تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

الحملة الفرنسية

~1798 – ~1801 م

11 فصلًا · 130 دقيقة قراءة · 252 مرجعًا

  1. 1798 م

    المقدّمة

    دقيقة قراءة واحدةالحملة الفرنسية على مصر وسوريا (1798-1801م) هي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على الولايات العثمانية مصر والشام بجيش قوامه 36 ألف مقاتل بهدف احتلال مصر والشام من أجل المصالح الفرنسية، ومنع إنجلترا من القدرة…

    الحملة الفرنسية على مصر وسوريا (1798-1801م) هي حملة عسكرية قام بها الجنرال نابليون بونابرت على الولايات العثمانية مصر والشام بجيش قوامه 36 ألف مقاتل بهدف احتلال مصر والشام من أجل المصالح الفرنسية، ومنع إنجلترا من القدرة على الوصول للهند، وكذلك كان للحملة أهداف علمية. كانت بداية الحملة هي حملة البحر المتوسط (1798)، وهي سلسلة من المعارك البحرية شملت السيطرة على مالطا. استمرت الحملة لمدة 3 سنوات، حيث انتهت في عام 1801 بهزيمة وانسحاب الفرنسيين.

    من الناحية العلمية، أدت الحملة إلى اكتشاف حجر رشيد، واضعةً بذلك حجر الأساس لعلم المصريات. بالرغم من تحقيق بعض الانتصارات، ونجاح الحملة في البداية، إلا أن نابليون اضطر إلى الانسحاب بجيشه لعدة أسباب، منها حدوث اضطرابات سياسية في فرنسا، والنزاعات في أوروبا، وكذلك الهزيمة في معركة أبي قير البحرية.

  2. الاستعدادات والرحلة

    4 دقائق قراءةفي وقت الحملة، كانت السلطة التنفيذية في فرنسا ملكٍ لحكومة الإدارة وكانت الحكومة تلجأ للجيش للوقوف أمام نادي اليعاقبة والأخطار الملكية الأخرى، مع الاعتماد بصورة رئيسية على نابليون الأول، الذي كان يعد قائدًا ناجحًا حينها،…

    الاقتراح

    في وقت الحملة، كانت السلطة التنفيذية في فرنسا ملكٍ لحكومة الإدارة وكانت الحكومة تلجأ للجيش للوقوف أمام نادي اليعاقبة والأخطار الملكية الأخرى، مع الاعتماد بصورة رئيسية على نابليون الأول، الذي كان يعد قائدًا ناجحًا حينها، بعد الانتصار الذي حققه في الحملة الإيطالية.

    كانت فكرة السيطرة على مصر وجعلها مستعمرة فرنسية تحت النقاش منذ قام البارون دو توت بمهمة سرية إلى بلاد الشام في 1777، لفحص الجدوى. كان تقرير البارون إيجابيا، لكن لم يتم اتخاذ أي خطوات من قبل فرنسا حينها. أصبحت مصر محل نقاش بعد ذلك بين شارل تاليران ونابليون، وفي 1798، قدم نابليون اقتراحا إلى حكومة المديرين بالقيام بحملة للسيطرة على مصر، بهدف «الحفاظ على المصالح الفرنسية»، وتقليل قدرة بريطانيا على الوصول إلى الهند وإلحاق الضرر بتجارتها، وذلك بسبب موقع مصر الجيد بين خطوط التجارة. أراد بونابرت تأسيس مستعمرة فرنسية في مصر، سعيا في نهاية المطاف للارتباط بحليف فرنسا السلطان تيبو في مملكة ميسور. بما إن فرنسا لم تكن مجهزة لهجوم مباشر على بريطانيا العظمى، قررت حكومة المديرين التدخل بصورة غير مباشرة، وعمل ميناء مزدوج يصل بين البحرين الأحمر والمتوسط (وهو ما سيتم تطبيقه في القرن العشرين عن طريق قناة السويس).

    في هذا الوقت، كانت مصر ولاية عثمانية منذ 1517، ولكن لم تكن حينها تحت السيطرة المباشرة للعثمانيين، حيث كان يحكمها المماليك، وكان بينهم نزاعات على السلطة. في فرنسا، كانت «الموضة المصرية» رائجة، حيث شاع الاعتقاد بين المفكرين أن مصر هي مهد الثقافة الغربية، وكان تجار فرنسا في مصر يشتكون من معاملة المماليك لهم، كما كان نابليون يريد أن يسير على خطى الإسكندر الأكبر. أكد نابليون للحكومة الفرنسية أنه بمجرد السيطرة على مصر، سيقوم بالتحالف مع الأمراء الهنود والهجوم على بريطانيا العظمى في مستعمراتها. وفقا لتقرير قدمه تاليران في 13 فبراير 1798:

    وافقت حكومة المديرين على الخطة في مارس 1798، على الرغم من عدم الاقتناع التام بكلفتها ونطاقها، ويقال أن أحد الدوافع السرية هي أنهم أرادوا إبعاد نابليون الشعبي وشديد الطموح عن مركز السلطة.

    قبل الرحيل من طولون

    انتشرت الشائعات حيث تم تجميع 40 ألف جندي و10 آلاف بحار في موانئ فرنسا المطلة على البحر المتوسط. تم تجميع أسطول كبير في تولون: 13 سفينة خط، 14 فرقاطة و400 ناقلة. لتجنب مواجهة الأسطول الإنجليزي تحت قيادة هوراشيو نيلسون، لم يتم الإعلان عن اتجاه الرحلة حينها وتم الاحتفاظ به كسر، ولم يعرف الاتجاه إلا بونابرت نفسه، بيرثييه، كافاريللي وعالم الرياضيات غاسبار مونج. كان بونابرت القائد، وكان من مرؤوسيه توماس ألكسندر دوماس، كليبر، لويس دوزيه، بيرثييه، كافاريللي، جان لانيس، داماس، يواكيم مورات، أندريوسي، بيليارد، جاك فرانسوا مينو، وزاجتشيك. وشمل مساعدوه في المعسكر أخاه لويس بونابرت، دوروك، يوجين دو بوارنيه، توماس بروسبر جولين والنبيل البولندي جوزيف سوكوفسكي.

    انضمت إلى الأسطول في طالون أسراب من جنوة، تشيفيتافيكيا وباستيا، ووضع الأسطول تحت قيادة العميد البحري برويس والعقداء البحريون بيير تشارلز فيلنوف، دو كايلا، ديكريه وجانتيم. كان الأسطول على وشك الرحيل عندما حدثت مشكلة مع النمسا، واستدعت الحكومة بونابرت تحسبا لوقوع حرب. حلت الأزمة في خلال أسابيع، وتلقى نابليون أوامر بالعودة إلى تولون بأسرع ما يمكن.

    وصل بونابرت إلى تولون في 9 مايو 1798, وأقام مع بينوت دي ناجاك، الضابط المسئول عن إعداد الأسطول. صعد الجيش السفن واثقا في قيادته وفي 19 مايو، بمجرد صعوده السفينة، وجه بونابرت خطابا إلى قواته، خاصة هؤلاء الذين كانوا معه في جيش إيطاليا:

    الاستيلاء على مالطا

    عندما وصل أسطول نابليون إلى مالطا طلب نابليون من فرسان مالطا السماح لأسطوله بدخول الميناء والحصول على الماء والطعام. رد فون هومبيش على هذا الطلب بأنه لن يسمح إلا بدخول سفينتين فرنسيتين في المرة الواحدة. بعد معرفة الرد، فكر نابليون في أن ذلك سيتطلب أسابيعا حتى يصل الأسطول بأكمله، وتخوف من لحاق الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون بهم، فأمر بغزو مالطا.

    كانت الثورة الفرنسية قد ساهمت في إضعاف الفرسان وقدرتهم على تشكيل أي مقاومة فعلية، بالإضافة إلى أن نصفهم كانوا فرنسيين ورفضوا القتال.

    نزلت القوات الفرنسية في مالطا صباح 11 يونيو. أنزل الجنرال لويس باراغي دي هيليرز الجنود والمدافع في الجزء الغربي من جزيرة مالطا الرئيسية، تحت نيران المدفعية من التحصينات المالطية. واجهت القوات الفرنسية بعض المقاومة الأولية لكنها ضغطت إلى الأمام. وقد أعاد أفراد قوة الفرسان -غير المعدة جيدا- في تلك المنطقة -والذين يبلغ عددهم حوالي 2000 فقط- التجمع من جديد. ضغط الفرنسيون بهجومهم مجددا. بعد معركة شرسة استمرت 24 ساعة، استسلمت معظم قوات الفرسان في الغرب. أقام نابليون أثناء إقامته في مالطا في قصر باريزيو في فاليتا.

    فتح نابليون المفاوضات بعد ذلك. وفي مواجهة القوات الفرنسية المتفوقة وخسارة غرب مالطا، اضطر فون هومبيش إلى إعلان استسلام الحصن الرئيسي في فاليتا.

  3. من الإسكندرية إلى سوريا

    11 دقيقة قراءةغادر نابليون مالطا لمصر. بعد النجاح في تجنب الاكتشاف من قبل الأسطول الملكي لمدة ثلاثة عشر يومًا، أصبح الأسطول على مقربة من الإسكندرية حيث هبط في 1 يوليو، على الرغم من أن خطة نابليون كانت الهبوط في مكان آخر. في يوم…

    النزول في الإسكندرية

    غادر نابليون مالطا لمصر. بعد النجاح في تجنب الاكتشاف من قبل الأسطول الملكي لمدة ثلاثة عشر يومًا، أصبح الأسطول على مقربة من الإسكندرية حيث هبط في 1 يوليو، على الرغم من أن خطة نابليون كانت الهبوط في مكان آخر. في يوم الهبوط، قال نابليون لقواته «أعد كل جندي يعود من هذه الرحلة، بما يكفي لشراء ستة فدادين من الأرض». وأضاف:

    الشعوب التي سنعيش معها هي من المسلمين. مقالهم الأول من الإيمان هو «لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله». لا تتعارضوا معهم؛ عاملوهم كما عاملتم اليهود والإيطاليين. احترموا المفتين وأئمتهم، كما احترمتم حاخاماتهم وأساقفتهم. فليكن لديكم نفس التسامح في الاحتفالات المنصوص عليها في القرآن الكريم، لمساجدهم، كما كان لديكم للأديرة، للمعابد، لدين موسى والمسيح. الجيوش الرومانية اعتادت على حماية جميع الأديان. ستجدون هنا عادات وتقاليد مختلفة عما وجدتموه في أوروبا، يجب أن تعتادوا عليها. الناس هنا سيعاملون النساء بشكل مختلف عنا؛ لكن في كل دولة، كل من يعتدي هو وحش. النهب لا يثري إلا عددا قليل من الرجال؛ إنه يهزنا، إنه يدمر مواردنا، ويصنع أعداء من الناس الذين من مصلحتنا كونهم أصدقاء. أول مدينة سنواجهها قد أنشأها ألكسندر الأكبر. سنجد في كل خطوة بقايا عظيمة جديرة بالمحاكاة الفرنسية.

    كان جاك فرانسوا مينو أول من انطلق إلى مصر، وكان أول فرنسي يصل. هبط بونابرت وكليبر معاً وانضما إلى مينو ليلاً في مارابو، حيث تم رفع أول علم فرنسي في مصر. أبلغ بونابرت بأن الإسكندرية تعتزم مقاومته وسارع إلى الحصول على قوة على الشاطئ. وفي الساعة الثانية صباحاً، انطلق في ثلاثة طوابير، ووصل على حين غرة أمام أسوار الإسكندرية وأمر بالاعتداء - فاستسلم المدافعون. لم يكن لدى المدينة وقت للاستسلام ووضع نفسها تحت تصرف الفرنسيين، ولكن على الرغم من أوامر بونابرت، اقتحم الجنود الفرنسيون المدينة.

    في 1 يوليو، قام نابليون، على متن سفينة «المشرق» في طريقه إلى مصر، بكتابة البيان التالي إلى سكان الإسكندرية المسلمين:

    لطالما أهان البكوات الذين يحكمون مصر الأمة الفرنسية وغطوا تجارهم بالافتراءات. لقد حانت ساعة عقابهم. لطالما استبد هذا الحشد من العبيد، الذي تم شراؤه في القوقاز وجورجيا، بأجمل جزء من العالم. لكن الله، الذي يعتمد عليه الجميع، قد قرر أن إمبراطوريتهم ستنتهي. يا شعب مصر، لقد أخبروكم بأنني جئت لتدمير دينكم، لكن لا تصدقوهم. أخبروهم أنني جئت لاستعادة حقوقكم ومعاقبة المغتصبين، وأنني أحترم الله ونبيه والقرآن أكثر من المماليك. قولوا لهم أن جميع الناس متساوون أمام الله. الحكمة، المواهب، الفضائل هي الأشياء الوحيدة التي تجعل الإنسان يختلف عن الآخر... هل هناك أرض أكثر جمالا؟ إنها ملك المماليك. إذا كانت مصر مزرعتهم، فعليهم أن يظهروا عقد الإيجار الذي أعطاهم الله له...... أيها القضاة، الشيوخ، الأئمة، وأعيان الأمة، أطلب منكم أن تخبروا الناس أننا أصدقاء حقيقيون للمسلمين. ألم نكن نحن من دمروا فرسان مالطا؟ ألم نكن نحن من دمروا البابا الذي كان يقول أنه من الواجب الحرب على المسلمين؟ ألم نكن نحن في جميع الأوقات أصدقاء إلى الرب العظيم وأعداء لأعدائه؟... حقا سعداء هم أولئك الذين سيكونون معنا! ستزدهر ثروتهم ورتبهم. سعداء هم أولئك الذين سيكونون محايدين! سوف يتعرفون علينا بمرور الوقت، وينضمون إلى صفوفنا. لكن غير سعداء أبدا، أولئك الذين سيسلحون أنفسهم [للقتال] من أجل المماليك والذين سيحاربوننا! لا رجاء لهم، وسيهلكون.

    عندما تم إنزال القوة الاستطلاعية، تلقى الأدميرال برويس أوامر بنقل الأسطول إلى خليج أبي قير قبل إرساء أسطول المعركة في ميناء الإسكندرية القديم إن أمكن أو أخذه إلى كورفو. وقد كانت هذه الاحتياطات حيوية بعد ذلك بسبب وصول الأسطول البريطاني الوشيك، والذي كان قد شوهد بالفعل بالقرب من الإسكندرية قبل 24 ساعة من وصول الأسطول الفرنسي. كان من الحكمة تجنب مخاطر معركة بحرية - حيث يمكن أن تكون للهزيمة نتائج كارثية وكان من مصلحة القوة أن تذهب عن طريق البر، وتسير بسرعة قصوى إلى القاهرة لمفاجأة قادة العدو قبل أن يتمكنوا من وضع أي تدابير دفاعية في المكان.

    نصر بري وهزيمة بحرية

    سار لويس ديسايز عبر الصحراء بقسمه ومدفعية، ووصل إلى دمنهور -على بعد خمسة عشر ميلاً (24 كم) من الإسكندرية- في 6 يوليو. في هذه الأثناء، غادر بونابرت الإسكندرية، تاركا المدينة تحت قيادة كليبر. سار الجنرال دوجوا Dugua إلى رشيد، مع أوامر بالاستيلاء على مدخل الميناء الذي يضم الأسطول الفرنسي، والذي كان مخططا له أن يتابع الطريق إلى القاهرة بمحاذاة الضفة اليسرى للنهر وأن ينضم مرة أخرى إلى الجيش في الرحمانية. في 8 يوليو، وصل بونابرت إلى دمنهور، حيث وجد القوات التي كانت قد اجتمعت، وبعد يومين ساروا إلى الرحمانية، حيث كانوا ينتظرون الأسطول مع المؤن. وصل الأسطول 12 يوليو وبدأ الجيش في السير مرة أخرى ليلا، والأسطول وراؤه.

    أجبرت الرياح العنيفة الأسطول على الانحناء إلى يسار الجيش وإلى أسطول المماليك مباشرة، والذي كان مدعومًا بنيران من 4 آلاف من المماليك المسلحين، مدعومين بالفلاحين والعرب. كان للأسطول الفرنسي تفوق عددي لكنه فقد سفنه المدفعية في المواجهة. أمر بونابرت قواته البرية بالهجوم على شبراخيت، وتم الاستيلاء عليها بعد قتال عنيف دام ساعتين. انسحب المماليك إلى القاهرة، تاركين خلفهم 600 قتيل في ساحة المعركة.بعد يوم راحة في شبراخيت، واصلت القوات البرية الفرنسية المسير. في 20 يوليو، وصلت القوات البرية إلى مسافة نصف ميل من إمبابة. كانت الحرارة عالية واستنفذ الجيش واحتاج إلى الراحة، ولكن لم يكن هناك ما يكفي من الوقت، فأمر بونابرت قواته التي يبلغ قوامها 25 ألف جندي بالقتال عند موقع على بعد تسعة أميال (15 كم) من أهرامات الجيزة. يقال إنه أظهر لجيشه الأهرامات خلف الجناح الأيسر للقوات المدافعة، وفي اللحظة التي طلب فيها الهجوم هتف «أيها الجنود، شاهدوا قمم الأهرام» -في المؤلفات المكتوبة بعد ذلك، تم تغيير هذه العبارة إلى «أيها الجنود، تذكروا أنه عند قمة هذه الأهرامات، 40 قرناً من التاريخ يتأملوكم»، على الرغم من أن المؤرخين اكتشفوا فيما بعد أن الأهرامات لم تكن مرئية من ساحة المعركة-. كانت هذه بداية ما يسمى بـ «معركة إمبابة»، التي انتهت بنصر فرنسي على قوة قوامها حوالي 21 ألف مملوك. (حوالي 40,000 من جنود المماليك لم يكونوا في موقع المعركة). هزم الفرنسيون سلاح الفرسان المملوكي بقوة كبيرة من المشاة والمدافع. في المجمل كان عدد الضحايا حوالي 300 فرنسي وحوالي 6000 مصري. نتج عن المعركة عشرات القصص والرسومات. تابعت فرقة دوبوي اللحاق بقوات المماليك ودخلت القاهرة ليلا، وكان قد تركها مراد بك وإبراهيم بك. في 25 يوليو، نقل بونابرت مقره الرئيسي للجيزة. أُمر دوزيه بملاحقة مراد، الذي انطلق إلى صعيد مصر. تم وضع فيلق مراقبة في Elkanka لمراقبة تحركات إبراهيم، الذي كان متجهاً نحو سوريا. قاد بونابرت شخصياً مطاردة إبراهيم وهزمه في معركة الصالحية ودفعه نهائياً إلى خارج مصر. أبحرت وسائل النقل عائدة إلى فرنسا، لكن بقى أسطول المعركة مساندا الجيش على طول الساحل. كان الأسطول البريطاني تحت قيادة هوراشيو نيلسون يفتش عن الأسطول الفرنسي لأسابيع، ولكن لم يستطع إيجاده في الوقت المناسب لمنع النزول في مصر، ولكن في 1 أغسطس، اكتشف نيلسون السفن الحربية الفرنسية الراسية في موقع دفاعي قوي في خليج أبو قير. اعتقد الفرنسيون أنهم كانوا عرضة للهجوم فقط على جانب واحد، والجانب الآخر محمي من قبل الشاطئ. ومع ذلك، خلال معركة النيل تمكن الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون من وضع نصف سفنه بين البر والخط الفرنسي، وبالتالي القدرة على المهاجمة من كلا الجانبين. في غضون ساعات قليلة، أُسرّت أو دُمرّت 11 سفينة فرنسية من أصل 13 سفينة و2 من أصل 4 فرقاطات فرنسية. في حين هربت السفن الأربع المتبقية. يتباين عدد القتلى الفرنسيين حسب المصادر ولكنه يتراوح بين 2000 إلى 5000 قتيل وجريح، وأُسر حوالي 3000 جندي، في مقابل خسارة الإنجليز 218 شخص، وإصابة 677. أحبط هذا هدف بونابرت في تعزيز الموقف الفرنسي في البحر الأبيض المتوسط، وبدلا من ذلك وضعه تماما تحت السيطرة البريطانية. وصلت أخبار الهزيمة البحرية لبونابرت في طريق العودة إلى القاهرة بعد هزيمة إبراهيم. يقول شارل موليي عن موقف نابليون:هذا الحدث الكارثي لم يزعجه [بونابرت] على الإطلاق، ولم يسمح لأي عاطفة لم يختبرها أولا في ذهنه بالظهور. وبعد قراءة البرقية التي أبلغته أنه وجيشه أصبحوا الآن سجناء في مصر، قال: «لم يعد لدينا سلاح بحري. حسناً، علينا أن نبقى هنا، أو نرحل كرجال عظماء مثلما فعل القدماء».. أظهر الجيش سعادة لهذا الرد القصير، لكن المصريين اعتبروا الهزيمة في أبو قير بمثابة تحول لصالحهم، ومن ذلك الحين شغلوا أنفسهم للعثور على وسائل للتخلص من نير الكراهية التي كان الأجانب يحاولون فرضها عليهم بالقوة واصطيادهم من بلادهم. سرعان ما تم وضع هذا المشروع حيز التنفيذ.

    إدارة نابليون لمصر

    بعد الهزيمة البحرية في أبو قير، أصبحت حملة بونابرت مرتبطة بالبر. إلا أن جيشه نجح في توطيد سلطته في مصر، رغم أنه واجه انتفاضات قومية متكررة، وبدأ نابليون يتصرف كحاكم مطلق لكل مصر. في مجهود فاشل إلى حد كبير للحصول على دعم من السكان المصريين، أصدر بونابرت تصريحات تصفه بأنه محرر للشعب من الاضطهاد العثماني والمملوكي، مشيدا بمبادئ الإسلام ومدعيا الصداقة بين فرنسا والدولة العثمانية على الرغم من التدخل الفرنسي في الدولة ذاتية الحكم. هذا الموقف أكسبه في البداية دعمًا قويًا في مصر وأدى لاحقًا إلى الإعجاب بنابليون من محمد علي، الذي نجح في ما لم ينجح فيه بونابرت بإصلاح مصر والإعلان عن استقلالها عن العثمانيين. في خطاب إلى شيخ في أغسطس 1798، كتب نابليون: «أتمنى... أن أتمكن من توحيد جميع الرجال الحكيمين والمتعلمين في كل الدول وأنشئ نظامًا موحدًا يستند إلى مبادئ القرآن التي تستطيع توجيه الناس للسعادة». ومع ذلك، كتب سكرتير بونابرت «بوريان» أنه لم يكن لديه اهتمام جاد بالإسلام أو أي دين آخر بعيدا عن قيمته السياسية:

    «كان مبدأ بونابرت هو النظر إلى الأديان على أنها عمل الرجال، ولكن مع احترامها في كل مكان كمحرك قوي للحكم... إذا تحدث بونابرت كمسلم، فقد كان ذلك فقط جزءا من شخصيته العسكرية وحكمه السياسي لبلد مسلم. إن القيام بذلك كان أساسياً لنجاحه ولسلامة جيشه. في الهند كان ليؤيد علي، في التبت كان ليؤيد دالاي لاما، وفي الصين أيضا كان ليؤيد كونفوشيوس».

    بعد فترة وجيزة من عودة بونابرت من مواجهة إبراهيم جاء المولد النبوي، الذي تم الاحتفال به ببهاء كبير. قاد بونابرت نفسه المسيرات العسكرية للمناسبة، واستعد لهذا المهرجان مرتديا لباسا شرقيا وعمامة. وفي هذه المناسبة، منحه الديوان لقب «علي بونابرت» بعد أن أطلق بونابرت على نفسه «ابن للنبي» و «محبوب من الله». وفي نفس الوقت تقريباً اتخذ إجراءات صارمة لحماية قوافل الحج من مصر إلى مكة المكرمة، حيث كتب رسالة بنفسه إلى حاكم مكة.

    ومع ذلك، وبفضل الضرائب التي فرضها عليهم لدعم جيشه، ظل المصريون غير مقتنعين بصدق محاولات بونابرت للتصالح واستمروا في مهاجمته بلا توقف. لم تكن عمليات الإعدام العسكرية قادرة على ردع هذه الهجمات واستمرت في الحدوث.

    كان يوم 22 سبتمبر 1798 هو الذكرى السنوية لتأسيس الجمهورية الفرنسية الأولى، ونظم بونابرت احتفالا كبيرا. بناء على أوامره، تم بناء سيرك هائل في أكبر ساحة في القاهرة، مع 105 عمود (كل منها يحمل راية مختلفة) حول الحافة ومسلة ضخمة منقوشة في المركز. تم تسجيل أسماء قتلى الحروب الثورية الفرنسية على سبعة مذابح كلاسيكية، وظهرت مشاهد معركة الأهرام على قوس للنصر. وكان الأمر غريبا، حيث كان الرسم التصويري يمدح الفرنسيين ويقلل من المصريين (الذين كان بونابرت يسعى لكسبهم كحلفاء).

    في يوم المهرجان، خاطب بونابرت قواته، وقام بتعداد «مآثرهم» منذ حصار طولون عام 1793 وقال لهم:

    من الإنجليز، المشهورين بالفنون والتجارة، إلى البدو الشرسين، لقد ألقيتم نظرة على العالم. أيها الجنود، مصيركم عادل... في هذا اليوم، 40 مليون مواطن يحتفلون بحقبة الحكومة، 40 مليون مواطن يفكرون بكم.

    بعد أن جعل نفسه حاكما لمصر، أعطى بونابرت مصر بعضا من فوائد الحضارة الغربية. سرعان ما اتخذت القاهرة مظهر مدينة أوروبية، حيث كانت إدارتها (الدواوين) تؤول إلى بعض من أفضل رجال المنطقة. وفي الوقت نفسه، تم إنشاء بعض المؤسسات المحلية في المدن الأخرى. أُنشئ معهد للعلماء الفرنسيين وتم ضم لقب رئيس المعهد إلى لقب أكاديمي. تم إنشاء مكتبة، ومختبر للكيمياء، وخدمة صحية، وحديقة نباتية، ومرصد، ومتحف للآثار وحديقة حيوان.

    وبموجب أوامر بونابرت، وضع العلماء جدولاً مقارناً للأوزان والمقاييس المصرية والفرنسية، وكُتِب قاموس فرنسي عربي وحُسِب تقويم مصري قبطي أوروبي (ثلاثي). تم إنشاء جريدتين في القاهرة، واحدة للأدب والاقتصاد السياسي تحت اسم "Décade égyptienne"، والأخرى للسياسة تحت عنوان "Courrier égyptien".

    بسبب انخفاض الأعداد بشكل كبير بسبب الوفيات في المعارك والمرض، ومع كون الجيش لم يعد يأمل في الحصول على تعزيزات من فرنسا بعد الكارثة البحرية في أبو قير، حاول بونابرت التغلب على هذه المشكلة عن طريق فرض رسوم على المصريين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 24 وتحويل الـ 3000 بحار الذين نجوا في أبو قير إلى فيلق بحري. أغلقت جميع الشوارع في القاهرة في الليل ببوابات لمنع السكان من مساعدة العرب في هجماتهم الليلية على الفرنسيين. قام بونابرت بإزالة هذه الأسوار، حيث كان المصريون يستخدمونها كمتاريس ضد الفرنسيين (وقد ثبت أن هذا الإزالة مبررة بالأحداث التي أعقبت ذلك).

    ثورة القاهرة الأولى

    في 21 أكتوبر 1798، بينما كان بونابرت في القاهرة القديمة، كان سكان المدينة ينشرون الأسلحة في الشوارع ويعملون على عمل تحصينات، خاصة في المسجد الكبير. كان قائد اللواء «دوبوي»، حاكم القاهرة، أول من قتل، ثم سلكوفسكي، صديق بونابرت ومعاونه في المعسكر. بعد تحميسهم من قبل الشيوخ والأئمة، أقسم المصريون أن يبيدوا كل الفرنسيين، وأي فرنسي قابلوه تم قتله. وتجمعت الحشود على بوابات المدينة لمنع بونابرت من الدخول، الذي صُدِم وأُجبر على اتخاذ منعطف للدخول عبر بوابة بولاق.

    كان وضع الجيش الفرنسي خطيرا، كان البريطانيون يهددون المدن الساحلية، وكان مراد بك في صعيد مصر، وكان الجنرالات مينو ودوغوا قادرين فقط على السيطرة على مصر السفلى. كان لدى العرب المصريين تأييد ودعم لأولئك الذين يثورون ضد الفرنسيين في القاهرة.

    تم ضرب العرب مرة أخرى في الصحراء بأوامر من بونابرت، وتمت إعادة المدفعية إلى المدينة الثائرة. قام بونابرت بنفسه بمطاردة الثوار من شارع إلى شارع وأجبرهم على تركيز انسحابهم في المسجد الكبير. لحسن الحظ بالنسبة للفرنسيين، كانت السماء مغطاة بالغيوم وكذلك صوت الرعد، وهي ظاهرة نادرة في مصر. اعتبر بعض من السكان المؤمنين بالخرافات الرعد كعلامة من السماء. أمر بونابرت على الفور مدفعه بفتح النار على المسجد. حطم الفرنسيون البوابات واقتحموا المبنى، وذبحوا ثوار المدينة في الداخل.

    بعد عودته مرة أخرى إلى السيطرة المطلقة على القاهرة، سعى بونابرت إلى القبض على الكتاب والمحرضين على التمرد. وأدين عدة مشايخ والعديد من الأتراك والمصريين بالمشاركة في المؤامرة وأعدموا. لإكمال عقوبته، فرض بونابرت على المدينة ضريبة عالية جديدة واستبدل ديوانها بلجنة عسكرية.

  4. الشام

    8 دقائق قراءةمع هدوء مصر مرة أخرى ووقوعها تحت سيطرته، استغل بونابرت هذا الوقت لزيارة السويس ورؤية بعينيه القناة (المعروفة باسم «قناة سيزوستريس» أو «قناة الفراعنة») التي يقال أنه قد تم حفرها في العصور القديمة بين البحر الأحمر والبحر…

    قناة سيزوستريس

    مع هدوء مصر مرة أخرى ووقوعها تحت سيطرته، استغل بونابرت هذا الوقت لزيارة السويس ورؤية بعينيه القناة (المعروفة باسم «قناة سيزوستريس» أو «قناة الفراعنة») التي يقال أنه قد تم حفرها في العصور القديمة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط بأمر من الفراعنة. قبل أن ينطلق في رحلة الاستكشاف، أعاد للقاهرة حكمها الذاتي، وحل ديوان جديد مكون من 60 عضوًا محل اللجنة العسكرية.

    بعد ذلك، برفقة بيرتهوليت، غاسبار مونج، لو بير، دوتير، كوستاز، كافاريللي، ومتبوعا بـ 300 شخص، انطلق بونابرت إلى البحر الأحمر وبعد ثلاثة أيام من السير عبر الصحراء وصل إلى السويس. بعد إعطاء الأوامر لاستكمال التحصينات في السويس، عبر بونابرت البحر الأحمر وانتقل في 28 ديسمبر 1798 إلى سيناء للبحث عن جبال موسى الشهيرة على بعد 17 كيلومترًا من السويس. وعند عودته، فوجئ بالمد والجزر، وواجه خطر الغرق. عند عودتهم إلى السويس، وبعد الكثير من الاستكشاف، حققت البعثة هدفها، حيث عثرت على بقايا القناة القديمة (قناة سيزوستريس) التي أمر بحفرها سنوسرت الثالث ونخاو الثاني.

    الهجمات العثمانية

    في هذه الأثناء، تلقى العثمانيون في القسطنطينية (اسطنبول الآن) أنباء عن تدمير الأسطول الفرنسي في أبو قير، واعتقدوا أن هذا قد رسم نهاية بونابرت وحملته، المحاصرين في مصر. قرر السلطان سليم الثالث شن حرب ضد فرنسا، وأرسل جيشين إلى مصر. انطلق أول جيش، تحت قيادة أحمد باشا الجزار، مع 12000 جندي. وتم تعزيزه بقوات من دمشق، حلب، العراق (10000 رجل)، والقدس (8000 رجل). بدأ الجيش الثاني، تحت قيادة مصطفى باشا، في رودس مع حوالي ثمانية آلاف جندي. كما عرف مصطفى باشا أنه سيحصل على حوالي 42000 جندي من ألبانيا والقسطنطينية والأناضول واليونان. خطط العثمانيون هجومين ضد القاهرة: من سوريا، عبر الصالحية- بلبيس-الخانكة، ومن رودس عن طريق الهبوط البحري في منطقة أبو قير أو ميناء مدينة دمياط.

    الرد الفرنسي

    في يناير 1799، وخلال رحلة القناة، علم الفرنسيون بالتحركات العثمانية وأن الجزار قد استولى على حصن العريش الصحراوي على بعد عشرة أميال (16 كم) من الحدود السورية مع مصر، التي كان مسؤولاً عن حراستها. لتأكده بأن الحرب مع السلطان العثماني كانت وشيكة وأنه لن يتمكن من الدفاع ضد الجيش العثماني، قرر بونابرت أن أفضل دفاع له سيكون مهاجمته أولاً في سوريا، حيث سيعطيه النصر المزيد من الوقت للتحضير ضد قوات العثمانيين في رودس.

    قام بإعداد حوالي 13000 جندي وتم تنظيمهم في فرق تحت قيادة الجنرالات: رينيه (مع 2160 رجل)، كليبر (مع 2336)، بون (2449)، لانيس (2,938)، فرقة فرسان بقيادة الجنرال يواكيم مورات (900)، لواء من المشاة والفرسان تحت قيادة اللواء بيسيير (400)، فرقة إبل (89)، وفرقة مدفعية تحت قيادة دومارتن (1,387)، والمهندسين والباحثين تحت قيادة كافاريللي (3,404). كان لكل فرقة من فرق المشاة والفرسان 6 مدافع. أخذ نابليون 16 مدفع حصار حيث كانوا موضوعين على السفن في دمياط تحت قيادة القبطان ستاندليت. كما أمر بوريه بالذهاب إلى يافا مع قطع من مدفعية الحصار. كان مجموع المدفعية المرسلة في الحملة 80 مدفع.

    وصل ريجنير والطليعة بسرعة إلى العريش، واستولوا عليها، ودمروا جزءا من الحامية وأجبروا الباقين على اللجوء إلى القلعة. تسببوا في هروب مماليك إبراهيم والاستيلاء على معسكرهم. غادرت القوات الفرنسية مصر في 5 فبراير 1799، وبعد سبعة أيام من مغادرة القاهرة، وصل بونابرت أيضا إلى العريش وقصف أحد أبراج القلعة. استسلمت الحامية بعد يومين.

    يافا

    بعد السير لمسافة 60 ميل (97 كم) عبر الصحراء وصل الجيش إلى غزة، حيث استراح لمدة يومين، ثم انتقل إلى يافا. كانت المدينة محاطة بجدران عالية تحيط بها الأبراج. كان الجزّار قد كلف نخبة القوات بمهمة الدفاع عنها، مع المدفعية التي أدارها 1200 جندي عثماني. كانت المدينة واحدة من الطرق المؤدية إلى سوريا، حيث يمكن أن يستخدم الأسطول الفرنسي ميناءها، وكان جزء كبير من نجاح البعثة يعتمد على إسقاطها. وهذا يعني أن بونابرت اضطر إلى الاستيلاء على المدينة قبل المضي قدمًا، ولذلك قام بحصار المدينة في الفترة من 3 إلى 7 مارس.

    أرسل بونابرت رسولا تركيا إلى قائد المدينة للمطالبة باستسلامه، وكان الرد هو قطع رأسه، وأمر قائد المدينة بشن هجوم. تم صد الهجوم، وفي مساء نفس اليوم، تسببت مدافع المحاربين في انهيار أحد الأبراج. على الرغم من المقاومة الشديدة لحامية المدينة، إلا أنها سقطت. تلى سقوط المدينة يومان وليلتان من المجازر بأمر من نابليون، حيث تم إطلاق النار على أفراد الحامية الذين تراوح عددهم بين 2440 و4100 (وتصل بعض المصادر إلى عدد 7 آلاف)، وكان أغلبهم من الألبان. دافع بعض الكتاب عن هذا الفعل الانتقامي، حيث كتبوا أن نابليون لم يكن ليستطع تحمل الإبقاء على مثل هذا العدد الكبير من السجناء وحراستهم ولا السماح لهم بالهروب تخوفا من انضمامهم إلى صفوف الجزار.

    قبل أن يغادر يافا، أنشأ بونابرت ديوانًا للمدينة بالإضافة إلى مستشفى كبيرة في موقع دير الكرملي في جبل الكرمل، لمعالجة جنوده الذين أصيبوا بالوباء، والذي كانت أعراضه قد شوهدت بينهم منذ بداية الحصار. تسبب تقرير من الجنرالات بون ورامبون عن انتشار الطاعون في إثارة قلق بونابرت. لتهدئة جيشه، يقال إنه دخل غرف المصابين، وتحدث مع المرضى، ولمسهم قائلاً: «انظر، هذا لا شيء»، ثم غادر المستشفى وأخبر أولئك الذين ظنوا أن أفعاله غير حكيمة «لقد كان ذلك واجبا، أنا القائد العام». ومع ذلك، يقول بعض المؤرخين في وقت لاحق أن نابليون تجنب لمس أو حتى مواجهة مرضى الطاعون لتجنب العدوى، وأن زياراته للمرضى هي من اختراع الدعاية النابليونية في وقت لاحق. من أمثلة الدعايا النابليونية بهذا الخصوص، بعد فترة من الحملة، كانت اللوحة الدعائية «نابليون بونابرت يزور ضحايا الطاعون في يافا في عام 1804» التي رسمها أنطوان جان جروس. وأظهرت اللوحة نابليون وهو يلمس جسد رجل مريض، حيث تم تصويره كأحد «المعالجين الملكيين». لم يكن هذا من قبيل الصدفة، حيث كان عام 1804 هو العام الذي توج فيه نابليون بونابرت نفسه إمبراطورًا.

    معركة جبل طابور

    من يافا، انطلق الجيش الفرنسي إلى مدينة عكا الساحلية. في الطريق استولى الجيش على حيفا وكذلك الذخائر والمؤن المخزنة هناك، بالإضافة إلى قلعة يافة الناصرة، وقلعة الناصرة وحتى بلدة صور. بدأ حصار عكا في 18 مارس/آذار، لكن الفرنسيين لم يتمكنوا من الاستيلاء عليها، وقد توقفت بذلك الحملة في سوريا بشكل مفاجئ. تمت حماية المدينة من قبل نخبة المشاة العثمانيين التي تم إنشاؤها حديثا تحت قيادة الجزار باشا، وكانت المدينة على الساحل مباشرة، مما مكنها من تلقي التعزيزات وإعادة التزويد بالمؤن عن طريق الأساطيل البريطانية والعثمانية.

    بعد مرور ستين يومًا من الهجمات المتكررة غير الحاسمة، بقيت المدينة صامدة. بالإضافة إلى ذلك، كانت المدينة لا تزال في انتظار تعزيزات بحرية وكذلك جيش كبير يتكون في آسيا بناء على أوامر السلطان للسير ضد الفرنسيين. لمعرفة تحركات الفرنسيين، أمر الجزّار بهجمة مفاجئة ضد معسكر بونابرت. كانت هذه الهجمة مدعومة بمدفعية وقصف بحري من البريطانيين. استطاع بونابرت دفع قوات الجزار إلى الخلف إلى أسوار المدينة، ثم ذهب لمساعدة كليبر، الذي كان معه نحو 4000 فرنسي. ابتكر بونابرت خدعة استغلت كل المزايا التي قدمها له موقع القوات المدافعة، فأرسل مورات وفرسانه عبر نهر الأردن للدفاع عن معبر النهر وأرسل فيال ورامبون لنابلس، في حين وضع بونابرت نفسه وقواته بين العثمانيين والمخازن الحربية. كانت هذه المناورات ناجحة، وعرفت الأحداث باسم معركة جبل طابور. مأخوذا على حين غرة في العديد من المناطق دفعة واحدة، أجبر الجيش العثماني على التراجع، تاركاً جماله وخيوله ومؤنه، وخسر 5000 ضحية في ساحة المعركة.

    حصار عكا

    وبالعودة إلى حصار عكا، علم بونابرت أن الأدميرال بيريه قد وضع سبع قطع مدفعية في يافا. ثم أمر بونابرت بهجمتين، كلاهما تم صده بقوة. شوهد أسطول يرفع العلم العثماني وأدرك بونابرت أنه يجب عليه الاستيلاء على المدينة قبل وصول هذا الأسطول بالتعزيزات. أمر بونابرت بهجوم عام خامس، مما دفع العثمانيين إلى المدينة مرة أخرى وأجبر النيران العثمانية على التراجع. وهكذا تم الاستيلاء على عكا تقريبا أو كانت على وشك الاستسلام.

    كان أحد هؤلاء الذين كانوا يقاتلون في الجانب العثماني هو اللاجئ الفرنسي والمهندس فيليبو، أحد زملاء بونابرت في المدرسة العسكرية. أمر فيليبو بوضع مدافع في المواقع الأكثر فائدة وتم حفر خنادق جديدة. في نفس الوقت هبط سيدني سميث -قائد الأسطول البريطاني- وطاقم سفنه. جددت هذه العوامل شجاعة المحاصرين ودفعت قوة بونابرت إلى الوراء. كذلك صدت ثلاث هجمات فرنسية متتالية، مما أدى إلى إقناع بونابرت بأنه من غير الحكمة الاستمرار في محاولة الاستيلاء على عكا، وأمر قواته بالعودة إلى مصر.

    الانسحاب من عكا

    أصبح وضع القوة الفرنسية الآن حرجًا - فالعدو يمكن أن يضايقهم وهم يتقهقرون، وكانوا متعبين وجائعين في الصحراء، وكانوا يحملون عددًا كبيرًا من المصابين بالوباء. كان نقل هؤلاء الذين يعانون في وسط الجيش من شأنه أن ينشر المرض، لذا كان يجب حملهم في الخلف، حيث كانوا أكثر عرضة للخطر من جانب العثمانيين، الذين كانوا حريصين على الثأر من المجازر في يافا. كان هناك موقعان للعلاج، أحدهما في المستشفى الكبير في جبل الكرمل والآخر في يافا. بناء على أوامر بونابرت، تم إجلاء جميع الأشخاص الموجودين في جبل الكرمل إلى يافا والطنطورة. تم التخلي عن الخيول قبل عكا، وقام بونابرت وجميع ضباطه بتسليم خيولهم إلى ضابط النقل، وسار بونابرت ليكون قدوة لجنوده.

    لإبقاء الانسحاب من الحصار سرا، انطلق الجيش في الليل. وعند وصوله إلى يافا، أمر بونابرت بثلاث إجلاءات لمرضى الطاعون إلى ثلاث نقاط مختلفة - واحدة عن طريق البحر إلى دمياط، وأخرى براً إلى غزة وأخرى براً إلى العريش. وأثناء الانسحاب، اختار الجيش تطهير جميع الأراضي التي مر بها، مع القضاء على كل من الماشية والمحاصيل والمنازل. كانت غزة هي المكان الوحيد الذي تم الحفاظ عليه، مقابل بقاءها موالية لبونابرت. ولتسريع الانسحاب، اتخذ بونابرت أيضا خطوة مثيرة للجدل تتمثل في قتل السجناء والرجال الذين أصابهم الطاعون على طول الطريق. يجادل أنصاره أن هذا كان ضروريًا بسبب استمرار المضايقة من قبل القوات العثمانية.

    العودة إلى مصر

    وأخيرا، بعد أربعة أشهر خارج مصر، وصلت البعثة إلى القاهرة مع 1800 جريح، وخسرت 600 رجل بسبب الطاعون و1،200 أثناء القتال. في غضون ذلك، أرسل المبعوثون العثمانيون والبريطانيون أخباراً عن نكسة بونابرت في عكا إلى مصر، مشيرين إلى أن قوته الاستكشافية دمرت بشكل كبير وأن بونابرت نفسه قد مات. عند عودته، سخر بونابرت من هذه الشائعات عن طريق العودة إلى مصر كما لو كان على رأس جيش منتصر، حيث كان جنوده يحملون أشجار النخيل وشارات النصر. في خطابه لسكان القاهرة، قال بونابرت:

    لقد عاد إلى القاهرة، رئيس الجيش الفرنسي، الجنرال بونابرت، الذي يحب دين محمد. عاد سليما وبخير، شاكرا الله على النعم التي أعطاه إياها. دخل القاهرة من بوابة النصر. هذا اليوم هو يوم عظيم. لقد خرج جميع سكان القاهرة لمقابلته. لقد رأوا وأدركوا أنه هو نفس القائد العام، بونابرت، بنفسه. لكن أولئك الذين في يافا، بعد أن رفضوا الاستسلام، فقد سلمهم جميعاً الموت في غضبه. لقد دمر كل أسوارهم وقتل جميع الذين كانوا هناك. كان هناك حوالي 5000 من جنود الجزار في يافا - لقد دمرهم جميعًا.

  5. أوضاع مصر الداخلية أثناء غياب نابليون في الشام

    دقيقتا قراءةأثناء انشغال نابليون بونابرت بحملته العسكرية على الشام مطلع عام 1799، اندلعت في شمال مصر عدة ثورات محلية ضد الاحتلال الفرنسي، خاصة في مديريات الدلتا. تزعّم هذه الانتفاضات عدد من الزعماء المحليين والدينيين، كان أبرزهم…

    أثناء انشغال نابليون بونابرت بحملته العسكرية على الشام مطلع عام 1799، اندلعت في شمال مصر عدة ثورات محلية ضد الاحتلال الفرنسي، خاصة في مديريات الدلتا. تزعّم هذه الانتفاضات عدد من الزعماء المحليين والدينيين، كان أبرزهم أمير الحج مصطفى بك في ميت غمر، و المهدي في دمنهور. وقد مثلت هذه الحركات رفضًا شعبيًا واسعًا للوجود الفرنسي، واستفادت من غياب القيادة العسكرية العليا عن مصر، ما جعل السيطرة الفرنسية على الأقاليم أكثر هشاشة في تلك الفترة.

    ثورة أمير الحج

    في يوم 25 مارس عام 1799، وأثناء انشغال نابليون بحملته العسكرية على الشام، اندلعت ثورة في ميت غمر التابعة لمديرية الدقهلية، بقيادة أمير الحج مصطفى بك، وهو مملوكي كان يشغل منصب كتخدا الوالي في مصر، وقد عيّنه نابليون نفسه لاحقًا لإمارة الحج. استغل مصطفى بك غياب السلطة الفرنسية المركزية، وتحالف مع عدد من المماليك والأنصار المحليين والبدو، ورفع راية الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، مستندًا إلى الروح الدينية والغضب الشعبي.

    بدأت الثورة بهجوم مباغت على سفن فرنسية ناحية ميت غمر كانت تمر عبر فرع دمياط بنهر النيل من القاهرة في طريقها لدعم قوات نابليون في الشام، حيث تمكّن الثوار من الاستيلاء على المؤن والأسلحة، وقتل من كان على متن السفن. ردًّا على ذلك، أرسل دوجا، نائب نابليون في القاهرة، قوة عسكرية بقيادة الجنرال لانوس قُمودان المنوفية، والتي تمكنت في من اقتحام ميت غمر وقمع التمرد بعنف. أُسر عدد من الثوار، بينما فرّ مصطفى بك إلى بلاد الشام، وقد قرر أحمد باشا الجزار إعدامه بتهمه التواطؤ مع الفرنسيين.

    ثورة المهدي

    عقب قمع ثورة ميت غمر، اندلعت ثورة جديدة في إقليم البحيرة قادها رجل ادعى المهدية، فدعا الأهالي والقبائل العربية لقتال الفرنسيين. اجتمعت حوله جموع كبيرة وسار بها نحو دمنهور، فهاجم حاميتها الفرنسية وقتل جنودها.

    أثار الحدث قلق القيادة الفرنسية في القاهرة، فأمر الجنرال دوجا الجنرال لانوس بالتوجه إلى البحيرة، كما حرك حاكم الغربية قوة نحو الرحمانية. في 9 مايو 1799، التحقت القوات ببعضها وتحركت بقيادة لانوس نحو دمنهور، فدخلوها في 10 مايو، ودار قتال عنيف استمر خمسة أيام انتهى بانسحاب الفرنسيين. لكنهم سرعان ما أعادوا تنظيم صفوفهم، فهاجموا دمنهور مجددًا، ودمروا المدينة وقتلوا عددًا كبيرًا من سكانها انتقامًا من الثورة.

  6. نتائج الحملة الفرنسية

    دقيقتا قراءة1- كتاب وصف مصر: رافقت الحملة الفرنسية مجموعة من في شتى مجال العلم في وقتها أكثر من 150 عالما وأكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذي رافقوا القائد الفرنسي نابليون بونابرت في مصر خلال أعوام 1798/…

    النتائج الاجتماعية

    النتائج العلمية

    1- كتاب وصف مصر: رافقت الحملة الفرنسية مجموعة من في شتى مجال العلم في وقتها أكثر من 150 عالما وأكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذي رافقوا القائد الفرنسي نابليون بونابرت في مصر خلال أعوام 1798/ 1801. من كيميائيين وأطباء وفلكيين إلى آخرة، وكانت نتيجة لمجهودهم هو كتاب وصف مصر وهو عبارة عن المجموعة الموثقة تضم 11 مجلداً من الصور واللوحات مملوكة لمكتبة الإسكندرية و9 مجلدات من النصوص من بينها مجلد خاص بالأطالس والخرائط اسهم بها المجمع العلمي المصري وقام هؤلاء العلماء بعمل مجهد غطى جميع أرض مصر من شمالها إلى جنوبها خلال سنوات تواجدهم وقاموا برصد وتسجيل كل أمور الحياة في مصر آنذاك وكل مايتعلق بالحضارة المصرية القديمة ليخرجوا إلى العالم 20 جزءا لكتاب وصف مصر وتميز الكتاب بصور ولوحات شديدة الدقة والتفاصيل. ويعتبر هذا الكتاب ألان أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية كونها أكبر مخطوطة يدوية مكتوبة ومرسومة برسوم توضيحية قتميزت بالدراسة العميقة الدارسين والأكاديميين الذين رافقوا نابليون فيما نشر الكتاب بين عامي 1809/1829. كما تشتمل هذه المجموعة على صور ولوحات لأوجه نشاط المصري القديم للآثار المصرية وأيام الحملة نفسها التاريخ الطبيعي المصري بالإضافة إلى توثيق كل مظاهر الحياة والكنوز التاريخية والفنية والدينية المصرية وتسجيل جميع جوانب الحياة النباتية والحيوانية والثروة المعدنية آنذاك. وقد أصدرت مكتبة الإسكندرية (نسخة رقمية) من هذا الكتاب (وصف مصر) على أقراص مضغوطة.

    2- فكرة حفر قناة السويس: حيث اقترح علماء الحملة توصيل البحرين الأحمر والمتوسط فيما يعرف الآن باسم «قناة السويس», ولكن الفكرة لم تنفذ وذلك بسبب اعتقاد خاطئ بان البحر الأحمر أعلي في المستوي من البحر المتوسط.

    3- فك رموز حجر رشيد: حيث استطاع شامبليون فك رموز حجر رشيد واكتشاف أسرار اللغة المصرية القديمة، وقد ساعد فك رموز اللغات المصرية القديمة (الهيروغليفية – الهيراطيقية - الديموطيقية) من معرفة اسرار الحضارة الفرعونية. 4- اكتشاف الحضارة المصرية القديمة وقيام العلماء الفرنسيين بتأليف كتاب وصف مصر الذي يصف مصر منذ قيام الحضارة الفرعونية إلى خروج الحملة من مصر. 5- خريطة القطر المصري: حيث قامت الحملة برسم أول خريطة دقيقة للقطر المصري.

    النتائج السياسية

  7. نابليون بونابرت

    66 دقيقة قراءةنَابُلْيُون بُونَابَرْت أو نَابُلْيُون الأوَّل واسمه الأصلي نَابُلْيُوني دي بُونَابَرْته (؛ ) (15 أغسطس 1769 – 5 مايو 1821) قائد عسكري، سياسي، فَرَنسي، إيطالي الأصل، بزغ نجمه في أحداث الثورة الفَرَنسية، وقاد عدَّة…

    نَابُلْيُون بُونَابَرْت أو نَابُلْيُون الأوَّل واسمه الأصلي نَابُلْيُوني دي بُونَابَرْته (؛ ) (15 أغسطس 1769 – 5 مايو 1821) قائد عسكري، سياسي، فَرَنسي، إيطالي الأصل، بزغ نجمه في أحداث الثورة الفَرَنسية، وقاد عدَّة حَمَلات عسكرية ناجحة علىٰ أعداء فرنسا في حروبها الثورية. حكم فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر بصفته قنصلًا عامًا، ثم بصفته إمبراطورًا في العقد الأول من القرن التاسع عشر، لِمَا كان لأعماله وتنظيماته مِن أثرٍ عظيم في السياسة الأوروبية. وهيمن على الشؤون الأوروبية والدَّولية في أيام حُكمه، وقاد فرنسا في سلسلة انتصارات باهرة على القوى العسكريَّة الحليفة التي قامت في وجهها، المعروفة بالحروب النابُليونية، وبنى إمبراطوريَّةً كبيرة سيطرت على مُعظم أنحاء أوروبَّا القاريَّة حتَّى سنة 1815 لما سقطت وتفكَّكت.

    وُلد نابُليون (بضم الباء) في جزيرة كورسيكا لأبوين ينتميان لطبقة أرستقراطية تعود بجذورها إلى إحدى عائلات إيطاليا القديمة النبيلة. ألحقه والده «كارلو بونابرت»، المعروف عند الفرنسيين باسم «شارل بونابرت» بمدرسة بريان العسكرية. ثم التحق بعد ذلك بمدرسة سان سير العسكرية الشهيرة، وفي المدرستين أظهر تفوقًا باهرًا على رفاقه، ليس فقط في العلوم العسكرية وإنما أيضًا في الآداب والتاريخ والجغرافيا. وخلال دراسته اطّلع على روائع كتّاب القرن الثامن عشر في فرنسا وجلّهم، حيث كانوا من أصحاب ودعاة المبادئ الحرة. فقد عرَف عن كثب مؤلفات فولتير ومونتسكيو وروسو، الذي كان أكثرهم أثرًا في تفكير الضابط الشاب. أنهى دروسه الحربية وتخرّج في سنة 1785م وعُين برتبة ملازم أول في سلاح المدفعية التابع للجيش الفرنسي الملكي. وفي سنة 1795 أُعطيت له فرصة الظهور، ليبرِز براعته لأول مرة في باريس نفسها حين ساهم في تعضيد حكومة الإدارة وفي القضاء على المظاهرات التي قام بها الملكيون، تساعدهم العناصر المحافظة والرجعية. ثم عاد في سنة 1797 ودعم هذه الحكومة ضد توجه أن تكون فرنسا ملكية دستورية فبات منذ هذا التاريخ السند الفعلي لها ولدستور سنة 1795.

    بزغ نجم بونابرت خلال عهد الجمهورية الفرنسية الأولى، عندما عهدت إليه حكومة الإدارة بقيادة حملتين عسكريتين موجهتين ضد ائتلاف الدول المنقضّة على فرنسا، فانتصر في جميع المعارك التي خاضها، وتمكَّن من فتح شبه الجزيرة الإيطاليَّة خلال سنة، وأقام بها «جمهوريات شقيقة لفرنسا» بِتأييدٍ من بعض القوى المحليَّة، لِيُصبح بطلًا قوميًّا في فرنسا. سنة 1798، قاد نابليون حملةً عسكريَّةً على مصر في سبيل قطع طريق بريطانيا إلى الهند، وامتدَّت حملته هذه حتى بلغت الشام الجنوبية حيثُ حاصر مدينة عكَّا لكنه فشل في اقتحامها لمناعة استحكاماتها وصُمود واليها أحمد باشا الجزار، ومساندة الأسطول البريطاني لحامية المدينة، ثُمَّ بحلول وباء الطاعون وفتكه بالجنود الفرنسيين، اضطرَّ بونابرت إلى الانسحاب إلى مصر ثم عاد إلى أوروبا لاضطراب الأحوال في فرنسا. وفي سنة 1799، عزل بونابرت حكومة الإدارة وأنشأ بدلًا منها حكومة مؤلفة من 3 قناصل، وتقلّد هو بنفسه منصب القنصل الأول؛ ثم أقام أحلافًا عسكريَّةً ودبلوماسيَّةً مع الفُرس والهُنُود والعُثمانيين في سبيل ضرب كُلٍ من المصالح البريطانيَّة في الهند، والمصالح الروسيَّة في الشرق الأوسط، وتعاون مع سُلطان مملكة ميسور فتح‌ علي خان تيپو وأيَّدهُ بِجُنُودٍ ومعدَّاتٍ كثيرة خِلال حربه مع البريطانيين في الهند.

    سعى نابليون، بعد ذلك، في إعلان نفسه إمبراطورًا، وتم له هذا بعد 5 سنوات بإعلان من مجلس الشيوخ الفرنسي. خاضت الإمبراطورية الفرنسية نزاعات عدّة خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر، عُرفت باسم الحروب النابليونية، ودخلت فيها جميع القوى العظمى في أوروبا. أحرزت فرنسا انتصارات باهرة في ذلك العهد، على جميع الدول التي قاتلتها، وجعلت لنفسها مركزًا رئيسيًا في أوروبا القارية، ومدّت أصابعها في شؤون جميع الدول الأوروبية تقريبًا، حيث قام بونابرت بتوسيع نطاق التدخل الفرنسي في المسائل السياسية الأوروبية عن طريق خلق تحالفات مع بعض الدول، وتنصيب بعض أقاربه وأصدقائه على عروش الدول الأخرى.

    شكّل الغزو الفرنسي لروسيا سنة 1812م نقطة تحول في حظوظ بونابرت، حيث أُصيب الجيش الفرنسيّ خلال الحملة بأضرار وخسائر بشرية ومادية جسيمة، لم تُمكن نابليون من النهوض به مرةً أخرى بعد ذلك. وفي سنة 1813، هَزمت قوّات الائتلاف السادس الجيش الفرنسيّ في معركة الأمم؛ وفي السنة التالية اجتاحت هذه القوّات فرنسا ودخلت العاصمة باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش، ونفَوه إلى جزيرة ألبا. هرب بونابرت من منفاه بعد أقل من سنة، وعاد ليتربع على عرش فرنسا، وحاول مقاومة الحلفاء واستعادة مجده السابق، لكنهم هزموه شر هزيمة في معركة واترلو خلال شهر يونيو من عام 1815. استسلم بونابرت بعد ذلك للبريطانيين، الذين نفَوه إلى جزيرة القديسة هيلانة، المستعمرة البريطانية، حيث أمضى السنوات الست الأخيرة من حياته. أظهر تشريح جثة نابليون أن وفاته جاءت كنتيجة لإصابته بسرطان المعدة، رغمَ أن كثيرًا من العلماء يقولون إن الوفاة جاءت نتيجة التسمم بالزرنيخ.

    يُعدُّ نابليون أحد أبرز القادة العسكريين في التاريخ، وتُدرّّس حملاته العسكرية في العديد من المدارس الحربية حول العالم، ورغم أن الآراء منقسمة حوله، حيث يراه معارضوه طاغيةً جبارًا أعاد الحكومة لإمبراطورية ووزع المناصب والألقاب على أسرته ودخل مغامرات عسكرية دمَّرت الجيش، فإن محبيه يرونه رجلَ دولة وراعيًا للحضارة، إذ يُنسب إليه القانون المدني الفرنسي، المعروف باسم قانون نابليون، الذي وضع الأسس الإدارية والقضائية لمعظم دول أوروبا الغربية، والدول التي خضعت للاحتلال الفرنسي في العصور اللاحقة، بحيثُ كان هذا القانون أكثر القوانين تأثيرًا في أوروبا والعالم مُنذُ سُقُوط الإمبراطورية الرومانية، وفي هذ يقول المُؤرخ البريطاني أندرو روبرتس:.

    نشأته وتعليمه

    مولده وعائلته

    وُلد نابُليون (بضم الباء) في قصر آل بُونابَرت (بفتح الباء) في بلدة أجاكسيو الواقعة بجزيرة كورسيكا، بتاريخ 15 أغسطس سنة 1769، أي بعد عام من انتقال ملكية الجزيرة من جمهورية جنوة، إلى فرنسا. وهو الولد الثاني لأبويه من أصل 8 أولاد. أطلق عليه والده اسم «نابليوني دي بونابرته» بادئ الأمر، تيمنًا بعمه الذي قُتل وهو يُقاتل الفرنسيين دفاعًا عن بلاده، إلا أن نابليون نفسه فضّّل لاحقًا بأن يُلفظ اسمه كما يُلفظ بالفرنسية، أي، وهذا ما جرت عليه العادة بين الناس. كذلك، كان اسمه يُلفظ «نابوليون» باللغة الكورسكية.

    تنحدر أسرة بونابرت من جذور إيطالية نبيلة، وقد قدم أفرادها من كورسيكا من منطقة ليگوريا في شبه الجزيرة الإيطالية خلال القرن السادس عشر. كان والد نابليون، واسمه «كارلو بونابرت»، يعمل محاميًا، وقد عُين لاحقًا ممثلاً لكورسيكا في بلاط الملك «لويس السادس عشر» في سنة 1777. تُعتبر والدة بونابرت، «ماريا يتيسيا رامولينو»، الشخص الذي كان له أكبر تأثير على تكوين شخصيته، إذ يُعرف عنها أنها كانت صارمة وشديدة الحزم، بينما كان نابليون صبيًا جامحًا، فكانت والدته غالبًا ما تقيد تصرفاته وتفرض عليه ما ينبغي أن يقوم به وما يجب أن ينتهي عنه، مما دفع البعض إلى القول أن تربيته المنزلية بحد ذاتها كانت «تربية عسكرية». كان لنابليون شقيق أكبر منه سنًا هو «جوزيف»؛ و6 إخوة وأخوات أصغر منه سنًا، هم: «لوسيان»، و«إليسا»، و«لويس»، و«پولين»، و«كارولين»، و«جيروم». عُمِّد نابليون في كاتدرائية أجاكسيو في 21 أغسطس سنة 1771، أي بعد أن بلغ عامه الثاني.

    أسلاف نابليون بونابرت الأول، إمبراطور الفرنسيين وملك إيطاليا

    تعليمه

    سمحت جذور أسرة بونابرت النبيلة، إضافةً إلى يسار أفرادها ومعرفتهم الشخصية بذوي المناصب السياسية العليا، سمحت لنابليون أن يخوض غمار ميدان العلم والثقافة بشكل لم يكن متاحًا لأي شخص كورسيكيّ عادي في ذلك الزمن. ففي شهر يناير من عام 1779، أُلحق نابليون بمدرسة اللاهوت الواقعة في مدينة «أوتون» على البر الرئيسي الفرنسي، حيث تعلّم اللغة الفرنسية، وفي شهر مايو من نفس السنة، ألحقه والده بمدرسة بريان العسكرية لإعداد البحّارة. تكلّم نابليون الفرنسية بلكنة كورسيكية واضحة، واستمر يلفظ الكلمات الفرنسية بهذه الطريقة طيلةَ حياته، ولم ينطق باللفظ الفرنسي الصحيح على الإطلاق. تعرّض نابليون للمضايقة والاستهزاء من قِبل زملائه الفرنسيين في المدرسة، بسبب لكنته التي رأوها غريبة، ولهذا السبب تفادى الاختلاط معهم وإنشاء صداقات متينة، وكرّس كامل وقته للدراسة. قال أحد أساتذة المدرسة في نابليون إنه. أُلحق نابليون بالمدرسة العسكرية الكبرى في باريس، بعد أن تخرّج في مدرسة بريان سنة 1784؛ وقد أدى هذا إلى القضاء على طموحه بأن يُصبح بحّارًا، الأمر الذي دفعه بأن يُفكر بالانضمام إلى البحرية الملكية البريطانية. لكنه عاد وعدل عن قراره، ودرس ليُصبح ضابط مدفعية، خصوصًا وأن والده كان قد تُوفي في تلك الفترة، الأمر الذي قلل من نسبة المصروف الذي كان يُرسل إليه، وأدّى لتراجع الوضع المادي للأسرة بشكل جعلهم غير قادرين على التكفل بأعباء ومصاريف الدراسة على أكمل وجه كما كان في السابق، فأُضطر نابليون إلى إنهاء برنامجه الدراسي، الذي كان يمتد لسنتين في الأصل، خلال سنة واحدة فقط. أمتُحن نابليون قبل تخرجه على يد المفتش والعالم الشهير «بيير سيمون لاپلاس»، الذي عيّنه لاحقًا، بعد وصوله إلى السلطة، في مجلس الشيوخ الفرنسي.

    بداياته

    عُين نابليون عند تخرجه في شهر سبتمبر من سنة 1785، ضابطًا برتبة ملازم ثان في فوج المدفعية، وخدم في إحدى الحاميات في مدينتيْ ڤالينس وأوكسون إلى ما بعد قيام الثورة الفرنسية سنة 1789، رغم أنه حصل خلال هذه الفترة على إجازة عسكرية دامت سنتين تقريبًا، أمضاها في التنقل بين باريس وكورسيكا. كان نابليون كورسكيًا وطنيًا متطرفًا، وقد كتب إلى القائد الكورسيكي «پاسكال پاولي» في شهر مايو من عام 1789 يقول:.

    أمضى نابليون السنوات الأولى من الثورة في مسقط رأسه بجزيرة كورسيكا، عالقًا في مهب الريح بين التيارات الثلاثة المتصارعة: الملكيّون، والثوّار، والكورسيكيون الوطنيون. وخلال هذه الفترة انضم إلى نادي اليعاقبة، ورُقي إلى رتبة مقدم، وترأس كتيبة من المتطوعين لمقاومة الجنود الفرنسيين الموالين للنظام الملكي. استطاع بونابرت أن يُقنع القادة العسكريين في باريس، بعد أن تجاوز فترة الإجازة الممنوحة له وقاد عصيانًا ضد فرقة من الجيش الفرنسي المعسكرة في كورسيكا، أن يُرقوه لرتبة نقيب، وذلك في شهر يوليو من سنة 1792. وبعد أن حصل نابليون على مراده، عاد إلى كورسيكا مرةً أخرى، ليقع في نزاع مع القائد الوطني «پاسكال پاولي»، حيث أن الأخير كان قد قرر الانفصال عن فرنسا، ووضع خطةً وهيأ العدة لعرقلة المشروع الفرنسي القاضي بإقامة حملة على جزيرة "مادالينا" السردينية، حيث كان بونابرت أحد قادة الحملة. أُضطر بونابرت أن يهجر الجزيرة وعائلته في شهر يونيو من عام 1793 إلى البر الرئيسي الفرنسي، بسبب انفصال الجزيرة الفعلي عن الدولة الفرنسية.

    حصار مدينة طولون

    في شهر يوليو من سنة 1793، قام نابليون بنشر كُتيب موالٍ للنظام الجمهوري والدعاة إليه، يحمل عنوان «عشاء بوكير»، فحاز على إعجاب وتقدير «أوغسطين روبسبير»، وهو الشقيق الأصغر للقائد الثوري «ماكسمليان روبسبير»، فقام بدعم بونابرت في جميع الخطوات اللاحقة التي اتخذها. كذلك حصل نابليون على دعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي ذي الأصول الكورسيكية، «أنطوان كريستوف ساليسيتي»، فعيّنه قائدًا لكتيبة مدفعية القوات الجمهورية عند حصار مدينة طولون، ذلك أن هذه المدينة كانت قد ثارت على حكومة الجمهورية، واحتلتها القوّات البريطانية، لذا كان لا بُدّ للحكومة الفرنسية أن تخضعها من جديد لتفرض هيبتها ووجودها الفعليّ أمام مواطنيها وأمام الأوروبيين على حد سواء.

    وضع نابليون خطة لاستعادة المدينة المفقودة، مضمونها الاستيلاء على الهضبة التي تكشف على المدينة، وتمركز الجنود والمدافع عليها وتوجيه نيرانهم نحو المرفأ، الأمر الذي يُجبر البريطانيين على سحب سفنهم. نُفذت هذه الخطة بنجاح باهر، حيث أخذت المدفعية الفرنسية تقصف المرفأ والسفن البريطانية الراسية وأحواضها، وأطلق الجنود الفرنسيون النار على كل جندي بريطاني وأي شخص عاون تلك الجنود، وأصيب نابليون عند الهجوم على المدينة بجراح في فخذه، لكنه قاتَل حتى ظفرت الجنود الفرنسية بالنصر، وقد أدّت مهارة بونابرت الكبيرة في قيادة الجند خلال هذا الحصار إلى ترقيته لرتبة عميد، وهو ما زال في الرابعة والعشرين من عمره. لفتت إنجازات بونابرت نظر المؤتمر الوطني، الذي كان يحكم فرنسا منذ إلغاء الملكية، فعُهد إليه بقيادة شعبة مدفعية الجيش الفرنسي المرابط على حدود إيطاليا. وفي هذه الفترة خطب نابليون فتاة تُدعى «ديزيريه كلاري»، وهي شقيقة «جولي كلاري»، زوجة أخيه الأكبر «جوزيف» منذ سنة 1794، وكان آل كلاري أسرةً من التجار الأثرياء المرسيليين.

    الثالث عشر من ڤاندميير

    بعد إعدام الملك «لويس السادس عشر» في مطلع سنة 1793 بسبب اتهامه بالخيانة العظمى، وجد المؤتمر الوطني أن حالة البلاد تقتضي وضع السلطة بيد هيئة قليلة العدد تستطيع أن تقرر وتنفذ بسرعة. لذلك اُنتخبت لجنة من تسعة أعضاء أطلق عليها اسم «لجنة الأمن العام» ومُنحت صلاحيات ديكتاتورية واسعة لتحافظ على الأمن في الداخل ولتردّ خطر الغزو من الخارج. وكان أعضاء هذه اللجنة من المتطرفين المعروفين أيضًا بالجبليين، فباشروا حكمهم بالبطش والإرهاب، ولمّا عارضهم المعتدلون طردوهم من المؤتمر الوطني وسجنوهم ونكّلوا بهم. ولمّا حاول أنصار المعتدليين في مناطق ليون ومرسيليا وبوردو وغيرها أن يثوروا على حكومة الإرهاب، أخضع الجيش تلك الثورة بمنتهى القسوة، وتشكلت محاكم خاصة تدعى «محاكم الثورة» لمحاكمة المتهمين، فقضت تلك المحاكم بإعدام عشرين ألفًا تقريبًا من النبلاء ورجال الدين والزعماء وزعماء الثورة السابقين والعلماء والرجال والنساء البارزين، مثل الملكة «ماري أنطوانيت» وغيرها. وكان بطل عهد الإرهاب «ماكسمليان روبسبير»، يعاونه شقيقه «أوغسطين»، وأخيرًا خشي أعضاء المؤتمر الوطني على أنفسهم من بطش روبسبير وقرروا أن يتخلصوا منه، فدبروا انقلابًا ضده وقبضوا عليه وقطعوا رأسه في 28 يوليو سنة 1794. وبإعدام روبسبير فقد نابليون أحد حُماته وداعميه، فقُبض عليه ووُضِع تحت الإقامة الجبرية في شهر أغسطس من سنة 1794 لعلاقته الوثيقة بالأخوين، ورغم أنه أعيد إطلاق سراحه بعد 10 أيام فقط، إلا أنه لم يُسمح له بالعودة مباشرةً إلى الخدمة في الجيش، وبقي مدرجًا على قائمة المشتبه بهم. وفي شهر أبريل من سنة 1795، نُقل نابليون إلى «جيش الغرب» الذي كان يخوض حربًا أهلية في إقليم ڤونديه الواقع بغرب فرنسا على ساحل المحيط الأطلسي، ضد الموالين للنظام الملكي ومعارضي الثورة. عُين نابليون قائدًا عامًا لإحدى فرق المشاة، ولمّا كان ذلك يُعتبر إنزالاً لرتبته العسكرية، فقد ادّعى المرض ليتفادى تعيينه على رأس أي فرقة، فنُقِل مرة أخرى إلى ديوان الطبوغرافيا التابع للجنة الأمن العام، وقد سعى عبثًا أن يُنقل إلى الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية، ليعرض خدماته على السلطان العثماني. وفي هذه الفترة كتب بونابرت رواية رومانسية عنوانها «كليسون ويوجيني»، وهي تتحدث عن جندي وعشيقته، في تناظر واضح بينها وبين علاقة نابليون بخطيبته «ديزيريه». عُزل نابليون من منصبه كعميد في 15 سبتمبر، بسبب رفضه المشاركة في الحملة على إقليم ڤونديه، فساء وضعه المادي عمّا كان عليه، وضاقت آفاق مهنته.

    وفي الثالث من أكتوبر، أعلن الملكيون في باريس العصيان على المؤتمر الوطني، بعد أن استُبعِدوا من الحكومة الجديدة التي خلفت المؤتمر، وهي «حكومة الإدارة»، وقد سُميت هذه الحركة باسم «الحركة الترميدورية» تيمنًا بشهر «تيرميدور» وهو أحد أشهر السنة وِفقَ التقويم الفرنسي في ذلك الزمن. كان أحد قادة الحركة، واسمه «بولس برّاس»، قد تابع إنجاز بونابرت العسكري في مدينة طولون، فمنحه قيادة القوّات المخصّصة للدفاع عن المؤتمر والمرابطة حول قصر التويلري. وكان بونابرت قد شهد مجزرة حرس الملك السويسري هناك قبل 3 سنوات، عندما قُتل 600 حارس من أصل 950 أثناء دفاعهم عن القصر ضد الثوّار، وأدرك أن الوسيلة الفضلى للدفاع عنه هي باستخدام المدفعية. فأمر ضابطًا شابًا من سلاح الفرسان، يُدعى «يواقيم مراد»، بأن يُحضر ما تقع عليه يداه من المدافع الضخمة، حيث استخدمها في قصف المهاجمين وردهم على أعقابهم في 5 أكتوبر سنة 1795، الموافق في 13 ڤاندميير من السنة الرابعة، وفق التقويم الفرنسي. قُتل في الهجوم ألف وأربعمائة ملكيّ، ونجا من تبقى منهم بحياته. يقول المؤرخ الإسكتلندي من القرن التاسع عشر، «طوماس كارليل»، في كتابه «تاريخ الثورة الفرنسية» إن نابليون «طهّر الشوارع في ذلك اليوم بنفحة من مدفع».

    أدّت هزيمة الملكيين على يديْ نابليون إلى القضاء على التهديد الذي كان يقلق راحة المؤتمر الوطني، وحصول بونابرت على شهرة مفاجئة ومكافأة مالية ضخمة مكنته من النهوض بنفسه مجددًا، وعلى دعم حكومة الإدارة حديثة النشأة؛ كذلك تزوّج الضابط «يواقيم مراد» بأصغر أخوات نابليون، وهي «كارولين»، والذي سيصبح في المستقبل أحد القادة في عهد حكم نابليون، رُقي نابليون إلى رتبة «لواء» وعُهد إليه مجددًا بقيادة الجيش الفرنسي المرابط على حدود إيطاليا. وخلال أسابيع من هذه الحادثة، تعلّق بونابرت بأرملة أحد قادة الثورة، المدعوة «جوزفين» من آل بوارنيه، وتزوجها بتاريخ 9 مارس سنة 1796 بعد أن فسخ خطوبته «بديزيريه كلاري».

    الحملة الإيطالية الأولى

    بعد يومين من زواجه، سافر نابليون من باريس إلى شمال إيطاليا وقاد الجيش الفرنسي المرابط هناك في غزو ناجح للأراضي الإيطالية، بعد أن كان القتال قد تجدد بين فرنسا والنمسا المحتلة شمال شبه الجزيرة الإيطالية، فأحرز نابليون انتصارًا باهرًا على النمساويين في «معركة لودي» وطردهم من منطقة لومبارديا. لكنه عاد وهُزم في «معركة كالدييرو» على يد القوات النمساوية التعزيزية بقيادة المشير «جوزيف ألڤنسكي»، إلا أن بونابرت عاد وأمسك بزمام الأمور وحقق نصرًا حاسمًا على النمساويين في «معركة جسر أركول»، وتابع زحفه ليُخضع الدولة البابوية. عارض نابليون طلب الملحدين من أعضاء حكومة الإدارة، الذين طالبوه بدخول مدينة روما وخلع البابا، قائلاً إن هذا الأمر سيؤدي إلى وجود حالة فراغ في السلطة قد تستغلها مملكة ناپولي لتفرض سيطرتها على تلك الناحية من شبه الجزيرة الإيطالية. وعوضًا عن ذلك، قام نابليون في شهر مارس من سنة 1797، بالتوجه على رأس جيشه إلى الأراضي النمساوية نفسها، حيث فرض على النمساويين إبرام معاهدة سلام مع فرنسا، فأضطروا إلى التسليم وتوقيع «معاهدة يوبن» التي اعترفت فيها النمسا بالاستيلاء على البلاد المنخفضة النمساوية وضفة نهر الراين اليسرى ولومبارديا في شمالي إيطاليا، كذلك وُضع بند سري في الاتفاقية تعهدت فيه فرنسا بضم جمهورية البندقية إلى النمسا. بعد ذلك، زحف بونابرت على البندقية وأخضعها منهيًا استقلالها الذي دام 1,100 سنة؛ وسمح للجنود الفرنسيين أن يغنموا وينهبوا ما تيسـّر لهم من النفائس، مثل تماثيل «أفراس القديس مرقس».

    كان للأساليب التي اتبعها نابليون، إضافة لتطبيقه الأفكار العسكرية التقليدية على أرض الواقع، أثر حاسم على انتصاراته، ومثال ذلك تحويله سلاح المدفعية إلى سلاح متنقل يُسافر مع جيشه من موقع لآخر، الأمر الذي سهل استخدامه ضد جنود المشاة أكثر من مرة. وقد قال نابليون عن تنظيماته العسكرية في الحملة خلال إحدى الأوقات:. كان نابليون ماهرًا في فن الخداع والتجسس، حيث استطاع الفوز في عدد من المعارك بفضل اختياره لمواقع مخفية نشر فيها جنده، وتركيزه أعدادهم على الجوانب الضعيفة من جيش العدو. وكان يُعرف عن نابليون أنه في حال لم يستطع تطبيق إستراتيجية التطويق المفضلة لديه، فإنه كان يجعل جنوده يتخذون المواقع الوسطى ويُهاجمون الفرقتين العسكريتين على يمينهم ويسارهم، كل على جانبها، ثم يستدير ليُطوق إحداها ويُقاتلها حتى تنسحب من الميدان، ثم يتحرك لقتال الأخرى. أسر الجيش الفرنسي خلال الحملة الإيطالية 150,000 جندي، وغنم 540 مدفعًا، و170 رايةً. خاض الجيش الفرنسي خلال هذه الحملة 67 معركةً، وفاز بثماني عشر معركة مدفعية، بفضل المدافع الحديثة التي حازها وبفضل تنظيمات بونابرت وإستراتيجياته.

    أصبح لنابليون تأثير كبير على السياسة الفرنسية خلال فترة الحملة الإيطالية الأولى، فقد كان نشر صحيفتين إخباريتين مخصصتين للجنود من حيث الظاهر؛ لكنهما كانتا متداولتين بشكل واسع بين الشعب الفرنسي ولهما تأثير على الرأي العام؛ وفي شهر مايو من عام 1797 أسس صحيفة ثالثة حملت اسم «مجلة بونابرت وفضائل الإنسان»، وقام بنشرها في مدينة باريس. وفي منتصف سنة 1797 جرت انتخابات نيابية حصل الملكيّون بموجبها على النسبة العليا من الأصوات، الأمر الذي أدى إلى تمتعهم بمزيد من السلطات، وأثار جزع أعضاء حكومة الإدارة. هاجم الملكيّون بونابرت معترضين على نهبه المدن الإيطالية، قائلين إنه تخطى صلاحياته وتجاوزها كثيرًا عند قتاله النمساويين وإبرامه لمعاهدات معهم. فما كان من بونابرت إلا أن أرسل اللواء «بيير أوجيرو» إلى باريس ليقود انقلابًا ويُطهر المدينة من الملكيّين، وذلك بتاريخ 18 سبتمبر، الموافق في 15 فروكتيدور من التقويم الفرنسي. أدى هذا الانقلاب إلى إعادة الجمهوريين إلى الحكم واستعادتهم لسلطتهم المفقودة، إلا أنهم كانوا قد أصبحوا معتمدين على نابليون في كل صغيرة وكبيرة، فكان وكأنه قد أصبح فعليًا الرجل الأول في فرنسا، فانصرف إلى إبرام معاهدة سلام مع النمساويين. أسفرت مفاوضات نابليون مع النمسا إلى إبرام «معاهدة كمبوفورميو» التي أقرت فيها الأخيرة بالتنازل عن المناطق التي دخلها الفرنسيون لصالح فرنسا. عاد بونابرت إلى باريس في شهر ديسمبر واستقبله الشعب الفرنسي استقبال الفاتحين، بعد أن حاز على شهرة وصيت أوسع من ذاك الخاص بأعضاء حكومة الإدارة. وفي هذه الفترة التقى بونابرت وزير خارجية فرنسا الجديد «شارل موريس آل تاليران»—الذي أبقاه نابليون في منصبه عندما أصبح إمبراطورًا لاحقًا، وأخذا يُعدّان العدة لغزو بريطانيا.

    الحملة المصرية

    قرر بونابرت بعد شهرين من التخطيط، أن البحرية الفرنسية لا تتمتع بالقوة الكافية التي تمكنها من مواجهة البحرية الملكية البريطانية في القناة الإنگليزية والتغلب عليها. لذا عرض على حكومة الإدارة القيام بحملة عسكرية على مصر واحتلالها للسيطرة على طريق بريطانيا إلى الهند والقضاء على مصالحها التجارية فيها. وكان بونابرت يأمل بأن يضع لفرنسا موطئ قدم في الشرق الأوسط ويُظهر للسكان ذوي الأغلبية المسلمة أنه صديق للخلافة وحامٍ للإسلام، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر في نفوس المسلمين حول العالم وبشكل خاص مسلمي الهند الخاضعين للملكة المتحدة، وسلطانهم «فاتح علي تيبو»، عدو البريطانيين اللدود، مما يُسهل على نابليون التقرب إليه والتدخل في الهند وضرب مصالح بريطانيا فيها. وكان نابليون قد أكّد لأعضاء حكومة الإدارة أنه ما أن ينتهي من فتح مصر سوف يُسارع إلى إبرام علاقات مع الأمراء الهنود، وسوف ينجح، بمساعدتهم، على ضرب البريطانيين في أهم مستعمراتهم. وقد قال تاليران في تقرير له صدر في شهر فبراير من سنة 1798، موجه إلى حكومة الإدارة:. وافقت حكومة الإدارة على القيام بهذه الحملة، رغم أنها لم ترتح لأبعادها ولا لتكلفتها، وذلك كي تُبعد بونابرت الذي غدا قائدًا مشهورًا عن مركز القرار في فرنسا. انتُخب نابليون في شهر مايو من سنة 1798 عضوًا في الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وانضم إلى حملته المصرية ما مجموعه 167 عالمًا من علماء الرياضيات، البيئة، الكيمياء، والجيوديسيا؛ وقد حقق هؤلاء عددًا من الاكتشافات في مصر لعل أبرزها هو اكتشاف حجر رشيد، ونُشرت اكتشافاتهم في كتاب حمل عنوان «وصف مصر» وذلك في سنة 1809.

    وفي طريقه إلى مصر، عرج نابليون على جزيرة مالطا بتاريخ 9 يونيو سنة 1798، وكانت هذه الجزيرة خاضعة لفرسان القديس يوحنا ذوي الأصول الفرنسية والبالغ عددهم 200 فارس، منذ عهد الحروب الصليبية، وكان هؤلاء الفرسان ناقمين على قائدهم المدعو «فرديناند زو بولهايم» بما أنه كان بروسي الجنسية وقد خلف قائدًا فرنسيًا، ورفضوا قتال الفرنسيين أشد الرفض، معتبرينهم إخوانهم من شحمهم ولحمهم. استسلم فرديناند للجيش الفرنسي بعد مقاومة رمزية، وكان من نتيجة ذلك أن اكتسب نابليون مرفأً وقاعدةً بحْريةً مهمةً في البحر المتوسط، مقابل خسارته 3 رجال فقط.

    استطاع بونابرت ورجاله الإفلات من سفن البحرية الملكية البريطانية التي تعقبتهم منذ مغادرة فرنسا، ونزلوا أرض مصر في مدينة الإسكندرية في 1 يوليو من عام 1798، ووجّه نابليون في اليوم ذاته نداءً إلى الشعب المصري، وأصدرت الحملة نداءً إلى الشعب بالاستكانة والتعاون زاعمةً أن نابليون قد اعتنق الإسلام وأصبح صديقًا وحاميًا للإسلام. استولى نابليون على أغنى إقليم في الدولة العثمانية، وطبقًا للدعاية الحربية أدعى أنه «صديقٌ للسلطان العثماني» وادعى أيضًا أنه قدم إلى مصر «للاقتصاص من المماليك» لا غير، باعتبارهم أعداء السلطان، وأعداء الشعب المصري. وهذا قسم من رسالة نابليون بونابرت الذي دعاه المؤرخون المسلمون «اللواء علي» إلى أهل مصر:

    "، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك بملكه...من طرف الجمهور الفرنساوي المبني على أساس الحرية، والسر عسكر الكبير بونابارته أمير الجيوش الفرنساوية، نعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد السناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية، يعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع البلص والتعدي، فحضرت الآن ساعة عقوبتهم، وحسرت من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من جبال الأباظة والكرجستان يفسدوا في الأقاليم الحسان ما يوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء قد حتم في انقضاء دولتهم.... أيها القضاة والمشايخ والأيمة ويا أيها الشورباجية وأعيان البلد، قولوا لأمتكم: إن الفرنساوية أيضًا مسلمين خالصين، وإثباتًا لذلك قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا بها كرسي البابا الذي كان دايمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكولريية الذين كانوا يزعمون أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت كانو محبين الخاصَّ لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه أدام الله ملكه، وفي الخلاف المماليك امتنعوا من طاعة السلطان، غير ممتثلين إلى أمره، فما طاعوا أصلا إلا لطمع نفوسهم، طوبى ثم الطوبى إلى أهل مصر الذين يتفقون معنا، بلا تأخير، وينصلح حالهم وتعلا مراتبهم، طوبى أيضًا للذين يقعدون في مساكنهم، غيري مبالين لأحد من الفريقين المحاربين إن يعرفونا بالأكثر يسرعون إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يتحدوا مع أوليك المماليك، ويساعدوهم في الحرب علينا، فما يجدوا طريق الخلاص، ولا يبقى لهم آثار... أدام الله تعالى إجلال السلطان العثماني أدام الله تعالى إجلال العسكر الفرنساوي لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية."

    تغلّب الجيش الفرنسي بسهولة على المماليك، حكّام مصر القدامى، الذين هبّوا لقتال الفرنسيين بمجرد وصولهم للبلاد. وقد ساعد انتصار بونابرت الأول على المماليك في فتح المجال أمامَه للتخطيط لمعركته التالية معهم، التي وقعت بعد أسبوع من المعركة الأولى بالقرب من مدينة القاهرة، على بعد 6 كيلومترات من أهرام الجيزة، وعُرفت باسم معركة الأهرام. حقق بونابرت انتصارًا باهرًا على المماليك في هذه المعركة، رغم أنهم فاقوا جيشه عددًا، فقد وصل عدد الخيالة المماليك إلى 60,000 فارس، بينما بلغ عدد الخيالة الفرنسيين 20,000، لكن القائد الفرنسي لجأ مرةً أخرى إلى أساليبه الحربية الباهرة، فجعل الجنود الفرنسيين تتخذ تشكيلات مربعة في وسطها كل العتاد اللازم، فكان الفرنسيون يطلقون النار على المماليك من جميع الجهات دون توقف، ولم يستطع هؤلاء قتال الفرنسيين بطريقة فعّالة لقِدم أساليبهم مقارنةً بالأساليب الأوروبية الحديثة. أسفرت المعركة عن مقتل 300 جندي فرنسي وحوالي 6,000 مصري.

    رأت الدولة العثمانية في احتلال بونابرت مصر اعتداءً عليها، ووقفت الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الروسية إلى جانب الدولة العثمانية، وعرضوا على الباب العالي المساعدة العسكرية، برًا وبحْرًا لإخراج الفرنسيين من مصر. وأصدر السلطان فرمانًا نادى فيه كل المسلمين للدفاع عن مهد الإسلام ضد الحملة الفرنسية، وقد أعلن البيان للشعب أن الفرنسيين الخالعين لأي إيمان، المحرِّفين لكل ما هو مقدّس في الدين، وفي البيانات الحكومية لأمتهم، أعلنوا الحرب على الإسلام من أجل القضاء على المؤمنين، ما عدا النساء والأطفال، لتحويل هؤلاء إلى مشركين. إلا أن هذا الفرمان لم يكن له التأثير المنتظر في نفس بونابرت، فقد اعتمد عند دخوله مصر على تعب الشعب من جَور المماليك، وعلى انشغال كل شبه الجزيرة العربية بحرب الوهابيين، وعلى عدم مبالاة العديد من سكان بلاد الشام بسبب إرهاق الولاة العثمانيين لهم منذ حوالي القرن من الزمن. وأجاب بونابرت على الكلام الذي صبه عليه السلطان العثماني بأن جعل من الصيت الذي أطلقه عند دخوله البلاد، أي اعتناقه الإسلام، واقعًا أمام أعين الناس، وذلك كي يتبرأ من كل الآثار التي خلفتها الحروب الصليبية في نفوس الشعب، وليقنع المسلمين بلاعدائيته تجاه دينهم، تظاهر في القاهرة بإسلامه مؤديًا الفرائض الدينية. أصبح نابليون بونابرت بهذا حاكمًا مسلمًا اسمه «بونابردي باشا»، وكان يطلق عليه المسلمون اسم «علي نابليون بونابرت»، وكان يتجوّل وهو مرتدٍ الملابس الشرقية والعمامة والجلباب. وكان يتردد على المسجد في أيام الجمعة ويسهم بالشعائر الدينية مثل الصلاة، وكوّن نابليون ديوانًا استشاريًا مؤلفًا من المشايخ والعلماء المسلمين مكونًا من 11 عالمًا ويرأسه الشيخ «عبد الله الشرقاوي». خاب أمل الباب العالي في أن يجعل من الحرب مع فرنسا حربًا وطنية، فاضطر بالتالي مع باشاواته أن يخوضوها بقواهم الخاصة تُساندهم القوى الحليفة الأوروبية. وبتاريخ 25 يوليو، قام العثمانيون بإنزال بري في مرفأ أبي قير وقاتلوا الجنود الفرنسية قتالاً شديدًا، لكنهم لم يقدروا عليها، فانتصرت الأخيرة انتصارًا ساحقًا.

    وبتاريخ 1 أغسطس من نفس العام، كان الأسطول البريطاني بقيادة القبطان «هوراشيو نيلسون»، قد أسر أو دمّر جميع السفن الفرنسية، عدا سفينتين، في معركة أبي قير البحرية، فأُحبط بهذا مشروع بونابرت الهادف إلى إقامة مركز فرنسي ممتاز في حوض البحر المتوسط، إلا أن جيشه كان قد نجح في بسط السلطة الفرنسية على مصر، على الرغم من تعرضه لانتفاضات ومقاومة مستمرة من قبل السكان. وما لبث أن انضم الأسطول العثماني والروسي إلى جانب الأسطول البريطاني لقتال الفرنسيين وإخراجهم من مصر، ولمّا رأى بونابرت تجمع الأساطيل الحليفة في البحر المتوسط، عزم على مفاجأة الدولة العثمانية باحتلال بلاد الشام قبل أن يستكمل العثمانيون استعداداتهم، فقام في أوائل سنة 1799 بتحريك 13,000 جندي من جيشه قاصداً سواحل الشام، فاحتل العريش وغزة ويافا والرملة وحيفا ووصل إلى صور في جنوب لبنان. كان الهجوم الفرنسي على مدينة يافا بالذات أكثر ضراوةً من غيره، فقد اكتشف نابليون بعد استسلام المدينة أن كثيرًا من الذين كانوا يدافعون عنها هم في واقع الأمر أسرى حرب سابقون يعملون مقابل إطلاق سراحهم لاحقًا، فأمر بإعدام جميع أفراد الحامية و1,400 أسير حرب من الذين ساهموا في الدفاع عن المدينة، باستخدام الحراب أو عن طريق الإغراق، وذلك كي يوفر رصاص البندقيات، وسمح لجنوده بنهب المدينة، فارتكبت الجنود عدّة فظائع طيلة 3 أيام، حيث نهب وقتل الكثير من السكان. ومن بين جميع مدن الساحل الشامي الجنوبي، وحدها مدينة عكا صمدت في وجه بونابرت، فلم يستطع الجنود الفرنسيون اقتحام حصونها لمناعتها، كما كان واليها «أحمد باشا الجزار» قد زوّد حاميتها بالمدافع، وكان الأسطول الإنگليزي بقيادة أمير البحر «سدني سميث» يُساعد رجال الجزار. عندما تساوت قوى الفريقين، ووقف كل من بونابرت والجزار يتربص بالآخر، التفت كل منهما إلى أمير لبنان «بشير الثاني الشهابي»، فوجدا فيه مرجّحًا لكفة من يُساعده فيما يُقدمه الأمير من رجال ومؤن، فكتب كل منهما إليه: أما بونابرت فقد طلب منه المساعدة ووعده بتوسيع حدود إمارته وتخليص بلاد الشام من حكم الجزار المتقلّب الذي دائما ما يخلف بوعوده ويغدر بمن حوله؛ وأما الجزار فأصرّ على الأمير أن يمده بجيش ليقاوم الحملة الفرنسية، ووعده مقابل ذلك بإعادة مدينة بيروت إلى إمارته. لكن بشيراً اتخذ موقفًا محايداً من كلا الطرفين، فسكت عن الرد على رسالة بونابرت، وتجاهل المؤن التي زود بعض الأهالي بها الجيش الفرنسي، وردّ على الجزار يعتذر عن تقاعسه في نجدته، زاعماً أن أهل البلاد امتنعوا عن طاعته بعد أن بلغهم أن الجزار عزله عن الحكم، وولّى مكانه أبناء سلفه، الأمير «يوسف الشهابي».

    إزاء مناعة حصون عكا، ووصول النجدات العثمانية إليها، واشتراك الأسطول البريطاني في مساعدة العثمانيين، وشدة وطأة وباء الملاريا ثم الطاعون اللذين فتكا بالجنود الفرنسيين فتكًا ذريعًا، اضطر بونابرت إلى رفع الحصار عن عكا والتراجع إلى مصر في شهر مايو من سنة 1799. ولكي يسرّع من تحرك الجيش، أمر بأن يُدس السم لكل جندي مُصاب بالمرض كي لا يكون هناك ما يُلكئ المسيرة. وقد قال مؤيدو نابليون إن هذه الخطوة كانت ضرورية نظرًا للمناوشات المستمرة التي قامت بها القوات العثمانية، وأنه بحال كان قد ترك أي من الجنود المُصابين على قيد الحياة لكان العثمانيون قتلوهم بعد أن يعذبوهم عذابًا شديدًا.

    العودة إلى فرنسا

    بقي نابليون على اطلاع بالشؤون والأوضاع الأوروبية طيلة فترة وجوده في مصر، وذلك عن طريق مطالعته للصحف والبرقيات الفرنسية التي كانت تصله بشكل متقطع. فاكتشف أن الدول الأوروبية تألبت على فرنسا، فهزمتها في حرب الائتلاف الثانية واستردت منها ما كان قد كسبته. وبتاريخ 24 أغسطس سنة 1799، اغتنم بونابرت فرصة الانسحاب المؤقت للسفن البريطانية من على سواحل فرنسا وأبحر مسرعًا إليها، رغم عدم تلقيه أية أوامر من باريس بالعودة، وترك للواء «جون بابتيست كليبير» قيادة القوة الفرنسية. كانت حكومة الإدارة في واقع الأمر قد أرسلت إلى بونابرت تطلب منه الرجوع إلى فرنسا لصد أي هجوم أو غزو محتمل للبلاد، لكنه لم يعلم بذلك نظرًا لعدم وصول الرسالة إليه بسبب ضعف وسائل النقل والمواصلات في ذلك الزمن.

    حكم فرنسا

    كان الوضع العام في فرنسا قد تحسن بعض الشيء عند وصول نابليون في شهر أكتوبر، ذلك أن الجمهورية كانت قد حققت سلسلة من الانتصارات على بعض الدول المجاورة. إلا أن ذلك تركها مفلسة، وكانت حكومة الإدارة قد أصبحت ضعيفة، منقسمة على نفسها، مكروهة من قبل الشعب. وما أن علِم أعضاء الحكومة بعودة بونابرت حتى اجتمعوا لينظروا في توقيع العقوبة الملائمة عليه نظرًا لتخلفه عن تلبية نداء الواجب، عندما أرسلوا إليه بالرسالة التي طالبوه فيها بالعودة، إلا أن الحكومة كانت قد بلغت من الضعف حدًا لم تستطع معه فرض أي عقوبة على قائد بحجم بونابرت.

    عرض أحد أعضاء حكومة الإدارة، واسمه «عمانوئيل جوزيف سيس»، على نابليون أن يدعمه في انقلاب للإطاحة بالحكومة الدستورية وإقامة حكومة جديدة بدلاً منها، بعد أن أصبحت الأولى شديدة الوهن ولا تقوى على النظر في شؤون البلاد والعباد. شملت قائمة رؤساء هذه الخطة: «لوسيان بونابرت» شقيق نابليون؛ رئيس مجلس الخمسمائة «روجيه دوكو»؛ «جوزيف فوشيه» وهو عضو آخر من أعضاء حكومة الإدارة؛ وتاليران. وفي التاسع من نوفمبر، الموافق في الثامن عشر من شهر برومير—بحسب التقويم الفرنسي—كُلّف نابليون بحماية وضمان سلامة المستشارين التشريعيين، الذين نقلوا مركز أعمالهم إلى «قصر القديس كلو» الواقع غرب باريس، بعد أن سرت إشاعة مفادها أن اليعاقبة يعقدون العزم على القيام بثورة والإطاحة بالمستشارين قبل أن تبصر الحكومة الجديدة النور. وفي اليوم التالي، شعر أعضاء حكومة الإدارة أنهم كادوا أن يتعرضوا لانقلاب في اليوم الفائت، فاستنكروا هذا الفعل أشد الاستنكار، فما كان من نابليون إلا أن قاد بضعة جنود وعزل أعضاء الحكومة بالقوة واستولى على الحكم وجعل مكان الحكومة القديمة حكومة جديدة مكونة من ثلاثة قناصل: «سيس»، «دوكو»، وهو نفسه. وقد أيّد الشعب الفرنسي هذا التدبير.

    عهد القنصلية

    كان سيس يعتقد أنه سيُسيطر على الحكومة الجديدة بمنتهى السهولة، نظرًا لأنه هو من كان صاحب فكرة الانقلاب منذ البداية، إلا أن نابليون كان أكثر دهاءً وأشد مكرًا منه، حيث قام بصياغة العديد من مواد الدستور، الذي عُرف بدستور السنة الثامنة، بنفسه بشكل يضمن انتخابه لمنصب القنصل الأول، وبعد إجراء الانتخابات فاز نابليون بالمنصب سالف الذكر، فانتقل للسكن في قصر التويلري الذي اتخذ منه ملوك فرنسا مقرًا لهم في السابق. وبهذا أصبح بونابرت رسميًا أقوى شخص في فرنسا.

    بعد أن تولى نابليون السلطة وأصبح قنصلاً، اهتم بدفع الخطر عن فرنسا، فقد كانت الدول الأوروبية، وخصوصًا النمسا، استرجعت أثناء وجوده في مصر جميع الأراضي تقريبًا، التي كان قد غنمها منها. فقام نابليون سنة 1800، بتجهيز جيش قوي في السر واجتاز به جبال الألب فوصل إلى شمالي إيطاليا. بدأت الحملة بشكل سيئ بالنسبة للفرنسيين بعد أن ارتكب بونابرت بضعة أخطاء إستراتيجية؛ فقد تُركت إحدى الفرق العسكرية مُحاصرة في مدينة جنوة، لكنها استطاعت الصمود في وجه النمساويين وإشغالهم والاستيلاء على بعض مؤنهم. وقد سمح هذا الأمر، إضافةً للقوات الإضافية التي أتى بها اللواء الفرنسي «لويس دوزيه» في الوقت الملائم، لنابليون أن يتفادى الهزيمة الوشيكة ويحقق نصراً كبيراً على النمساويين في «معركة مرنگو». ترأس «جوزيف»، شقيق نابليون، مفاوضات السلام مع النمسا في مدينة لونڤيل، وفي أثناء إجراء المفاوضات أرسل إلى نابليون يقول إن النمسا، تدعمها بريطانيا، لا تعترف بسلطان فرنسا على الأراضي التي اكتسبتها حديثًا. وفيما ازدادت حدّة المفاوضات، أصدر نابليون أوامره إلى اللواء «جون مورو» بأن يوجه ضربةً جديدة إلى النمسا، ففعل الأخير ما أُمر به وقاد فرنسا إلى النصر في «معركة هونليندن»، فاضطرت النمسا أن توقع على معاهدة السلام في شهر فبراير من سنة 1801، وأن تعيد إلى فرنسا ما كسبته منها إلى جانب بعض الأراضي الجديدة، وأن توافق على التدابير التي اتخذتها فرنسا من أجل تأمين سلامتها.

    السلام المؤقت في أوروبا

    وبعد انتهاء هذه الحرب مع النمسا، أقام بونابرت قاعدةً عسكرية في مدينة بولونيا البحرية الواقعة على ساحل بحر المانش، استعدادًا لغزو بريطانيا، إلا أن كلتا الدولتين كانتا قد أنهكتا إنهاكًا شديدًا من الناحية البشرية والاقتصادية، بفعل الحروب المستمرة، فأبرمتا معاهدة أميان في شهر أكتوبر من عام 1801 وأكملتا التصديق على بنودها في شهر مارس من سنة 1802؛ وتضمنت هذه المعاهدة انسحاب القوات البريطانية من معظم المستعمرات التي احتلتها مؤخرًا في حوض البحر المتوسط خصوصًا. كانت هذه الفترة من السلم من أخصب أيام نابليون وأنفعها لفرنسا وللحضارة العالمية، لكنها بقيت غير مستقرة ولم تدم طويلاً؛ إذ أن بريطانيا لم تنسحب من جزيرة مالطا كما كانت قد وعدت، واعترضت على ضم نابليون لإقليم بييمونتي الإيطالي إلى فرنسا وعلى إصداره لمرسوم الإصلاح الذي أنشأ بموجبه كونفدرالية سويسرية جديدة، رغم أن المعاهدة لم تنص على عدم جواز إتيان فرنسا مثل هذه الأفعال في تلك المناطق من أوروبا. تُوج هذا الخلاف بين الدولتين بإعلان بريطانيا الحرب في شهر مايو من سنة 1803، فقام نابليون باستكمال تجهيز القاعدة العسكرية في «بولونيا البحرية» بالرجال والعتاد اللازمة، وعقد العزم على غزو بريطانيا والقضاء عليها نهائيًا.

    وفي تلك الأثناء كانت فرنسا تواجه مشكلة في مستعمرة هاييتي الواقعة قبالة شواطئ أمريكا الوسطى، ذلك أن نابليون كان قد أعاد إقرار صحة الإتجار بالرقيق في قانون 20 مايو لسنة 1802 في جميع المستعمرات الفرنسية، ملغيًا بذلك قانون 4 فبراير لسنة 1794 الذي كان قد قضى على العبودية نهائيًا في تلك المستعمرات، فثار سكان ذاك القسم من جزيرة هيسپانيولا، وبشكل خاص المستعبدون منهم، ثاروا على الفرنسيين وقاوموهم وتكبد كلا الطرفين خسائر بشرية كبيرة. أرسل نابليون بعد أن علم بهذه الثورة جيشًا، ليستعيد السيطرة على القسم الغربي من الجزيرة المعروف باسم «القديس دومينيك»، وليُقيم قاعدةً فرنسية هناك، إلا أن ذلك الجيش لم يستطع فعل شيء، إذ أُفني عن بكرة أبيه بفعل انتشار الحمى الصفراء بين الجنود وبسبب المقاومة الشديدة التي أبداها القادة العسكريون الهاييتيون، مثل اللواء «توسان لوفرتور» و«جان جاك ديسالين». وما إن بدأت الحرب مع بريطانيا تلوح بالأفق، وتبين لبونابرت أنها واقعة قريبًا لا محالة، قام ببيع حصة فرنسا من الأراضي في أمريكا الشمالية إلى الولايات المتحدة، خصوصًا أنه لم يكن بالإمكان الدفاع عنها ضد البريطانيين بحال زحفوا عليها من مستعمراتهم الكندية شمالاً. أضف إلى ذلك أن الخزينة الفرنسية كانت على شفير الإفلاس، وكانت الدولة بحاجة إلى موارد مالية تستطيع بواسطتها أن تُنفق على الجيش في الحرب القادمة. حصلت الولايات المتحدة على الأراضي التي شكّلت مستعمرة لويزيانا الفرنسية مقابل أقل من 3 سنتات للفدان الواحد (7.40$ للكيلومتر المربع).

    الإصلاحات

    كانت العلاقات الودية بين الدولة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية قد انقطعت إبان الثورة. ولما تولى نابليون الحكم رأى أن المصلحة تقتضي إعادة التفاهم بين الكنيسة وفرنسا. وبعد مفاوضات استمرت عدّة أشهر، عقد مع البابا «پيوس السابع» معاهدة بابوية سنة 1801. فاعترف نابليون في هذه المعاهدة بالبابا رئيسًا للكنيسة وأزال بعض القيود التي فرضتها الثورة على رجال الدين. ومقابل ذلك اعترف البابا بمصادرة أملاك الكنيسة على أن تدفع الدولة رواتب رجال الدين. ووافق البابا كذلك على أن يختار نابليون الأساقفة وأن يُعين هؤلاء رجال الدين الذين هم دونهم. وبهذا الاتفاق عادت المياه إلى مجاريها بين فرنسا والبابا.

    كان في فرنسا قبل الثورة ما يقرب من ثلاثمئة قانون يختلف الواحد منها عن الآخر. وكانت جميعها نافذة في المناطق الفرنسية المختلفة. فألّف نابليون لجنة من كبار رجال القانون وطلب منها توحيد الشرع الفرنسي. وبعد بضع سنوات من العمل الشاق أخرجت تلك اللجنة للعالم في سنة 1804 قانونًا مدنيًا عُرف باسم «قانون نابليون» وهو ينص على حقوق الأفراد وواجباتهم وعلى أمور الزواج والطلاق والميراث وغير ذلك. كذلك أنشأ نابليون في سنة 1801 «مصرفَ فرنسا» ومنحه حق إصدار الأوراق المالية. فاستعاد النقد الفرنسي قيمته وثقة الناس به بعد أن كانت تلك الثقة قد زُعزِعَت خلال الثورة.

    كانت الثورة قد قضت على نظام الطبقات وجعلت الناس سواسية. ولكن نابليون أنشأ طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات لا ترتكز على الحسب والنسَب كالسابق، بل على الخدمات جليلة الشأن التي يُقدمها الفرد لوطنه. وتكون هذه الامتيازات على شكل أوسمة وألقاب تُمنح لمستحقيها من رجال العلم والأدب والسياسة والفن وغيرها. وعُرف هذا النظام باسم نظام «جوقة الشرف»، ولا يزال معمولاً به في فرنسا حتى الوقت الحاضر.

    أدرك نابليون أهمية المدارس في توجيه النشء فقرر أن يجعلها في يد الدولة وتحت إشرافها، فوضع نظامًا للتعليم يتألف من ثلاث مراحل هي مرحلة التعليم الابتدائي ومرحلة التعليم الثانوي ومرحلة التعليم العالي. وكان يُطلق على معاهد التعليم العالي اسم «الجامعة» أو «جامعة فرنسا». وقد اختير بونابرت سنة 1801 رئيسًا للأكاديمية الفرنسية للعلوم، فعيّن بدوره عالم الفلك والرياضيات جان باتيست جوزيف ديلامبر أمينًا دائمًا لها. ولمّا كان نابليون يُعين كبار موظفي الجامعة بنفسه استطاع أن يُخضع معاهد التعليم في فرنسا لإشرافه المباشر. وكان نابليون يفرض على المدارس أن تُلقن طلابها الولاء والإخلاص للوطن والمحبة والطاعة لشخصه. وكانت الحكومة تنفق على معظم هذه المدارس وتعتبر المدرّسين فيها من موظفي الدولة. غير أن هذا المنهاج لم يُنفّذ بكامله بسبب المبالغ الكبيرة التي يتطلبها تحقيقه، وبقي نصف الطلاب الفرنسيين تقريبًا يتلقون العلم في المدارس الخاصة التي كان معظمها تابعًا للكنيسة الكاثوليكية. اتسعت سلطة نابليون مع ولادة دستور السنة العاشرة، حيث جاء في المادة الأولى منه:. بعد ذلك لم يعد أحد يرمز إليه باسم «بونابرت» بل باسم «نابليون».

    إن مشاغل نابليون الكثيرة لم تصرفه عن الاهتمام بالمشاريع العمرانية العامة. فأنشأ شبكة طويلة من الطرق وبنى الجسور وحفر الأقنية وطوّر شبكات الصرف الصحي وجفف المستنقعات ووسع المرافئ الكبيرة وجمّل مدينة باريس وشيّد في وسطها قوس النصر تخليدًا لذكرى انتصاراته. ونشّط الزراعة والصناعة والتجارة والعلوم والفنون بمختلِف الوسائل.

    عهد الإمبراطورية

    تعرّض نابليون بصفته حاكم فرنسا لعدد من المؤامرات الهادفة لاغتياله، والتي حاكها ضده الملكيين واليعاقبة، وقد شملت هذه «مؤامرة الخناجر» في أكتوبر من عام 1800، و«مؤامرة شارع القديسة نيسيز» بعد شهرين من المؤامرة الأولى. وفي شهر يناير من سنة 1804، كشفت الشرطة مؤامرة جديدة تهدف للتخلص من بونابرت، كان أحد مخططيها هو اللواء «جون مورو» الذي أخضع النمسا للشروط التي فرضتها عليها فرنسا في مفاوضات السلام بعد معركة مرنگو قبل 3 سنوات من ذلك التاريخ، كما تبين أن هذه المؤامرة كانت برعاية ومباركة آل بوربون، حكّام فرنسا السابقين. أمر نابليون باعتقال دوق إنيان، المدعو «لويس أنطوان»، وهو أحد أقارب أسرة بوربون، بناءً على نصيحة من تاليران، رغم أن هذا الأمر كان يُشكل خرقًا لسيادة ولاية بادن الألمانية المجاورة، حيث كان الدوق يقطن. أعدم الأخير بعد محاكمة سرية، حتى أنه لم يكن طرفًا في المؤامرة ضد نابليون.

    استغل نابليون هذه المؤامرات التي هدفت للقضاء عليه ليُبرر إلغاءه نظام القنصلية وإعادة إنشاء نظام ملكي وراثي في البلاد، يحمل فيه لقب الإمبراطور، وبهذا يكون أيضًا قد وضع الكثير من العوائق في درب آل بوربون، وجعل من الصعب عليهم أن يعودوا للتربع على عرش فرنسا، خصوصًا وأن الخلافة البونابرتية ستكون قد أصبحت مرسخة في الدستور الفرنسي بعد قيام النظام الجديد. توّج نابليون نفسه إمبراطورًا بتاريخ 2 ديسمبر سنة 1804 في كاتدرائية نوتردام في باريس بحضور البابا، ثمّ توّج زوجته «جوزفين». وهناك رواية تفيد بأن نابليون سحب التاج من يديْ البابا «پيوس السابع» أثناء الحفل وتوّج نفسه بنفسه كي لا يخضع للسلطة البابوية، إلا أن معظم المؤرخين يقولون إن هذه الرواية مشكوك في صحتها؛ إذ إن إجراءات التتويج كان قد اتُفق عليها مسبقًا بحسب الرأي الغالب. تُوج نابليون ملكًا على إيطاليا بتاريخ 26 مايو سنة 1805 في كاتدرائية ميلان، ثم أنشأ طائفة «مشيرو فرنسا» المكونة من أكبر ألوية جيشه وأكثرهم إخلاصًا، ليضمن وفاء الجيش الدائم له. كان الموسيقار الألماني «لودڤيغ ڤان بيتهوڤن» من أشد المعجبين ببونابرت ونبوغه العسكري والسياسي، لكن أمله خاب عندما حوّل الأخير نظام الحكم في فرنسا إلى نظام إمبريالي، فشطب القطعة الموسيقية التي كان قد كتبها ولحنها خصيصاً للقائد الفرنسي من سمفونيته الثالثة.

    حرب الائتلاف الثالث

    بينما كان نابليون يتهيأ لغزو بريطانيا في سنة 1805، كانت حكومتها قد أقنعت كل من النمسا والإمبراطورية الروسية بالدخول معها في حلف لمحاربة فرنسا، وكان نابليون يُدرك عجز البحرية الفرنسية عن الدخول وجهًا لوجه في معركة مع البحرية الملكية البريطانية، لذا قام برسم خطة لاستدراج السفن البريطانية بعيدًا عن القناة الإنگليزية، حتى تتمكن السفن الفرنسية من قتالها بشكل أفضل. وكانت الخطة تقضي بأن تقوم البحرية الفرنسية بخرق الحصار البريطاني لمدينة طولون وبريست والتوجه نحو جزر الهند الغربية، المستعمرة البريطانية، والتهديد بقصفها، فتضطر عندئذ البحرية الملكية أن تنسحب من على حدود بريطانيا الغربية للدفاع عن تلك المستعمرة، فتقوم فرنسا بالتعاون مع حليفتها إسبانيا بإرسال أسطول مشترك للسيطرة على القناة لفترة تسمح بعبور الجيوش الفرنسية من شمال فرنسا إلى إنگلترا. إلا أن انتصار البريطانيين في معركة «رأس فينيستر» البحرية في شهر يوليو من سنة 1805، وانسحاب أمير البحر «پيير شارلز ڤيلنوڤ» إلى ميناء مدينة قادس، جعل نابليون يُدرك عجز قواته وعدم تمكنه من الوصول إلى بريطانيا لمحاربتها في عقر دارها.

    بعد أن غضّ نابليون الطرف عن غزو بريطانيا، أمر جيشه المتمركز بشمال فرنسا بالزحف سرًّا على ألمانيا، في حملة أطلق عليها اسم «حملة أولم»، فأحاط الجيش الفرنسي بالقوات النمساوية التي كانت على وشك أن تُهاجم فرنسا، قاطعًا بذلك خطوط التواصل بينها، وهزمها هزيمةً كبيرة في مَعْرَكة أولمْ بتاريخ 20 أكتوبر سنة 1805. قبض الفرنسيون على 30,000 أسير في تلك المعركة، إلا أنهم منيوا بهزيمة ضخمة في اليوم التالي، عندما انتصر أمير البحر البريطاني «هوراشيو نيلسون» على الأسطول الفرنسي في «معركة طرف الغار» قرب الشاطئ الإسباني، مما جعل بريطانيا تبسط سيطرتها على البحار. وبعد ستة أسابيع من هذه الحادثة، وفي اليوم الذي يوافق الذكرى الأولى لتربع بونابرت على العرش، هزم الجيش الفرنسي الجيشين النمساوي والروسي في «معركة أوسترليتز». كانت نتيجة هذا الانتصار أن انتهت حرب الائتلاف الثالث، فأمر نابليون عند ذلك بالبدء ببناء قوس النصر في وسط مدينة باريس لتخليد ذكرى هذا النصر، ثم توجه إلى مدينة ڤيينا عاصمة النمسا، وفرض عليها شروطًا قاسية للصلح. اضطرت النمسا إلى أن تتنازل عن المزيد من الأراضي لصالح فرنسا، وأن توقع على معاهدة سلام پراسبورغ التي قضت نهائيًا على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأدّت لولادة «اتحاد الراين» الذي سُمي نابليون «مرشدًا» و«حاميًا» له.

    قال نابليون عن معركة أوسترليتز إنها «أروع معركة خضتها في حياتي». يقول المؤرخ «فرانك مكلين» إن نابليون بلغ من النجاح حدًا في أوسترليتز جعله يفقد إحساسه بالواقع، وإن ما كان يُعد سابقًا سياسة فرنسية خارجية، أصبح في ذلك الوقت يُعد «سياسة نابليونية خاصة»، أي بتعبير آخر أصبح نابليون يُمثل فرنسا من جميع النواحي، حتى من ناحية الشعب، فإرادته الخاصة وفقًا لهذا المؤرخ هي إرادة الشعب الفرنسي. إلا أن المؤرخ البريطاني «ڤينس كرونين» يقول إن نابليون لم يقم بتلك الحملة وما تلاها تحقيقًا لطموح شخصي، بل «تحقيقًا لطموح ثلاثين مليون فرنسي»، أي أن الفرنسيين أنفسهم كانوا راغبين وموافقين على ما قام به نابليون واعتبروه يُحقق مصلحة بلادهم.

    التحالف مع العثمانيين والفرس

    استمر نابليون يأمل بأن يُنشئ لفرنسا مركزًا ممتازًا في الشرق الأوسط، حتى بعد فشل حملته المصرية، وذلك كي يضغط على الحدود الجنوبية للإمبراطورية الروسية ويُحاصرها من تلك الجهة. جهد نابليون جهدًا عظيمًا بدءًا من سنة 1803 ليُحاول إقناع الدولة العثمانية بالدخول معه في حلف ضد الإمبراطورية الروسية ومحاربتها في بلاد البلقان، فأرسل اللواء «هوراس سبستياني» لتجديد رباط الاتحاد والوداد مع الدولة، حاملاً معه خطابًا من بونابرت إلى السدة السلطانية يعد فيه الإمبراطور السلطان «سليم الثالث» بالمساعدة على استعادة الولايات والإمارات العثمانية المفقودة لمصلحة روسيا. وبعد انتصار نابليون في معركة أوسترليتز وما تلاها من تقطيع لأوصال إمبراطورية هابسبورغ التابعة للنمسا، اعترف السلطان بنابليون إمبراطوراً على فرنسا، وأعلن رسميًا أن الإمبراطورية الفرنسية هي ""، وأعلن الحرب على كل من بريطانيا وروسيا في وقت لاحق. كذلك، أنشأ نابليون حلفًا مع الدولة القاجارية ضد روسيا وبريطانيا، استمر منذ سنة 1807 حتى سنة 1809. انتهى هذان الحلفان عندما عادت فرنسا وتحالفت مع روسيا وحولت انتباهها إلى أوروبا من جديد.

    حرب الائتلاف الرابع

    تشكل الائتلاف الرابع من الدول لمحاربة فرنسا في سنة 1806، بعد هزيمة النمسا وروسيا في معركة أوسترليتز، وضمّ كلًا من: بروسيا، روسيا، بريطانيا، ساكسونيا، السويد، وصقلية. وفي ذات السنة وقع خلاف بين نابليون وبروسيا، فتقدمت الجيوش الفرنسية بسرعة خاطفة وهزمت البروسيين في «معركة يينا» واحتلت عاصمتهم برلين، فانسحب «فريدريش ڤيلهام الثالث» ملك بروسيا إلى ناحية الشرق كي ينضم لحليفته روسيا التي أرسلت جيشًا لنجدته. لكن نابليون زحف على الجيش الروسي المتقدم عبر بولندا وقاتلهم قتالاً دمويًا في «معركة إيلاو» أُزهقت فيه أرواح الكثير من الجنود الفرنسية والروسية، وانتهى بتراجع الجيش الروسي من مواقعه في السادس من فبراير سنة 1807.

    لاحق نابليون الجيش الروسي المنسحب إلى بروسيا الشرقية، وهزمه والبروسيين معًا في معركة فريدلند، وبعد هذا النصر الحاسم، أبرم نابليون معاهدتين عُرفتا باسم «معاهدتي تيلزينت» تيمنًا بمدينة تيلزينت الواقعة في روسيا، فاقتسم بموجب إحداها السلطة في أوروبا مع القيصر الروسي «ألكسندر الأول»؛ أما الثانية التي أُبرمت مع بروسيا، فاقتطع بموجب نصوصها جميع أراضي تلك الدولة التي تقع غربي نهر الألب، وجميع الأراضي التي غنمتها في التقسيمين الثاني والثالث من بولندا، وصنع من ذلك دويلات جديدة، نصب على عروشها بعض أقربائه وأصدقائه، مثل شقيقه «جيروم» الذي توّجه ملكًا على مملكة وستفاليا. كذلك أنشأ نابليون «دوقية وارسو» في الجزء الذي سيطرت عليه فرنسا من بولندا، ونصب على عرشها الملك «فريدريك أغسطس الأول».

    لمّا أخضع نابليون أوروبا كلها تقريبًا لسيطرته وعجز عن بريطانيا، عمد إلى محاربتها اقتصاديًا. فحرّم على جميع الدول الأوروبية المتاجرة معها، عن طريق إصداره لمرسومين إمبراطوريين، أحدهما في مدينة ميلان والآخر في برلين، يُحرمان جميع أعمال التجارة كالاستيراد والتصدير مع المملكة المتحدة. إلا أن هذه الحرب الاقتصادية لم يُكتب لها النجاح، إذ أن بريطانيا ردّت عليه بالمثل، فمنعت المتاجرة مع فرنسا، وضربت حصارًا على القارة الأوروبية، كذلك نشطت أعمال التهريب من وإلى بريطانيا، ولم يستطع ضبّاط الجمارك الفرنسيون أن يفعلوا شيئًا لإيقافها.

    حرب شبه الجزيرة الأيبيرية

    كانت البرتغال صديقةً لبريطانيا، فلم تنقطع عن التعامل معها، مخالفةً بذلك المراسيم الإمبراطورية التي أصدرها نابليون، فاتفق الأخير مع حليفته إسبانيا على غزوها واقتسامها بينهما. وفي سنة 1807 نفذا هذه الخطة بنجاح وهربت العائلة المالكة إلى أكبر مستعمراتها «البرازيل» وبقيت هناك حتى بعد إقصاء نابليون عن العرش. ولكن نابليون كان يطمع في إسبانيا نفسها، فأبقى جيشه فيها بحجة الحلف القائم بين الدولتين، وأجبر ملكها «كارلوس الرابع» على التنازل عن العرش، وتوّج أخاه «جوزيف» ملكًا عليها في سنة 1808، وجعل في منصب الأخير السابق، كملك على ناپولي، صهره «يواقيم مراد». أثار تصرف بونابرت شعور الشعب والجيش الإسباني الذي هبّ لمحاربة الفرنسيين بدءًا من 2 مايو سنة 1808، فيما عُرف باسم «انتفاضة الثاني من مايو». هزم نابليون الجيش الإسباني، بعد أن كان الأخير قد نجح في التغلب على الفرنسيين وإخراجهم من مدينة مدريد واسترجاع العديد من الأراضي المفقودة، كذلك تمكن نابليون من هزيمة فرقة عسكرية بريطانية أرسلت لدعم الثوّار الإسبان، ودفع بالجنود نحو الشاطئ الشمالي لشبه الجزيرة الأيبيرية. وقبل أن يتم إخضاع الشعب الإسباني بالكامل، كانت النمسا قد أعلنت الحرب مجددًا على فرنسا، فاضطر نابليون إلى أن يترك إسبانيا ويعود إلى بلاده.

    بقيت حرب شبه الجزيرة الأيبيرية مشتعلةً في غياب نابليون، وكلّفت فرنسا وإسبانيا ثمنًا باهظًا من الناحية البشرية والمالية؛ ففي الحصار الثاني لمدينة سرقسطة، لحق الدمار بمعظم أنحاء المدينة، وقُتل ما يزيد عن 50,000 شخص من سكانها. وعلى الرغم من أن نابليون كان قد ترك ثلة من نخبة جنوده، الذين وصل عددهم إلى 300,000 جندي، لقتال المقاومين الإسبان إلى جانب القوات البريطانية والبرتغالية بقيادة «آرثر ويلزلي» الدوق الأول لولينگتون، إلا أن السيطرة الفرنسية على شبه الجزيرة استمرت بالتضعضع والانهيار شيئًا فشيئاً. استمرت هذه الحرب عدّة سنوات، وكانت في واقع الأمر أول خطوة نحو انهيار نابليون، ولم تنته إلا عندما تنازل الأخير عن العرش سنة 1814. وصف نابليون حرب شبه الجزيرة الأيبيرية في وقت لاحق على أنها كانت محور هزيمته النهائية، فكتب في مذكراته يقول:.

    حرب الائتلاف الخامس والزواج الثاني

    عندما كان نابليون منهمكًا في إخضاع الثورة الإسبانية، قامت النمسا فجأة بفض تحالفها مع فرنسا، وذلك في شهر أبريل من عام 1809، وهبت للانقضاض على بونابرت بتحريض من بريطانيا، فاضطر نابليون إلى أن يترك إسبانيا ويقود الجيش الفرنسي المرابط على نهر الدانوب والحدود الألمانية بنفسه. انتصر الفرنسيون في بادئ الأمر على النمساويين في بعض المعارك الصغيرة، لكنهم عادوا وواجهوا صعوبة في عبور الدانوب، فهُزموا بالقرب من ڤيينا في «مَعْرَكة أسبِيرنْ-إيسِلينج» بتاريخ 22 مايو من نفس العام. لكن النمساويين فشلوا في الاستفادة من الوضع وما لحق بالجيش الفرنسي، الأمر الذي أعطى نابليون الفرصة ليُعيد تنظيم الصفوف ويقهر الجيش النمساوي في «معركة ڤاگرام». توجه نابليون بعد انتصاره إلى مدينة ڤيينا، عاصمة النمسا، حيث أملى شروط الصلح ووقع مع النمساويين «معاهدة شونبرون»، التي قضت بسلخ أجزاء مهمة أخرى من الإمبراطورية النمساوية المجرية.

    كانت بريطانيا ترغب في فتح جبهة جديدة في البر الأوروبي موجهة نحو فرنسا، إلى جانب الجبهة الأيبيرية، فقام البريطانيون بالتخطيط لحملة هولندية عُرفت باسم «حملة ڤالخرن»، لكنهم ما أن بدأوا بتنفيذها حتى أرسل نابليون تعزيزات عسكرية إلى مدينة أنتويرب البلجيكية القريبة من هولندا، محبطًا بذلك خطة بريطانيا في الهجوم على فرنسا. قام بونابرت بعد ذلك باحتلال الدولة البابوية بسبب رفض الكنيسة دعم حربه الاقتصادية على بريطانيا؛ فرد البابا «پيوس السابع» بحرمان الإمبراطور حرمانًا كنسيًا. وبعد هذا الفعل الذي أتاه البابا، قام الضباط الفرنسيون باعتقاله، على الرغم من أن بونابرت لم يأمر بذلك، إلا أنه بالمقابل لم يأمر بإطلاق سراحه عندما علم بما جرى. نُقّل البابا عبر طول الأراضي الخاضعة لنابليون وعرضها، حتى في الفترات التي كان يُعاني خلالها من نوبات مرضيّة، واستمر نابليون يُرسل له وفودًا تضغط عليه للموافقة على بعض الأمور، بما فيها التوقيع على معاهدة بابوية جديدة مع فرنسا، إلا أن «پيوس» رفض ذلك. تزوج نابليون في سنة 1810 من ابنة الإمبراطور النمساوي «ماري لويز» أرشيدوقة بارما، بعد أن تطلّق من «جوزفين»؛ الأمر الذي أدى لمزيد من التوتر في علاقته مع الكنيسة، حيث رفض ثلاثة عشر كاردينالاً حضور حفل زفافه، فأمر بسجنهم جميعًا. بقي البابا في الأسر طيلة 5 سنوات ولم يرجع إلى روما حتى شهر مايو من سنة 1814.

    وافق نابليون على تربع «كارل يوحنا الرابع عشر» ملكًا على السويد في شهر نوفمبر من سنة 1810، والأخير كان يعمل مشيرًا في خدمة بونابرت وفرنسا منذ الثالث من سبتمبر سنة 1780، وعُرض عليه التاج بعد أن توفي ولي العهد السويدي إثر أزمة قلبية، وتنازل له الأمير الذي يليه في المرتبة عن المنصب. كان نابليون قد وافق على تولّي المشير السابق عرش السويد إكرامًا لخطيبته السابقة «ديزيريه كلاري» التي تزوج منها «كارل يوحنا»، لكنه عاد وندم على موافقته هذه وعلى إبقائه للأخير على قيد الحياة، عندما أقدم يوحنا على التحالف مع أعداء فرنسا لاحقًا.

    غزو روسيا

    كان نابليون قد عقد مؤتمرًا في مدينة إرفورت بألمانيا، امتد من 27 سبتمبر إلى 14 أكتوبر من سنة 1808، وعُرف باسم «مؤتمر إرفورت»، مع القيصر «ألكسندر الأول»، نصا فيه على توثيق العلاقات بين الإمبراطوريتين الفرنسية والروسية وعلى اتخاذ كل منهما للآخر حليفًا، أضف إلى ذلك أن القائدين كانت تجمعهما صداقة حميمة منذ أن التقيا للمرة الأولى في مدينة تيلزينت سنة 1807. إلا أنه بحلول عام 1811، كان التوتر قد تصاعد بين الدولتين، وكان القيصر يتعرّض لضغوط كثيرة من قبل النبلاء ليفض الحلف مع فرنسا. وكانت أولى بوادر انحلال هذا الحلف تعامل روسيا باللين مع المملكة المتحدة، متجاهلةً الحرب الاقتصادية التي فرضها عليها نابليون، الأمر الذي أثار غضب الأخير. وفي سنة 1812، اقترح المستشارون على القيصر ضرب عصفورين بحجر واحد: غزو فرنسا والقضاء على نابليون، واسترجاع بولندا بعد انحلال الإمبراطورية الفرنسية. وصلت أنباء الاستعدادات الروسية للحرب إلى نابليون عن طريق تقارير الاستخبارات الفرنسية، فجهّز جيشًا ضخمًا وصل تعداده إلى 450,000 رجل وزحف به على روسيا بتاريخ 23 يونيو سنة 1812، متجاهلاً النصائح المستمرة التي قدمها له المستشارون بعدم غزو الأراضي الروسية الداخلية بسبب مساحتها الشاسعة ومناخها القاسي المختلف عمّا اعتاد عليه الجنود الفرنسيون.

    أطلق نابليون على هذه الحرب اسم ""، وذلك في محاولة منه لكسب تأييد البولنديين الوطنيين، وكانت الحرب البولندية الأولى قد وقعت قبل ذلك في سنة 1768، وخاضتها روسيا ضد «اتحاد بار»، وهو اتحاد مكوّن من النبلاء البولنديين الذين رفضوا تدخل روسيا في شؤون بلادهم وتحالف ملكهم «ستانيسلاڤ أوغست بونياتوڤسكي» مع الروس. وكان الوطنيون البولنديون يرغبون بأن يُضم القسم الروسي من بولندا إلى دوقية وارسو حليفة فرنسا، وتكوين دولة بولندية مستقلة. رفض نابليون هذا الطلب قائلاً أنه قد وعد حليفته النمسا بأن لا يحصل شيء من هذا على الإطلاق. كذلك رفض نابليون إعتاق الأقنان الروس خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى ردّة فعل غير محمودة في مؤخرة جيشه، وكردة فعل على ذلك، ارتكب الأقنان عددًا من الأعمال الوحشية عند انسحاب الجيش الفرنسي من روسيا في وقت لاحق من ذلك العام.

    تفادى الروس هدف بونابرت القاضي بالاشتباك معهم في معركة وحيدة حاسمة، وتراجعوا إلى داخل روسيا عوضًا عن ذلك، وبقي 130,000 جندي منهم في مدينة سمولينسك في محاولة لصد التقدم الفرنسي، لكنهم هُزموا، وتابع الفرنسيون تقدمهم محققين الانتصار تلو الأخر في سلسلة من المعارك. تابع الجيش الروسي تفادي الاحتكاك مع الفرنسيين، على الرغم من أن هذا كان بسبب عدم إقدام نابليون على المناداة بالهجوم في بعض الأحيان على نحو غير معهود. وإن كان الروس قد تجنبوا قتال جيش بونابرت، إلا أنهم اتبعوا استراتيجية الأرض المحروقة، مدمرين كل قرية أو حقل أو بستان مروا به، الأمر الذي جعل من العسير على الفرنسيين العثور على الطعام الكافي لهم ولخيولهم.

    عرض الروس على نابليون معركةً في نهاية المطاف، على أن تقع خارج موسكو، فوافق نابليون على هذا الاقتراح، ونشبت معركة بورودينو، التي نجم عنها خسارة 44,000 جندي روسي و35,000 جندي فرنسي ما بين قتيل وجريح وأسير، وقد قيل في هذه المعركة أنها كانت أكثر المعارك دمويةً في التاريخ البشري حتى ذلك الحين. وعلى الرغم من أن الفرنسيين انتصروا، إلا أن الروس تفاخروا بأنهم صمدوا في وجه نابليون ولم يعطوه الفرصة التي كان يحلم بها، بأن يقضي عليهم في معركة واحدة حاسمة. قال نابليون عن هذه المعركة:.

    تراجع الجيش الروسي بعد معركة بورودينو لما بعد مدينة موسكو، فدخلها نابليون معتقدًا أن فتحها سوف يُنهي الحرب وأن القيصر سيطلب منه البدء بإجراء محادثات السلام. إلا أن حاكم المدينة، المدعو «فيودور روستوپشين»، رفض الاستسلام وأضرم النار في جميع أنحاء موسكو ليلاً وأحرقها عن بكرة أبيها. وبعد شهر من هذه الحادثة، انسحب الجيش الفرنسي من موسكو بعد أن بلغت نابليون أنباء مقلقة عن اضطراب الأوضاع في فرنسا وخوفه من فقدان سلطته. عانى الفرنسيون معاناة كبيرة أثناء انسحابهم وذاقوا الأمرّين، إذ تعاون برد الشتاء الروسي القارس والمرض ومناوشات الأقنان على إفناء الجيش فلم يسلم منه إلا عدد قليل، فقد كان عدد الجنود في بداية الحملة يصل لأكثر من 400,000 جندي على الخط الأمامي، أما عند العودة في شهر نوفمبر من سنة 1812، لم ينجح أكثر من 40,000 منهم بعبور نهر بيريزينا، أحد روافد نهر الدانوب في روسيا البيضاء. أما الروس، ففقدوا 150,000 جندي ومئات الألوف من المدنيين.

    حرب الائتلاف السادس

    عاد نابليون إلى باريس فجهّز حملة جديدة قوامها 350,000 جندي، وذلك خلال فترة سنة امتدت من شتاء سنة 1812 حتى الشتاء التالي، وحاول أن يعود بها إلى روسيا. وعرف البروسيون ما حل بنابليون في روسيا، وأدركوا أن الفرصة سنحت لتحريرهم، فشكلوا حلفًا جديدًا مع روسيا وبريطانيا والسويد والنمسا وإسبانيا والبرتغال، وواجهوا نابليون بجيوشهم، فألحق بهم عدداً من الخسائر توّجت بمعركة دريسدن بألمانيا بتاريخ 26 و27 أغسطس سنة 1813. وعلى الرغم من هذا النجاح الذي حققه نابليون إلا أن ذلك لم يُحبط عزيمة الحلفاء، فزادوا من أعداد جيوشهم، وما زالوا يزيدونها حتى هزموا نابليون هزيمة كبيرة في «معركة الأمم» بقوة عسكرية بلغ حجمها ضعف حجم جيشه. كانت هذه المعركة أكبر معارك الحروب النابليونية، حيث وصل عدد القتلى فيها إلى 90,000 قتيل.

    انسحب نابليون عائدًا إلى فرنسا بعد أن تقلص عدد جيشه ليصل إلى 110,000 جندي استطاع 70,000 منهم الوصول إلى باريس بينما تلكأ الأربعون ألفًا الباقين، وكان عدد القوات الحليفة يفوق عدد الجيش الفرنسي بثلاثة أضعاف. بعد عودة نابليون، وجدت فرنسا نفسها محاصرة، فقد كانت القوات البريطانية تقبع على حدودها الجنوبية، بينما كانت القوات الحليفة الأخرى متمركزة على حدود الولايات الألمانية المجاورة، مستعدة للانقضاض عليها في أي وقت. حاول نابليون مقاومة الحلفاء المحاصرين، فانتصر عليهم في بضعة معارك في حملة أطلق عليها اسم «حملة الأيام الستة»، إلا أن تلك الانتصارات لم تكن ذات أهمية كبيرة ولم تبلغ الحد الذي يقلب الآية، فدخلت جيوش الحلفاء باريس في شهر مارس من سنة 1814.

    عرض نابليون على قادة جيشه الهجوم على العاصمة الفرنسية وتحريرها من القوات الحليفة، لكن القادة رفضوا ذلك وفضلوا العصيان على الهجوم، وفي الرابع من أبريل واجهوا نابليون بهذا الأمر بقيادة المشير «ميشيل ناي»، أحد الضباط القدامى في فرنسا وصديق مقرّب من بونابرت، فقال الأخير أن الجيش سوف يتبعه، فأجابه ناي أن الجيش لن يتبع سوى قادته. فلم يجد نابليون بدًا من أن يتنازل عن العرش لصالح ابنه «نابليون الثاني»؛ إلا أن الحلفاء لم يقبلوا بهذا الأمر، فاضطر نابليون أن يتنازل دون قيد أو شرط، وذلك في 11 أبريل سنة 1814. فعقد الحلفاء مؤتمرًا في قصر فونتينبلو أعلنوا فيه تنازل بونابرت، فقالوا:

    أبرم الحلفاء بعد ذلك معاهدة عُرفت باسم «معاهدة فونتينبلو»، اتفقوا فيها على نفي نابليون إلى جزيرة صغيرة تُدعى «ألبا» تقع في البحر المتوسط على بعد 20 كيلومترًا من شواطئ توسكانا، ويقطنها 12,000 نسمة، وأعطوه سيادةً كاملة عليها، وسمحوا له بالإبقاء على لقبه كإمبراطور. حاول نابليون الانتحار عن طريق ابتلاع قرص سام كان يحمله معه منذ أن كاد الروس يقبضون عليه عند انسحابه من موسكو، إلا أن درجة السمومية فيها كانت قد خفّت مع مرور الزمن، فلم تعط النتيجة المرجوة، ونجا بونابرت ليتم نفيه كما هو مخطط، بينما هربت زوجته وابنه ليحتميا في ڤيينا. أنشأ نابليون جيشًا وأسطولاً صغيرًا خلال الأشهر القليلة الأولى التي أمضاها في ألبا، كذلك قام بتطوير مناجم الحديد، وأصدر عدداً من المراسيم لتطوير طرق الزراعة في الجزيرة وفق الأساليب الحديثة.

    الأيام المائة

    بعد ذهاب نابليون عادت الملكية إلى فرنسا وأصبح «لويس الثامن عشر»، أخو «لويس السادس عشر»، ملكًا. اجتمع المنتصرون في مدينة ڤيينا لإعادة تنظيم أوروبا، ولكنهم اختلفوا وأوشكت الحرب أن تقع بينهم. وعلم نابليون بذلك، فهرب من منفاه بتاريخ 26 فبراير سنة 1815، والواقع أن هذا العلم كان الحجة الأخيرة التي احتاجها نابليون ليعود إلى فرنسا، فعلى الجزيرة ازداد شوقه لزوجته وابنه القابعين في النمسا، عدوته اللدودة، وقُطع عنه البدل الذي كان مقررًا له وفق معاهدة فونتينبلو، ووردت إلى مسامعه أخبارٌ تفيد بأن البريطانيين يرغبون بإرساله إلى جزيرة في المحيط الأطلسي، فكان خلاف الحلفاء كافيًا ليجعله يقرر العودة فورًا. وصل نابليون إلى فرنسا بعد يومين من مغادرته ألبا، وهبط في «خليج خوان» على الساحل الشرقي لفرنسا. وما أن سرى نبأ عودة بونابرت، حتى أرسل إليه «لويس الثامن عشر» الفوج الخامس من الجيش الفرنسي ليعترض طريقه ويقبض عليه، فقابلوه جنوب مدينة «گرونوبل» بتاريخ 7 مارس سنة 1815. فاقترب نابليون من الجنود بمفرده ثم ترجّل عن حصانه واقترب أكثر حتى أصبح في مرمى نيرانهم، وصرخ قائلاً: «ها أنا ذا. فلتقتلوا إمبراطوركم إذا شئتم»، فصاحت الجنود «يحيا الإمبراطور!»، ثم ساروا وراء نابليون نحو باريس؛ وما أن علم الملك بما حصل حتى هرب من المدينة. أعلن المجتمعون في مؤتمر ڤيينا أن نابليون خارج عن القانون، وذلك في الثالث عشر من شهر مارس، وبعد 4 أيام تعهدت كل من بريطانيا وهولندا وروسيا والنمسا وبروسيا أن تجمع جيوشها حتى تصل في عددها إلى 150,000 رجل، كي تضع حدًا لحكم نابليون.

    وصل نابليون إلى باريس في العشرين من مارس، وحكم البلاد لفترة أطلق عليها المؤرخون اسم «الأيام المائة». وصل تعداد الجنود الفرنسية في أوائل شهر يونيو إلى 200,000 جندي، فقرر نابليون أن يُبادر بالهجوم كي يُحدث شرخًا بين القوات البريطانية والبروسية ويؤخر انضمامها لبعضها البعض، وبناءً على ذلك أرسل إلى جيش الشمال الفرنسي ليعبر حدود مملكة هولندا المتحدة، التي تُشكل اليوم الأراضي البلجيكية، استعدادًا لقتال البروسيين القادمين من تلك الأنحاء.

    وفي 18 يونيو سنة 1815، وقعت بين فرنسا والحلفاء «معركة واترلو» الحاسمة، وفيها صمدت الجنود البريطانية صمودًا كبيرًا على الرغم من الهجوم المستمر غير المتوقف للقوات الفرنسية، واستطاعت دحرهم من الميدان، إلى أن وصلت القوات البروسية وخرقت الجناح الأيمن للجيش الفرنسي، الذي تقهقر منهزمًا شر هزيمة. تُعزى هزيمة بونابرت في ذلك اليوم إلى قتاله لجيشين بجيش واحد على أرض رطبة موحلة، إضافةً إلى أن صحته كانت قد تراجعت بعض الشيء وكذلك حيويته، الأمر الذي لم يجعل حضوره مهيبًا كالعادة وبالتالي لم يستطع التأثير بجنوده، أيضًا يُحتمل بأن كثيرًا من ضباطه خذلوه، وأخيرًا فإن عددًا من جنوده المخضرمين قضوا نحبهم أثناء العودة من روسيا، فكان لغياب خبرتهم على أرض المعركة صداه في نتيجتها. انسحب الجيش الفرنسي من ميدان المعركة في فوضى واضطراب شديدين، مما فتح المجال أمام الحلفاء ليعودوا إلى فرنسا وينصبوا «لويس الثامن عشر» ملكًا عليها مجددًا. حاول نابليون بعد هزيمته المريرة أن يهرب إلى الولايات المتحدة، فاستقل سفينة من مرفأ «روشفور» الواقع بغرب فرنسا وتوجه غربًا، لكنه لم يبتعد كثيرًا إذ اعترضت طريقه بضعة سفن بريطانية وطالبت تفتيش السفينة، ولمّا عرض عليه مرافقوه الاختباء في إحدى البراميل، رفض بشدة معتبرًا ذلك إهانة لكرامته، فاستسلم إلى البريطانيين، وطلب اللجوء السياسي من القبطان «فريدريك لويس ميتلاند» على متن سفينته «إتش إم إس بيلليروفون»، وذلك بتاريخ 15 يوليو سنة 1815.

    نهاية نابليون

    النفي إلى جزيرة القديسة هيلانة

    اعتُقل نابليون وسُجن لفترة قصيرة، ثم نُفي إلى جزيرة القديسة هيلانة في وسط المحيط الأطلسي الجنوبي بين أفريقيا والبرازيل، والتي تبعد 2,000 كيلومتر تقريبًا عن كليهما. عاش نابليون أول شهرين له على الجزيرة في منزل على أرض مملوكة لشخص يُدعى «وليام بالكومب»، وسرعان ما أصبح صديقًا مقربًا لأفراد العائلة، وبشكل خاص للإبنة الصغرى «إليزابيث لوسيا»، التي ألّفت في وقت لاحق كتاب «ذكريات الإمبراطور نابليون» (بالإنگليزية: Recollections of the Emperor Napoleon). انتهت هذه الصداقة في عام 1818، عندما شكّت السلطات البريطانية بأن بالكومب يلعب دور الوسيط بين نابليون وباريس، فقامت بترحيل بالكومب من الجزيرة.

    نُقل نابليون بعد ذلك إلى «منزل لونگوود» في شهر ديسمبر من سنة 1815؛ وكان ذلك المنزل شديد العطب كثير الرطوبة، تعصف به الرياح على الدوام. نشرت صحيفة «الأزمان» البريطانية عدّة مقالات تقول فيها بأن الحكومة البريطانية ترغب بالتسريع من موت بونابرت، وأن الأخير اشتكى على الدوام من ظروف العيش السيئة في رسائل موجهة إلى حاكم الجزيرة السير «هدسون لوي». وفي تلك الفترة، قام بونابرت بكتابة ذكرياته بمعاونة ثلة من تابعيه المخلصين الذين حضروا معه إلى الجزيرة، وانتقد فيها آسريه وبشكل خاص الحاكم لوي. يتفق العديد من المؤرخين أن معاملة لوي لنابليون كانت معاملة رديئة، فقد أقدم على جعل وضعه يتفاقم بعدة طرق منها: الإنقاص من حجم المصروف الذي كان يُرسل إليه، منع إرسال أو تسليم أي هدية إليه إن كانت تتضمن ذكراً لمنصبه الإمبراطوري، ووثيقة كان على تابعيه التوقيع عليها وهي تضمن بقاءهم إلى جانبه إلى أجل غير مسمى.

    في سنة 1818 نشرت صحيفة الأزمان إشاعة كاذبة تُفيد بأن نابليون هرب من الجزيرة، كما قيل أن عدد من اللندنيين استقبل هذا الخبر بالإضاءات العفوية. حصد نابليون خلال الفترة التي قضاها في الجزيرة تعاطف بعض أعضاء البرلمان البريطاني، فقد ألقى اللورد «هنري ڤاسل فوكس»، أحد كبار السياسيين، خطابًا قويًا في إحدى الجلسات طالب فيه ألا تتم معاملة نابليون بقسوة غير ضرورية. وفي هذا الوقت كان نابليون يُتابع ما يجري في بريطانيا عن طريق ذات الصحيفة التي نشرت خبر هروبه، فتأمّل أن يتم إطلاق سراحه بحال أصبح فوكس رئيسًا للوزراء. حصل نابليون كذلك على دعم اللورد «طوماس كوكران» الذي دعم حركة الاستقلال في كل من تشيلي والبرازيل، ورغب في إنقاذ نابليون ومساعدته على إنشاء إمبراطورية جديدة في أمريكا الجنوبية، إلا أن هذه الخطة أحبطت بوفاة نابليون سنة 1821. كان هناك أيضًا عدد من الخطط الأخرى الهادفة لإنقاذ نابليون، منها الخطة التي وضعها الجنود الفرنسيون الذين نفوا إلى ولاية تكساس الأمريكية، ورغبوا في قيام إمبراطورية نابليونية جديدة في أمريكا الشمالية، حتى أنه يُقال بوجود خطة قضت بتهريب بونابرت عن طريق غواصة بدائية. كان نابليون بالنسبة للورد «جورج گوردن بايرون»، وهو أحد الشعراء الإنگليز، مثال البطل الرومانسي المضطهد والعبقري الوحيد المعيب. أثارت مسألة قيام نابليون بأعمال البستنة بنفسه في مسكنه بلونگوود في سنواته الأخيرة، حساسية وتعاطف الكثير من أبناء الشعب البريطاني والسياسيين معه بشكل أكبر من السابق.

    وفاته

    أخذت صحة نابليون بالتراجع تراجعًا حاداً في شهر فبراير من سنة 1821، وفي الثالث من مايو كشف عليه طبيبان بريطانيان كانا قد وصلا مؤخراً إلى الجزيرة، ولم يستطيعا فعل شيء سوى النصيحة بإعطاءه المسكنات. توفي نابليون بعد يومين من هذا الكشف، بعد أن كان قد اعترف بخطاياه ومُسح بالزيت وقُدم له قربانًا بحضور الأب «أنجي ڤيگنالي». وكانت آخر كلمات نابليون وهو يُفارق الحياة هي: «فرنسا، جيش، قائد جيش، جوزفين..». صُنع قناع الموت الأصلي لنابليون قرابة السادس من مايو من نفس العام، على يد طبيب مجهول الهوية. كان نابليون قد أوصى بأن يُدفن على ضفاف نهر السين بعد وفاته، إلا أن حاكم الجزيرة رفض نقل الجثمان إلى الأراضي الفرنسية وأمر بدفنه على الجزيرة في مكان يُقال له «وداي الصفصاف» (بالإنگليزية: Valley of the Willows). كذلك أصرّ الأخير على نقش عبارة «نابليون بونابرت» على شاهد القبر؛ بينما رغب كل من «شارلز تريستان» مركيز مونتلون، و«هنري گاتين برتران» أحد القادة العسكريين السابقين، بأن يُكتب اسم «نابليون» فقط على القبر نظراً لأن العادة جرت على أن لا يُكتب سوى الاسم الأول من اسم الملك الراحل على شاهد قبره. وبسبب هذا الخلاف، تُرك القبر دون نقش أي اسم على شاهده.

    وفي سنة 1840، استطاع الملك «لويس فيليب الأول» أن يستحصل على إذن من الحكومة البريطانية لنقل رفات نابليون من جزيرة القديسة هيلانة إلى فرنسا. نُقلت الرفات على متن الفرقاطة الفرنسية المُسماة «الدجاجة الحسناء»، والتي طُليت باللون الأسود حداداً خصيصًا لهذه المناسبة، وعاد معها من بقي على قيد الحياة من رجال نابليون وأتباعه بعد أن غابوا عن وطنهم الأم حوالي 22 سنة. وصلت تلك السفينة إلى ميناء مدينة شيربورغ بتاريخ 29 نوفمبر من نفس العام، ومن ثم نُقلت الرفات على متن سفينة بخارية تحمل اسم «نورماندي»، فحملتها إلى مدينة «لو هاڤر» عبر نهر السين وصولاً إلى مدينة «روان» فباريس. وبتاريخ 15 ديسمبر أقيمت جنازة رسمية للقائد الفرنسي، ثم انطلق موكب التشييع من قوس النصر عبر شارع الشانزلزيه مروراً بميدان الكونكورد وصولاً إلى مجمّع المقام الوطني للمعوقين، حيث وُضع النعش في مُصلى كنيسة القديس جيروم، وبقي هناك حتى أتمّ المصمم والمعماري «لويس ڤيسكونتي» بناء الضريح. وفي سنة 1861، وُضعت رفات نابليون في نعش مصنوع من الرخام السمّاقي، في السرداب الواقع تحت قبة المقام الوطني للمعوقين.

    سبب الوفاة

    تعددت الأقوال والآراء حول سبب وفاة نابليون، فقال طبيبه الخاص، المدعو «فرانشيسكو أنطومارشي»، والذي أجرى تشريحًا لجثته، إنه مات بسرطان المعدة، إلا أنه لم يوقع على تقرير الكشف الرسمي الذي طالبت به السلطات البريطانية على الجزيرة على الرغم من ذلك قائلاً: «ما شأني والتقارير الإنگليزية». وكان والد نابليون قد توفي بنفس المرض سالف الذكر، على الرغم من أن ذلك لم يكن معلومًا عند التشريح. يعتبر بعض المؤرخين أن اكتشاف طبيب نابليون الخاص لهذا التقرّح الحاد في معدته لم يكن إلا ثمرة ضغط البريطانيين عليه، إذ أن هذا كان من شأنه أن ينفي التهم الموجهة إليهم بتعمدهم إضعاف الإمبراطور وإهمالهم العناية بصحته.

    نُشرت مذكرات خادم نابليون «لويس مارشان» التي يذكر فيها الشهور الأخيرة من حياة بونابرت في سنة 1955، وقدّ أدى وصفه لنابليون في تلك الفترة إلى جعل خبير السموم السويدي «ستين فروشوڤود» يضع نظريات أخرى حول كيفية موت القائد الفرنسي، ومنها التسميم المتعمد بالزرنيخ، وذلك في مقال له في نشرة «الطبيعة» العلمية سنة 1961. كان الزرنيخ يُستخدم كسم قاتل خلال الحقبة الزمنية التي عاش بها بونابرت بسبب أنه لم يكن قابلاً للكشف بحال تم دسه بكميات ضئيلة على فترة طويلة من الزمن. كتب فروشوڤود في مؤلف له ولزميله «بن ويدر» من سنة 1978، أن جسد الإمبراطور ظل سليمًا إلى حد كبير بعد عشرين عامًا من وفاته، وهذه إحدى خصائص الزرنيخ، أي الحفاظ على الأنسجة الحيوية. كذلك اكتشف الزميلان أن نابليون كان يُعاني من ظمأ شديد في أيامه الأخيرة، وأنه دائمًا ما حاول إرواء نفسه بشرب كميّة كبيرة من شراب اللوز ذي نسبة مركبات السيانيد نفسها الموجودة في حبّات اللوز الناضجة، والتي تُستخدم لإضفاء النكهة على المأكولات والمشروبات، وذكرا أن معالجته باستخدام بوتاسيوم الطرطريك منعت معدته من لفظ هذه المكونات المضرة، وبالتالي فإن العطش كان إحدى عوارض التسمم. نصت إحدى المقالات العلمية في سنة 2007 أن الزرنيخ الذي عُثر عليه في مهاوي شعر بونابرت كان زرنيخًا معدنيًا، أي غير عضوي، وهذا النوع هو الأكثر سُمية بين أنواع الزرنيخ، ووفقًا لعالم السموم «پاتريك كينتز»، فإن هذا يُشكل الدليل القاطع على أن نابليون قضى نحبه اغتيالاً.

    يقول باحثون آخرون أن ورق الجدران في منزل لونگوود كان قد أُلصق باستخدام نوع من اللاصق ذي نسبة عالية من الزرنيخ، وكان هذا اللاصق يُستخدم في بريطانيا منذ فترة طويلة على الرغم من أن استنشاق رائحته مضر للبشر، ذلك أن الطقس البارد في المملكة المتحدة يجعل منه حميداً غير مؤذ، أما في جزيرة القديسة هيلانة، حيث الطقس أكثر رطوبة، فيُحتمل أنه قد دبّ إليه التعفن، الأمر الذي جعله يبعث غاز الأرسين السام الذي استنشقه نابليون طيلة سنوات. استُبعدت هذه النظرية من ضمن باقي النظريات لأنها لا تشرح نمط استنشاق الزرنيخ كما في النظريات الأخرى. زعمت مجموعة من الباحثين في دراسة أجروها سنة 2004، أن وفاة نابليون جاءت نتيجة أنواع العلاج المختلفة التي خضع لها، والتي سببت له اضطرابًا في وظيفة قلبه.

    ظهرت بضعة دراسات حديثة تدعم النظرية الأصلية القائلة بوفاة نابليون جرّاء إصابته بسرطان المعدة، ففي دراسة من سنة 2008، قام الباحثون بتحليل عينات شعر تعود لبونابرت مأخوذة منه خلال مراحل مختلفة من حياته، ومن أفراد عائلته وبعض الذين عاصروه كذلك. وبعد إجراء التحاليل على تلك العينات تبيّن أن كلها تحوي مستويات مرتفعة من الزرنيخ، تفوق المستويات الحالية بمئة مرة. وبناءً على هذا، قال الباحثون أن جسد نابليون كان قد خزّن نسبة كبيرة من الزرنيخ منذ أن كان صبيًا واستمر يُخزنها طيلة حياته؛ ذلك أن الناس في ذلك الزمن كانوا عرضةً إلى روائح الغراء والأصباغ بصورة مستمرة طيلة حياتهم. وفي دراسة من عام 2007، تبين أنه لم يكن هناك من دليل على التسمم بالزرنيخ في الأعضاء الأكثر عرضة له، فقيل أن سبب الوفاة هو سرطان المعدة بالفعل.

    زوجاته وأبناؤه

    تزوّج نابليون لأول مرة عندما بلغ السادسة والعشرين من عمره، من أرملة إحدى قادة الثورة الفرنسية، واسمها «جوزفين آل بوارنيه» التي كانت تكبره بست سنوات. كانت جوزفين تُعرف باسم تبغضه بغضًا شديداً طيلة الفترة السابقة على معرفتها بنابليون، وهو «روز»، فلمّا عرف نابليون بذلك أطلق عليها اسم «جوزفين» عوضًا عن اسمها الأول. غالبًا ما كان بونابرت يُرسل إلى زوجته رسائل غرامية عندما كان يخوض حملاته العسكرية بعيدةً عن فرنسا، وقد أقدم على تبني ابنها من زوجها السابق، المدعو «يوجين»، بشكل رسمي، وكذلك ابنة عمها «ستيفاني»، وزوّجهما لبعضهما في وقت لاحق، كذلك قامت جوزفين بتزويج ابنتها «هورتنس» من «لويس» شقيق نابليون.

    كان لجوزفين عدد من العشّاق الذين تقربوا منها خلال غياب نابليون عن فرنسا، مثل «شارل هيپوليت»، الذي كان يعمل ملازمًا في وحدة الهوصار وعشق جوزفين خلال حملة بونابرت على إيطاليا. علم نابليون بهذه العلاقة بين زوجته والملازم عندما كان في مصر، فأرسل إلى أخيه «جوزيف» يُخبره عن هذا الموضوع، فاعترض البريطانيون الرسالة وقاموا بنشرها في الصحف اللندنية والباريسية، مما أثار إحراج نابليون أمام جنوده وشعبه. كان لنابليون عدد من العلاقات الجانبية أيضاً، بما فيها علاقة غرامية وقعت أحداثها خلال الحملة المصرية، مع زوجة أحد ضباطه المدعوة «پولين بيليسل فور»، التي أُطلق عليها اسم "" تيمنًا بحاكمة مصر الفرعونية القديمة.

    أنجب نابليون عدداً من الأولاد من عشيقاته، إلا أنه لم يُخلف أي وريث من زوجته جوزفين، ويُرجّح البعض أن عدم مقدرة جوزفين على الإنجاب كانت تعود إلى الإجهاد والضغط النفسي الذي تعرضت له عند سجنها خلال عهد الإرهاب (27 يونيو 1793 – 27 يوليو 1794)، أو بسبب إجهاضها عندما كانت لا تزال في العشرينات من عمرها. قرر نابليون بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة أن يتطلق وجوزفين، حتى يستطيع أن يتزوج مجدداً بامرأة قادرة على أن تنجب له وريثًا، فأقدم في شهر مارس من سنة 1810 على الزواج بأرشيدوقة النمسا وقريبة الملكة السابقة «ماري أنطوانيت»، المدعوة «ماري لويز»، وبهذا كان قد صاهر الأسرة الملكية الألمانية. استمر زواج ماري لويز ونابليون حتى وفاة الأخير، على الرغم من أنها لم تلحق به إلى جزيرة ألبا عندما نُفي للمرة الأولى، وبالتالي لم تره بعد ذلك أبداً. ولدت ماري لويز طفلاً وحيداً لنابليون عُرف باسم «نابليون فرنسيس جوزيف شارلز» (1811–1832)، الذي حمل لقب «ملك روما» منذ ولادته، ثم خُلع عليه اسم «نابليون الثاني» سنة 1814، إلا أنه لم يحكم فرنسا إلا أسبوعين قبل أن يُخلع عليه لقب «دوق المدينة الإمبراطورية المستقلة» سنة 1818. توفي نابليون الثاني جرّاء داء السل عن عمر يُناهز 21 سنة، ولم يترك وراءه أي ذريّة. اعترف نابليون بإنجابه لطفلين غير شرعيين: «شارل ليون» (1806–1881) من «إليانور دونول»، الكونت «ألكسندر جوزيف كولونا ڤالڤسكي» (1810–1868) من الكونتيسة «ماري ڤالڤسكا». كذلك يُحتمل أن يكون قد أنجب أبناءً وبنات آخرين لم يُعلن عنهم، مثل «كارل يوجين ڤون مولفلد» من «ڤيكتوريا كراوس»؛ «هيلين نابليون بونابرت» (1816–1910) من «ألبين آل مونتلون»؛ و«جول بارثيلامي سان هيلير» من أم مجهولة.

    الصورة الشعبية

    أصبح نابليون يُشكل رمزاً بارزاً للعبقرية الحربية والدهاء السياسي في العديد من الثقافات حول العالم، وذلك بعد أن انتشرت قصته وذاع صيته في الدول والمناطق المحيطة بفرنسا في أيامه، وفي جميع أرجاء المعمورة في وقت لاحق، مع تقدم وسائل الإتصال المواصلات وانتشار الاستعمار والانتداب الأوروبي في دول متعددة. كان لنابليون أعداء كثر يكرهونه ولكن يكنون له عظيم الاحترام في ذات الوقت، فعندما سُئل أمير البحر، الدوق الأول لويلينگتون «آرثر ويلزلي» قائد الجيش البريطاني في معركة واترلو الشهيرة عن أعظم قائد عسكري في وقته، قال: «إن أعظمهم في الماضي والحاضر والمستقبل وكل وقت هو نابليون بونابرت». أُطلق اسم نابليون على الكثير من البلدات والشوارع والسفن بعد وفاته، وعلى بعض شخصيات الرسوم المتحركة حتى في وقت لاحق. كذلك لعب الكثير من الممثلين دوره في مئات الأفلام السينمائية والتلفزيونية، وتم تأليف الكثير من الكتب عن حياته وكُتبت عنه آلاف المقالات.

    صُور نابليون من قبل الصحافة البريطانية خلال عهد حروبه على أنه طاغية جبار يُشكل خطراً على بريطانيا وإنه يستعد لغزوها في القريب العاجل. وقد بلغ حد تشويه صورة نابليون في بريطانيا خلال ذلك العهد، أن نُظمت قصيدة للأولاد الصغار ونُشرت في الكثير من الحضانات، وهي تُحذر الأطفال من عدم الشقاوة، ذلك لأن نابليون يُقدم على التهام الناس الأشقياء بنهم. كانت الصحافة المحافظة في بريطانيا تُصور نابليون على أنه أقصر مما هو عليه في بعض الأحيان، وقد انتشرت هذه الفكرة واستمرت سائدة لدى الناس لسنوات طويلة بعد انتهاء عهد نابليون وما زالت. يُعزى تصوير بونابرت بهذه القامة أيضًا إلى الارتباك والخلط بين وحدات القياس الفرنسية والبريطانية؛ وفي واقع الأمر يُعتبر نابليون مربوع القامة وفقًا للزمن الذي عاش فيه، حيث كان العديد من الناس يبلغون ذات الطول الذي كان عليه، ألا وهو 1.7 أمتار (5 أقدام و7 إنشات).

    استشهد العالم النفسي «ألفرد أدلر» بنابليون سنة 1908، ليصف عقدة نقص يعاني منها الناس قصار القامة، حيث يُظهرون سلوكًا عدائيًا غير عادي ليعوضوا عن افتقارهم للطول الطبيعي؛ فأطلق على هذه الحالة المرضية اسم "". غالبًا ما يظهر نابليون في الرسوم الهزلية وأفلام الرسوم المتحركة وهو يرتدي قبعة ضخمة هلالية الشكل واضعًا يده في صدارته، استشهاداً برسم «لجاك لويس دايڤيد» من سنة 1812.

    إرثه

    الشؤون الحربية

    لعب نابليون دوراً كبيراً في تطوير الاستراتيجيات العسكرية الحديثة، وذلك عن طريق اقتراضه لبعض نظريات المنظرين السابقين، مثل «جاك أنطوان هيپوليت» كونت غيبرت، وبعض الإصلاحات التي وضعتها الحكومات السابقة لقطاع الجيش، وعن طريق إبداعه لبعض الاستراتيجيات الأخرى وتطوير بعض من تلك التي كانت موجودة سابقًا وصهره لها وتلك القديمة في بوتقة واحدة. ومن الإصلاحات التي قام بها نابليون، استكمال السير في النظام الذي أقرته الثورة الفرنسية، ألا وهو ترقية عناصر الجيش بناءً على الجدارة بشكل رئيسي، كذلك جعل من الفيالق أكبر الوحدات العسكرية بدلاً من الكتائب، ودمج جميع وحدات المدفعية في بطاريات احتياطية، الأمر الذي جعل من نظام الموظفين العسكريين نظامًا أكثر سلاسة، فعاد سلاح الفرسان ليُشكل جزءاً مهمًا من الجيش الفرنسي. تُعتبر هذه الأساليب والإصلاحات التي قام بها نابليون أساليب بارزة وأساسية من الشؤون الحربية في العهد النابليوني. وعلى الرغم من أن نابليون انتهج مبدأ التجنيد الإجباري الذي فرضته حكومة الإدارة وسار به طيلة عهده، إلا أن النظام الملكي أقدم على إلغائه بمجرد سقوط الإمبراطورية وعودة «لويس الثامن عشر» ليتربع على عرش فرنسا.

    استمرت التقنية العسكرية وأنواع الأسلحة على حالها طيلة عهد الثورة والإمبراطورية، ولم يطرأ عليها أي تغيّر يُذكر، إلا أن نظرية «الحركة التشغيلية» التي كانت قد ظهرت خلال القرن الثامن عشر، تعرّضت لتغيير جذري. ويبقى الأثر الأكبر لنابليون هو نمط قيادة الجنود، حيث يراه البعض مثل المنظّر العسكري الكبير «كارل ڤون كلاوزڤيتس» عبقريًا حقيقيًا في مجالا الفنون الحربية، كذلك يُصنف المؤرخون نابليون على أنه من أعظم القادة العسكريين على مر الزمن.

    وعلى الرغم من نبوغه العسكري وحنكته ودهائه، فقد تعرّض نابليون لعدد من النكسات خلال مسيرته العسكرية، منها: في معركة الأمم سنة 1813، في حملته على روسيا سنة 1812، وفي معركة آسپيرن-إسلينغ سنة 1809 بحسب رأي البعض. كذلك، فقد اضطر إلى أن يهجر قواته في مصر كنتيجة لفشل استراتيجيته في قتال العثمانيين والبريطانيين والروس معًا، وليس لخسارته أمامهم في أرض المعركة. انتصر نابليون في جميع المعارك التي خاضها وجهًا لوجه مع أعدائه، ولم تكن أعداد جنودهم تفوق أعداد جنوده، عدا معركتين صغيرتين خاضهما أثناء حملته على إيطاليا. يقول المؤرخون أن نجاح نابليون الفائق كان هو بذاته أحد عيوبه، إذ أن هذا النجاح حمل في طياته بذور الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها في وقت لاحق، فقد كان يستمر في الغزو وفتح المدن والولايات إلى أن يُنهك وجيشه إنهاكًا تامًا ولا يعود بإمكانه التقدم أكثر، فيرجع على أعقابه.

    برز نوع من الصرامة تجاه كيفية لقاء جيوش الأعداء وقتالها والتفوق عليها في المناورة خلال عهد نابليون، فأصبح غزو الأراضي المعادية يتم على جبهات أكثر اتساعًا، الأمر الذي جعل من الحروب أكثر حسمًا ولكن أكثر كلفةً. وقد أدّى هذا الأمر بدوره إلى تغيير وجه التأثير السياسي للحروب في أوروبا، فأصبحت الدولة الخاسرة تفقد أجزاءً كبيرة من أراضيها لصالح المنتصرة، عوضًا عن خسارتها لبعض من جيوبها المعزولة كما في السابق، كذلك ازدادت نسبة معاهدات السلام التي فرضتها الدول القوية على تلك الضعيفة بشروط وبنود تصب في مصلحتها.

    النظام المتري

    لم تتقبل طبقات واسعة من الشعب الفرنسي النظام المتري في القياس الذي أعلنه نابليون رسميًا في شهر سبتمبر من عام 1799، ومع ذلك أصبح هذا النظام متبعاً ليس فقط في فرنسا بل بالدول التي تأثرت بفرنسا، وفي عام 1812 اتخذ نابليون خطوة عكسية بعد أن أصدر مرسومًا بالعودة إلى النظام التقليدي في القياس، لكن النظام المتري الجديد كان قد انتشر في كل أوروبا بحلول منتصف القرن التاسع عشر.

    تحرير اليهود

    قام نابليون بتحرير اليهود في فرنسا من الكثير من القيود المفروضة عليهم والتي كانت تحدد أماكن إقامتهم في الأحياء المخصصة لهم، وحقوق التملك والعبادة والتوظيف. وقد واجهت هذه السياسات معارضة وردود أفعال معادية لليهود في داخل فرنسا وفي عدد من الدول الأخرى، إلا أن نابليون أصر عليها وكان يرى أن إعطاء الحقوق لليهود في فرنسا سيجذبهم إليها من بقية البلدان التي لا يتمتعون فيها بنفس الحقوق والمزايا مما سيفيد البلاد. وقد قال نابليون: «لن أقبل أبدًا أية مقترحات تجبر اليهود على مغادرة فرنسا، فعندي اليهود مثلهم كأي من المواطنين في بلادنا. فمن الضعف طردهم ومن الشجاعة ضمهم.» عمومًا كان نابليون يُعتبر مفضلاً لليهود حتى أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية درجت على تلقيبه «بمسيح دجّال متآمر مع اليهود ضد الديانة المسيحية، وعدوًا للرب». أثناء حروب نابليون ضد الدولة العثمانية، وعندما استعصت عليه أسوار مدينة عكا في عام 1799، قام بتجهيز إعلان لقيام دولة يهودية في فلسطين، ونشر بيانًا يدعو فيه كل يهود آسيا وأوروبا للقدوم إلى القدس تحت الراية الفرنسية، وقال فيه:

    ومع إن الأسباب الحقيقة لهذا الإعلان وحتى صحته محل خلاف عند بعض المؤرخين، إلا أنه محل اهتمام الحركة الصهيونية فهو يسبق وعد بلفور بسنوات كثيرة.

    قانون نابليون

    يُنسب لنابليون الفضل في صدور القانون المدني الفرنسي الذي اقتبسته باقي الدول الأوروبية التي غزاها، واستمرت سائرة عليه حتى بعد هزيمة بونابرت ونفيه خارج أوروبا. ومما قاله نابليون عن قانونه:. لا يزال قانون نابليون اليوم مقتبسًا في ربع الأنظمة القضائية حول العالم، يُضاف إليه بعض التعديلات التي تلائم كل دولة ونظامها على حدة. يصف أحد المؤرخين الألمان هذا القانون على أنه «قانون ثوري» حفّز نموّ الطبقة البرجوازية في ألمانيا حتى أصبح المجتمع الألماني مجتمعًا برجوازيًا، وذلك عن طريق توسيعه وحمايته لحق الملكية الفردية ووضعه حداً للإقطاعية. وكان للتغييرات الإقليمية التي أجراها نابليون نتيجة لحروبه العديدة تأثير كبير في تاريخ أوروبا الوسطى، لأنه ساعد على توحيد ألمانيا، فبعد أن كانت قبل نابليون تتألف من حوالي ثلاثمائة ولاية أصبحت في أيامه تتألف من ثمان وثلاثين ولاية فقط، وكذلك كان الحال مع إيطاليا، وقد ساعدت هذه التغييرات على تطوير الفكرة والنزعة القومية والدول القائمة على هذا المبدأ.

    البونابرتية

    البونابرتية هي مصطلح مستخدم في تاريخ فرنسا السياسي، وهي ذات معنيين: المعنى الأول يُقصد به أولئك الذين أعادوا إحياء الإمبراطورية الفرنسية وتربّع آل بونابرت على عرش فرنسا، بما فيها أسرة نابليون الكورسيكية وسلالته المتمثلة بابن أخيه «لويس» الذي أصبح فيما بعد «نابليون الثالث» إمبراطور الإمبراطورية الفرنسية الثانية، وأول رئيس للجمهورية الفرنسية. وفي معنى أوسع، يُقصد بالبونابرتية حركة سياسية يمينية واسعة تدعو إلى قيام دولة مركزية مبنية على الشعوبية السياسية.

    انتقاد نابليون

    قضى نابليون على حالة الفوضى والاضطراب التي كانت تعيشها فرنسا بعد انتهاء الثورة، الأمر الذي جعل منه شخصًا محبوبًا وبطلاً قوميًا في نظر الكثيرين، إلا أن معارضيه نظروا إليه على أنه طاغية ومغتصب للسلطة، وما زال نقّاد نابليون يقولون بأنه لم تكن لديه أية مشكلة في التضحية بآلاف بل بملايين الأشخاص في سبيل الوصول إلى الهدف الذي يبتغيه، وأنه في سعيه إلى السلطة المطلقة أشعل نار الحرب في أوروبا وأجج النزاعات فيها متجاهلاً المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين تلك الدول وفرنسا وبينها فيما بعضها في سبيل الحفاظ على السلام. كذلك فإن الدور الذي لعبه في الثورة الهاييتية وقراره الهادف إلى إعادة نظام العبودية في مستعمرات فرنسا في أقاليم ما وراء البحار يُسيئ إلى سمعته كرجل دولة كبرى. هوجم نابليون أيضًا بسبب سماحه لجنوده بنهب المدن والبلاد التي دخلوها، فمتاحف فرنسا لا تزال غنية بالتحف والآثار التي غنمتها الجنود الفرنسية في العديد من البلدان التي غزتها وأحضرتها إلى متحف اللوفر، الأمر الذي جعل منه متحفًا مركزيًّا مهمًا؛ وقد أدى عمل بونابرت هذا إلى تقليد القادة اللاحقين له في غزواتهم، مما حرم الكثير من الدول من كنوزها القومية. وقد بلغ الحد ببعض المؤرخين، مثل «پيتر گيل» المؤرخ الهولندي، إلى مقارنة نابليون بالقائد النازي «أدولف هتلر»، وذلك في مقال له من سنة 1947، وقد قال المؤرخ البريطاني «دايڤيد كاندلر» المختص بالحقبة البونابرتية في هذا التشبيه: «ما كان يمكن أن يكون هناك تشبيه أكثر إهانة للأول وأكثر إطراءً للثاني».

    يقول النقّاد أيضًا أن الإرث الحقيقي الذي خلفه بونابرت هو فقدان فرنسا لهيبتها ومكانتها بين الدول العظمى «الحضارية» والموت غير المبرر لآلاف من الناس بفعل نزواته الشخصية. يقول المؤرخ «ڤيكتور دايڤيس هانسون»: «...إن ما تقدمه الوثائق العسكرية لا يُمكن التشكيك فيه —17 سنة من الحروب المتواصلة نجم عنها حوالي 6 ملايين قتيل، وإفلاس للخزينة الفرنسية، وفقدان الدولة لمستعمراتها ما وراء البحار». يُضيف البعض أن نابليون «يمكن وصفه بالرجل الذي أعاد الحياة الاقتصادية في أوروبا جيلاً كاملاً إلى الوراء بفعل التأثير المدمر لحروبه». يرد بعض المؤرخين على هذا الرأي بالقول إن تحميل بونابرت اللوم على كل ما حصل هو لمجرد أن تلك الحروب التي دارت رحاها في القارة الأوروبية تحمل اسمه، في حين أنه في واقع الأمر، كانت فرنسا ضحية سلسلة من التحالفات الدولية التي هدفت إلى القضاء على المبادئ المثالية للثورة. يقول بعض المنجمين أن نابليون هو أحد أعداء المسيح الذين تنبأ بهم «نوستراداموس». وما تزال تُعقد حاليًا بعض المؤتمرات النابليونية الدولية التي يُساهم بها أعضاء من الجيش الفرنسي والأمريكي، بالإضافة إلى سياسيين فرنسيين وعدد من الباحثين من مختلف أنحاء العالم.

  8. معركة إمبابة

    5 دقائق قراءةكانت معركة إمبابة أو معركة الأهرام، معركة كبيرة وقعت في 21 يوليو 1798، أثناء الحملة الفرنسية على مصر. دارت المعركة بالقرب من قرية إمبابة، عند نهر النيل من القاهرة، ولكن نابليون أسماها معركة الأهرام نسبة لهرم الجيزة…

    كانت معركة إمبابة أو معركة الأهرام، معركة كبيرة وقعت في 21 يوليو 1798، أثناء الحملة الفرنسية على مصر. دارت المعركة بالقرب من قرية إمبابة، عند نهر النيل من القاهرة، ولكن نابليون أسماها معركة الأهرام نسبة لهرم الجيزة الأكبر الذي يمكن رؤيته على بعد حوالي 9 أميال.

    حقق الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال نابليون بونابرت انتصاراً حاسماً على الجيش الرئيسي لبكوات المماليك المحليين في هذه المعركة، بعد الاستيلاء على الإسكندرية وعبور الصحراء، مما أدى إلى القضاء على كامل الجيش العثماني في مصر تقريباً. كانت تلك هي المعركة الأولى التي ابتكر فيها بونابرت شخصياً تشكيل مربع المشاة ووظفه بحيث حقق تأثيراً كبيراً. أدى انتشار الألوية الفرنسية في هذه التشكيلات المربعة الضخمة إلى صد هجمات فرسان للمماليك مراراً وتكراراً.

    أدى الانتصار إلى الغزو الفرنسي لمصر فعلياً، حيث أنقذ مراد بك بقايا جيشه، وفر بطريقة فوضوية إلى صعيد مصر. بلغ عدد خسائر الفرنسيين حوالي 300، لكن خسائر العثمانيين والمماليك فاقت الآلاف. دخل نابليون القاهرة بعد المعركة وأنشأ إدارة محلية جديدة تحت إشرافه. كانت هذه المعركة إلى جانب معركة النيل، جزءاً من تنافس عالمي كبير بين فرنسا وبريطانيا. كان الهدف الفرنسي هو إنشاء قاعدة لمواصلة الحملة على الهند البريطانية. بعد أن دمر هوراشيو نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة النيل، زحف بونابرت على بلاد الشام حتى أوقفت القوات الأنجلو-تركية تقدمه في عكا.

    مقدمة

    بعد الهبوط في مصر التي يسيطر عليها العثمانيون والاستيلاء على الإسكندرية في 2 يوليو 1798، سار الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال بونابرت عبر الصحراء باتجاه القاهرة. التقوا بقوات المماليك الحاكمة على بعد تسعة أميال (15 كم) من الأهرامات وعلى بعد أربعة أميال (6 كم) فقط من القاهرة. كانت قوات المماليك بقيادة مملوكين جورجيين، مراد بك وإبراهيم بك، وكان تحت قيادتهما قوة من سلاح الفرسان الأقوياء والمدربين تدريباً عالياً بالإضافة إلى ميليشيا الفلاحين التي تعمل كقوة مشاة. عندما عثرت الكشافة الفرنسية على معسكر مراد في 13 يوليو، أمر بونابرت بالتقدم نحو قوات المماليك، واشتبك معهم خلال معركة شبراخيت القصيرة. بعد تدمير المدفعية الميدانية الفرنسية سفينة القيادة لأسطول المماليك، تراجعوا بدلاً من الاشتباك، وانتهت المناوشات بانتصار فرنسي محدود.

    المعركة

    اصطدم الفرنسيون بالقوة العثمانية في محيط قرية إمبابة، بعد مسيرة طوال الليل في 21 يوليو. وأُمر الرجال بالاستعداد للمعركة بعد ساعة من الراحة. أمر بونابرت بالتقدم نحو جيش مراد مع تنظيم كل فرق جيشه الخمسة إلى مستطيلات مجوفة مع سلاح الفرسان والأمتعة في المركز ومدفع في كل زاوية. حث بونابرت قواته على البقاء ثابتة وإبقاء صفوفهم متماسكة عند مواجهة فرسان المماليك.

    تقدمت الفرق الفرنسية جنوباً في نٌسق متدرج، مع تقدم الجناح الأيمن والجناح الأيسر محمياً بنهر النيل. من اليمين إلى اليسار، نشر بونابرت فرق لويس شارل أنطوان دوزيه، وجان لويس إبنيزر رينييه، وتشارلز فرانسوا جوزيف دوغوا، وأونوريه فيال، ولويس أندريه بون. بالإضافة إلى ذلك، أرسل دوزيه مفرزة صغيرة لاحتلال قرية بشتيل المجاورة، إلى الغرب مباشرة. ثبت مراد بك جناحه الأيمن على النيل في قرية إمبابة التي حُصنت وزودت بالمشاة وبعض المدافع القديمة، بينما ثبت جناحه الأيسر في قرية بشتيل، حيث وضع بقية مدافعه هناك لحمايته من أي حركة تطويق من الفرنسيين. وانتشر فرسانه من المماليك في الوسط بين هذه القرى. وقف الجيش المملوكي الآخر بقيادة إبراهيم بك على ضفاف النيل وشاهد الأحداث وهي تتكشف غير قادر على العبور والتدخل. كانت خطة مراد بك الأصلية هي صد الهجمات الفرنسية على أجنحته المحصنة، ثم مهاجمة مركزهم المثبط.

    كان المماليك، لا يزالون قوة إقطاعية من العصور الوسطى إلى حد كبير في جميع خصائصها العملية، بما في ذلك جيشها، على النقيض تماماً مع الجيش الفرنسي الحديث دائماً. تألف غالبية الجيش المصري من الفلاحين، وكان ثقله هو الحصان المملوكي. حدث خلال المعركة التي أظهرت الفجوة بين الجيشين، عندما سار أحد فرسان المماليك، مرتدياً درعاً ثقيلًا، على بعد خطوات قليلة فقط من الخطوط الفرنسية وطالب بمبارزة. ورد الفرنسيون بإطلاق النار.

    أمر نابليون مربع دوزيه بالتقدم جهة اليمين (باتجاه القلب المصري) وبقية المربعات إلى اليسار (في اتجاه إمبابة)، ما اعتبره مراد بك فرصة سانحة، فأمر صديقه الدفتردار أيوب بك بمهاجمة المربعات الفرنسية، قذف فرسان المماليك أنفسهم على الفرنسيين دون سابق إنذار في حوالي الساعة 15:30. صمدت مربعات فرق دوزيه ورينيه ودوغا وصدت الفرسان بنيران البنادق والمدفعية من مسافة قريبة. غير قادر على ترك انطباع على، انطلق بعض المماليك المحبطين لمهاجمة قوة دوزيه المنفصلة، بعدما عجزوا عن اختراق التشكيلات الفرنسية، لكن هذا فشل أيضاً. في هذه الأثناء، بالقرب من النيل، انتشرت فرقة بون في أرتال هجومية وهاجمت إمبابة. هزم الفرنسيون الحامية بعد اقتحام القرية. حاول العديد من المماليك والمشاة، المحاصرين في مواجهة النيل، السباحة للوصول إلى بر الأمان، لكن غرق المئات منهم. أعلن الفرنسيون عن سقوط 29 قتيلاً و260 جريحاً منهم. فيما كانت خسائر مراد أكبر بكثير، وربما وصلت إلى 10,000 بما في ذلك 3000 من نخبة فرسان المماليك، كما قُتل في المعركة قائده أيوب بك. كذلك أصيب مراد بك نفسه بضربة مُنصل في خده. هرب مراد إلى صعيد مصر مع 3000 من سلاح الفرسان الناجين، حيث شن حملة حرب عصابات نشطة قبل أن يهزمه دوزيه في أواخر 1799.

    نتائجها

    فرت جيوش المماليك المتأهبة في القاهرة إلى سوريا، عند سماعهم نبأ هزيمة سلاح فرسانهم الأسطوري ودخل بونابرت العاصمة المصرية في 24 يوليو. ثم طاردت القوات الفرنسية إبراهيم بك وألحقت به هزيمة ساحقة في الصالحية في 11 أغسطس.

    أسس نابليون ما عُرف باسم «ديوان القاهرة» أو «ديوان نابليون» في العاصمة المحتلة عقب معركة الأهرام، وهو مجلس صوري من 9 أعضاء لإدارة شؤون القاهرة، فيما كانت السلطة الحقيقية في يد الفرنسيين. لاحقاً، قمع نابليون ثورة القاهرة الأولى بعنف. على الرغم من أن نابليون حاول استمالة العلماء المصريين المحليين، فإن علماء مثل الجبرتي صبوا ازدراءهم على أفكار الفرنسيين وأساليبهم الثقافية. رغم تصريحاتهم الودية تجاه السكان الأصليين، حتى أن بعض الجنود الفرنسيين اعتنقوا الإسلام للزواج من مسلمات، فقد وصف رجال دين مثل عبد الله الشرقاوي، الذي ترأس حكومة نابليون في القاهرة أو ديوان نابليون، الفرنسيين فيما بعد بأنهم: «ماديون وفلاسفة زنادقة.. ينكرون يوم القيامة والآخرة، و.. الأنبياء.»

    كانت معركة الأهرامات إيذاناً ببداية نهاية سبعة قرون من حكم المماليك في مصر. على الرغم من هذه البداية المبشرة، فإن انتصار الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون في معركة النيل بعد عشرة أيام أنهى فعلياً طموحات نابليون في مصر.

  9. معركة أبي قير البحرية

    17 دقيقة قراءةفور عودة الجنرال الشاب نابليون بونابرت من إيطاليا في الأسابيع الأولى من العام 1798 بعد إحرازه انتصارات عسكرية باهرة، باشر بدراسة أوضاع القوات العسكرية الفرنسية المكلفة بغزو الجزر البريطانية وتحضيرها لهذه الحملة، ولكن…

    الخلفية التاريخية

    فور عودة الجنرال الشاب نابليون بونابرت من إيطاليا في الأسابيع الأولى من العام 1798 بعد إحرازه انتصارات عسكرية باهرة، باشر بدراسة أوضاع القوات العسكرية الفرنسية المكلفة بغزو الجزر البريطانية وتحضيرها لهذه الحملة، ولكن سرعان ما أدرك صعوبة بل استحالة تنفيذ المهمة لأسباب عديدة أهمها، ضعف القوات البحرية الفرنسية مقارنة مع البحرية الإنجليزية التي باتت تؤمن السيطرة البحرية وتشكل سداً منيعاً أمام أي قوة تحاول غزو بريطانيا، بالإضافة إلى ضعف التجهيزات اللازمة للقوات الفرنسية لتتمكن من تنفيذ الغزو، وعدم توافر الأموال الكافية، والبرد القارس والأمراض المتفشية بين العناصر والتي تشكل عقبة كبيرة في تحقيق الهدف المنشود.

    بناء عليه، تقدم الجنرال بونابرت في 28 فبراير/شباط 1798م إلى حكومة الإدارة Directoire بعرض هذا الوضع والصعوبات التي تعترضه وتحول دون تمكينه من تنفيذ المهمة الموكلة إليه بغزو الجزر البريطانية، واقترح خطة بديلة باحتلال مصر. وهكذا تحوّل هدف غزو الجزر البريطانية إلى تحضير لغزو مصر.

    مصر والسياسة الفرنسية

    منذ أوائل القرن السادس عشر وبالتحديد منذ العام 1536 أو خلال عهد السلطان العثماني سليمان الأول، كان التاج الفرنسي يتطلّع نحو منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة حيوية للمصالح الاقتصادية الفرنسية. وقد عملت فرنسا منذ ذلك التاريخ بفضل علاقات الصداقة والتحالف التي تربطها بالسلطنة العثمانية على تشجيع الاستثمارات الاقتصادية في هذه المنطقة، لا سيما في مصر التي احتلها العثمانيون في العام 1517، وكذلك منطقة البحر الأحمر وسوريا وفلسطين. كما عملت على افتتاح قنصليات وإيفاد بعثات ديبلوماسية إليها وافتتاح خطوط ملاحة بحرية لتنشيط حركة التجارة البحرية معها. إلى ذلك، عرضت فرنسا تمويل مشروع شق قناة السويس المقترح من قبل أحد المهندسين الأتراك في العام 1586 الذي أعيد طرحه في عهد لويس الرابع عشر، نظراً لأهميته، ولكونه يساعد في فتح أسواق جديدة فرنسية وينشط التجارة مع الشرق الأقصى.

    إلا أن انشغال السلطنة العثمانية خلال هذه الفترة بالصراع العسكري الدائر في الأطراف الشمالية والشمالية الغربية ضد كل من روسيا والنمسا، وعدم تحقيقها انتصارات حاسمة في المعارك في منطقة البلقان وبحر أزوف والبحر الأسود، حال دون إطلاق مشاريع التنمية الفرنسية المقترحة في مصر وسوريا خلال هذه الفترة، وبدأت السلطنة تتجه للعب دور «الرجل المريض»، الأمر الذي شجع الدول الأوروبية للالتفاف حوله لتقاسم إرثه كما حصل في العام 1914.

    مع ذلك تابعت فرنسا تحركها لتنفيذ مشاريعها وتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط في منتصف القرن الثامن عشر لسببين رئيسيين:

    - الأول: توسيع بريطانيا لخطوطها البحرية في البحر المتوسط بعد انحسار النشاط البحري لمدينة البندقية التي كانت تسيطر على هذه الخطوط بافتتاح قنصلية ناشطة وفاعلة جداً لها في القاهرة لتفعيل وتنسيق الأعمال التجارية التابعة لها مع الهند.

    - الثاني: خسارة فرنسا لقسم كبير من مستعمراتها في العالم الجديد في أمريكا والهند، واضطرارها لتوقيع معاهدة باريس مع بريطانيا في العام 1763، وهذا ما دفع وزير خارجيتها في حينه إلى السعي لوضع اليد على مصر بصورة مباشرة للتعويض عن خسارة المستعمرات المشار إليها أعلاه، مع القبول بما ينجم عن هذا الطموح من تعريض لعلاقة الصداقة الفرنسية - التركية للتوتر.

    بغية وضع هذا الهدف موضع التنفيذ كلّف البارون دي توت (DETOTT) في العام 1777 السفر بمهمة سرية لاستطلاع السواحل والمرافئ وسبر أعماقها، إضافة إلى نسج علاقات مع الحكّام المحليين المعارضين للسلطنة ولتوسيع النفوذ الفرنسي، وقام البارون بنهاية رحلته بتنظيم تقرير مفصّل عن المهمة تم نشرها تحت اسم: "LES MEMOIRES SUR LES TURCS ET LES TARTARES.

    كما كلّفت البعثات الديبلوماسية والتجارية الفرنسية تنظيم تقارير مفصّلة عن أوضاع المنطقة المذكورة من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وتم ضم كافة هذه التقارير إلى تقرير البارون دي توت وشكّلت جميعها الملف الأساسي لحملة غزو مصر وتقرر متابعة الوضع عن كثب.

    بعد مرور عشرين سنة على رحلة البارون، ركّزت التقارير الديبلوماسية على تنامي الخلاف ما بين الحكام المحليين في مصر والسلطنة، مما دفع وزير الخارجية الفرنسية في عهد الثورة الفرنسية تاليران إلى السعي مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية إلى تسويق فكرة إرسال حملة عسكرية إلى المنطقة واحتلال مصر، مع التركيز على الهدف الرئيسي لهذه الحملة، وهو ضرب المصالح البريطانية الاقتصادية وقطع خطوط مواصلاتها التجارية مع الهند، وذلك كهدف بديل لاجتياح الجزر البريطانية.

    بعد مناقشات عديدة مع مجلس قيادة الثورة الفرنسية شارك فيها كل من الوزير الفرنسي تاليران والجنرال بونابرت، اتخذ مجلس قيادة الثورة الفرنسية في 12 آذار 1798 قراراً بإطلاق حملة الغزو على مصر بقيادة بونابرت، وكلّف هذا الأخير بتنفيذ ما يلي:

    - احتلال جزيرة مالطا لتأمين قاعدة خلفية لإمداد الحملة العسكرية.

    - احتلال مصر وطرد الإنجليز منها، وضرب كافة المصالح الاقتصادية التابعة لهم فيها وفي الدول المجاورة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

    - شق قناة السويس لربط الملاحة ما بين البحر المتوسط والبحر الأحمر ودرس تحقيق أهداف بعيدة لاحقاً.

    - تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان مصر والدول المجاورة لدفعهم لتعميق تحالفهم مع فرنسا.

    حددت الخطة المدة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف بستة أشهر، وقرر مجلس قيادة الثورة الفرنسية المباشرة فوراً بتوثيق الصلات الدبلوماسية الفرنسية مع الحاكم المصري المحلي، إضافة إلى تكليف وزير الخارجية الفرنسي تاليران بالقيام بزيارة إلى إسطنبول لشرح أهداف الحملة العسكرية الفرنسية إلى مصر، والتأكيد أنها غير موجهة ضد مصالح السلطنة العثمانية، وبالتالي تأكيد التزام فرنسا بالتحالف الستراتيجي القائم منذ فترة طويلة مع السلطنة العثمانية.

    التحضير لانطلاق الحملة العسكرية الفرنسية

    اتسمت الأسابيع التي سبقت انطلاق الحملة الفرنسية على مصر بحركة متواصلة ومنقطعة النظير للقائمين على قيادتها، وفي مقدمهم بونابرت الذي كان يعمل في باريس على تنسيق كافة الأعمال المتعلقة بالحملة وتجهيزها للانطلاق من مختلف المرافئ، مع اعتبار مرفأ طولون الفرنسي قاعدة انطلاق رئيسية إضافة إلى باقي المرافئ مثل مرسيليا وأجاكسيو (في جزيرة كورسيكا) وجنوى وشيفيتافيكا في إيطاليا.

    كما تولى تنسيق الأعمال الإدارية واللوجستية ببراعة كبيرة الضابط القيّم ناجاك، أما تحضير الأسطول المكلّف نقل القوى العسكرية الفرنسية والسهر على جهوزية المراكب وطواقمها وأسلحتها وتدريبها، فقد أوكل إلى الأميرال برويس الذي سجلت له أعمال بحرية باهرة خلال قيادته البارجة «دي غراس» في العامين 1781 و1782، كذلك في البحر الأدرياتيكي في العام 1797.

    وقد عمل الأميرال المذكور على تجميع أكبر عدد ممكن من المراكب العسكرية التي تم إنقاذها بعد تحرير مرفأ طولون من الاحتلال الإنكليزي في العام 1793 على يد نابليون، وكذلك المراكب العسكرية والمدنية التي تم الاستيلاء عليها خلال الحملات العسكرية على إيطاليا والتي كانت عائدة لإمارات جنوى وبيزا ونابولي والدولة البابوية. وفي النهاية تم تجميع 13 مركباً حربياً كبيراً (بما فيها المركب الذي يعتبر زهرة المراكب الحربية الفرنسية "LORIENT والمسلّح بـ120 مدفعاً)، إضافة إلى ستة مراكب حربية متوسطة الحجم للحراسة والمواكبة، و400 مركب شحن تجاري لنقل القوى العسكرية والمعدات المؤلفة من 38 ألف عنصر و1200 حصان مع المؤن والذخائر اللازمة للحملة.

    وتم أيضاً تجميع حوالى 13 ألف بحار لتأليف طواقم المراكب العسكرية والمدنية التي يبلغ عددها حوالى 500 مركب. ونظراً لتطويع العديد من البحارة على وجه السرعة وبخبرات محدودة في المجال البحري، اعتبر هذا العدد غير كاف وقدر النقص الحاصل واللازم للرحلة من البحارة بنحو ألفين إضافيين. ولتعويض النقص في العديد وفي خبرة وتدريب الطواقم، عمل قائد القوى البحرية للحملة الأميرال برويس على الاستفادة إلى أقصى الدرجات من قدرات وطاقات الضباط المميزين الذين اختارهم لمرافقته في الرحلة.

    وبينما كان الأسطول الفرنسي ينهي كافة التحضيرات المتعلقة بالحملة ويستعد للإبحار، كانت بريطانيا تعيش أجواء خوف ورعب على كافة الصعد المدنية والحكومية والعسكرية.

    أجواء بريطانيا خلال مرحلة تحضير القوى الفرنسية للإبحار

    بحسب الصحافة البريطانية في حينه، سادت الأوساط الشعبية والحكومية وأوساط قيادة البحرية البريطانية ووزارة الدفاع، أجواء من القلق والخوف الكبيرين فور عودة الجنرال بونابرت من إيطاليا، فالخطوة اللاحقة له كانت.

    كما هو معروف غزو الجزر البريطانية. لذلك سارعت الحكومة البريطانية إلى طلب تبرعات مالية فورية من المتمولين البريطانيين والشركات القادرة على المساعدة في تغطية النفقات الحربية الطارئة في مجال الدفاع عن بريطانيا ضد الغزو الفرنسي المرتقب. وفي هذا المجال قدّم الملك جورج الثالث ثلث ثروته كدعم للإمكانيات الدفاعية. كما شجعت الحكومة إنشاء الميليشيات الشعبية في المدن والمناطق الساحلية لمساندة الجيش النظامي في الدفاع عن بريطانيا.

    قائد القوى البحرية الإنكليزية في حينه الأميرال سبنسر اتخذ تدابير استثنائية في مجال الأسطول الحربي للتصدي لأي محاولة بحرية فرنسية لتنفيذ إنزال على الجزر البريطانية.

    وكلّف لهذه الغاية قائد الأسطول البريطاني في البحر المتوسط الأميرال جرفيس إرسال عدة مراكب حربية بقيادة أفضل ضابط بحري من مساعديه بمهمة التواجد مقابل مرفأ طولون الفرنسي لمراقبة تحرك الأسطول الفرنسي والاستعدادات الجارية هناك عن كثب وبصورة مباشرة، والإفادة تباعاً من هذه الاستعدادات والتحركات واتخاذ كافة الإجراءات البحرية اللازمة لمنع المراكب الفرنسية من الإبحار والتوجه إلى إسبانيا لفك الحصار عن المراكب الحربية الإسبانية في كاديز أو الالتحاق في برست بباقي الأسطول الفرنسي الموجود هناك.

    وقد اختار الأميرال جرفيس لهذه المهمة الأميرال نلسون وأرسله بسرعة على رأس قوة بحرية مؤلفة من ثلاث مدمرات وفرقاطتين.

    إن ما دفع بالسلطات البريطانية إلى إعلان التعبئة العامة ومباشرة الاستعداد للدفاع عن الجزر البريطانية ضد الغزو الفرنسي، هو التحرك العسكري الفرنسي المكثّف الجاري علناً في مرفأ طولون بعد عودة الجنرال بونابرت من إيطاليا وتحقيقه الانتصارات الساحقة على جيوش الإمارات الإيطالية.

    وقد تعمدت وزارة الحرب الفرنسية تسريب هذه التحضيرات إلى الصحافة الفرنسية حتى بعد اتخاذ قرارها الضمني بتعديل الهدف الرئيسي للحملة لاحتلال مصر، وذلك بهدف تضليل السلطات العسكرية البريطانية وتأمين عنصر المفاجأة للحملة العسكرية الفرنسية، وراحت الأوساط القريبة من نابليون تسرب شائعات مغلوطة عن عزمه احتلال صقلية واحتمال تنفيذ غزو للبرتغال وحتى السيطرة على جبل طارق باعتباره نقطة إستراتيجية بحرية هامة.

    التحضيرات الفرنسية لإبحار حملة الغزو الفرنسية

    انشغال القيادة العسكرية البريطانية بالإستعداد لتحسين دفاعاتها في الجزر البريطانية وإعطائها هذه التحضيرات الأفضلية في تحركها، حال دون المباشرة الفورية بتعزيز مجموعة الأميرال «نلسون» المكلفة بمراقبة الأسطول الفرنسي، واقتصر تشكيل هذه المجموعة على بضع سفن غير كافية لتخوض معركة حاسمة وفاصلة ضد البحرية الفرنسية التي كانت تستعد بصورة علنية للإبحار.

    عمل الأميرال نلسون على تواجد السفن المتوافرة لديه مقابل ميناء طولون وجواره لمراقبة استعدادات الأسطول الفرنسي الذي بدأ بالتحرك بتاريخ 19 مايو. وقد ساعد الهواء الذي يهب من البر نحو البحر بقوة والمعروف باسم «ميسترال» السفن الشراعية الفرنسية للخروج من الميناء، وكان من حسن طالع الجنرال نابوليون فعلاً أن تسببت رياح Mistral بالتقائها مع الرياح البحرية بعاصفة محدودة،

    مما سبـب صعوبـات في الرؤية للأسطـول البريطاني إضافـة إلى تضرر سفينة القيادة الذي يستقلـه الأميرال نلسون مما اضطره للاحتماء خلف جزيـرة (سان بياد) لإصلاح العطل، وبذلك فقد أثر الحملـة البحرية الفرنسية بعد خروجها من ميناء طولون، لكن الأميرال نلسون لم يفقد الأمل وسارع على الفور إلى إفادة قيادته عن انطلاق الأسطول الفرنسي وطلب تعزيز قوته البحريـة، وفور إصلاحه أعطال سفينة القيادة، إنطلـق في البحر في 24 مايو لملاحقة الأسطول الفرنسي التي غاب عن أنظاره، معتمـداً على إتجاه إبحارهم بعد الإستعلام عنه من المتعاملين مع البحرية البريطانية.

    في 28 مايو علم نلسون ان الأسطول الفرنسي إتجهت جنوباً نحو السواحل الإيطالية في بحر التريني. وفي يونيو كانت وصلت التعزيزات الحربية البحرية إلى الأميرال نلسون بناء لطلبه، وهي عبارة عن إحدى عشر سفينة حربية إنطلق بها بأقصى سرعة ممكنة بواسطة فتح كافة الأشرعة لملاحقة الأسطول الفرنسي الذي كان يتحرك بسرعة متوسطة، وفي 14 يونيو وصل أسطول نلسون إلى تشيفيتافيكيا CIVITAVECCHIA،

    وعلم من جواسيسه في المنطقة أن نابليون متجه لاحتلال صقلية الغربية وشوهدت سفنه تمر عبر مضيق مسينا، وعندما توقف نلسون في نابولي لمدة ثلاثة أيام للتزود بالمؤن المختلفة اللازمة لمواجهة الأسطول الفرنسي و‘ستقصاء المعلومات عنه، علم نلسون أن بونابرت موجود في مالطا وقد احتلها من دون أي مقاومة، قيادة البحرية الإنجليزية التي كانت تتابع الموضوع عن كثب، اعتقدت ان نابليون مصمم على احتلال كافة المواقع الإستراتيجية الموجودة غرب البحر المتوسط تمهيداً للانطلاق بعدها إلى غزو الجزر البريطانية، لكن توقعات الأميرال نلسون كانت مختلفة، وكان لديه قناعة راسخة أن هدف نابوليون التالي هو احتلال مصر بهدف السيطرة على خطوط المواصلات التجارية والعسكرية الإنجليزية إلى مستعمراتها في الهند.

    انطلاق الحملة الفرنسية إلى مصر

    انطلق نابوليون بعد السيطرة على مالطا باتجاه مصر في 19 حزيران سالكاً طريقاً غير مباشرة إليها بغية تضليل المراقبة، واتجه باتجاه الشمـال الشرقي معرجـاً أمام سواحل كريت، ثم اتجه جنوباً لبلوغ الشواطئ المصرية من الجهة الشمالية، وذلك تلافياً للوقوع في كمين قد ينصب له من قبل البحرية البريطانية، في حال كشفت حقيقة تحركاته، وكان نابوليون يدرك جيداً مدى التفوّق البريطاني على الأسطول الفرنسي في البحر.

    فور بلـوغ الأميرال نلسـون خـلال تواجـده في نابولي للتزوّد بالمؤن خبر مغادرة نابليون جزيرة مالطا وإبحاره شرقاً، أيقن صوابيـة توقعـاتـه بأن احتـلال مصر هو الهدف الأساسي للحملة الفرنسية. فسارع على الفور للحاق بنابليون وبأقصى سرعة بهدف اعتراضه وتدمير مراكبه في البحر قبل إنزال قواته إلى الشاطئ.

    لكن الحـظ شـاء هـنا أيضاً وكذلك العـناية الإلهية عدم التقاء الأسطولين في البحر إذ مرا ليل 22 - 23 على مسافات قريبة نسبياً من بعضهما البعض خلال مسارهما جنوبي جزيرة كريت باتجاه السواحل المصرية من دون أن يشعر أو يشاهد أحد منهما الآخر.

    ونتيجة اختلاف المسارين وصل الأميرال نلسون بتاريخ 28 يونيو مقابل مرفأ الإسكندرية وكانت دهشته كبيرة عندما تبين له خلو المرفأ والشاطئ من أي وجود فرنسي، باستثناء بعض المراكب التركية الصغيرة. اعتقد نلسون عندها إن نابليون خدعه بانطلاقه شرقاً من مالطا بغية تضليله عن هدفه المرتقب القادم والقاضي باحتلال غربي صقلية. ووفقاً لتوقعات قيادة البحرية البريطانية وبعد القيام بجولة تفتيشية سريعة عن الفرنسيين على الشواطئ المصرية في جوار الإسكندرية، غادر مصر متوجهاً بأقصى سرعة غرباً باتجاه صقلية وكان ذلك بتاريخ 29 يونيو.

    في هذه الأثناء كانت طلائع المراكب الفرنسية القادمة من الشمال تقترب من السواحل المصريـة حيث وصل مركب القيادة الذي يحمل نابوليـون والمعروف بـ"LA JUNO'Nس السواحل المصرية يوم مغادرة الأسطول البريطاني وإنما بعد ساعتين فقط، ولم يشاهد أي طرف الآخر بالرغم من إن المسافة التي تفصل بينهما لا تتعدى العشرين ميلاً بحرياً، فالرادار البحري وكذلك وسائل الاتصال اللاسلكي لم تكن موجودة ومعروفة في حينه، وكانت المراقبة البحرية تتم بواسطة النظر وترتكز على الاستعلام.

    وصلت المجموعة الرئيسية من المراكب الفرنسية إلى مقابـل مرفـأ الإسكندريـة بتاريخ 1 تمـوز وأعطى نابليـون فوراً الأمـر بمباشرة إنـزال القوى والأعتـدة إلى البر وقد استغرقـت هذه العمليـة ثلاثـة أيـام. وبينما كان نابليون يستعد للمعركة البرية ضد المماليك على البر ومباشرة زحفه جنوباً لاحتلال القاهرة، طلب من قائد الأسطول الفرنسـي وضع مراكبه في مكان آمن، على مقـربة من القوى التي تم إنزالها لاستعمالها عند أي طارئ، واقتـرح عليه إدخال هذه المراكب إلى مرفأ الإسكندرية القديم إذا كانت أعماق المرفأ تسمـح بذلك وحيث ستكـون تحت حماية المدفعيـة البرية الفرنسية ضد أي هجوم إنكليزي محتمل عليهـا من جهة البحـر.

    لكـن الأميرال برويس أبـدى رغبته بنقل المراكـب الفرنسية إلى كورفـو في اليونان حيث ستكون بوضع آمن وعلى مسافة قريبة للتدخل، فقد كان لديه شك في إمكانية إدخالها إلى مرفأ الإسكندرية، هذا الرأي أغضـب نابليـون الذي طـلب مباشـرة درس إمكانية إدخال المراكب إلى الإسكندرية.

    وبانتظار معرفة نتيجة مسح أعماق مرفأ الإسكندرية أعطى الأميرال الفرنسي توجيهات إلى مراكب الأسطول الفرنسي بالرسو شمالي شرقي مرفأ الإسكندرية في خليج أبو قير.

    وبدلاً من الانكباب فوراً على دراسة أعماق مدخل مرفأ الإسكندرية وأحواضه بسرعة، راح البحارة الفرنسيون يهتمون بصيانة مراكب الأسطول الحربي إضافة إلى زيارة البر المصري للتعرف عليه، بينما تمت أعمال مسح الأعماق ببطء. ويعود ذلك إلى مستوى الانضباط المنخفض لدى طواقم البحارة التي تم تجنيدها للحملة بصورة عشوائية وعلى عجل، والتي لم تتأقلم بصورة تامة مع الحياة العسكرية لجهة التجاوب بدقة في تنفيذ الأوامر المطلوبة منها.

    وفـي هذه الأثنـاء كان الأسطول البريطاني يبحر بأقصـى سرعـة ممكنـة باتجاه جزيرة صقلية بقيادة الأميرال نلسون الذي عاد مجدداً يرجـح توجه الحـملة الفرنسية إلى مصر.

    استـغل نلسـون توقفـه في صقلية لتـزويد مراكبه بالمؤن والمياه الحلوة وانطلق مجدداً باتجاه الشرق فكان وصوله إلى الإسكندرية في الأول من آب الساعة 14:45.

    المواجهة البحرية بين الأسطولين الفرنسي والبريطاني

    يمتد خليج أبو قير على مسافة 18 ميلاً بحرياً (33.3 كلم) من جزيرة أبو قير (أو جزيرة نيلسون) حتى رشيد في الجنوب الشرقي، وقد انتشرت فيه المراكب الفرنسية مقابل الشاطئ وفقاً لترتيب الرتل، من دون أخذ احتياطات قتالية، على اعتبار أن هذا التوقف مؤقت.

    فور وصوله إلى خليج أبو قير، قرر نلسون مباشرة الاستعداد لمهاجمة الأسطول الفرنسي المتوقف على الياطر في الخليج مستفيداً من الرياح المؤاتية.

    في الجانب الفرنسي، وبعد عقد اجتماع حرب عاجل أصر الأميرال برويس على مواجهة الأسطول البريطاني من قبل المراكب الفرنسية وهي متوقفة على الياطر خلافاً لرأي دي شايلا الذي اقترح رفع الأشرعة ومواجهة الأسطول البريطاني في البحر. كما أن القائد الفرنسي استبعد حصول المواجهة البحرية فوراً نظراً لقرب حلول الظلام وصعوبة خوض معركة ليلية من قبل السفن الشراعية البريطانية.

    واعتبر أن ذلك سيسمح له بالاستعداد ورفع الجهوزية في مجال العناصر التي أوعز إليها بالالتحاق فوراً بالمراكب، إضافة إلى ذلك كان هنالك شعور لدى القادة الفرنسيين بتفوقهم على الأسطول البريطاني بفضل الدارعات المرافقة للأسطول الفرنسي والتي لإحداها 120 مدفعاً إلى ثلاث أخرى ات لكل منها 80 مدفعاً؛ ومقابل 17 مركباً فرنسياً كان لدى نلسون 15 مركباً جميعها من القياس المتوسط ومسلحة تسليحاً متوسطاً (نحو 46 مدفعاً لكل منها). كان الأميرال الفرنسي يخشى مهاجمة أسطوله من المؤخرة أي من جهة الجنوب، لذلك عمد إلى تركيز مراكبه القوية في الوسط لتأمين مساندة المؤخرة عند الضرورة وبذلك تم إهمال مقدمة الأسطول. جهوزية المراكب الفرنسية من الطواقم البحرية لم تكن تتعدى 50% نظراً لإرسال باقي العناصر للتزود بالمؤن، وكانت قد نفذت في معظمها أعمال طلاء لأقسامها الخشبية وبالتالي كانت عرضة للالتهاب السريع كون الطلاء لم يجف بصورة تامة.

    بعدما تحقق نلسون من نقاط الضعف الموجودة في الجانب الفرنسي (ترك مسافات كبيرة بينها، بعدها عن مساندة المدفعية الساحلية، إمكانية استعمال اللسان البحري بينها وبين الشاطئ) قرر مهاجمة مقدمة الأسطول الفرنسي بدون تأخير ومن الجهتين، وبدأ المواجهة البحرية الساعة 18.30. وقد قامت ثمانية مراكب بريطانية بإحاطة خمسة مراكب فرنسية وإمطارها بالقذائف من الجهتين في آن واحد وعلى مسافات قريبة جداً يمكن معها استعمال المسدسات الصغيرة. وقد راهن نلسون على خبرة قادة مراكبه العالية في مجال المناورة وتنفيذ أوامره بحذافيرها.

    بالرغم من مفاجأة الفرنسيين بالهجوم الليلي غير المتوقع وبالرغم من تدني مستوى جهوزية مراكبهم بالعديد فقد، خاضوا المعركة بكل شجاعة وتصميم ملحقين إصابات مباشرة بالمراكب البريطانية.

    وحوالى الساعة 20.00 أحاط سفينتان بريطانيان بسفينة القيادة الفرنسية «الشرق» وأمطراه بقذائف مباشرة أدت إلى مقتل قائد الأسطول الفرنسي برويس على الفور، واستمرت المواجهة العنيفة بين هذه السفن، إلى أن أصابت إحدى القذائف البريطانية مستودع الذخيرة على سفينة القيادة الفرنسية مما أدى إلى انفجارها بشكل مروع وتلاشي أجزائها، وبالتالي مقتل معظم طاقمها البالغ عددهم نحو ألف عنصر، وقد دوى صوت انفجار سفينة القيادة في المنطقة محدثاً ذهولاً كبيراً لدى السكان على البر.

    بعد تدمير سفينة القيادة الفرنسية وشل أو أسر سفن المقدمة، انتقلت السفن البريطانية مجتمعة لتركيز الهجوم على وسط المراكب الفرنسية ومؤخرتها، وعند بزوغ الفجر تم شل واستلام باقي السفن الفرنسية. وجاءت حصيلة المعركة البحرية تدمير بارجتين ومدمرتين فرنسيتين وأسر تسعة سفن مع ثلاثة آلاف بحار، كما قتل خلال المعركة 1700 بحار فرنسي بينهم قائد الأسطول الأميرال برويس.

    في الجانب الإنجليزي سجل مقتل 288 عنصراً وجرح نحو ألفين، وبالرغم من عدم خسارتها أي مركب إلا أن ثلثي المراكب البريطانية أصيبت خلال المواجهات إصابات مباشرة، وأصبحت بحاجة إلى إجراء تصليحات فيها، وقد أصيب خلال هذه المعارك الأميرال نلسون إصابة بليغة.

    عمد نلسون إلى إرسال إحدى سفن الأسطول "LEANDER" إلى نابولي لإبلاغ القيادة بالنصر الذي حققه ضد البحرية الفرنسية، ولكن هذا المركب تعرّض للأسر من قبل قائد فرنسي تمكن من الهرب بمركبه فور بدء المعركة البحرية وتدمير مركب القيادة.

    تقييم نتائج المعركة

    مما لا شك فيه أن النتائج الباهرة التي حققها الأميرال نلسون في معركة أبو قير أحدثت ثورة في مجال التكتيك البحري في حرب السفن الشراعية والتي كانت تعتمد على نظريات رودنيي القائمة على استعمال تشكيل الرتل للسفن ومواجهة السفن المعادية بعد الاقتراب منها.

    فقد ارتكز الأسلوب المتبع من قبل نلسون على ما يلي:

    - اتخـاذ قرار المهاجمـة ليلاً خلافـاً لما كـان معـهوداً في المعـارك البحريـة الشراعيـة في حينه، مما وفّـر له عنصـر المفاجـأة.

    - تكثيف القوى المهاجمة على المراكب المعادية بحيث يتم مهاجمتها بعدد مضاعف من المراكب.

    - توزيع المراكب المهاجمة بدقة لإحاطة المراكب المعادية من الجهتين، والاستفادة من المسافات المتروكة بينهما مما سهّل مناورة السفن المهاجمة.

    في المقابل يجمع المحللون الفرنسيون على أن الخطأ الفادح الذي ارتكبه الفرنسيون في هذه المعركة هو إضاعة الوقت فور وصول الحملة الفرنسية وعدم تأمين السفن في ميناء الإسكندرية تحت حماية المدفعية البرية الفرنسية، إذا كانت الأعماق تسمح بذلك، أو نقلها إلى ميناء كورفو في اليونان، ويتحمل مسؤولية ذلك بالدرجة الأولى الأميرال برويس كونه قائد الأسطول خصوصاً أنه كان لديه نحو شهر لحل هذه المشكلة، إلا أنه بقي متردداً حيال تأمين سلامة سفنه خلال تلك الفترة.

    ولكن نابوليون الذي يعتبر قائد الحملة يتحمل جزءاً من هذه المسؤولية، فقد كان في هذه الأثناء منغمساً في معاركه البرية ضد المماليك ويتقدم جنوباً لاحتلال القاهرة، وكان يرغب بإبقاء الأسطول على مقربة منه في حال هزيمته في المعارك، ويقال إنه بعد تحقيقه الانتصارات في المعارك البرية أوفد رسولاً إلى الأميرال برويس لإبلاغه ضرورة تأمين السفن ولو في كورفو في اليونان، لكن هذا الرسول لم يصل إلى الإسكندرية بعد وقوعه في مكمن نصبه المماليك. وخلال وجود نابوليون في جزيرة سانت هلينا وخلال إعادة استعراضه الأحداث والمعارك التي خاضها سابقاً وفي حديثه عن معركة أبو قير، حمّل الأميرال برويس مسؤولية تدمير الأسطول الفرنسي، وقال إن استشهاده في المعركة عوّض عن الخطأ الذي ارتكبه.

    بالنسبة لنتائج معركة أبو قير على حملة نابوليون، فإن خسارة الأسطول البحري الفرنسي أفقدت نابوليون الوسيلة التي كانت تؤمن له التواصل والمواصلات مع فرنسا، ومع أن نتائج هذه الخسارة لم تظهر بصورة فورية فالحملة برمتها حكم عليها بالفشل.

    وسرعان ما بدأت تظهر نتائج ذلك الفشل لدى قيام نابوليون بحملته على الشام وحصاره مدينة عكا، فقد عملت البحرية البريطانية على إمداد هذه القلعة من البحر وكذلك ضرب المواصلات البحرية التي تؤمن الدعم اللوجيستي للحملة الفرنسية والتي سرعان ما انعكست آثارها مجدداً إلى مصر بسبب عدم تحقيقها نتائج ملموسة على الأرض. عمد بعد ذلك الإنجليز إلى تحقيق السيطرة على البحر المتوسط، وانطلاقاً من البحر عمدوا إلى السيطرة التدريجية على أهم المواقع الفرنسية التي راحت تسقط في أيديهم تباعاً من كورفو 1799 ومالطا 1800 إلى مصر 1801.

  10. وصف مصر

    10 دقائق قراءةوصف مصر (بالفرنسية: Description de l'Egypte) عبارة عن 20 مجلدًا بعنوان «وصف مصر أو مجموع الملاحظات والبحوث التي تمت في مصر خلال الحملة الفرنسية» تمت كتابتها وتجميعها إبان الحملة الفرنسية على مصر حيث اصطحب نابليون…

    وصف مصر (بالفرنسية: Description de l'Egypte) عبارة عن 20 مجلدًا بعنوان «وصف مصر أو مجموع الملاحظات والبحوث التي تمت في مصر خلال الحملة الفرنسية» تمت كتابتها وتجميعها إبان الحملة الفرنسية على مصر حيث اصطحب نابليون بونابرت معه فريقا من العلماء من مختلف التخصصات ليسجلوا ملاحظاتهم. بعد عودة الفريق إلى فرنسا قام وزير الداخلية الفرنسية آنذاك جان أنطوان شابتال وبالتحديد في 18 فبراير 1802 بتنظيم تشكيل لجنة من أعضاء فريق العلماء والملاحظين فتشكلت لجنة من ثمان أعضاء قامت بجمع ونشر كافة المواد العلمية الخاصة بالحملة والتي كانت عبارة عن 10 مجلدات للوحات، منها 74 لوحة بالألوان، وأطلس خرائط، وأخيرًا، 9 مجلدات للدراسات. وتسجل تلك المجلدات، سواء لجودة طباعتها، أو لجمال رسومها (حيث تصل أكبرها إلى 1 م × 0.81 م)، كأحد الأعمال التاريخية، في الفترة من 1809 حتى 1828.

    ملخص

    تعاون ما يقرب من 160 عالمًا مدنيًا، معروفين بالعلماء، وكثير منهم من معهد فرنسا، على الوصف وتسجيل الملاحظات. وشكلوا معًا لجنة العلوم والفنون المصرية.حوالي ثلثهم أصبحوا فيما بعد أعضاءً في معهد مصر.

    في أواخر أغسطس 1798، بناءً على أمر نابليون المعروف أيضًا باسم NP، تأسس معهد مصر في قصر حسن كاشف في ضواحي القاهرة، برئاسة غاسبار مونج. استند هيكل المعهد على نموذج معهد فرنسا. يضم المعهد مكتبة ومعامل وورش عمل ومجموعات العلماء المصرية المختلفة. كانت الورشة ذات أهمية خاصة، حيث زودت الجيش والعلماء بالمعدات اللازمة. تم إنشاء العديد من الأدوات الجديدة، لتحل محل تلك المفقودة أثناء غرق الأسطول الفرنسي في أغسطس 1798 في خليج أبو قير (معركة النيل) وأعمال الشغب في القاهرة في أكتوبر 1798.

    كان أحد أهداف المعهد هو نشر المعرفة. تحقيقا لهذه الغاية، نشر العلماء مجلة La Decade Egyptienne، وكذلك صحيفة، Courier de L'Egypte، التي نشرت معلومات عن الاحتلال الفرنسي وأنشطة الجيش الفرنسي، ولجنة العلوم والفنون د ' مصر والمعهد نفسه.

    تم تصور رؤية مطبوعة واحدة شاملة تدمج كل ما اكتشفه الفرنسيون في مصر بالفعل في نوفمبر 1798، عندما تم تكليف جوزيف فورييه بمهمة توحيد التقارير من مختلف التخصصات لنشرها لاحقًا. عندما غادر الجيش الفرنسي مصر في عام 1801، أخذ العلماء معهم كميات كبيرة من الملاحظات والرسومات غير المنشورة ومجموعات متنوعة من القطع الأثرية الصغيرة التي يمكنهم تهريبها دون أن يلاحظها أحد بعد البريطانيين.

    في فبراير 1802، بتحريض من جان أنطوان تشابتال، وزير الداخلية الفرنسي، وبموجب مرسوم صادر عن نابليون، تم إنشاء لجنة لإدارة إعداد كمية كبيرة من البيانات لإصدار واحد. سوف يستمد العمل النهائي البيانات من المجلة المنشورة بالفعل La Decade، وصحيفة Courier de L'Égypte، والمجلدات الأربعة Mémoires sur l'Égypte.(نُشرت في 1798-1801) ووفرة من الملاحظات والرسوم التوضيحية من مختلف العلماء والعلماء. يعني الحجم الهائل للمعلومات التي سيتم نشرها اعتماد طريقة عمل عشوائية على ما يبدو: عندما يكون عدد اللوحات أو النصوص الكافية حول موضوع معين جاهزًا، تم نشر المعلومات. على الرغم من ذلك، استغرق نشر الطبعة الأولى أكثر من 20 عامًا.

    عُرضت المجلدات التجريبية الأولى للنقوش على نابليون في يناير 1808. نُشرت المجلدات المتتالية بأمر من الإمبراطور (نابليون لو غراند) في البداية، وكانت تُنشر بأمر من الملك، والأخيرة بأمر من الحكومة.

    تم نشر الطبعة الثانية (المعروفة باسم طبعة بانكوك) من قبل Charles Louis Fleury Panckoucke. تم توسيع النص بأحجام أكثر وطباعته بتنسيق أصغر، وتم أخذ عمليات سحب جديدة من اللوحات، وتم ربطها بالعديد من اللوحات الكبيرة الحجم المطوية بأحجام أصغر.

    خلفية

    في يوليو عام 1798 بدأت الحملة الفرنسية على مصر، وبدأت ترسو سفنها على شواطئ الإسكندرية. وبعد فترة لا تزيد على الخمسين يوما من دخولها مصر أسس نابليون بونابرت المجمع العلمي، معتمدا في تأسيسه على نحو 150 عالما فرنسيا وأكثر من 2000 متخصص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين الذين رافقوه خلال أعوام 1798 – 1801، من كيميائيين وأطباء وفلكيين وعلماء آثار. أسهم هؤلاء جميعا في وضع أول مجموعة مجلدات دقيقة تضم 11 مجلدا من الصور واللوحات و9 مجلدات من النصوص من بينها مجلد خاص بالأطالس والخرائط. قام هؤلاء العلماء بعمل مضن غطى كل أركان القطر المصري من شماله إلى جنوبه خلال سنوات وجودهم في مصر. كما قاموا برصد وتسجيل كل مناحي الحياة آنذاك وكل ما يتعلق بالحضارة المصرية القديمة ليخرجوا إلى العالم 20 مجلدا لكتاب وصف مصر، الذي يعتبر أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية، كونها أكبر مخطوطة يدوية مكتوبة ومرسومة برسوم توضيحية. كما تشتمل هذه المجموعة على صور ولوحات لأوجه نشاط المصري القديم وأيام الحملة نفسها بالإضافة إلى التاريخ الطبيعي المصري وتوثيق كل مظاهر الحياة والكنوز التاريخية والفنية والدينية المصرية وتسجيل جميع جوانب الحياة النباتية والحيوانية والثروة المعدنية آنذاك. وقد نشر هذا الكتاب الضخم بين عامي 1809 و1829.

    تأسيس المجمع العلمي

    اختار نابليون لعلمائه بعد أن استقر في القاهرة بيت السناري ومجموعة من البيوت المجاورة ليكون مكانا للمجمع العلمي، حيث ذكر الدكتور خالد عزب المشرف على مشروع ذاكرة مصر المعاصرة أن مجلة «الهلال» نشرت بتاريخ الأول من مايو (أيار) 1925 خبرا يشير إلى أن الفرنسيين اتخذوا من منزل إبراهيم كتخدا السناري سكنا لمجموعة من «الرسامين والفنانين من أعضاء البعثة العلمية التي جاءت برفقة الجيش الفرنسي عام 1798». وعقب جلاء الحملة أدخلت لجنة الآثار العربية «بيت السناري» في عداد الآثار وأجرته بقيمة اسمية «لشارل جالياردو بك» فأنشأ فيه متحفا ومكتبة أطلق عليها اسم «متحف ومكتبة بونابرت». يقع هذا المنزل حاليا في حي الناصرية بالسيدة زينب في نهاية حارة مغلقة.

    كان عدد أعضاء المجمع العلمي المصري في بدايته 12 عضوا. كما تم تقسيمه إلى أربعة أقسام، هي الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والاقتصاد، والآداب والفنون. وكان مقر المجمع عند تأسيسه مجموعة من بيوت المماليك في الناصرية بالسيدة زينب فيما كان يعرف بتل العقارب، واتخذ من بيوت بعض المماليك مقرا له، كان أشهر هذه البيوت بيت إبراهيم كتخدا السناري، المعروف ببيت السناري، وبيت ذي الفقار بك، وكان أهمها بيت السناري، الذي كان مقرا للرسامين.

    قوبل المجمع في بداية عمله بدعاوى التحريم والتكفير من غالبية علماء الدين لكن بعض علماء الأزهر أعجبوا به كثيرا وكانوا يترددون عليه مثل الشيخ العطار الرياضي المصري المعروف والشيخ رفاعة الطهطاوي وكان العطار أحد الذين شجعوه على السفر إلى باريس للبعثة العلمية.

    في عام 1801 خرج الفرنسيون من مصر. وفي عام 1842 تم إنشاء الجمعية الأدبية المصرية برعاية القنصل البريطاني آنذاك والعالم الفرنسي بريس دافين. لكن في عام 1856 أعاد الخديوي سعيد تأسيس المجمع العلمي المصري في الإسكندرية. وفي 1880 عاد المجمع العلمي المصري مرة أخرى إلى القاهرة. وأعيد تقسيمه في 1914 مرة أخرى إلى أقسام الآداب والفنون الجميلة، والآثار، والعلوم الفلسفية والسياسية، والعلوم الطبيعية، والرياضيات، والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي. ومع ثورة يوليو 1952 تم نقل تبعية المجمع إلى وزارة الشؤون الاجتماعية كما تم سحب الوقف الذي كان مخصصا للمجمع والجمعية الجغرافية. وفي 17 ديسمبر 2011 أحرق المجمع العلمي المصري أثناء اشتباكات بين الثوار وقوات الأمن أثناء ثورة 25 يناير 2011.

    وصف

    نوعية الطباعة للنصوص، وجمال النقوش والأشكال غير العادية (للMammutfolio هو 1m س 0.81 م) يجعل كتاب وصف مصر وهو عمل استثنائي.

    وحدات التخزين عشر لوحات يتكون من 894 لوحات، مصنوعة من أكثر من 3000 رسومات، ومعظمهم موجود في الحجم هو طبيعيا في التاريخ الأول والثاني. بعض هذه اللوحات تحتوي على أكثر من 100 فرد من النقوش النباتية أو الحيوانية على لوحة واحدة من لوحات هي من ناحية اللون بلاتس 909 الخيارين من العمل قد تحتوي على بعض لوحات قليلة؛ سبيل المثال برنارد ج.شابرو قائمة الكتب النادرة وبلغ حجم التداول 38 الطبعة الثانية مع 909 لوحات.

    وكانت لوحات نشرها جزئيا أو كليا إذا يعمل مختلفة، وأبرز من قبل شركة محدودة [تسكهن] منذ عام 1995، والتي هي استنساخ كاملة من وحدات التخزين 10 من لوحات، وإن لم يكن لوحات 52 من حجم الأطلس.

    التأثير

    تأثير هذا العمل في مجال علم المصريات، في كل بلد من البلاد التي تم إرسالها، من الصعب قياس وفي الوقت نفسه، ودراسات محددة للعمل وقد تم استقبال لبلد مكتوب في حين إنجاز ضخم واحد المشار إليه في كثير من الأحيان في المنشورات الرئيسية المتعلقة مصر وتاريخها، والعمل من القيود وسرعان ما أصبحت واضحة.

    المفهوم العام وغالبا ما تتكرر فكرة أن هذا هو عمل فريدة من نوعها لم يسبق لها مثيل وغير دقيقة. وهناك العديد من الأعمال من القرن 18 والقرن 17 حتى أن تفعل الكثير في نفس كتاب وصف مصر، على أصغر النطاق. يعمل مثل جون غريفز، Pyramidographia (1646)، برنارد دي Montfaucon ق '، 10 حجم L' Antiquite expliquee آخرون representee أون الأرقام (1719-1724)، الذي يستنسخ، مجمعة بشكل منهجي، وجميع الآثار القديمة، وخصص مبلغ ملحوظا المصرية الأشياء، وبونوا دو مالييت، كتاب وصف مصر (1735)، ريتشارد بوكوك، وصف الشرق وبعض الدول الأخرى (1743)، فريدريك لويس بلدان الشمال، رحلة d' Égypte آخرون دي Nubie (1755) وكارستن نيبور ق ' تأثير كبير اثنين حجم فون Arabien اوند (1774 و 1778)، يمكن اعتبار مصغرة كتاب وصف مصر الخاصة في حقهم، والقراءة والكتابة التصويرية وتأثيرها قد يكون في الواقع أكبر من كتاب وصف مصر، كما قفوا بالتزكية ودون تصحيح في كثير من الأحيان لسنوات عديدة أخرى.

    لوقت طويل جدا استغرق العمل لنشر هذا يعني أن جزءا كبيرا منه، على الأقل على النص، على الرغم من قرب encyclopaediac في الطبيعة، وسرعان ما عفا عليها الزمن مرة واحدة وصلت في أيدي المهتمين في هذه المسائل. وهذا لم يكن ملحوظا لوصف مصر الحديثة في العمل، ولكن لوصف مصر القديمة كان. كتب النص من دون معرفة كيفية قراءة الهيروغليفية، والعمل الذي يمثل كبرى عمل آخر لتكون مكتوبة قبل فك الرموز والكتابة الهيروغليفية، التي ستصبح متاحة ببطء، كما أن كميات كبيرة من أول النص وسع من الطبعة الثانية، وطبعت. جذر للاطلاع على نص تم العثور على 20 عاما في وقت سابق، وليس فقط لم يحدث كثيرا في تلك السنوات ال 20، ولكن في وقت قريب، جان فرانسوا شامبليون وجدت طريقة لقراءة الكتابة الهيروغليفية (ساعد إلى حد كبير من قبل توماس يونغ 'ق العمل الأولي). على الرغم من شامبليون في القواعد المصرية نشرت بعد وفاته في 1836، وكان، لا تحظى بقبول واسع حتى سنوات في وقت لاحق، نص كتاب وصف مصر من شأنه، في عقد أو عقدين، عفا عليها الزمن إلى حد كبير.

    وثمة جانب آخر هو إمكانية الحصول عليها. انخفاض عدد النسخ التي (~ 1000)، ارتفاع سعره، وجعل حجمها المادي كبير جدا في العمل فقط للوصول إلى النخبة عمليا للغاية للمجتمع في ذلك الوقت وحتى اليوم، العثور على نسخة كاملة (نص ورسومات) ليست سهلة. فقط المكتبات الكبرى أو مكتبات الدولة هي في حوزة من هذا القبيل واستنساخ كاملة أو الترجمة إلى اللغات الأخرى وإلى أفضل المعارف، لم ينجز.

    كل هذا ينبغي أن ينظر في تناقض صارخ مع كارل ريتشارد Lepsius ق '12 حجم تحفة Denkmaeler أسترالي Aegypten اوند Aethiopien (1849-1859)، والتي حتى يومنا هذا ونقلت مرارا وتكرارا على حد سواء، ومصدر السلطة في المسائل القديمة المصرية المختلفة، وتعتبر أقرب موثوقة منشورات عن مجموعة كبيرة من الآثار.

    تقارير كاذبة في إتلاف الأصول

    تم الإبلاغ بشكل غير صحيح عن تدمير المخطوطة الأصلية لوصف مصر في حريق في المعهد المصري (المعهد العلمي المصري) في 17 ديسمبر 2011، أثناء اشتباكات بين المتظاهرين والجيش. في الواقع، احتوت مجموعة المبنى المحترق على مجموعة من الإصدار الأول من 23 مجلدًا، والتي تم حفظها دون ضرر لا يمكن إصلاحه. علاوة على ذلك، وفقًا لبيان صادر عن وزير الثقافة المصري، بقيت مجموعتان كاملتان على الأقل من نفس النسخة الأصلية في مصر.  توجد غالبية مواد المخطوطة الأصلية للوصف في الأرشيف الوطني والمكتبة الوطنية في باريس.

    الطبعات

    يبدو أن هناك العديد من المتغيرات لهذه الإصدارات، خاصة الإصدار الأول، الذي يحتوي على مجلد إضافي واحد أو أكثر. على سبيل المثال، مكتبة Lauinger معرض (مكتبة جامعة جورجتاون)، نوفمبر 2000 - يناير 2001، والقوائم نسخة من الطبعة الأولى قدمت إلى برناردينو دروفيتي، القنصل العام الفرنسي في مصر 1802-1814 و1821-1826، وجود 29 مجلدا بينما تحتوي الطبعة الأولى «القياسية» على 23 (20 زائد 3 Mammutfolio).

    غالبًا ما تكون التواريخ الواردة في صفحات العنوان أقدم بكثير من تاريخ النشر الفعلي. على سبيل المثال، يحتوي الكتاب الثامن، المجلد الأول (التاريخ الطبيعي) من الطبعة الأولى على 1809 على صفحة العنوان، ولكن تاريخ نشره المقبول هو 1826.  لم يُطبع المجلد الجغرافي (الذي يحتوي على خرائط) قبل عام 1828، على الرغم من تم تأريخ المجلدات في 1818 و 1826 على التوالي.

    الطبعة الأولى (الطبعة الإمبراطورية)

    الطبعة الثانية (طبعة بانكوك)

    انظر ايضاً

    آدم فرانسوا جومار (1777–سبتمبر 22, 1862) كان رسام الخرائط الفرنسي، ومهندس الآثار وكان محررا لكتاب وصف مصر وكان عضوا في معهد كوت ايجيبت الذي أنشأه نابليون. أشرف على البعثة التربوية والثقافية التي أرسلت من فرنسا إلى مصر من قبل محمد علي والي مصر.نشر المعالم السياحية الضخمة وصف مصر (وصف مصر) صدر مرسوم من قبل نابليون بونابرت في عام 1802، وكان هذا المعلم الضخم البارز على علم المصريات ثمرة جهد وتعاون 150 من العلماء وعلماء الفرنسية البارزين و2،000 من الرسامين والفنانين. ذلك ما هو مدون بسجل نابليون بونابرت لجنة العلوم والفنون التي رافقت الحملة الفرنسية على مصر وسوريا (1798-1801)."

  11. جان فرانسوا شامبليون

    4 دقائق قراءةجون فرانسوا شامبليون ويُعرف أيضًا بـ شامبليون الصغير (23 ديسمبر 1790 - 4 مارس 1832)، أكاديمي وفقيه لغوي وعالم شرقيات فرنسي اشتهر بفكّه لرموز، وبكونه أحد واضعي أسس علم المصريات. نبغ شامبليون منذ طفولته في مجال اللغويات،…
    شامبليون بريشة ليون كونييه
    شامبليون بريشة ليون كونييه

    جون فرانسوا شامبليون ويُعرف أيضًا بـ شامبليون الصغير (23 ديسمبر 1790 - 4 مارس 1832)، أكاديمي وفقيه لغوي وعالم شرقيات فرنسي اشتهر بفكّه لرموز، وبكونه أحد واضعي أسس علم المصريات. نبغ شامبليون منذ طفولته في مجال اللغويات، حيث قدّم أولى أوراقه البحثية المنشورة حول فك رموز اللغة الديموطيقية سنة 1806م، وتقلّد في شبابه العديد من المناصب الفخرية في الأوساط العلمية، وكان قادرًا على التحدث باللغتين القبطية والعربية بطلاقة. في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، سادت الأوساط الفرنسية حالة من الهوس بالمصريات بعد نتائج البعثة العلمية التي صاحبت الحملة الفرنسية على مصر التي سلّطت الضوء على حجر رشيد المكتوب بثلاث لغات. وقتئذ، سادت النقاشات والجدل بين الأوساط العلمية الفرنسية حول عمر الحضارة المصرية، وحول دور وطبيعة الكتابة الهيروغليفية، وعمّا إذا كانت تلك الرموز تُمثّل أصوات أم أنها تُمثّل رسوم تمثل فكرة أو مدلول. كما اعتقد الكثيرون أن تلك الكتابة كانت تستخدم فقط في الطقوس والأمور المقدّسة، وبالتالي فرموزها غير قابلة للفك لارتباطها بأفكار باطنية وفلسفية، ولنفس السبب فالأرجح أنها لم تستخدم في تدوين المعلومات التاريخية. لذا، تكمُن أهمية فك رموز الهيروغليفية المصرية في أنها أظهرت أن تلك الفرضية خاطئة، فدفعت الكثيرين للبدء في استخراج الكثير من المعلومات التي دوّنها المصريون القدماء.

    عاش شامبليون في فترة من الاضطرابات السياسية في فرنسا التي تسببت في تعطيل أبحاثه بطرق مختلفة. خلال الحروب النابليونية، استطاع شامبليون تجنُّب التجنيد الإجباري، ولكن ولائه للنابليونية جعلته مشتبهًا به من قِبَل النظام الملكي اللاحق. غير أن حُسن علاقاته مع شخصيات سياسية وعلمية مهمة في ذلك الوقت، مثل جوزيف فورييه والبارون دي ساسي ساعدته، رغم انعزاله عن المجتمع العلمي في بعض الفترات.

    في سنة 1820م، شرع شامبليون بجدية في مشروعه لفكّ رموز الكتابة الهيروغليفية، وسرعان ما طغت إنجازاته على إنجازات العالم الموسوعي توماس يونغ الذي حقق أولى النجاحات في مجال فك الرموز قبل سنة 1819م. وفي سنة 1822م، نشر شامبليون أول كُتُبُه في هذا المجال حول فك الرموز الهيروغليفية في حجر رشيد، حيث أعلن استنتاجه أن نظام الكتابة المصرية القديمة كان مزيجًا بين الإشارات الصوتية والرموز. وفي سنة 1824م، نشر شامبليون مُلخّصًا قام فيه بتفصيل فك رموز الكتابة الهيروغليفية موضحًا المدلولات الصوتية ومفاهيم تلك الرموز. وفي سنة 1829م، سافر شامبليون إلى مصر حيث قرأ العديد من النصوص الهيروغليفية التي لم تتم دراستها من قبل، وعاد إلى فرنسا بمجموعة كبيرة من الرسومات الجديدة للنقوش الهيروغليفية. وبعد عودته، حصل شامبليون على درجة الأستاذية في علم المصريات، لكنه لم يتمكن سوى من إلقاء بعض المحاضرات قبل أن تتدهور صحته التي تأثرت بمصاعب الرحلة إلى مصر، مما دفعه لاعتزال التدريس. ثم توفي شامبليون في باريس سنة 1832م عن عمر يناهز 41 عامًا، ونُشر كتابه حول القواعد النحوية للغة المصرية القديمة بعد وفاته.

    دارت بين علماء المصريات نقاشات مكثفة خلال حياة شامبليون وبعد وفاته لفترة طويلة حول مزايا فكّه لرموز الهيروغليفية. كما تعرّض شامبليون لانتقاد البعض، نظرًا لعدم إثنائه على الاكتشافات المبكرة ليونغ، كما اتُهم بالسرقة الأدبية، وطالما شكك آخرون في دقة فكه للرموز الهيروغليفية. غير أن الاكتشافات والتأكيدات اللاحقة من قبل العلماء التي اعتمدت على نتائجه أدت تدريجيًا إلى القبول العام لإنجازه. وعلى الرغم من أن البعض لا يزال يُصر على أنه كان ينبغي على شامبليون الاعتراف بقيمة مساهمات يونغ، إلا أن فك شامبليون للرموز الهيروغليفية يحظى الآن بقبول عالمي، وهو الأساس الذي بُنيت عليه جميع التطورات اللاحقة في هذا المجال. وبالتالي، فهو يُعدّ «مؤسس وأبو علم المصريات».

    فك رموز اللغة الهيروغليفية المصرية

    كانت الرموز الهيروغليفية المصرية معروفة جيدًا لدى باحثي العالم القديم لقرون من الزمن، لكن قليلين من قاموا بأي محاولات لفهمها. استندت تخمينات العديد منهم حول المخطوطة على كتابات هاروبولو الذي أخذ باعتباره أن تكون الرموز تصويرية، لا تمثل لغة محكية محددة. على سبيل المثال، قال أثانيسيوس كيرتشر بأن اللغة الهيروغليفية كانت عبارة عن رموز «لا يمكن ترجمتها إلى كلمات، وإنما يُعبَّر عنها بعلامات ورموز (أحرف) وأشكال فقط»، ما يعني أنه كان من المستحيل فك المخطوطة بجوهرها (معناها الحقيقي). اعتبر آخرون أن استخدام الهيروغليفية في المجتمع المصري كان محدودًا بالمحيط الديني وأنهم مثّلوا مفاهيم مبطنة داخل عالم الدين ما يعني أنها فُقدت اليوم. لكن كان كيرتشر أول من أشار إلى أن القبطية الحديثة كانت شكلًا بالٍ (تالفًا) من اللغة التي وجدت في المخطوط الشعبي المصري. بظهور حالة الهوس بالمصريات في فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر، بدأ الباحثون بمعالجة مسألة الرموز الهيروغليفية باهتمام متجدد، لكن أيضًا دون فكرة مبدئية عما إذا كان النص صوتيًا أو صوريًا، أو إذا مثّلت النصوص مواضيع وثنية أو روحانيات مقدسة. كان هذا العمل المبكر مجرد تخمينات، دون اتباع أسلوب مُمنهج لإثبات القراءات المقترحة. كانت أول الإنجازات المنهجية اكتشاف جوزيف دي جين بأن الخراطيش قد كُتب فيها أسماء الحكام، وإعداد جورج زويغا لقائمة من الرموز الهيروغليفية، واكتشاف أن اتجاه القراءة يعتمد على الاتجاه الذي تواجهه الرموز.

    الدراسات الأولى

    ظهر اهتمام شامبليون بالتاريخ المصري والنص الهيروغليفي في سن مبكر. في عمر السادسة عشرة، ألقى محاضرة أمام أكاديمية غرينوبل والذي جادل فيها بأن اللغة المحكية من قِبل المصريين القدماء، والتي كتبوا من خلالها النصوص الهيروغليفية، كانت مرتبطة بشدة باللغة القبطية. أثبتت وجهة النظر هذه أنها ذات أهمية في القدرة على قراءة النصوص، وأكد التاريخ على صحة العلاقة المقترحة بين القبطية والمصرية القديمة. مكنه هذا من اقتراح أن النص الشعبي قد مثّل اللغة القبطية.

    في عام 1806، كتب إلى أخيه حول قراره بأن يصبح الشخص الذي يفك النص المصري:«أريد أن أقوم بدراسة معمقة ومتواصلة لهذه الأمة القديمة (الأثرية). يملَؤني الحماس، الذي قادني إلى دراسة آثارهم وقوتهم ومعرفتهم، بالتقدير، سيكبر كل هذا إلى ما هو أبعد من ذلك إذ سأكتسب  تصورات جديدة. من بين كل الأشخاص الذين أفضلهم، سأقول بأنه لا أحد عزيز على قلبي كالمصريين.»  شامبليون، 1806.

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (252)بحث أكاديمي29جهة رسمية7كتاب متخصص184موقع موثوق32

بحث أكاديمي(29)

  1. Parker · The Formation of Napoleon's Personality: An Exploratory Essay · French Historical Studies · 1971
  2. Vial · 4, 6 et 11 avril 1814 : les trois actes d'abdication de Napoléon I er · Napoleonica la Revue · 2014
  3. Two Days at Saint Helena · Monroe and Francis · 1832
  4. The gastric disease of Napoleon Bonaparte: brief report for the bicentenary of Napoleon's death on St. Helena in 1821 · Virchows Archiv · 2021
  5. Science, Education and Napoleon I · Isis · 1956
  6. Forrest · Propaganda and the Legitimation of Power in Napoleonic France · French History · 2004
  7. Hazareesingh · Memory and Political Imagination: The Legend of Napoleon Revisited · French History · 2004
  8. Datta · 'L'appel Au Soldat': Visions of the Napoleonic Legend in Popular Culture of the Belle Epoque · French Historical Studies · 2005
  9. Lobingier · Napoleon and His Code · Harvard Law Review · 1918
  10. Reconstruction of the Lineage Y Chromosome Haplotype of Napoléon the First · International Journal of Sciences · 2013
  11. Dwyer · Remembering and Forgetting in Contemporary France: Napoleon, Slavery, and the French History Wars · French Politics, Culture & Society · 2008
  12. Glover · The French Fleet, 1807–1814; Britain's Problem; and Madison's Opportunity · The Journal of Modern History · 1967
  13. The Death of Napoleon, Cancer or Arsenic? · Clinical Chemistry · 2008
  14. Dwyer · 'Citizen Emperor': Political Ritual, Popular Sovereignty and the Coronation of Napoleon I · History · 2015
  15. Godlewska · Map, Text and Image. The Mentality of Enlightened Conquerors: A New Look at the Description de l'Egypte · Transactions of the Institute of British Geographers · 1995
  16. Prochaska · Art of Colonialism, Colonialism of Art: The 'Description de l'Egypte' (1809–1828) · L'Esprit Créateur · 1994
  17. Karmon · An Analysis of Jacotin's Map of Palestine · Israel Exploration Journal · 1960
  18. Extrait d'un mémoire relatif aux antiques inscriptions de Persépolis lu à l'Académie des Inscriptions et Belles Lettres · Société asiatique (France) · 1823
  19. Allen · The Predecessors of Champollion · Proceedings of the American Philosophical Society · 1960
  20. Gardiner · Champollion and the Biliteral Signs · The Journal of Egyptian Archaeology · 1952
  21. Griffith · The Decipherment of the Hieroglyphs · The Journal of Egyptian Archaeology · 1951
  22. Hammond · Cracking the Egyptian Code: The Revolutionary Life of Jean-François Champollion · European Journal of Archaeology · 2014
  23. Poole · XXVI. On the method of interpreting Egyptian Hieroglyphics by Young and Champollion, with a vindication of its correctness from the strictures of Sir George Cornewall Lewis · Archaeologia · 1864
  24. Posener · Champollion et le déchiffrement de l'écriture hiératique · Comptes rendus des séances de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres · 1972
  25. Ridley · Champollion in the Tomb of Seti I: an Unpublished Letter · Chronique d'Égypte · 1991
  26. Robinson · Styles of Decipherment: Thomas Young, Jean-François Champollion and the Decipherment of the Egyptian Hieroglyphs · Scripta · 2011
  27. Tanré-Szewczyk · Des antiquités égyptiennes au musée. Modèles, appropriations et constitution du champ de l'égyptologie dans la première moitié du XIXe siècle, à travers l'exemple croisé du Louvre et du British Museum · Les Cahiers de l'École du Louvre · 2017
  28. Weissbach · Jean François Champollion and the True Story of Egypt · 21st Century Science and Technology · 2000
  29. Weissbach · How Champollion deciphered the Rosetta stone · Fidelio · 1999

جهة رسمية(7)

  1. James · Enlightening the British: Knowledge, Discovery and the Museum in the Eighteenth Century · British Museum Press · 2003
  2. Knapton · Empress Josephine · Harvard University Press · 1982
  3. The Congress of Vienna, the Hundred Days, and Napoleon's Exile on St. Helena
  4. Dodman · 'Glory of arms and art': Napoleonic plunder and the birth of national museums · 2021
  5. The Crisis of 1808 · Brown University
  6. The history of measurement · St Andrew's University · 2003
  7. Battle of the Pyramids, July 21, 1798 · 1800

كتاب متخصص(184)

  1. Bainville · Bonaparte en Égypte: poème · Balland · 1997
  2. Napoleon's Egyptian Campaigns 1798-1801 · Osprey Publishing · 1992
  3. Bernède · La campagne d'Égypte : 1798–1801 Mythes et réalités · Musée de l'Armée · 1998
  4. Burleigh · Mirage · Harper · 2007
  5. Cherfils · Bonaparte et l'Islam d'après les documents français & arabes · Pedone · 1914
  6. Cole · Napoleon's Egypt: Invading the Middle East · Palgrave Macmillan · 2007
  7. Cleveland · A history of the modern Middle East · Michigan University Press · 2004
  8. Clodfelter · Warfare and Armed Conflicts A Statistical Encyclopedia of Casualty and Other Figures, 1492–2015 · McFarland, Incorporated, Publishers · 2017
  9. Chandler · The Campaigns of Napoleon · Macmillan · 1966
  10. De Bellaigue · The Islamic Enlightenment: The Struggle Between Faith and Reason – 1798 to Modern Times · Liveright Publishing Corporation · 2017
  11. Clowes · The Royal Navy, A History from the Earliest Times to 1900 · Sampson Low, Marston and Company · 1899
  12. Chandler · Dictionary of the Napoleonic Wars · Macmillan · 1979
  13. Fournier · Napoleon the first: A biography · Holt · 1903
  14. Hugo · Ruy Blas · 1838
  15. Mikaberidze · The Napoleonic Wars A Global History · Oxford University Press · 2020
  16. 'Abd al-Rahman · Ta'rikh, Muddat al-faransis bi misr · Markus Wiener · 1997
  17. Maffeo · Most Secret and Confidential: Intelligence in the Age of Nelson · Chatham Publishing · 2000
  18. McLynn · Napoleon:Biography · Cape · 1997
  19. Memoirs of Napoleon's Egyptian Expedition 1798-1801 · Greenhill Books · 2001
  20. Fortescue · A History of the British Army · Macmillan and Co. · 1906
  21. Moreh · Napoleon in Egypt: Al-Jabarti's Chronicle of the French Occupation, 1798 – Expanded Edition · Markus Wiener Publishers · 2004
  22. The Armies of India · Black · 1911
  23. Scurr · Napoleon: A Life in Gardens and Shadows · Chatto & Windus · 2021
  24. Mullié · Biographie des célébrités militaires des armées de terre et de mer de 1789 à 1850 · Poignavant · 1851
  25. Rothenberg · The Napoleonic Wars · Cassell · 1999
  26. Bell · Napoleon: A Concise Biography · Oxford University Press · 2015
  27. Bonaparte · Collection Générale et Complète de lettres... de Napoléon le Grand... · Gräff · 1808
  28. Herold · Bonaparte in Egypt · Harper & Row · 1962
  29. Watson · Tricolor and Crescent: France and the Islamic World · Greenwood · 2003
  30. Mackesy · British Victory in Egypt, 1801: The End of Napoleon's Conquest · Routledge · 2013
  31. Panzac · Barbary Corsairs · Brill · 2005
  32. Pawly · Napoleon's Mamelukes · Osprey Publishing · 2012
  33. W. Said · Orientalism · Vintage Books · 1979
  34. Rachlin · Lucy's Bones, Sacred Stones, & Einstein's Brain: The Remarkable Stories Behind the Great Objects and Artifacts of History, From Antiquity to the Modern Era · Garrett County Press · 2013
  35. Napoleon · George Allen & Unwin · 1927
  36. Pigeard · Dictionnaire des batailles de Napoléon : 1796–1815 · Tallandier · 2004
  37. Smith · The Greenhill Napoleonic Wars Data Book : Actions and Losses in Personnel, Colours, Standards and Artillery, 1792–1815 · Greenhill Books · 1998
  38. Société de militaires et de marins · Dictionnaire historique des batailles, siéges, et combats de terre et de mer, qui ont eu lieu pendant la Révolution Française · Menard et Desenne · 1818
  39. Snodgrass · World Epidemics: A Cultural Chronology of Disease from Prehistory to the Era of Zika · McFarland · 2017
  40. Société de militaires et de marins · Dictionnaire historique des batailles, siéges, et combats de terre et de mer: qui ont en lieu pendant la révolution Française, Volume 3 · Menard et Desenne · 1818
  41. Strathern · Napoleon in Egypt · Random House Publishing Group · 2008
  42. Fauvelet de Bourrienne · Memoirs of Napoleon Bonaparte · Bentley · 1836
  43. Thiers · History of the French Revolution · Richard Bentley and Son · 1881
  44. Roberts · Napoleon: A Life · Penguin · 2015
  45. Warner · The Battle of the Nile. · B. T. Batsford · 1960
  46. Tulard · Dictionnaire Napoléon · Fayard · 1999
  47. Tulard · Napoléon ou le mythe du sauveur: avec une chronologie, une filmographie et des tableaux annexes · Fayard · 2005
  48. The Napoleonic Empire and the New European Political Culture · Springer · 2012
  49. Pérez · The Spanish Inquisition: A History · Yale University Press · 2005
  50. Ellis · Napoleon · Pearson Education Limited · 1997
  51. Chamberlain · The Child and Childhood in Folk Thought: (The Child in Primitive Culture) · MacMillan · 1896
  52. David Nicholls · Napoleon: A Biographical Companion · ABC-CLIO · 1999
  53. The French Revolution, Vol. III · Chapman and Hall · 1837
  54. Furet · The French Revolution, 1770–1814 · Blackwell · 1996
  55. Kubben · Franco-Batavian Relations in the Revolutionary Era, 1795-1803 · Martinus Nijhoff Publishers · 2011
  56. Regent · A Companion to the French Revolution · Wiley-Blackwell · 2013
  57. Rosenberg · Losing America, Conquering India: Lord Cornwallis and the Remaking of the British Empire · McFarland · 2017
  58. Adrian Gilbert · The Encyclopedia of Warfare: From Earliest Time to the Present Day · Taylor & Francis · 2000
  59. Empires of the Sand: The Struggle for Mastery in the Middle East, 1789–1923 · Harvard University Press · 2001
  60. Michael V. Leggiere · Napoleon and Berlin: The Franco-Prussian War in North Germany, 1813 · University of Oklahoma Press · 2015
  61. Horne · How Far From Austerlitz? Napoleon 18051815 · Pan Macmillan · 1997
  62. Engman · Napoleon's Empire · Palgrave Macmillan UK · 2016
  63. Gill · The Battle of Znaim: Napoleon, the Habsburgs and the end of the War of 1809 · Greenhill Books · 2020
  64. Command Failure in War: Psychology and Leadership · Indiana University Press · 2004
  65. Prutsch · Making Sense of Constitutional Monarchism in Post-Napoleonic France and Germany · Springer · 2012
  66. Hibbert · Napoleon's Women · W. W. Norton & Company · 2003
  67. Cullen · Is Arsenic an Aphrodisiac? · Royal Society of Chemistry · 2008
  68. Cases · Memoirs of the Life, Exile, and Conversations of the Emperor Napoleon · Redfield · 1855
  69. Roberts · Controversial Concordats: The Vatican's Relations with Napoleon, Mussolini, and Hitler · Catholic University of America Press · 1999
  70. Aston · Religion and revolution in France, 1780–1804 · Catholic University of America Press · 2000
  71. Aston · Christianity and Revolutionary Europe, 1750–1830 · Cambridge University Press · 2002
  72. Hibbert · Wellington: A Personal History · Da Capo Press · 1999
  73. Jack Coggins · Soldiers And Warriors: An Illustrated History · Courier Dover Publications · 1966
  74. Ellis · The Napoleonic Empire · Macmillan Publishers · 2003
  75. Hall · Perfectionism: A Hallmark Quality of World Class Performers, or a Psychological Impediment to Athletic Development? · Meyer & Meyer · 2006
  76. Seward · Napoleon's family · Weidenfeld and Nicolson · 1986
  77. Palmer · An Encyclopaedia of Napoleon's Europe · Weidenfeld and Nicolson · 1984
  78. World History of Warfare · University of Nebraska Press · 2008
  79. The Napoleonic Wars · Cassell · 2000
  80. Clive Emsley · Napoleon: Conquest, Reform and Reorganisation · Routledge · 2014
  81. Palmer · A history of the modern world · McGraw-Hill · 1995
  82. Scheck · Germany, 1871–1945: A Concise History · Berg · 2008
  83. Astarita · Between Salt Water And Holy Water: A History Of Southern Italy · W. W. Norton & Company · 2005
  84. Alter · Unity and Diversity in European Culture c. 1800 · Oxford University Press · 2006
  85. Boureau · L'aigle : chronique politique d'un emblème. · Éditions du Cerf · 1985
  86. Ottfried Neubecker & J P Brooke-Little · Heraldry: Sources, Symbols and Meanings · The Book Service Ltd · 1980
  87. Jirí Louda & Michael MacLagan · Lines of Succession: Heraldry of the Royal Families of Europe · Little, Brown · 1999
  88. Normand · Armes et sceau de l'Empire français · 1804
  89. Roret · Nouveau manuel complet du blason ou code héraldique, archéologique et historique; avec un armorial de l'Empire, une généalogie de la dynastie impériale des Bonaparte jusqu'à nos jours, etc... · 1854
  90. Barnett · Bonaparte · Wordsworth · 1997
  91. Blaufarb · Napoleon: Symbol for an Age, A Brief History with Documents · Bedford · 2008
  92. Broers · Napoleon: Soldier of Destiny · Faber and Faber · 2015
  93. Broers · Napoleon: The Decline and Fall of an Empire, 1811–1821 · Pegasus books · 2022
  94. Chandler · Napoleon · Leo Cooper · 2002
  95. Kircheisen · Napoleon · Harcourt Brace, & Co. · 1972
  96. Cronin · Napoleon · HarperCollins · 1994
  97. Dwyer · Napoleon: The Path to Power · Yale University Press · 2008
  98. Dwyer · Citizen Emperor: Napoleon in Power 1799–1815 · Yale University Press · 2013
  99. Dwyer · Napoleon: Passion, Death and Resurrection, 1815–1840 · Bloomsbury Publishing · 2018
  100. Englund · Napoleon: A Political Life · Scribner · 2010
  101. Gueniffey · Bonaparte: 1769–1802 · Harvard University Press · 2015
  102. Lyons · Napoleon Bonaparte and the Legacy of the French Revolution · St. Martin's Press · 1994
  103. McLynn · Napoleon: a Biography · Jonathan Cape · 1997
  104. Price · Napoleon: The End of Glory · Oxford University Press · 2014
  105. Zamoyski · Napoleon: The Man Behind The Myth · HarperCollins · 2018
  106. Geyl · Napoleon: For and Against · Jonathan Cape · 1949
  107. Roberts · Napoleon and Wellington: the Battle of Waterloo and the Great commanders who fought it · Simon & Schuster · 2001
  108. Amini · Napoleon and Persia · Taylor & Francis · 2000
  109. Bordes · Jacques-Louis David · Yale University Press · 2007
  110. Cobban · A History of Modern France, Volume 2: 1799–1871 · Penguin Books · 1986
  111. Connelly · Blundering to Glory: Napoleon's Military Campaigns · Rowman & Littlefield · 2006
  112. Conner · The Age of Napoleon · Greenwood Press · 2004
  113. Cordingly · The Billy Ruffian: The Bellerophon and the Downfall of Napoleon · Bloomsbury · 2004
  114. Dwyer · The Oxford Handbook of the French Revolution · Oxford University Press · 2015
  115. Ellis · Religious change in Europe, 1650–1914: essays for John McManners · Clarendon Press · 1997
  116. Esdaile · The Peninsular War: A New History · Macmillan · 2003
  117. Esdaile · Napoleon's Wars: An International History, 1803–1815 · Allen Lane · 2007
  118. Flynn · Conscription and democracy: The Draft in France, Great Britain, and the United States · Greenwood Publishing Group · 2001
  119. The Napoleonic Wars: The Rise and Fall of an Empire · Osprey · 2004
  120. Gates · The Napoleonic Wars, 1803–1815 · Pimlico · 2003
  121. Grab · Napoleon and the Transformation of Europe · Bloomsbury Publishing · 2017
  122. Harvey · The War of Wars: The Epic Struggle Between Britain and France, 1789–1815 · Robinson · 2007
  123. Mikaberidze · The Louisiana Purchase: The Grand Bargain and the Making of America · Oxford University Press · 2026
  124. Roberts · Heavy Words Lightly Thrown · Granta · 2004
  125. Schom · Napoleon Bonaparte · HarperCollins · 1997
  126. Watson · Tricolor and crescent · Greenwood Publishing Group · 2003
  127. Sicker · The Islamic World in Decline: From the Treaty of Karlowitz to the Disintegration of the Ottoman Empire · Greenwood Publishing Group · 2001
  128. Wells · The Penguin Dictionary of Curious and Interesting Geometry · Penguin Books · 1992
  129. Chesney · Waterloo Lectures: A Study of The Campaign of 1815 · Kessinger Publishing · 2006
  130. Johnson · Napoleon: A life · Penguin Books · 2002
  131. Lefebvre · Napoleon, from 18 Brumaire to Tilsit, 1799–1807 · Columbia University Press · 1969
  132. Schroeder · The Transformation of European Politics 1763–1848 · Oxford U.P. · 1996
  133. Talleyrand · Mémoires du Prince de Talleyrand · Henri Javal · 1891
  134. Armoush · Modern contemplations of the French campaign · 2018
  135. Bellaigue · The Islamic Enlightenment: The Modern Struggle Between Faith and Reason · Vintage · 2017
  136. Napoleon Military Campaigns In Art · BOD GmbH DE · 2024
  137. Clodfelter · Warfare and Armed Conflicts: A Statistical Encyclopedia of Casualty and Other Figures, 1492-2015, 4th ed. · McFarland · 2017
  138. Holbrook · Al-Qaeda 2.0: A Critical Reader · Oxford University Press · 2018
  139. Niox · Géographie militaire · Dumaine · 1887
  140. Russell · Mediterranean Naval Battles That Changed the World · Pen and Sword Maritime · 2022
  141. Strathern · Napoleon in Egypt: 'the Greatest Glory' · Vintage · 2008
  142. Admiral Nelson and Joseph Haydn · Nelson Society · 2000
  143. British Warship Names · Putnam · 1959
  144. W. · Orientalism · Penguin Books · 2019
  145. Jomard · Description de l'Egypte · 1818
  146. Khatib · Palestine and Egypt Under the Ottomans: Paintings, Books, Photographs, Maps and Manuscripts · Bloomsbury USA · 2003
  147. Mapping the Holy Land: The Foundation of a Scientific Cartography of Palestine · Bloomsbury Publishing · 2017
  148. Ceram · Gods, Graves, and Scholars · Alfred A. Knopf · 1967
  149. The Archaeology of the Cuneiform Inscriptions · Cambridge University Press · 2019
  150. Recueil des publications de la Société Havraise d'Études Diverses · Société Havraise d'Etudes Diverses · 1869
  151. Bulletin des sciences historiques, antiquités, philologie · Treuttel et Würtz · 1825
  152. History of Humanity: From the third millennium to the seventh century B.C. · UNESCO · 1994
  153. Précis du système hiéroglyphique des anciens Égyptiens, ou Recherches sur les éléments premiers de cette écriture sacrée, sur leurs diverses combinaisons, et sur les rapports de ce système avec les autres méthodes graphiques égyptiennes. Planches / . Par Champollion le jeune... · 1824
  154. Revue archéologique · Leleux · 1844
  155. L'Égypte sous les Pharaons, ou recherches sur la géographie, la religion, la langue, les écritures et l'histoire de l'Égypte avant l'invasion de Cambyse. Tome premier: Description géographique. Introduction. · De Bure · 1814
  156. L'Égypte sous les Pharaons, ou recherches sur la géographie, la religion, la langue, les écritures et l'histoire de l'Égypte avant l'invasion de Cambyse. Description géographique. Tome Second. · De Bure · 1814
  157. De l'écriture hiératique des anciens Égyptiens · Imprimerie Typographique et Lithographique de Baratier Frères · 1821
  158. Lettre à M. Dacier relative à l'alphabet des hiéroglyphes phonétiques employés par les égyptiens pour écrire sur leurs monuments les titres, les noms et les surnoms des souverains grecs et romains · Firmin Didot Père et Fils · 1822
  159. Panthéon égyptien, collection des personnages mythologiques de l'ancienne Égypte, d'après les monuments (explanatory text to illustrations by Léon-Jean-Joseph Dubois) · Firmin Didot · 1823
  160. Précis du système hiéroglyphique des anciens Égyptiens, ou recherches sur les éléments premiers de cette écriture sacrée, sur leurs diverses combinaisons, et sur les rapports de ce systéme avec les autres méthodes graphiques égytpiennes · Treuttel et Würtz · 1824
  161. Lettres à M. le Duc de Blacas d'Aulps relatives au Musée Royal Egyptien de Turin · Firmin Didot Père et Fils · 1824
  162. Notice descriptive des monuments Égyptiens du musée Charles X · Imprimerie de Crapelet · 1827
  163. Lettres écrites d'Égypte et de Nubie · Project Gutenberg · 1828
  164. Monuments de l'Egypte et de la Nubie: d'après les dessins exécutés sur les lieux sous la direction de Champollion le-Jeune, et les descriptions autographes qu'il en a rédigées. Volume 1 & 2 · Typographie de Firmin Didot Frères · 1835
  165. Grammaire égyptienne, ou Principes généraux de l'ecriture sacrée égyptienne appliquée a la représentation de la langue parlée · Typographie de Firmin Didot Frères · 1836
  166. Dictionnaire égyptien en écriture hiéroglyphique · Firmin Didot Frères · 1841
  167. The Keys of Egypt: the obsession to decipher Egyptian hieroglyphs · HarperCollins · 2000
  168. Åkerblad · Lettre sur l'inscription Égyptienne de Rosette: adressée au citoyen Silvestre de Sacy, Professeur de langue arabe à l'École spéciale des langues orientales vivantes, etc.; Réponse du citoyen Silvestre de Sacy · L'imprimerie de la République · 1802
  169. Egyptian Diaries: How One Man Unveiled the Mysteries of the Nile · Gibson Square · 2001
  170. Bianchi · The Oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Volume 1 · Oxford University Press · 2001
  171. Champollion · Précis du système hiéroglyphique des anciens Égyptiens, ou, Recherches sur les élémens premiers de cette écriture sacrée, sur leurs diverses combinaisons, et sur les rapports de ce système avec les autres méthodes graphiques égyptiennes · Imprimerie royale · 1828
  172. Fagan · The rape of the Nile: tomb robbers, tourists, and archaeologists in Egypt · Westview Press · 2004
  173. Frimmer · The stone that spoke: and other clues to the decipherment of lost languages · G. P. Putnam's Sons · 1969
  174. Hartleben · Champollion: sein leben und sein Werk · Weidmannsche Buchhandlung · 1906
  175. Iversen · Myth of Egypt and its hieroglyphs in European tradition · Gad · 1961
  176. Kanawaty · Mémoires d'Égypte. Hommage de l'Europe à Champollion, catalogue d'exposition, Paris, Bibliothèque nationale, 17 novembre 1990–17 mars 1991 · La Nuée Bleue · 1990
  177. Lacouture · Champollion, Une vie de lumières · Grasset · 1988
  178. Lewis · An Historical Survey of the Astronomy of the Ancients · Parker, Son, and Bourn · 1862
  179. Meyerson · The Linguist and the Emperor: Napoleon and Champollion's quest to decipher the Rosetta Stone · Ballantine Books · 2004
  180. Cracking Codes: the Rosetta Stone and decipherment · University of California Press · 1999
  181. Pope · The Story of Decipherment: From Egyptian Hieroglyphs to Maya Script · Thames & Hudson · 1999
  182. Robinson · Cracking the Egyptian Code: The Revolutionary Life of Jean-Francois Champollion · Oxford University Press · 2012
  183. Thomasson · The Life of J. D. Åkerblad: Egyptian Decipherment and Orientalism in Revolutionary Times · Brill · 2013
  184. Wilkinson · A World Beneath the Sands: Adventurers and Archaeologists in the Golden Age of Egyptology · Picador · 2020

موقع موثوق(32)

  1. Napoleon Was Here! · The National Library of Israel
  2. Corsica
  3. Napoleon's act of abdication · Bulletin des lois de la Republique Française · 1814
  4. A Journey to St. Helena, Home of Napoleon's Last Days
  5. Hicks · Napoleon's English Lessons
  6. L'Empire et le Saint-Siège · Napoleon.org
  7. Napoleon's 'divorce'
  8. Youssef · Napoléon et l'islam, l'anti-croisade · 2023
  9. Napoleon and the Pope: From the Concordat to the Excommunication
  10. La taille de Napoléon
  11. Zelazko · Was Napoleon Short? · 2023
  12. Outlines of the evolution of weights and measures and the metric system · The Macmillan Company · 1906
  13. Hanson, Victor Davis · The Little Tyrant, A review of Napoleon: A Penguin Life · The Claremont Institute · 2003
  14. Nieuwazny · Napoleon and Polish Identity · 1998
  15. Armorial du Premier Empire, Par Philippe Lamarque, Index armorum : Michel Popoff, Iconographie : Gregor Jakubowski – Barthel de Weydenthal, Éditions du Gui
  16. Battle of the Pyramids (Battle of Embabeh)
  17. Keslassy · French Historians Slam Ridley Scott’s ‘Napoleon’ Inaccuracies: ‘Like Spitting in the Face of French People’ · 2023
  18. Kotb · Napoleon Did Not Shoot the Pyramids As Ridley Scott Might Have You Believe · 2023
  19. Franck Goddio · Napoleon Bonaparte's Fleet
  20. Richard Savill · Battle of the Nile tree clumps pinpointed for visitors by National Trust · The Daily Telegraph · 2009
  21. Adrian Wills · Decade to mark the naval hero's battles · 1998
  22. Interview with Franck Goddio, June 28, 1999 · Franck Goddio Society · 1999
  23. Nick Slope · Burials on Nelson's Island · BBC History · 2004
  24. Description de l'Égypte
  25. How Champollion Used Coptic to Decipher Hieroglyphics
  26. How Did Champollion Crack the Rosetta Stone?
  27. Jean-François Champollion (1790–1832) · Royal Netherlands Academy of Arts and Sciences
  28. Les Ecritures du Monde · L'internaute – Musée Champollion
  29. La propriété familiale, Museum Website
  30. Cairo correspondent on the city's best · CNN.com
  31. Aufrère · Champollion, Jean-François · Institut National d'Histoire de l'Art · 2008
  32. Musée Champollion. Vif

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة