reader · University of Toronto Press · 2023
  11. Conflicts that Changed the World · Canary Press eBooks · 2023
  12. The Rough Guide History of Egypt · Rough Guides · 2003
  13. Handbook to Life in the Medieval World, 3-Volume Set, Volumes 1-3 · Infobase Publishing · 2009
  14. The War of the Three Gods: Romans, Persians and the Rise of Islam · Pen and Sword · 2013
  15. Sword and Scimitar: Fourteen Centuries of War between Islam and the West · Hachette Books · 2018
  16. Butler · The Arab Conquest of Egypt and the Last Thirty Years of the Roman Dominion · Oxford University Press · 1902
  17. The Arab Conquest of Egypt and the Last Thirty Years of the Roman Dominion · Clarendon Press · 1978
  18. Haykal · Al Farooq, Umar · 1944
  19. Kennedy · The Great Arab Conquests: How the Spread of Islam Changed the World We Live in · Da Capo Press · 2007
  20. Sijpesteijn · Egypt in the Byzantine world, 300-700 · 2007
  21. Betts · Christians in the Arab East: A Political Study · Lycabettus Press · 1978
  22. Charles · The Chronicle of John, Bishop of Nikiu: Translated from Zotenberg's Ethiopic Text · Evolution Publishing · 2007
  23. Meyendorff · Imperial unity and Christian divisions: The Church 450-680 A.D. · St. Vladimir's Seminary Press · 1989
  24. Ostrogorsky · History of the Byzantine State · Basil Blackwell · 1956
  25. Sijpesteijn · Shaping a Muslim State: The World of a Mid-Eighth-Century Egyptian Official · 2013
  26. Muqarnas: An Annual on Islamic Art and Architecture, Volume 6 · Brill · 1989
  27. The Men of Madina by Muhammad Ibn Sa'd, Volume 2 · Ta-Ha Publishers · 2000
  28. The Rise of a Capital: Al-Fusṭāṭ and Its Hinterland, 18–132/639–750 · Brill · 2018
  29. The Chronicle of John, Bishop of Nikiu: Translated from Zotenberg's Ethiopic Text · 1913
  30. The Early Islamic Conquests · Princeton University Press · 1981
  31. The Rebellion of Muḥammad al-Nafs al-Zakiyya in 145/762: Ṭālibīs and Early ʿAbbāsīs in Conflict · Brill · 2016
  32. The Life of Muhammad: Al-Waqidi's Kitab Al-Maghazi · Routledge · 2011
  33. Kennedy · Cambridge History of Egypt, Volume One: Islamic Egypt, 640–1517 · Cambridge University Press · 1998
  34. The Great Arab Conquests: How the Spread of Islam Changed the World We Live In · Da Capo Press · 2007
  35. The Succession to Muhammad: A Study of the Early Caliphate · Cambridge University Press · 1997
  36. ibn Sa'd · Biographien Muhammeds: seiner Gefährten und der späteren Träger des Islams bis zum Jahre 230 der Flucht · Brill · 1905
  37. AlSayyad, Nezar · Cairo · Harvard University Press · 2011
  38. Doris Behrens-Abouseif · Islamic Architecture in Cairo · Brill Publishers · 1992
  39. Barghusen, Joan D. · Daily Life in Ancient and Modern Cairo · Twenty-First Century Books · 2001
  40. Tyerman, Christopher · God's War: a new history of the Crusades · Belknap · 2006
  41. Hoffman, Edward · The Wisdom of Maimonides · Shambhala Productions · 2008
  42. Kessler, Adam T. · Song Blue and White Porcelain on the Silk Road · Koninklijke Brill · 2012
  43. David · The Experience of Ancient Egypt · Routledge · 2000
  44. Eyewitness Travel: Egypt · Dorlin Kindersley Limited, London · 2007
  45. Petersen · Dictionary of Islamic Architecture · Routledge · 1999
  46. Yeomans, Richard · The Art and Architecture of Islamic Cairo · Garnet & Ithaca Press · 2006
  47. Williams, Caroline · Islamic Monuments in Cairo: The Practical Guide · American University in Cairo Press · 2002
  48. Bacharach, Jere L. · Fustat Finds: Beads, Coins, Medical Instruments, Textiles, and Other Artifacts from the Awad Collection · American University in Cairo Press · 2004
  49. Barekeet, Elinoar · Fustat on the Nile: The Jewish Elite in Medieval Egypt · Brill · 1999
  50. Kubiak · Al-Fusṭāṭ, its foundation and early urban development · American University in Cairo Press · 1987
  51. Scanlon, George T. · Fustat Glass of the Early Islamic Period: Finds Excavated by the American Research Center in Egypt, 1964–1980 · Altajir World of Islam Trust · 2001
  52. Islamic Architecture in Cairo: An Introduction · The American University in Cairo Press · 1993
  53. Izzeddin · The Druzes: A New Study of Their History, Faith, and Society · Brill · 1993
  54. The History and Religious Heritage of Old Cairo: Its Fortress, Churches, Synagogue, and Mosque · American University in Cairo Press · 2013
  55. Behrens-Abouseif, Doris · Islamic Architecture in Cairo · E. J. Brill · 1989
  56. Creswell, K. A. C. · Early Muslim Architecture · Oxford University Press · 1979

موقع موثوق(13)

  1. CATHOLIC ENCYCLOPEDIA: Cyrus of Alexandria
  2. John, Bishop of Nikiu: Chronicle. London (1916). English Translation
  3. أسماء بعض البلاد المصرية بالقبطية
  4. Manuel I Comnenus
  5. Muḥammad · 1993
  6. Kjeilin, Tore · Fustat · Encyclopaedia of the Orient
  7. Beeson, Irene · Cairo, a Millennial · 1969
  8. Zayn Bilkadi · The Oil Weapons · 1995
  9. Alison Gascoigne · Islamic Cairo · egyptvoyager.com
  10. Antoniou, Jim · Historic Cairo – rehabilitation of Cairo's historic monuments · 1998
  11. Amr Ibn Al-As Mosque · sis.gov.eg · 2009
  12. 'Amr, Mosque of · Dictionary of Islamic Architecture
  13. Jami' 'Amr ibn al-'As · ArchNet

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة