تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

أسرة محمد علي

~1805 – ~1882 م

11 فصلًا · 158 دقيقة قراءة · 205 مراجع

  1. 1805 م

    المقدّمة

    دقيقة قراءة واحدةالأسرة العلوية هي سلالة مصرية ذات أصول ألبانية أسسها محمد علي باشا من الباشوات والخديويات من نواب السلطان حكمت في مصر تحت السلطة الاسمية للعثمانيين ما بين 1805 - 1914. ثم تحت الحماية البريطانية ما بين 1914 - 1922، وبعد…

    الأسرة العلوية هي سلالة مصرية ذات أصول ألبانية أسسها محمد علي باشا من الباشوات والخديويات من نواب السلطان حكمت في مصر تحت السلطة الاسمية للعثمانيين ما بين 1805 - 1914. ثم تحت الحماية البريطانية ما بين 1914 - 1922، وبعد استقلال مصر في 28 فبراير 1922، إلى أن اطيح بحكمها عام 1952 إثر حركة يوليو بقيادة محمد نجيب.

    بعدما استطاع مؤسس السلالة محمد علي باشا (1805 - 1849) أن يستقل بمصر عن العثمانيين، تمكن حفيده إسماعيل (1863 - 1879) بعام 1867 أن يجسد جهود أجداده فأصبح استقلال مصر فعليًا. واصل الخديوي توفيق (1879 - 1892) ثم ابنه عباس حلمي باشا الثاني (1892 - 1914) على هذا الطريق وكمّلا بناء الدولة الحديثة. وبسبب المشاريع الضخمة مثل قناة السويس، وفتح السودان، بناء السكك الحديدية والمتاحف، ومحاولة تقليد نظام أوروبا الحضاري، أصبحت مصر مدينة بأموال ضخمة لكبرى القوى الأوروبية (فرنسا وبريطانيا). كان ذلك السبب المباشر لدخول القوات البريطانية إلى مصر سنة 1882. ثم أصبحت مصر منذ 1914 تحت الحماية البريطانية. أدت هذه الأوضاع إلى قيام العديد من الثورات الشعبية ضد الاحتلال. وفي عام 1914 أصبحت مصر سلطنة وحكم كل من حسين كامل (1914 - 1917) وفؤاد الأول (1917 - 1936). وبعام 1922 أعلن فؤاد الأول نفسه ملكاً على مصر. انتهى عهد الملكية في مصر مع قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952,إطاحة بالملك فاروق الأول (1936 - 1952) وإعلان جمهورية مصر.

  2. محمد علي باشا

    50 دقيقة قراءةمحمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي (بالتركية العثمانية:؛ وبالتركية الحديثة: Kavalalı Mehmet Ali Paşa؛ وبالألبانية: Mehmet Ali Pasha)، الملقب بالعزيز أو عزيز مصر، (4 مارس 1769 – 2 أغسطس 1849) هو مؤسس الأسرة…

    محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي (بالتركية العثمانية:؛ وبالتركية الحديثة: Kavalalı Mehmet Ali Paşa؛ وبالألبانية: Mehmet Ali Pasha)، الملقب بالعزيز أو عزيز مصر، (4 مارس 1769 – 2 أغسطس 1849) هو مؤسس الأسرة العلوية وحاكم مصر ما بين عامي 1805 إلى 1848، ويشيع وصفه بأنه «مؤسس مصر الحديثة» وهي مقولة كان هو نفسه أول من روج لها واستمرت بعده بشكل منظم وملفت. استطاع أن يعتلي عرش مصر عام 1805 بعد أن بايعه أعيان البلاد ليكون واليًا عليها، بعد أن ثار الشعب على سلفه خورشيد باشا، ومكّنه ذكاؤه واستغلاله للظروف المحيطة به من أن يستمر في حكم مصر لكل تلك الفترة، ليكسر بذلك العادة العثمانية التي كانت لا تترك واليًا على مصر لأكثر من عامين.

    خاض محمد علي في بداية فترة حكمه حربًا داخلية ضد المماليك والإنجليز إلى أن خضعت له مصر بالكليّة، ثم خاض حروبًا بالوكالة عن الدولة العثمانية في جزيرة العرب ضد الوهابيين وضد الثوار اليونانيين الثائرين على الحكم العثماني في المورة، كما وسع دولته جنوبًا بضمه للسودان. وبعد ذلك تحول لمهاجمة الدولة العثمانية حيث حارب جيوشها في الشام والأناضول، وكاد يسقط الدولة العثمانية، لولا تعارض ذلك مع مصالح الدول الغربية التي أوقفت محمد علي وأرغمته على التنازل عن معظم الأراضي التي ضمها.

    خلال فترة حكم محمد علي، استطاع أن ينهض بمصر عسكريًا وتعليميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا، مما جعل من مصر دولة ذات ثقل في تلك الفترة، إلا أن حالتها تلك لم تستمر بسبب ضعف خلفائه وتفريطهم في ما حققه من مكاسب بالتدريج إلى أن سقطت دولته في 18 يونيو سنة 1953، بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في مصر.

    نشأته وقدومه إلى مصر

    ولد في مدينة قولة التابعة لمحافظة مقدونيا شمال اليونان عام 1769، لأسرة ألبانية. كان أبوه «إبراهيم آغا» رئيس الحرس المنوط بخفارة الطريق ببلده، وقيل أن أباه كان تاجر تبغ. كان لوالده سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم سواه، وقد مات عنه أبوه وهو صغير السن، ثم لم تلبث أمه أن ماتت فصار يتيم الأبوين وهو في الرابعة عشرة من عمره فكفله عمه «طوسون»، الذي مات أيضًا، فكفله حاكم قولة وصديق والده «الشوربجي إسماعيل» الذي أدرجه في سلك الجندية، فأبدى شجاعة وحسن نظر، فقربه الحاكم وزوجه من امرأة غنية وجميلة تدعى «أمينة هانم»، كانت طالع السعد عليه، وأنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل ومن الإناث أنجبت له ابنتين. وحين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدي الفرنسيين كان هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتي كان قوامها ثلاثمائة جندي، وكان رئيس الكتيبة هو ابن حاكم قولة الذي لم تكد تصل كتيبته ميناء أبو قير في مصر في ربيع عام 1801، حتى قرر أن يعود إلى بلده فأصبح هو قائد الكتيبة. ووفقًا لكثير ممن عاصروه، لم يكن يجيد سوى اللغة الألبانية، وإن كان قادرًا على التحدث بالتركية.

    بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر، وانسحابها عام 1801، تحت ضغط الهجوم الإنجليزي على الثغور المصرية، الذي تواكب مع الزحف العثماني على بلاد الشام، إضافة إلى اضطراب الأوضاع في أوروبا في ذلك الوقت. شجع ذلك المماليك على العودة إلى ساحة الأحداث في مصر، إلا أنهم انقسموا إلى فريقين أحدهما إلى جانب القوات العثمانية العائدة لمصر بقيادة إبراهيم بك الكبير والآخر إلى جانب الإنجليز بقيادة محمد بك الألفي. ولم يمض وقت طويل حتى انسحب الإنجليز من مصر وفق معاهدة أميان. أفضى ذلك إلى فترة من الفوضى نتيجة الصراع بين العثمانيين الراغبين في أن يكون لهم سلطة فعلية لا شكلية على مصر، وعدم العودة للحالة التي كان عليها حكم مصر في أيدي المماليك، وبين المماليك الذين رأوا في ذلك سلبًا لحق أصيل من حقوقهم. شمل ذلك الصراع مجموعة من المؤامرات والاغتيالات في صفوف الطرفين، راح ضحيتها أكثر من والٍ من الولاة العثمانيين. خلال هذه الفترة من الفوضى، استخدم محمد علي قواته الألبانية للوقيعة بين الطرفين، وإيجاد مكان له على مسرح الأحداث، كما أظهر محمد علي التودد إلى كبار رجالات المصريين وعلمائهم ومجالستهم والصلاة ورائهم، وإظهار العطف والرعاية لمتاعب الشعب المصري وآلامه، مما أكسبه أيضًا ود المصريين. عين والٍ عثماني جديد في مارس 1804 يدعى «أحمد خورشيد باشا»، الذي استشعر خطورة محمد علي وفرقته الألبانية الذي استطاع أن يستفيد من الأحداث الجارية والصراع العثماني المملوكي، فتمكن من إجلاء المماليك إلى خارج القاهرة، فطلب من محمد علي بالتوجه إلى الصعيد لقتال المماليك، وأرسل إلى الآستانة طالبًا بأن تمده بجيش من «الدلاة». وما أن وصل هذا الجيش حتى عاث في القاهرة فسادًا مستوليا على الأموال والأمتعة ومعتديا على الأعراض، مما أثار غضب الشعب، وطالب زعماؤه الوالي خورشيد باشا بكبح جماح تلك القوات، إلا أنه فشل في ذلك، مما أشعل ثورة الشعب التي أدت إلى عزل الوالي، واختار زعماء الشعب بقيادة عمر مكرم -نقيب الأشراف- محمد علي ليجلس محله. وفي 9 يوليو 1805، وأمام حكم الأمر الواقع، أصدر السلطان العثماني سليم الثالث فرمانًا سلطانيًا بعزل خورشيد باشا من ولاية مصر، وتولية محمد علي على مصر.

    تولي العرش

    خطر الألفي

    بعد أن بايعه أعيان الشعب في دار المحكمة ليكون واليًا على مصر في 17 مايو سنة 1805م والذي أقره فيها الفرمان السلطاني الصادر في 9 يوليو من نفس العام، كان على محمد علي أن يواجه الخطر الأكبر المحدق به، ألا وهو المماليك بزعامة محمد بك الألفي الذي كان المفضل لدى الإنجليز منذ أن ساندهم عندما أخرجوا الفرنسيين من مصر. ولم يمض سوى 3 أشهر حتى قرر المماليك مهاجمة القاهرة، وراسلوا بعض رؤساء الجند لينضموا إليهم عند مهاجمة المدينة. علم محمد علي بما يدبر له، فطالب من رؤساء الجند مجاراتهم واستدراجهم لدخول المدينة. وفي يوم الاحتفال بوفاء النيل عام 1805، هاجم ألف من المماليك القاهرة، ليقعوا في الفخ الذي نصبه محمد علي لهم، وأوقع بهم خسائر فادحة، مما اضطرهم للانسحاب. حينئذ، استغل محمد علي الفرصة، وطاردهم حتى أجلاهم عن الجيزة، فتقهقروا إلى الصعيد الذي كان ما زال في أيديهم.

    أنفذ محمد علي في أوائل عام 1806م جيشًا لمحاربة المماليك في الصعيد بقيادة حسن باشا قائد الفرقة الألبانية، الذي اشتبك مع قوات محمد بك الألفي الأكثر عددًا في الفيوم، وانهزمت قوات محمد علي مما أدى إلى انسحابها إلى جنوب الجيزة، ثم فرّت جنوبًا إلى بني سويف من أمام قوات محمد بك الألفي الزاحفة نحو الجيزة. تزامن ذلك مع زحف قوات إبراهيم بك الكبير وعثمان بك البرديسي من أسيوط لاحتلال المنيا، التي كانت بها حامية تابعة لمحمد علي، إلا أن قوات حسن باشا دعّمت الحامية وأوقفت زحف قوات المماليك إلى المنيا.

    في تلك الأثناء، صدر فرمان سلطاني بعزل محمد علي من ولاية مصر، وتوليته ولاية سلانيك. أظهر محمد على الامتثال للأمر واستعداده للرحيل، إلا أنه تحجج بأن الجند يرفضون رحيله قبل سداد الرواتب المتأخرة. وفي الوقت نفسه، لجأ إلى عمر مكرم نقيب الأشراف الذي كان له دور في توليته الحكم ليشفع له عند السلطان لإيقاف الفرمان. فأرسل علماء مصر وأشرافها رسالة للسلطان، يذكرون فيها محاسن محمد علي وما كان له من يد في دحر المماليك، ويلتمسون منه إبقائه واليًا على مصر. فقبلت الآستانة ذلك على أن يؤدي محمد علي 4,000 كيس، ويرسل ابنه إبراهيم رهينة في الآستانة إلى أن يدفع هذا الفرض.

    بعد أن توجه محمد بك الألفي إلى الجيزة، لم يهاجم القاهرة وإنما توجه إلى دمنهور بناءً على اتفاق سري بينه وبين حلفائه الإنجليز، ليتخذها مركزًا لتجميع قواته، فحاصرها إلا أن أهالي المدينة وحاميتها استبسلوا في الدفاع عنها. وعندما بلغ محمد علي أنباء حصار دمنهور، أرسل جزءًا من جيشه لمواجهة قوات محمد بك الألفي، فوصلت إلى الرحمانية في أواخر شهر يوليو من عام 1806، واشتبكوا مع قوات الألفي بالنجيلة وهي قرية بالقرب من الرحمانية، وتعرض جيش محمد علي للمرة الثانية للهزيمة، وانسحبوا إلى منوف. عاد الألفي لحصار دمنهور، إلا أنه لم يبلغ منها منالاً، فقد طال الحصار فتألّب عليه جنوده متذمرين، مما اضطره لفك الحصار والانسحاب إلى الصعيد. وسرعان ما جاءت محمد علي أنباء وفاة عثمان بك البرديسي أحد أمراء مماليك الصعيد، ثم أنباء وفاة الألفي أثناء انسحابه، فاغتبط لذلك. سرعان ما جرد جيشًا وتولى قيادته لمحاربة المماليك في الصعيد. استطاع جيش محمد علي أن يهزم المماليك في أسيوط، ويجليهم عنها، واتخذ منها مقرًا لمعسكره حيث جاءته أنباء الحملة الإنجليزية.

    حملة فريزر

    في إطار الحرب الإنجليزية العثمانية، وجهت إنجلترا حملة من 5,000 جندي بقيادة الفريق أول فريزر، لاحتلال الإسكندرية لتأمين قاعدة عمليات ضد الدولة العثمانية في البحر المتوسط، كجزء من إستراتيجية أكبر ضد التحالف الفرنسي العثماني.

    أنزلت الحملة جنودها في شاطئ العجمي في 17 مارس سنة 1807، ثم زحفت القوات لاحتلال الإسكندرية، التي سلمها محافظ المدينة «أمين آغا» إلى القوات البريطانية دون مقاومة، فدخلوها في 21 مارس. وهناك بلغتهم أنباء وفاة حليفهم الألفي، فأرسل فريزر إلى خلفاء الألفي في قيادة المماليك ليوافوه بقواتهم إلى الإسكندرية. وفي الوقت ذاته، راسلهم محمد علي ليهادنهم، إلا أنهم خشوا أن يتهموا بالخيانة، فقرروا الانضمام لقوات محمد علي، وإن كانوا يضمرون أن يسوّفوا حتى تتضح نتائج الحملة ليقرروا مع من ينضموا. قرر فريزر احتلال رشيد والرحمانية، لقطع طريق التعزيزات التي قد تأتي إلى المدينة عبر نهر النيل.

    وفي 31 مارس، أرسل فريزر 1,500 جندي بقيادة اللواء «باتريك ويشوب» لاحتلال رشيد، فاتّفقت حامية المدينة بقيادة «علي بك السلانكلي» والأهالي على استدراج الإنجليز لدخول المدينة دون مقاومة، حتى ما أن دخلوا شوارعها الضيقة، حتى انهالت النار عليهم من الشبابيك وأسقف المنازل، وانسحب من نجا منهم إلى أبو قير والإسكندرية، بعد أن خسر الإنجليز في تلك الواقعة نحو 185 قتيل و300 جريح، إضافة إلى عدد من الأسرى. أرسلت الحامية الأسرى ورؤوس القتلى إلى القاهرة، وهو ما قوبل باحتفال كبير في القاهرة.

    ولأهمية المدينة، أرسل فريزر في 3 أبريل جيشًا آخر قوامه 2,500 جندي بقيادة الفريق أول ويليام ستيوارت، ليستأنف الزحف على المدينة، فضرب عليها في 7 أبريل حصارًا وضربها بالمدافع، وأرسل ستيوارت قوة فاحتلت قرية «الحمّاد» لتطويق رشيد، ومنع وصول الإمدادات للمدينة. وفي 12 أبريل، عاد محمد علي من الصعيد، واطلع على الأخبار وقرر إرسال جيش من 4,000 من المشاة و1,500 من الفرسان بقيادة نائبه «طبوز أوغلي»، لقتال الإنجليز. صمدت المدينة لمدة 13 يومًا، حتى وصل الجيش المصري في 20 أبريل، مما اضطر ستيوارت إلى الانسحاب. كما أرسل رسولاً إلى النقيب «ماكلويد» قائد القوة التي احتلّت الحمّاد يأمره بالانسحاب، إلا أنه لم يتمكن من الوصول. وفي اليوم التالي، حوصرت القوة المؤلفة من 733 جنديًا في الحمّاد. بعد مقاومة عنيفة، وقعت القوة بين قتيل وأسير. فعاد ستيوارت إلى الإسكندرية ببقية قواته، بعد أن فقد أكثر من 900 من رجاله بين قتيل وجريح وأسير.

    تابعت قوات محمد علي زحفها نحو الإسكندرية، وحاصروها. وفي 14 سبتمبر سنة 1807، تم عقد صلح بعد مفاوضات بين الطرفين، نص على وقف القتال في غضون 10 أيام، وإطلاق الأسرى الإنجليز، على أن تخلي القوات الإنجليزية المدينة، والتي رحلت إلى صقلية في 25 سبتمبر. وبذلك تخلص محمد علي من واحد من أكبر المخاطر التي كادت تطيح بحكمه في بدايته.

    التخلص من الزعامة الشعبية

    على الرغم من المساعدات التي قدمتها الزعامة الشعبية بقيادة نقيب الأشراف عمر مكرم، لمحمد علي بدءً بالمناداة به واليًا، ثم التشفع له عند السلطان لإبقائه واليًا على مصر. وبالرغم من الوعود والمنهج الذي اتبعه محمد علي في بداية فترة حكمه مع الزعماء الشعبيين، بوعده بالحكم بالعدل ورضائه بأن تكون لهم سلطة رقابية عليه، إلا أن ذلك لم يدم. بمجرد أن بدء الوضع في الاستقرار النسبي داخليًا، بالتخلص من الألفي وفشل حملة فريزر وهزيمة المماليك وإقصائهم إلى جنوب الصعيد، حتى وجد محمد علي أنه لن تطلق يده في الحكم، حتى يزيح الزعماء الشعبيين. تزامن ذلك مع انقسام علماء الأزهر حول مسألة من يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر بين مؤيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي ومؤيدي الشيخ «محمد الأمير».

    فرض محمد علي ضرائب جديدة على الشعب في شهر يونيو من عام 1809، فهاج الناس ولجأوا إلى عمر مكرم الذي وقف إلى جوار الشعب وتوعد بتحريك الشعب إلى ثورة عارمة ونقل الوشاة الأمر إلى محمد علي. استغل محمد علي محاولة عدد من المشايخ والعلماء للتقرب منه وغيرة بعض الأعيان من منزلة عمر مكرم بين الشعب كالشيخ محمد المهدي والشيخ محمد الدواخلي، فاستمالهم محمد علي بالمال ليوقعا بعمر مكرم. وكان محمد علي قد أعد حسابًا ليرسله إلى الدولة العثمانية يشتمل علي أوجه الصرف، ويثبت أنه صرف مبالغ معينة جباها من البلاد بناء علي أوامر قديمة وأراد يبرهن علي صدق رسالته، فطلب من زعماء المصريين أن يوقعوا علي ذلك الحساب كشهادة منهم على صدق ما جاء به. إلا أن عمر مكرم امتنع عن التوقيع وشكك في محتوياته.

    فأرسل يستدعي عمر مكرم إلى مقابلته، فامتنع عمر مكرم، قائلاً «إن كان ولا بد، فاجتمع به في بيت السادات.» وجد محمد علي في ذلك إهانة له، فجمع جمعًا من العلماء والزعماء، وأعلن خلع عمر مكرم من نقابة الأشراف وتعيين الشيخ السادات، معللاً السبب أنه أدخل في دفتر الأشراف بعض الأقباط واليهود نظير بعض المال، وأنه كان متواطئًا مع المماليك حين هاجموا القاهرة يوم وفاء النيل عام 1805، ثم أمر بنفيه من القاهرة إلى دمياط. وبنفي عمر مكرم اختفت الزعامة الشعبية الحقيقية من الساحة السياسية، وحل محله مجموعة من المشايخ الذين كان محمد علي قادرًا على السيطرة عليهم إما بالمال أو بالاستقطاعات، وهم الذين سماهم الجبرتي «مشايخ الوقت».

    مذبحة القلعة

    بالرغم من أن محمد علي استطاع هزيمة المماليك، وإبعادهم إلى جنوب الصعيد. إلا أنه ظل متوجسًا من خطورتهم، لذا لجأ إلى إستراتيجية بديلة وهي التظاهر بالمصالحة واستمالتهم بإغداق المال والمناصب والاستقطاعات عليهم، حتى يستدرجهم للعودة إلى القاهرة. كان ذلك طعمًا ابتلعه الجانب الأكبر من المماليك، الذين استجابوا للدعوة مفضلين حياة الرغد والترف على الحياة القاسية والمطاردة من قبل محمد علي. إلا أن بعض زعماء المماليك مثل إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن ورجالهم، لم يطمئنوا إلى هذا العرض، وفضلوا أن يبقوا في الصعيد.

    في ديسمبر من عام 1807، تلقّى محمد علي أمرًا سلطانيًا من السلطان العثماني مصطفى الرابع، بتجريد حملة لمحاربة الوهابيين الذين سيطروا على الحجاز، مما أفقد العثمانيين السيطرة على الحرمين الشريفين، وبالتالي هدد السلطة الدينية للعثمانيين. إلا أن محمد علي ظل يتحجج بعدم استقرار الأوضاع الداخلية في مصر، بسبب حروبه المستمرة مع المماليك. لكن بعد تظاهره بالمصالحة مع المماليك، لم يبق أمام محمد علي ما يمنعه من تجريد تلك الحملة، لذا قرر محمد علي أن يجرّد حملة بقيادة ابنه أحمد طوسون لقتال الوهابيين. كان في تجريد تلك الحملة ورحيل جزء كبير من قوات محمد علي خطر كبير على استقرار أوضاعه في مصر، فوجود المماليك بالقرب من القاهرة، قد يشجعهم على استغلال الفرصة لينقضوا على محمد علي وقواته. لذا لجأ محمد علي إلى الحيلة، فأعلن محمد على عن احتفال في القلعة بمناسبة إلباس ابنه طوسون خلعة قيادة الحملة على الوهابيين، وحدد له الأول من مارس سنة 1811، وأرسل يدعو الأعيان والعلماء والمماليك لحضور الاحتفال. لبى المماليك الدعوة، وما أن انتهى الاحتفال حتى دعاهم محمد علي إلى السير في موكب ابنه. تم الترتيب لجعل مكانهم في وسط الركب، وما أن وصل المماليك إلى طريق صخري منحدر يؤدي إلى باب العزب المقرر أن تخرج منه الحملة، حتى أغلق الباب فتكدست خيولهم بفعل الانحدار، ثم فوجئوا بسيل من الرصاص انطلق من الصخور على جانبي الطريق ومن خلفهم يستهدفهم. راح ضحية تلك المذبحة المعروفة بمذبحة القلعة كل من حضر من المماليك، وعددهم 470 مملوك، ولم ينج من المذبحة سوى مملوك واحد يدعى «أمين بك»، الذي استطاع أن يقفز من فوق سور القلعة. بعد ذلك أسرع الجنود بمهاجمة بيوت المماليك، والإجهاز على من بقي منهم، وسلب ونهب بيوتهم، بل امتد السلب والنهب إلى البيوت المجاورة، ولم تتوقف تلك الأعمال إلا بنزول محمد علي وكبار رجاله وأولاده في اليوم التالي، وقد قُدّر عدد من قتلوا في تلك الأحداث نحو 1000 مملوك.

    تعرض محمد علي للعديد من الانتقادات من المؤرخين الغربيين بسبب غدره بالمماليك في تلك المذبحة، بينما عدها البعض مثل محمد فريد إحدى أفعال محمد علي الحسنة التي خلّص بها مصر من شر المماليك. بتخلص محمد علي من معظم المماليك، انسحب المماليك الذين بقوا في الصعيد إلى دنقلة، وبذلك أصبح لمحمد علي كامل السيطرة على مصر.

    فترة خدمة السلطنة

    الحرب الوهابية العثمانية

    ظهر عجز الدولة العثمانية، منذ أوائل القرن التاسع عشر، في إخماد الثورات التي قامت في وجهها، فاستنجدت بولاتها لإخمادها، ومن هذه الثورات التي أقضّت مضاجع الدولة: الثورة اليونانية والحركة الوهّابية في شبه الجزيرة العربية. حقّقت الدعوة الوهّابية نجاحًا في نجد، واحتضنها أمير الدرعية محمد بن سعود بن محمد آل مقرن، وتجاوزتها إلى بعض أنحاء الحجاز واليمن وعسير وأطراف العراق والشام، واستولى الوهابيون على مكة والطائف والمدينة المنورة، حتى بدا خطرها واضحًا على الوجود العثماني في أماكن انتشارها، بل في المشرق العربي والعالم الإسلامي، وأدّت دورًا هامًا في تطور الفكر الإسلامي الحديث، حيث تُعدّ أول حركة إصلاحية سلفية في العصر الحديث، كما أنها أولى الحركات الإصلاحية التجديدية التي ظهرت في الدولة العثمانية.

    وشعرت الدولة العثمانية بخطورة تلك الحركة، وأدركت أن نجاحها سوف يؤدي إلى فصل الحجاز وخروجه من يدها، وبالتالي خروج الحرمين الشريفين، ما يفقدها الزعامة التي تتمتع بها في العالم الإسلامي بحكم إشرافها على هذين الحرمين، في وقت كانت قد بدأت تسعى فيه إلى التغلب على عوامل الضعف الداخلية، وتقوية الصلات بينها وبين أنحاء العالم الإسلامي بوصفها مركز الخلافة الإسلامية. شكّلت كل هذه العوامل حافزًا للدولة العثمانية للوقوف في وجه الدعوة الوهّابية ومواجهتها للحد من انتشارها، فحاولت في بادئ الأمر عن طريق ولاة بغداد ودمشق لكنها فشلت، فوقع اختيارها على محمد علي باشا، فأعدّ هذا حملة عسكرية بقيادة ابنه أحمد طوسون دخلت ينبع وبدر، إلا أنها انهزمت في معركة وادي الصفراء. لم يستثمر الوهّابيون انتصارهم في الصفراء، وقبعوا في معاقلهم، ما أعطى طوسون الفرصة لإعادة تنظيم صفوف قواته، كما طلب إمدادات من القاهرة، وأخذ يستميل القبائل الضاربة بين ينبع والمدينة المنورة بالمال والهدايا، ونجح في سياسته هذه التي مهّدت له السبيل لاستعادة المدينة المنورة ومكة والطائف، لكن الوهّابيين عادوا وانتصروا في تَرَبة والحناكية وقطعوا طرق المواصلات بين مكة والمدينة، وانتشرت الأمراض في صفوف الجيش المصري، وأصاب الجنود الإعياء نتيجة شدة القيظ وقلة المؤونة والماء، ما زاد موقف طوسون حرجًا، فرأى بعد تلك الخسائر، أن يلزم خطة الدفاع، وأرسل إلى والده يطلب المساعدة.

    قرر محمد علي باشا أن يسير بنفسه إلى الحجاز لمتابعة القتال والقضاء على الوهّابيين، وبسط نفوذ مصر في شبه الجزيرة العربية، فغادر مصر، في 26 أغسطس سنة 1812م، الموافق فيه 17 شعبان سنة 1227هـ، على رأس جيش آخر ونزل في جدة ثم غادرها إلى مكة وهاجم معاقل الوهّابيين، إلا أنه فشل في توسيع رقعة انتشاره، فأخلى القنفذة بعد أن كان قد دخلها، وانهزم ابنه طوسون في تَرَبة مرة أخرى. كان من الطبيعي بعد هذه الهزائم المتكررة ومناوشات الوهّابيين المستمرة لوحدات الجيش المصري، أن يطلب محمد علي باشا المدد من مصر، ولمّا وصلت المساعدات، وفيما كان يتأهب للزحف توفي خصمه سعود في 27 أبريل سنة 1814م، الموافق فيه 6 جمادى الأولى سنة 1229هـ، وخلفه في الإمارة ابنه عبد الله. ويبدو أن هذا الأمير لم يملك قدرات عسكرية تُمكنه من درء الخطر المصري ما أدى إلى تداعي الجبهة الوهّابية، فصبّت هذه الحادثة في مصلحة محمد علي باشا الذي تمكّن من التغلب على جيش وهّابي في بسل، وسيطر على تَرَبة ودخل ميناء القنفذة، في حين سيطر طوسون على القسم الشمالي من نجد.

    عند هذه المرحلة من تطوّر المشكلة الوهّابية، اضطر محمد علي باشا أن يغادر شبه الجزيرة العربية ويعود إلى مصر للقضاء على حركة تمرد استهدفت حكمه، وبعد القضاء على هذه الحركة استأنف حربه ضدّ الوهّابيين، فأرسل حملة عسكرية أخرى إلى شبه الجزيرة بقيادة ابنه إبراهيم باشا في 5 سبتمبر سنة 1816م، الموافق فيه 12 شوّال سنة 1231هـ. تمكّن إبراهيم باشا، بعد اصطدامات ضارية مع الوهّابيين، من الوصول إلى الدرعية وحاصرها، فاضطر عبد الله بن سعود إلى فتح باب المفاوضات، واتفق الطرفان على تسليم الدرعية إلى الجيش المصري، شرط عدم تعرضه للأهالي، وأن يُسافر عبد الله بن سعود إلى الآستانة لتقديم الولاء للسلطان، وأن يردّ الوهّابيون الكوكب الدري، وما بقي بحوزتهم من التحف والمجوهرات التي أخذوها حين استولوا على المدينة المنورة. وعمد إبراهيم باشا، بعد تسلمه الدرعية، إلى هدمها. وهكذا انتهت الحرب الوهّابية التي خاضها الجيش المصري في شبه الجزيرة العربية، وعاد إبراهيم باشا إلى مصر.

    ضم السودان

    كانت الحملة التالية في حملات محمد علي هي الحملة التي جردها لضمّ السودان. كانت أهداف محمد علي غير المعلنة من تلك الحملة السعي وراء الذهب والماس الذي تناقل الناس أنه موجود في أصقاع السودان وخاصة سنار، ولاتخاذ جنود سودانيين في الجيش النظامي المصري لما عرف عنهم من صبر وشجاعة وطاعة، والتخلص من بقية جنود الفرق غير النظامية في الجيش المصري التي كانت تثير القلاقل ومصدر متاعب لمحمد علي. أما السبب الظاهري لتلك الحملة، فكان القضاء على البقية الباقية من المماليك الذين فروا إلى دنقلة.

    انطلقت الحملة المؤلفة من 4,000 جندي في مراكب نيلية في 20 يوليو سنة 1820، بقيادة إسماعيل باشا ثالث أبناء محمد علي. سارت الحملة جنوبًا، فانحدرت من أسوان إلى وادي حلفا إلى دنقلة، حيث واجهت المماليك وهزمتهم دون مقاومة تذكر. وفي 4 نوفمبر من نفس العام، واجهت جمعًا من السودانيين بأسلحة بدائية وهزمهم في كورتي. ثم واصل الجيش المصري الزحف، فاستولى على بربر في 10 مارس سنة 1821، ثم شندي الذي أعلن ملكها نمر استسلامه أمام الجيش الزاحف، ثم استولوا بعد ذلك على أم درمان، فاجتازوها وبالقرب منها أسسوا مدينة الخرطوم لتكون قاعدة عسكرية للقوات المصرية.

    وجه بعد ذلك إسماعيل باشا نسيبه محمد بك الدفتردار في حملة لضم كردفان. وفي شهر أبريل من عام 1821، اشتبكت قوات الدفتردار مع قوات محمد الفضل سلطان كردفان في بارا، فانتصر الدفتردار ودخل مدينة الأبيض، ليضم بذلك كردفان للأراضي الخاضعة للسلطة المصرية. سار إسماعيل ببقية جيشه لضم مملكة سنار، فاستولى على مدينة ود مدني، فقدم ملكها الملك «بادي» ولاءه للجيش المصري، فدخل المصريون سنار في 12 يونيو 1821.

    وفي أثناء وجود الجيش في سنار انتشر المرض بين الجنود، فاضطر إسماعيل إلى طلب المدد من أبيه، فأمدّه بقوات بقيادة أخيه الأكبر إبراهيم باشا، واتفقا على تقسيم العمل بينهما، فكانت مهمة إسماعيل الزحف بجيشه على منطقة النيل الأزرق، بينما اتجه إبراهيم لضم بلاد الدنكا واستكشاف أعالي النيل. فواصل إسماعيل زحفه في منطقة النيل الأزرق حتى وصل إلى فازوغلي في شهر يناير من عام 1822. أما إبراهيم فأكرهه المرض على العودة إلى مصر.

    بدأت الثورات تظهر في مختلف المناطق بسبب الازدياد المتواصل في الضرائب التي فرضها المصريون على السودانيين، وما أن وصل إسماعيل باشا إلى شندي في ديسمبر من عام 1822، حتى أمر الملك نمر بالمثول أمامه وبدأ في تأنيبه واتهامه بإثارة القلاقل، ثم عاقبه بأن أمره أن يدفع غرامة فادحة وألف من العبيد، فأظهر الملك نمر الامتثال ولم تمض أيام حتى دعا إسماعيل باشا وكبار رجاله إلى وليمة، وبعد أن أثقلهم بالطعام والشراب، أمر بإشعال النار في المكان، وأمر جنوده برمي كل من يحاول الهرب بالسهام والنبال، فمات إسماعيل ورجاله خنقًا وحرقًا. فلما بلغ محمد بك الدفتردار الخبر، زحف إلى شندي وأسرف في القتل والسبي، وتعقّب الملك نمر إلا أنه لم يدركه حيث فر إلى حدود الحبشة. بعد ذلك استقرت الأوضاع في السودان ودان لحكم محمد علي.

    حرب المورة

    كانت بلاد اليونان، حتى أوائل القرن التاسع عشر، جزءًا من السلطنة العثمانية، وفي هذه الفترة ظهرت في البلاد بوادر الثورة ضد الحكم العثماني، بفعل أربعة عوامل: تطوّر المجتمع اليوناني بفعل الرخاء الاقتصادي الذي نجم عن الحروب النابليونية، وانتشار الأفكار الأوروبية وبخاصة أفكار الثورة الفرنسية، وردود الفعل الآيلة ضد المركزية العثمانية، والتدخل الأوروبي المباشر. وأخذت الحركات الثورية والجمعيات السياسية السريّة والعلنية تُشكل خطرًا على وحدة الدولة العثمانية بدءً من عام 1820، واتخذت مراكز لها في كل من روسيا والنمسا لتكون على اتصال وثيق بالحكومات الأوروبية من جهة، وبمنجاة من اضطهاد الحكّام العثمانيين من جهة أخرى. وكان بعض هذه الجمعيات، مثل «الجمعية الأخوية» (باليونانية: Φιλική Εταιρεία أو Εταιρεία των Φιλικών؛ نقحرة: فيلكي إيتريا)، يدعو إلى إحياء الإمبراطورية البيزنطية والاستيلاء على العاصمة الآستانة، وإخراج المسلمين من أوروبا ودفعهم إلى آسيا. وقد اتخذت الثورة في إقليم المورة بالذات طابعًا دينيًا، رافعة شعارًا هو: الإيمان والحرية والوطن. واجهت الدولة العثمانية مصاعب كبيرة في محاربة الثوّار، نظرًا لكثرة الجزر ولوعورة المسالك التي اشتهرت بها بلاد اليونان، بفعل معرفة اليونانيين كيفية الاستفادة منها إستراتيجيًا ضد القوّات العثمانية. وعندما تفاقم خطر الثورة، طلب السلطان محمود الثاني من محمد علي باشا أن يُرسل قواته إلى اليونان لإخضاع الثوّار.

    قبل محمد علي باشا القيام بهذا الدور بفعل أن الخطر موجه ضد دولة المسلمين العامّة، المتمثلة بالدولة العثمانية، وضد الإسلام ممثلًا في السلطان العثماني خليفة المسلمين، فأرسل حملة عسكرية بقيادة حسن باشا نزلت في جزيرة كريت وأخمدت الثورة فيها،

    كما أرسل حملة أخرى بقيادة ابنه إبراهيم باشا، لإخماد ثورة المورة، ونجح في تنفيذ إنزال على شواطئها بعد اصطدامات بحرية قاسية مع الأسطول اليوناني في عام 1825، وأنقذ الجيش العثماني المحاصر في ميناء كورون، كما حاصر ناڤارين، أهم مواقع شبه الجزيرة. وتمكّن إبراهيم باشا من دخول هذا الثغر، كما فتح كلاماتا وتريپولستا في شهر يونيو من عام 1825، وطارد الثوّار واستولى على معاقلهم، باستثناء مدينة نوپلي، عاصمة الحكومة الثورية، واستعد للقضاء على آخر معاقل للثوّار في هيدرا وأستبزيا وميناء نوپلي وميسولونغي. وما لبثت الأخيرة أن سقطت في يد الجيش المصري وكانت آخر معقل كبير للثوار.

    نتيجة لانتصار الجيش المصري، قام اليونانيون بتحريك الرأي العام الأوروبي لإنقاذ الثورة، فنهضت جماعة من أقطاب الشعراء والأدباء يثيرون الرأي العام في أوروبا بكتاباتهم، ويحثّون الدول الأوروبية على التدخل لصالح الثورة. وفعلاً دعت بريطانيا روسيا للتشاور، بغية الوصول إلى تفاهم حول مستقبل اليونان، وتكلّلت هذه المفاوضات بتوقيع پروتوكول سان بطرسبرغ، الذي انضمت إليه فرنسا بعد مدة قصيرة، واتفقت الدول الثلاث على حث الباب العالي على عقد هدنة مع اليونانيين، ومنحهم قدرًا من الحكم الذاتي في إطار التبعية الاسمية للسلطان العثماني. لكن سقوط ميسولونغي قلب الأمور رأسًا على عقب، فاتجهت الدول الأوروبية وفي مقدمتها روسيا إلى العنف دعمًا للثوّار، فأرسلت سفنها إلى مياه اليونان لفرض مطالبها بالقوة، ومنع السفن العثمانية والمصرية من الوصول إلى شواطئ هذا البلد، وإرسال الإمدادات إلى الجيشين العثماني والمصري. وحاصرت أساطيل الحلفاء الأسطولين العثماني والمصري في ميناء ناڤارين وضربتهما، بدون سابق إنذار، ودمرتهما تمامًا في 20 أكتوبر سنة 1827م، الموافق فيه 29 ربيع الأول سنة 1243هـ.

    عند هذه النقطة من المشكلة اليونانية، كانت وجهات النظر العثمانية والمصرية متفقة على السياسة العامة، إلا أنه بعد تدخل الدول الأوروبية وانتصارها البحري في ناڤارين اختلفت وجهتيّ نظر الجانبين. فقد رأى محمد علي باشا أن لا فائدة تُرجى من مواصلة القتال، بعد أن فقد أسطوله وانقطعت طريق مواصلاته البحرية مع جيوشه في بلاد اليونان، وأن الحكمة تقضي بفصل السياسة المصرية عن السياسة العثمانية، وقد عجّل في سرعة اتخاذه قرار الانسحاب إرسال فرنسا قوة عسكرية أنزلتها في المورة، وتلقّيه مذكرة من الدول الأوروبية تصرّ فيها على فصل بلاد اليونان واستهداف مصر، إن هو استمر في اتباع السياسة العثمانية. لذا فضّل محمد علي عزل مصر عن المشكلة اليونانية، وترك أمرها للسلطان. وفي 7 سبتمبر سنة 1828م، الموافق فيه 26 صفر سنة 1244هـ، ابتدأ انسحاب الجنود المصرية من المورة على متن ما بقي من السفن، ولم يبق في اليونان غير ألف ومائتيّ جندي للمحافظة على بعض المواقع ريثما تستلمها الجنود العثمانية، إلا أن القوات الفرنسية قامت بهذه المهمة عوضًا عن القوات العثمانية.

    الحملة على الشام

    أسبابها

    خرج محمد علي باشا من الحرب اليونانية من دون أن يظفر بفتوح جديدة، ولم يُحقق أي استفادة من الاشتراك فيها، في حين انتهت الحرب مع الوهّابيين ببسط نفوذه على شبه الجزيرة العربية، وأتاح له دخول السودان ضم الجزء المتمم للأراضي المصرية، أما العمل الذي قام به بعد ذلك فكان مسرحه بلاد الشام. كان محمد علي يطمح من كل تلك المساعدات والخدمات التي قدمها للدولة العثمانية أن يمنحه السلطان ولاية من الولايات الكبرى، ولكن السلطان اكتفى بأن أقطع محمد علي جزيرة كريت تقديرًا لخدماته وتعويضًا عن بعض ما فقده في الحرب اليونانية، لكن هذا التعويض لم يكن ذا قيمة، إذ لم يكن من السهل أن تحكم مصر هذه الجزيرة وأن تستفيد منها لاشتهار أهلها بالعصيان والتمرّد، ورأى أن يضم بلاد الشام إلى مصر، يدفعه في ذلك عاملان: سياسي واقتصادي. أما العامل السياسي فهو اتخاذ بلاد الشام حاجزًا يقي مصر الضربات العثمانية في المستقبل من جهة، وإنشاء دولة عربية، أو قيام سلطنة إسلامية قوية، من جهة أخرى، كما أن بسط نفوذه على هذه البلاد سيُمكنه من تجنيد جيش من سكانها، فيزداد بذلك عدد أفراد جيشه. أما العامل الاقتصادي، فإنه أراد استغلال موارد بلاد الشام، من الخشب والفحم الحجري والنحاس والحديد التي كانت تفتقر إليها مصر، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بالأناضول، وعلاقاتها التجارية بأواسط آسيا حيث تمر قوافل التجارة، وبسبب موقعها على طريق الحج إلى البيت الحرام.

    والراجح أن محمد علي باشا كان يطمح إلى ضمّ بلاد الشام منذ عام 1810، ويأمل أن يصل إلى حكمها بموافقة السلطان، فطلب من محمود الثاني، في عام 1813، أثناء الحرب الوهّابية، أن يعهد إليه بحكم هذه البلاد بحجة أنه بحاجة إلى مدد منها يعاونه على القتال، فوعد السلطان محمد علي بأن يوليه عليها نظرًا لأن الحرب في شبه الجزيرة كان تؤرق مضجعه وكان يتطلّع إلى القضاء على الوهابيين بسرعة خوفًا من أن تؤدي دعوتهم إلى التفرقة بين المسلمين. ولمّا انتهت الحرب، عاد السلطان وأخلف وعده، إذ شعر أن وجود محمد علي في الشام خطرٌ على كيان السلطنة نفسها. مهّد محمد علي لتنفيذ خطته، بأن أخذ يوطد علاقاته بأقوى شخصين في المنطقة وهما: عبد الله باشا والي عكا، وبشير الثاني الشهابي أمير لبنان، وكلاهما مدين لمحمد علي بالبقاء في منصبه. أما عبد الله باشا فكان محمد علي قد ساعده لدى السلطان، إثر خلافه مع والي دمشق عام 1821، فرضي عنه السلطان وأقرّه على ولاية عكا، كما كان محمد علي قد أمدّه بالمال في معركته ضد والي دمشق.

    أما الأمير بشير فكان قد ناصر عبد الله باشا في ذاك الخلاف، وسار على رأس جيشه وحارب والي دمشق وهزمه. وما كادت الدولة العثمانية تطّلع على هزيمة والي دمشق حتى جرّد الباب العالي حملة عسكرية قوية اضطرت الأمير بشير إلى ترك البلاد، والسفر إلى مصر، حيث رحّب به محمد علي، واتفقا على التعاون معًا. ولمّا كان محمد علي على وفاق مع السلطان، فقد استطاع أن يسترضيه ويُلطف موقفه من الأمير بشير، وأن يُعيده إلى إمارته. ونشأت بين الأمير ومحمد علي علاقة وثيقة وصداقة متينة بعد أن جمعهما طموح مشابه، ألا وهو توسيع رقعة بلاد كل منهما، فتعاهدا على السير معًا في سياسة مشتركة. أخذت أهداف محمد علي تتبلور بدءًا من عام 1825 عندما صارح الفريق أول الفرنسي «بواييه» بأنه سوف يعمد، بعد أن ينتهي من حرب المورة، إلى وضع يده على بلاد الشام بما فيها ولاية عكا، ولن يقف بجيشه إلا على ضفاف دجلة والفرات، وفي بلاد اليمن والجزء الأوسط من شبه الجزيرة العربية. وتتوافق هذه الأفكار مع ما أشيع، نقلاً عنه وعن ولده إبراهيم باشا، بأنه سيكون المدافع عن حقوق الشعوب العربية التي تعيش تحت الحكم العثماني حياة التابع البائس المستضعف، وأضحت السيطرة على بلاد الشام، بدءًا من عام 1829، من الأمور الضرورية في سياسته الإستراتيجية.

    ورأى أحد القناصل البريطانيين، ويُدعى باركر، في عام 1832، أن جيش محمد علي منهمك في مشروع تحرير الشعوب العربية وجمعها في إمبراطورية عربية، وأن هدفه المباشر هو توطيد سلطته في بشالق عكا ودمشق، ثم التوسع بعد ذلك نحو حلب وبغداد عبر كل الولايات العربية. وربط معظم المؤرخين بين طلب محمد علي باشا من السلطان عام 1813، ليوليه بلاد الشام، من أجل القضاء على الوهّابيين في الحجاز، وبين حملته التي قام بها في عام 1831. ولو أن هذا الأمر كان صحيحًا لانتهز والي مصر فرصة نجاحه في إخضاع الوهّابيين ليزحف نحو بلاد الشام لضمّها، وبخاصة أن الباب العالي رفض له آنذاك طلبين: أولهما إعادة يوسف كنج إلى ولاية الشام، وإبعاد سليمان باشا عنها، وثانيهما منحه هذه الولاية. لكن من الواضح أن محمد علي عدّ أن رسالته هي إنقاذ الدولة العثمانية نفسها من خطر الخراب، وإحداث تغييرات جذرية، ونفخ حياة جديدة فيها. فقد كان مؤمنًا بوحدة العالم الإسلامي بزعامة السلطان شرط أن يُسارع إلى حماية المسلمين بعد كارثة ناڤارين، منبهًا إلى ضرورة تجديد السلطنة على قاعدة الدين الإسلامي. وسواء كان محمد علي يحلم بدولة عربية منفصلة عن الدولة العثمانية وتقوم على أنقاضها، أو كانت رسالته تقضي قيام سلطنة إسلامية قوية، فمما لا شك فيه أن تدخل الدول الأوروبية في هذ القضية حال بينه وبين أي تفاهم مع الباب العالي، من جهة، ومنعه من تحقيق أهدافه، من جهة أخرى.

    تُعد حروب محمد علي باشا في بلاد الشام حروبًا دفاعية وهجومية في آن معًا، أما كونها حروبًا دفاعية فلأن محمد علي باشا كان يعلم أن الدولة العثمانية لا تألُ جهدًا في السعي لاسترداد مركزها في مصر، وأن السلطان محمود الثاني لم يكن صافي النيّة، وأما كونها حروبًا هجومية فلأن هدفه كان أيضًا التوسع. ويبدو أن محمد علي باشا قد أخذ قرار التصدي للباب العالي ضمن خلفيّات عدّة. فقد آنس في جيشه القوة، ووجد أن الدولة العثمانية في حالة من التدهور والتفكك، وأنها محط أنظار ومؤامرات الدول الأوروبية. وهكذا وقع والي مصر أسير عاملين: أسير نفسه، إذ رأى أن الباب العالي ظلمه عندما منعه من ولاية الشام، على الرغم من أدائه خدمات جليلة للسلطنة، وأسير اعتقاده أنه أصلح ولاة الشام.

    مراحلها

    مرّت الحروب في بلاد الشام بمرحلتين، انتهت المرحلة الأولى باتفاقية كوتاهية، عام 1833، ورسّخت السيطرة المصرية على الشام، في حين انتهت المرحلة الثانية باتفاقية لندن عام 1840، وقضت بانسحاب الجيش المصري.

    المرحلة الأولى

    تكمن الأسباب المباشرة للحرب في النزاع الداخلي الذي حصل بين محمد علي باشا وعبد الله باشا والي عكا، فقد افتعل محمد علي خلافًا مع والي عكا إذ طالبه بإعادة المال الذي كان قد قدّمه إليه، وإعادة الفلاحين المصريين الفارّين من دفع الضرائب ومن الخدمة في الزراعة، ولمّا ماطل عبد الله باشا في تلبية طلب محمد علي، اتخذ هذه المماطلة ذريعة لاحتلال أراضي الشام. زحف الجيش المصري باتجاه فلسطين في 14 أكتوبر/تشرين الأول سنة 1831م، الموافق 7 جمادى الأولى سنة 1247هـ، تحت قيادة إبراهيم باشا بن محمد علي، وسيطر على مدنها من دون مقاومة تُذكر، باستثناء عكا التي ضرب عليها حصارًا مركزًا برًا وبحرًا حتى لا يأتيها المدد بحرًا فلا يقوى على فتحها، كما حصل لنابليون بونابرت من قبل حين حاصرها سنة 1799. وبينما كانت تقاوم حصار إبراهيم باشا، كان أبناء الأمير بشير، ومعهم جنود مصريون، يسيطرون على صور وصيدا وبيروت وجبيل. ولمّا استعصت عليهم طرابلس أسرع إبراهيم باشا لنجدة حلفائه، ولم تلبث أن سقطت في أيديهم.

    اضطربت الدولة العثمانية أمام زحف الجيش المصري، وعدّت ذلك عصيانًا وقامت للتصدي له. واصطدم جيش عثماني، بقيادة عثمان باشا والي حلب، بالجيش المصري في سهل الزرّاعة جنوبي حمص، إلا أنه انهزم أمامه. ثم عاد إبراهيم باشا إلى عكا لمواصلة حصارها، فدخلها عنوة في 28 مايو/أيار سنة 1832م، الموافق فيه 27 ذي الحجة سنة 1247هـ، وأسر عبد الله باشا وأرسله إلى مصر. وتابع القائد المصري زحفه باتجاه الشمال، بعد سيطرته على عكا، فدخل دمشق مع الأمير بشير وجيشه بعد أن قاتلا والي المدينة، ورحّب السكان به لأنهم كانوا أقرب إلى الرغبة في تغيير حكامهم بفعل مساوئ الولاة العثمانيين.

    جزع الباب العالي لسقوط عكا ودمشق وسيطرة المصريين على جنوب الشام، وخشي السلطان أن يتزعزع مركزه أمام انتصاراتهم، فحشد جيشًا آخر بقيادة السرعسكر حسين باشا ودفعه لوقف الجيش المصري، وإجبار المصريين على الانسحاب من بلاد الشام، وأصدر في الوقت نفسه فرمانًا أعلن فيه خيانة محمد علي باشا وابنه إبراهيم للسلطة الشرعيّة. اصطدم إبراهيم باشا بالجيش العثماني الجديد في معركة حمص وتغلّب عليه في 29 يونيو/حزيران سنة 1832م، الموافق 10 صفر سنة 1248هـ، وسيطر على حماة ودخل إثر ذلك مدينة حلب، وتأهب لاستئناف الزحف باتجاه الشمال. انسحب حسين باشا شمالاً، بعد خسارته، وتمركز في ممر بيلان وهو أحد الممرات الفاصلة بين بلاد الشام والأناضول، فلحقه إبراهيم باشا واصطدم به وتغلّب عليه، وطارد من بقي من جيشه حتى اضطرهم إلى مغادرة المنطقة عن طريق ميناء الإسكندرونة وسيطر على الممر، كما احتل ميناء إياس، شمالي الإسكندرونة، ودخل ولاية أضنة وطرسوس.

    وشجعت هزيمة العثمانيين إبراهيم باشا على مواصلة طريقه، فتقدم في داخل بلاد الأناضول حتى بلغ مدينة قونية، وكان العثمانيون قد تجمعوا ليدافعوا عن قلب السلطنة، ودارت فيها معركة قونية في 20 ديسمبر/كانون الأول سنة 1832م، الموافق 27 رجب سنة 1248هـ، ونجح القائد المصري في التغلّب عليهم وأسر قائدهم الصدر الأعظم محمد رشيد باشا. وبهذه الغلبة انفتحت الطريق أمامه إلى الآستانة، حتى خُيّل للعالم في ذلك الوقت أن نهاية السلطنة العثمانية أصبحت قريبة. عقب هزيمة قونية ساد القلق عاصمة الخلافة، وارتعدت فرائص السلطان الذي خشي من تقدم إبراهيم باشا نحو العاصمة، فاستنجد بالدول الأوروبية للوقوف في وجه الخطر المداهم، فلم ينجده إلا روسيا، إذ كانت بريطانيا منهمكة في شؤونها الداخلية وبالمسألة البلجيكية، وكانت فرنسا تؤيد محمد علي وتتعاون معه، وقد كان في جيشه عدد من القادة الفرنسيين، ووقفت كل من النمسا وبروسيا على الحياد. أرسلت روسيا عام 1833 أسطولاً بحريًا إلى الآستانة للدفاع عنها، ولم تكد بريطانيا وفرنسا تطلعان على وجود السفن الروسية في مياه الآستانة حتى هالهما الأمر، وشعرتا بالخطر الروسي عليهما، وخشيتا أن تستغل روسيا تداعي الدولة العثمانية لتقوّي مركزها في الممرات البحرية، فسارعتا إلى عرض مساعدتهما على السلطان فيما إذا تخلّى عن المساعدة الروسية. ولكن الروس رفضوا إجلاء سفنهم إلا بعد أن ينسحب المصريون من الأناضول. عندئذ نشط ممثلو بريطانيا وفرنسا في التوسط بين السلطان ومحمد علي، حتى تم تبادل الرسائل بينهما. واستخدمت فرنسا علاقاتها الوديّة مع مصر لإقناع محمد علي باشا بتسوية خلافه مع السلطان، وأن لا يتشدد في طلباته، وأن يكتفي من فتوحه بسناجق صيدا وطرابلس والقدس ونابلس. رفض محمد علي باشا وجهة النظر الفرنسية، وأصرّ على ضم بلاد الشام وولاية أضنة، وجعل جبال طوروس الحد الفاصل بين الدولة العثمانية وممتلكاته، وأمر ابنه بالتقدم في فتوحه بهدف الضغط على السلطان.

    وبذلت فرنسا جهودًا مضنية للتوفيق بين وجهتي النظر، العثمانية والمصرية، وهدّدت، في إحدى مراحل المفاوضات، بقطع العلاقة مع مصر. وأخيرًا توصل الجانبان إلى توقيع اتفاقية كوتاهيه، في 4 مايو/أيار سنة 1833م، الموافق فيه 14 ذي الحجة سنة 1248هـ، تنازل الباب العالي بموجبها عن كامل بلاد الشام، وأقرّ لمحمد علي باشا بولاية مصر وكريت وكامل سوريا الطبيعية (بما يشمل لبنان وفلسطين وأضنة)، وبولاية ابنه إبراهيم على جدّة. وقد تعهد محمد علي لقاء ذلك، بأن يؤدي للسلطان كل عام الأموال التي كان يؤديها عن الشام الولاة العثمانيون من قبل. وهكذا جلا إبراهيم باشا عن الأناضول، وانتهت المرحلة الأولى لحروب الشام، وبدا أن الأزمة قد انتهت أيضًا.

    المرحلة الثانية

    لم تكن التسوية، التي تمّت في كوتاهية، إلا تسوية مؤقتة، إذ أن محمد علي باشا لم يوافق على عقدها إلا خشية من تهديد الدول الأوروبية بحرمانه من فتوحه، ومن جهته وافق السلطان محمود الثاني على عقدها مكرهًا تحت ضغط الأحداث العسكرية والسياسية، وهو عازم على استئناف القتال في ظروف أفضل لاستعادة نفوذه في بلاد الشام ومصر، ولمّا كان التفكير السياسي لكل طرف على هذا الشكل من التناقض، كان لا بد من استئناف الحرب لتقرير النتيجة النهائية. ونفّذ السلطان سياسة إستراتيجية من شقين: إنه راح يُحرّض سكان بلاد الشام ضد الحكم المصري من جهة، وقام بحشد القوات لضرب الجيوش المصرية وإرغامها على الخروج من البلاد، بمساعدة بريطانيا، من جهة أخرى. وأدرك محمد علي باشا، بعد التطورات السياسية، بأنّ مواقف الدول الأوروبية كانت لغير صالحه، وبأنّ خططه الانفصالية غير قابلة للتحقيق، لكنه لم يفقد الأمل باعتراف السلطنة بالحقوق الوراثية لعائلته في حكم المناطق التي كانت تحت إدارته، وحاول أن ينتهز الفرصة لإجراء محادثات جديدة، فأجرى مباحثات مع مبعوث السلطان، صارم أفندي، في مصر انتهت بالفشل بسبب التصلّب في المواقف.

    وهكذا تطورت الأمور السياسية نحو التأزم، وأضحت الحرب بين الجانبين أمرًا لا مفر منه، وجرت الاستعدادات الحربية في الآستانة بشكل نشط ومكثف، وتابعت الدول الأوروبية الميول العسكرية لدى السلطان باهتمام بالغ. استغل السلطان ثورة سكان بلاد الشام على الحكم المصري، ودفع بجيش في ربيع عام 1839، بقيادة حافظ باشا، إلى بلاد الشام، وكان ظهوره عند الحدود كافيًا لإيصال الأزمة إلى ذروتها، أما إبراهيم باشا فقد كان يترقب، تنفيذًا لرغبة أبيه في اجتناب كل ما يُظهره بمظهر المعتدي. وبعد أن احتشد الجمعان، أصدر السلطان أمره إلى حافظ باشا بمهاجمة إبراهيم باشا المتحصن في حلب. ويبدو أن محمد علي تملّكه الفرح لتحمّل السلطان وقائده مسؤولية البدء بالعمليات العسكرية المعادية، لذلك أمر ابنه بمهاجمة الجيش العثماني، وكان ذلك في 15 يونيو/حزيران سنة 1839م، الموافق 2 ربيع الآخر سنة 1255هـ. وفي معركة نسيب (الواقعة شرق عنتاب في الجزيرة الفراتية)، مُني الجيش العثماني بخسارة فادحة وكارثة حقيقية، إذ كاد الجيش أن يُفنى عن بكرة أبيه، وأسر المصريون نحوًا من خمسة عشر ألف جندي، وغنموا كميات هائلة من الأسلحة والمؤن. وتوفي السلطان محمود الثاني قبل أن يبلغه نبأ الهزيمة.

    خلف السلطان عبد المجيد الأول أباه السلطان محمود الثاني، وهو صبي لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وسرعان ما سارع إلى إجراء مفاوضات مع محمد علي. فاشترط محمد علي، لعقد الصلح، أن يكون الحكم في الشام ومصر حقًا وراثيًا في أسرته. وكاد السلطان عبد المجيد يقبل شروط محمد علي لو لم تصله مذكرة مشتركة من بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا، تطلب منه قطع المفاوضات مع محمد علي. وكانت الدول الأربع قد اتفقت على منع محمد علي، القوي، من أن يحلّ محل السلطنة العثمانية، الضعيفة، في المشرق العربي، الذي تمر فيه طريق بريطانيا إلى الهند. أما فرنسا فقد انفردت في سياستها الشرقية عن الدول الأربع، ورأت أن تستمر في تأييد محمد علي، على أمل أن تضمن لها مقامًا ممتازًا في المنطقة. ولم تلبث الدول الأربع أن عقدت عام 1840 مع الحكومة العثمانية مؤتمرًا في لندن بحث فيه المجتمعون ما دُعي «بالمسألة الشرقية»، وأسفر المؤتمر عن توقيع معاهدة التحالف الرباعي. وفي هذه المعاهدة عرضت الدول الأوروبية الأربع على محمد علي ولاية مصر وراثيًا، وولاية عكا مدى حياته. واشترطت هذه الدول أن يُعلن محمد علي قبوله بهذا العرض خلال عشرة أيام، فإن لم يفعل تسحب الدول الأربع عرضها الخاص بولاية عكا. أما إذا لم يُجب في مدة عشرين يومًا فإن الدول الأربع تسحب عرضها كله، تاركةً للسلطان حرية حرمانه من ولاية مصر.

    كان محمد علي باشا من جهته مصممًا على التمسك بالبلاد التي فتحها وأقرّته عليها اتفاقية كوتاهيه، وأخذ يراهن على مساعدة فرنسا وعلى حرب أوروبية ينتظرها بين ساعة وأخرى، ولمّا أبلغته السلطنة العثمانية وقناصل الدول الأوروبية في مصر شروط المعاهدة، ترك الأيام العشرة تمر من دون أن يُصدر أي ردّ رسمي، فأبلغه قناصل الدول الأوروبية، في اليوم الحادي عشر، الإنذار الثاني، وأمهلوه عشرة أيام أخرى، كما أبلغوه أنه لم يعد له الحق في ولاية عكا. ومرّت الأيام العشرة الثانية من دون أن يقبل صراحة تنفيذ بنود الاتفاقية، فعدّ قناصل الدول الأوروبية أن ذلك يعني الرفض، عندئذ أصدر السلطان فرمانًا بخلعه من ولاية مصر. أمام هذا الأمر شرعت الدول الأوروبية باتخاذ إجراءات تمهيدية لتنفيذ تعهداتها، فأمرت بريطانيا أسطولها في البحر المتوسط أن يقطع المواصلات البرية والبحرية بين مصر والشام وضرب موانئ هذه البلاد، وأوعزت إلى سفيرها في الآستانة بإشعال نار الثورة ضد محمد علي في المدن والقرى الشاميّة، كما قطعت الدول الأوروبية الأربع علاقاتها بمصر.

    استقبل محمد علي باشا نبأ عزله بهدوء، وأعرب عن أمله بالتغلب على هذه المحنة، ثم جنح للسلم عندما ظهر أمير البحر البريطاني «نابييه» أمام الإسكندرية، مهددًا بلغة الحديد والنار، ورأى أن فرنسا غير قادرة على مقاومة أوروبا كلها، لذلك وقّع اتفاقية مع أمير البحر المذكور وعد فيها بالإذعان لرغبات الدول الكبرى والجلاء عن بلاد الشام بشرط ضمان ولايته الوراثية لمصر، لكن الدولة العثمانية رفضت هذا الشرط بإيعاز من بريطانيا. ساندت فرنسا محمد علي باشا في موقفه، وتشدّدت في ذلك حتى خيف من وقوع حرب أوروبية، عندئذ تدخلت كل من النمسا وبروسيا في هذه القضية وأجبرتا بريطانيا وروسيا على تبني وجهة نظر محمد علي باشا وفرنسا، فاجتاز والي مصر مأزق الخلع وإن أُرغم على الاكتفاء بولاية مصر في المستقبل، وفعلاً أصدر السلطان فرمانًا بجعل ولاية مصر وراثية لمحمد علي باشا، وانتهت بذلك الأزمة العثمانية - المصرية، وجلا المصريون عن الشام.

    بناء الدولة

    اتجه محمد علي إلى بناء دولة عصرية على النسق الأوروبي في مصر، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون الذين أمضوا في مصر بضع سنوات في ثلاثينات القرن التاسع عشر وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجي على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث. وكانت أهم دعائم دولته العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة، حيث كان يؤمن بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلا بإيجاد تعليم عصري يحل محل التعليم التقليدي.

    عسكريًا

    أدرك محمد علي أنه لتحقيق أهدافه التوسعية، كان لا بد له من تأسيس قوة عسكرية نظامية حديثة، تكون بمثابة الأداة التي تحقق له تلك الأهداف. قبل وفي بداية عهد محمد علي، كان الجيش مؤلفًا من فرق غير نظامية تميل بطبيعتها إلى الشغب والفوضى، معظمها من الأكراد والألبان والشراكسة، إضافة إلى تلك القوات جماعات من الأعراب الذين كان الولاة يلجأون إليهم كمرتزقة، وكانت أعمالها لا تتعدى أساليب حرب العصابات والكرّ والفرّ. رأى محمد على أن هذا الجيش لا يعتمد عليه، فبذل جهده في إنشاء جيش يضارع الجيوش الأجنبية في قتالها، وقرر أن يستبدل جنوده غير النظامية بجيش على النظام العسكري الحديث.

    الجيش

    كانت محاولة محمد علي الأولى لتأسيس جيش نظامي عام 1815، عندما عاد من حرب الوهابيين، حيث قرر تدريب عدد من جنود الأرناؤوط الألبان التابعين لفرقة ابنه إسماعيل على النظم العسكرية الحديثة، في مكان خصصه لذلك في بولاق. لم يرق لهؤلاء الجنود ذلك، بسبب طبيعتهم التي تميل إلى الشغب والفوضى، فثاروا على محمد علي وهاجموا قصره ودار بينهم وبين الحرس قتال، استطاع خلاله حرس محمد علي السيطرة على الموقف، إلا أن محمد علي أيقن أنه لا يمكنه الاعتماد على مثل هؤلاء الجند، فأرجأ تنفيذ الفكرة.

    لجأ محمد علي مجددًا إلى الحيلة، ففي عام 1820، أنشأ محمد علي مدرسة حربية في أسوان، وألحق بها ألفًا من مماليكه ومماليك كبار أعوانه، ليتم تدريبهم على النظم العسكرية الحديثة على يد ضابط فرنسي يدعى جوزيف سيڤ جاء إلى مصر وعرض خدماته على محمد علي. وبعد ثلاث سنوات من التدريب، نجحت التجربة وتخرجت تلك المجموعة ليكون هؤلاء الضباط النواة التي بدأ بها الجيش النظامي المصري.

    بعد ذلك، كان أمام محمد علي مشكلة، أنه وبالتجربة ثبت أن الجنود الأتراك والأكراد والألبان والشراكسة لم يعودوا يصلحون ليكونوا عماد جيشه لعدم تقبلهم للاندراج في جيش نظامي، لذا تحجج بحاجته إليهم في تأمين الثغور، وأرسلهم إلى دمياط ورشيد ليخلي القاهرة، وليطمئنهم أرسل معهم بعض أبنائه كقادة لهم، ثم أرسل إلى ابنه إسماعيل ليمده بعشرين ألفًا من السودانيين ليتم تدريبهم على الجندية في معسكرات أعدها لهم في بني عدي، على أيدي الضباط الجدد. إلا أن التجربة فشلت لتفشي الأمراض بين الجنود السودانيين، لاختلاف المناخ، لذا لم يكن أمامه إلا الاعتماد على المصريين. قاوم الفلاحون في البداية تجنيدهم، لأنهم لم يروا مصلحة لهم فيه، واعتبروه عملاً من أعمال السخرة. ولكن وبمرور الوقت تجاوب الفلاحون مع الوضع الجديد، استشعروا تحت راية الجيش بالكرامة وبحياة مأمونة الملبس والمسكن لا يعانون فيها معاناتهم في الزراعة. وبحلول شهر يونيو من عام 1824، أصبح لدى محمد علي ست كتائب من الجند النظاميين، يتجاوز عددهم 25 ألف جندي، فأمر بانتقالهم إلى القاهرة.

    بذلك أصبح لمصر جيش نظامي بدأ يتزايد باطّراد حتى بلغ 169 ألف ضابط وجندي في إحصاء تم عام 1833، وإلى 236 ألف في إحصاء تم عام 1839. كما أنشأ محمد علي ديوانًا عرف بديوان الجهادية لتنظيم شؤون الجيش وتأمين احتياجاته من الذخائر والمؤن والأدوية، وتنظيم الرواتب. كانت أول مشاركات هذا الجيش في حرب المورة، التي أظهرت ما وصلت إليه العسكرية المصرية، وهو ما جعل لها شأنًا بين القوى العسكرية المعاصرة، وقد اعتمد عليه إبراهيم باشا في حملته على الشام والأناضول

    الأسطول

    عندما شرع محمد علي في حرب الوهّابيين، اقتضت الحاجة إلى بناء سفن لنقل الجنود عبر البحر الأحمر، فشرع في إنشائها في ترسانة بولاق، ثم نقل القطع على ظهور الجمال إلى السويس ليتم تجميعها هناك، وقد اقتصر دور هذا الأسطول في البداية على نقل الإمدادات والتموين طوال سنوات الحملة. وبعد أن أسس الجيش النظامي المصري، وجد أنه من الضروري تأسيس أسطول حربي قوي يعاونه على بسط نفوذه.

    اعتمد محمد علي في البداية على شراء السفن من أوروبا، كما تعاقد على بناء سفن أخرى في موانئ أوروبا. ولكن بعد تدمير هذا الأسطول في معركة ناڤارين أمام أساطيل إنجلترا وفرنسا وروسيا الأكثر تطوّرًا، لم ييأس محمد علي وأمر في عام 1829 ببناء «ترسانة الإسكندرية»، التي عهد في إدارتها إلى مهندس فرنسي اسمه سريزي. قامت الترسانة بمهمة إعادة بناء الأسطول على الأنماط الأوروبية الحديثة، وقد بلغ عدد السفن الحربية التي صنعت في تلك الترسانة حتى عام 1837، 28 سفينة حربية من بينها 10 سفن كبيرة كل منها مسلح بمائة مدفع، فاستغنت مصر عن شراء السفن من الخارج. ومن شدة اهتمام محمد على بهذه الترسانة كان يزورها باستمرار، وكان يستحث العمال على العمل، ويحضر حفلات تدشين السفن الجديدة.

    التعليم العسكري

    توسّع محمد علي في التعليم العسكري في مصر، فبعد أن أمر ببناء مدرسة الضباط في أسوان ومدرسة الجند في بني عدي، أمر بتأسيس مدارس أخرى في فرشوط والنخيلة وجرجا. كما أسس مدرسة إعدادية حربية بقصر العيني لتجهيز التلاميذ لدخول المدارس الحربية، يدرس بها نحو 500 تلميذ، لكنها نقلت بعد ذلك إلى أبي زعبل حيث أصبحت تسع نحو 1200 تلميذ.

    أضاف محمد علي بعد ذلك، مدرسة للبيادة في الخانقاه، والتي نقلت إلى دمياط عام 1834، ثم إلى أبي زعبل عام 1841، ومدرسة للسواري بالجيزة عام 1831، وأخرى للمدفعية في طره عام 1831 أيضًا. كما أسس مدرسة لأركان الحرب في 15 أكتوبر سنة 1825 بالقرب من الخانقاه، ومدرسة للموسيقى العسكرية. وأنشأ أيضًا معسكرًا لتدريب جنود الأسطول على الأعمال البحرية في رأس التين. ولإعداد الضباط البحريين، أسس محمد علي مدرسة بحرية عملية على ظهر إحدى السفن الحربية، ولما اتسع نطاقها قسمت إلى فرقتين كل واحدة منها على سفينة.

    الصناعات العسكرية

    رأى محمد علي أنه لكي يضمن الاستقلالية، وحتى لا يصبح تحت رحمة الدول الأجنبية، عليه إنشاء مصانع للأسلحة في مصر. كان مصنع الأسلحة والمدافع في القلعة باكورة هذا التفكير، والذي أسسه عام 1827، وكان ينتج بين 600 و650 بندقية، وبين 3 و4 مدافع في الشهر الواحد. كما كان ينتج سيوف الفرسان ورماحهم وحمائل السيوف واللجم والسروج. وفي عام 1831، أسس محمد علي مصنع آخر للبنادق في الحوض المرصود، كان ينتج 900 بندقية في الشهر الواحد، ثم مصنع ثالث في ضواحي القاهرة، وكانت المصانع الثلاثة تصنع في السنة 36,000 بندقية عدا الطبنجات والسيوف.

    كما أسس معملاً للكهرجالات في جزيرة الروضة بعيدًا عن العمران، وأضاف إليه معامل أخرى في الأشمونين وإهناسيا والبدرشين والفيوم والطرانة بلغ مجموع إنتاجها عام 1833، نحو 15,800 قنطار.

    تعليميًا

    أدرك محمد علي أنه لكي تنهض دولته، يجب عليه أن يؤسس منظومة تعليمية، تكون العماد الذي يعتمد عليه لتوفير الكفاءات البشرية التي تدير هيئات دولته الحديثة وجيشها القوي. لذا فقد بدأ محمد علي بإرسال طائفة من الطلبة الأزهريين إلى أوروبا للدراسة في مجالات عدة، ليكونوا النواة لبدأ تلك النهضة العلمية. كما أسس المدارس الابتدائية والعليا، لإعداد أجيال متعاقبة من المتعلمين الذين تعتمد عليهم دولته الحديثة.

    البعثات العلمية

    في عام 1813، ابتعث محمد علي أول البعثات التعليمية إلى أوروبا، وكانت وجهتها إلى إيطاليا، حيث أوفد عدد من الطلبة إلى ليفورنو وميلانو وفلورنسا وروما لدراسة العلوم العسكرية وطرق بناء السفن والهندسة والطباعة، ثم أتبعها ببعثات لفرنسا وإنجلترا. كانت البعثات الأولى صغيرة، حيث كان جملة من بعث خلالها لا يتعدى 28 طالبًا، ورغم ذلك فقد لمع منهم عثمان نور الدين الذي أصبح أميرالاي الأسطول المصري ونقولا مسابكي الذي أسس مطبعة بولاق بأمر من محمد علي عام 1821.

    إلا أن العصر الذهبي لتلك البعثات، كان مع بعثة عام 1826 التي تكونت من 44 طالبًا لدراسة العلوم العسكرية والإدارية والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي والمعادن والكيمياء والهيدروليكا وصب المعادن وصناعة الأسلحة والطباعة والعمارة والترجمة. تبع تلك الحملة حملة ثانية عام 1828 إلى فرنسا، وثالثة عام 1829 إلى فرنسا وإنجلترا والنمسا، ورابعة تخصصت في العلوم الطبية فقط عام 1832. وشهد عام 1844، أكبر تلك البعثات العلمية والتي أرسلت إلى فرنسا، وعرفت باسم «بعثة الأنجال» لأنها ضمت 83 طالبًا بينهم اثنين من أبناء محمد علي واثنين من أحفاده. كان إجمالي عدد تلك البعثات تسع بعثات، ضمت 319 طالبًا وبلغ إجمالي ما أنفق عليهم 303,360 جنيه. كما أمر محمد علي بتوجيه ثلاث حملات بقيادة البكباشي سليم القبطان أعوام 1839، 1840، و1841 لاستكشاف منابع النيل. كان لتلك الحملات الفضل الكبير في استكشاف تلك المناطق ومعرفة أحوالها.

    المدارس العليا

    أنشأ العديد من الكليات وكانت يطلق عليها آنذاك «المدارس العليا»، بدأها عام 1816، بمدرسة للهندسة بالقلعة لتخريج مهندسين يتعهدون بأعمال العمران. وفي عام 1827، أنشأ مدرسة الطب في أبي زعبل بنصيحة من كلوت بك للوفاء باحتياجات الجيش من الأطباء، ومع الوقت خدم هؤلاء الأطباء عامة الشعب، ثم ألحق بها مدرسة للصيدلة، وأخرى للقابلات (الولادة) عام 1829. ثم أنشأت مدرسة المهندسخانة في بولاق للهندسة العسكرية، ومدرسة المعادن في مصر القديمة عام 1834، ومدرسة الألسن في الأزبكية عام 1836، ومدرسة الزراعة بنبروه عام ومدرسة المحاسبة في السيدة زينب عام 1837، ومدرسة الطب البيطري في رشيد ومدرسة الفنون والصنائع عام 1839، وقد بلغ مجموع طلاب المدارس العليا نحو 4,500 طالب.

    المدارس الابتدائية

    لما تقدمت المدارس العليا واتسع نطاقها، قرر محمد علي إنشاء «ديوان المدارس» عام 1837، وعهد بإدارته إلى بعض أعضاء البعثات العائدين لمصر، لتنظيم التعليم بالمدارس. قرر هذا الديوان توسيع قاعدة التعليم في مصر، فوضع لائحة لنشر التعليم الابتدائي، نصت على ضرورة إنشاء 50 مدرسة ابتدائية، وهو ما وافق عليه محمد علي، وأمر بإنشائها على أن يكون 4 منها بالقاهرة وواحدة بالإسكندرية تضم كل منها 200 تلميذ، والباقي توزع على مختلف الأقاليم وتضم كل منها 100 تلميذ.

    اقتصاديًا

    لكي يحقق محمد علي الاستقلال السياسي، كان في حاجة إلى إنماء ثروة البلاد وتقوية مركزها المالي، لذا عمد إلى تنشيط النواحي الاقتصادية لمصر، واستخدم لتحقيق ذلك عشرات الآلاف من العمال المصريين الذين عملوا في تلك المجالات بالسخرة.

    الصناعة

    بني محمد علي قاعدة صناعية لمصر، وكانت دوافعه للقيام بذلك في المقام الأول توفير احتياجات الجيش، فأنشأ مصانع للغزل والنسيج ومصنعا للجوخ في بولاق ومصنعا للحبال اللازمة للسفن الحربية والتجارية ومصنعا للأقمشة الحريرية وآخر للصوف ومصنعا لنسيج الكتان ومصنع الطرابيش بفوه، ومعمل سبك الحديد ببولاق ومصنع ألواح النحاس التي كانت تبطن بها السفن، ومعامل لإنتاج السكر، ومصانع النيلة والصابون ودباغة الجلود برشيد ومصنعا للزجاج والصيني ومصنعا للشمع ومعاصر للزيوت. كما كان لإنشاء الترسانة البحرية دورًا كبيرًا في صناعة السفن التجارية.

    الزراعة

    اهتم محمد علي بالزراعة، فاعتنى بالريّ وشق العديد من الترع وشيّد الجسور والقناطر. كما وسّع نطاق الزراعة، فخصص نحو 3,000 فدان لزراعة التوت للاستفادة منه في إنتاج الحرير الطبيعي، والزيتون لإنتاج الزيوت، كما غرس الأشجار لتلبية احتياجات بناء السفن وأعمال العمران. وفي عام 1821، أدخل زراعة صنف جديد من القطن يصلح لصناعة الملابس، بعد أن كان الصنف الشائع لا يصلح إلا للاستخدام في التنجيد.

    التجارة

    بعد أن ازدادت حاصلات مصر الزراعية وخاصة القطن، اتسع نطاق تجارة مصر الخارجية. كما لعب إنشاء الأسطول التجاري وإصلاح ميناء الإسكندرية وتعبيد طريق السويس-القاهرة وتأمينه لتسيير القوافل، دورًا في إعادة حركة التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق مصر، فنشطت حركة التجارة الخارجية نشاطًا عظيمًا، حتى بلغت قيمة الصادرات 2,196,000 جنيه والواردات 2,679,000 جنيه عام 1836.

    إداريًا

    نظام الحكم

    حكم محمد علي مصر حكمًا أوتوقراطيًا مع ميل لاستشارة بعض المقربين قبل إبرام الأمور، إلا أنه اختلف عن الحكم الاستبدادي للمماليك في أنه كان يخضع لنظام إداري بدلاً من الفوضى التي سادت عصر المماليك. فقد أسس محمد علي مجلسًا حكوميًا عرف باسم «الديوان العالي» مقره القلعة يترأسه نائب الوالي محمد علي، ويخضع لسلطة هذا الديوان دواوين تختص بشؤون الحربية والبحرية والتجارة والشؤون الخارجية والمدارس والأبنية والأشغال. كما أسس مجلسًا للمشورة يضم كبار رجال الدولة وعدد من الأعيان والعلماء، ينعقد كل عام ويختص بمناقشة مسائل الإدارة والتعليم والأشغال العمومية. وفي عام 1837، وضع محمد علي قانونًا أساسيًا عرف بقانون «السياستنامة»، يحدد فيه سلطات كل ديوان من الدواوين الحكومية.

    التقسيم الإداري

    قسّم محمد علي مصر إلى سبع مديريات أربعة في الوجه البحري وهي الأولى ضمت البحيرة والقليوبية والجيزة والثانية المنوفية والغربية والثالثة الدقهلية والرابعة الشرقية، وواحدة في مصر الوسطى وشملت بني سويف والفيوم والمنيا، واثنتان في مصر العليا الأولى من جنوب المنيا إلى شمال قنا والثانية من قنا إلى وادي حلفا، إضافة إلى خمس محافظات وهي القاهرة والإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس.

    النظام المالي

    ألغى محمد علي نظام «الالتزام» الذي كان يسمح لبعض الأفراد الذين يسمون بالملتزمين بدفع حصص الضرائب على بعض القرى، ويخوّل لهم جمعها بمعرفتهم، مما كان يرهق المزارعين لأنهم عادةً ما كانوا يجبوا تلك الأموال بقيمة أكثر مما دفعوه. إلا أنه استبدل هذا النظام بنظام «الاحتكار» الذي جعل من محمد علي المالك الوحيد لأراضي القطر المصري، وبذلك ألغى الملكية الفردية للأراضي. كما أجهد محمد علي الشعب بالضرائب التي كان يفرضها على الشعب، كلما احتاج لتمويل أحد حملاته أو مشاريعه دون نظام محدد، شملت تلك الضرائب، الضرائب المفروضة على الأراضي والمزروعات والأفراد والماشية. وكما احتكر محمد علي الأراضي والزراعة، احتكر أيضًا الصناعة والتجارة، مما جعل منه المالك الوحيد لأراضي مصر، والتاجر الوحيد لمنتجاتها، والصانع الوحيد لمصنوعاتها.

    عمرانيًا

    اهتم محمد علي ببعض النواحي العمرانية التي تخدم دولته الناشئة، فأسس المدن مثل الخرطوم وكسلا، وأقام القلاع للدفاع عن الثغور وعاصمة البلاد، كما شيّد فنارا لإرشاد السفن في رأس التين بالإسكندرية. وعني أيضًا ببناء القصور ودور الحكومة، وأنشأ دفترخانة لحفظ الوثائق الحكومية، ودار للآثار بعدما أصدر أمرًا بمنع خروج الآثار من مصر، وعبّد الطرق التجارية ونظّم حركة البريد وجعل له محطات لإراحة الجياد.

    اجتماعيًا

    تدرّج المجتمع في عهد محمد علي إلى عدة طبقات اجتماعية أعلاها الطبقة الحاكمة التي ضمت أسرة محمد علي وكبار رجاله وموظفي الدولة من المتعلمين في المدارس والمبتعثين للخارج، ثم طبقة العلماء والأعيان فالمزارعين وعمال المصانع والعربان والرقيق من اليونانيين الذين أسروا في حرب المورة والجواري الشركسيات والحبشيات والسودانيات اللاتي كن يخدمن في بيوت الأثرياء. وقد ارتفع تعداد السكان في عهد محمد علي من 2,514,400 نسمة عام 1823، إلى 4,476,440 نسمة عام 1845. وكان محمد علي باشا متسامحًا واسع الأفق في الشؤون الدينية، فقرَّب إليه المسيحيين كما المسلمين، واستعان بهم في حكمه وأدخلهم في حاشيته.

    نهاية محمد علي باشا

    سنواته الأخيرة

    بعد انسحاب الجنود المصرية من بلاد الشام وفصل الأخيرة عن مصر وعودتها لربوع الدولة العثمانية بدعم دولي كبير، وبعدما تبيّن أن فرنسا ليست مستعدة لخوض حرب في سبيل مصر أو واليها، أصيب محمد علي باشا بحالة من جنون الارتياب، وأخذ يُصبح مشوش التفكير شيئًا فشيئًا، ويُعاني من صعوبة في التذكّر، ومن غير المؤكد إن كان هذا نتيجة جهده الذهني خلال حرب الشام، أو حالة طبيعية نتيجة تقدمه بالسن، أو كان تأثير نترات الفضة التي نصحه أطباؤه بتعاطيها منذ زمن لعلاج نفسه من مرض الزحار.

    ما زاد حالة محمد علي باشا سوءًا كانت المصائب التي حلّت بمصر وعليه شخصيًا في أواخر عمره، ففي سنة 1844 تبيّن لرئيس الديوان المالي شريف باشا، أن ديون الدولة المصرية قد بلغت 80 مليون فرنك، وأن المتأخرات الضريبية قد بلغت 14,081,500 قرشًا من الضريبة الإجمالية المقدرة بحوالي 75,227,500 قرش. وتخوّف الباشا من عرض الموضوع على محمد علي لما قد يكون له من وقع شديد عليه، فعرض المسألة على إبراهيم باشا الذي اقترح أن تقوم أحب شقيقاته إلى والده بنقل الخبر، إلا أن ذلك لم يكن له الأثر المرجو، فقد فاق غضب محمد علي ما توقعه الجميع، ولم يهدأ باله ويستكين خاطره إلا بعد مرور ستة أيام.

    بعد عام من هذه الحادثة، أصيب إبراهيم باشا بالسل، واشتد عليه داء المفاصل، وأخذ يبصق دمًا عند السعال، فزاد ذلك من هموم محمد علي وحزنه، فأرسل ولده إلى إيطاليا للعلاج، على الرغم من أنه أدرك في قرارة نفسه أن ولده في عداد الأموات، ويتضح ذلك جليًا مما قاله للسلطان عندما زار الآستانة في سنة 1846، حيث عبّر عن خوفه من ضياع إنجازاته بسبب عدم كفاءة أحفاده لتحمّل مسؤولية البلاد والعباد، فقال: بعد ذلك عاد محمد علي إلى مصر وبقي واليًا عليها حتى اشتدت عليه الشيخوخة، وبحلول عام 1848 كان قد أصيب بالخرف وأصبح توليه عرش الدولة أمرًا مستحيلاً، فعزله أبناؤه وتولّى إبراهيم باشا إدارة الدولة.

    وفاته

    حكم إبراهيم باشا مصر طيلة 6 أشهر فقط، قبل أن يتمكن منه المرض وتوافيه المنيّة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1848، فخلفه ابن أخيه طوسون، عبّاس حلمي. وبحلول هذا الوقت كان محمد علي باشا يُعاني من المرض أيضًا، وكان قد بلغ من الخرف حدًا لا يمكنه أن يستوعب خبر وفاة ابنه إبراهيم، فلم يُبلّغ بذلك. عاش محمد علي بضعة شهور بعد وفاة ولده، وتوفي في قصر رأس التين بالإسكندرية بتاريخ 2 أغسطس سنة 1849م، الموافق فيه 13 رمضان سنة 1265هـ، فنُقل جثمانه إلى القاهرة حيث دُفن في الجامع الذي كان قد بناه قبل زمن في قلعة المدينة. كانت جنازة محمد علي باشا معتدلة الحضور والمراسم، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى الوالي عبّاس حلمي الذي طالما اختلف في الآراء والمشارب مع جدّه وعمّه إبراهيم، وكان يحمل له شيئًا من الضغينة. يقول القنصل البريطاني جون موراي، وهو من الأشخاص الذين شاركوا في تشييع محمد علي إلى مثواه الأخير:... كان الحضور في الجنازة حضورًا هزيلاً غثًا؛ كثير من القناصل والسفراء لم يُدعوا للمشاركة، ولم تُغلق الحوانيت ولا الدوائر الحكومية.. باختصار، يسود انطباع عام مفاده أن عبّاس باشا هو الجدير باللوم، فقد قلل من شأن جدّه وذكراه اللامعة، ولم يحترم ذكراه حق الاحترام، وكيف لا يكون ذلك وقد سمح أن يُقام مأتم هذا الرجل على هذا الشكل البائس وأهمل العناية به أشد الإهمال....إن تعلّق وتبجيل جميع طبقات المجتمع المصري لاسم محمد علي لهو مأتم أعظم شأنًا وأكثر شرفًا من أي جنازة أخرى يُقدمها له خلفاؤه. يتحدث الأهالي الكبار ممن يتذكر عن الفوضى والظلم الذي غرقت به البلاد قبل وصوله؛ ويُقارن الشباب حكمه بحكم خلفه المتقلّب والمتذبذب؛ كل طبقات الشعب من ترك وعرب، لا تتردد في قول أن مصر المزدهرة المتحضرة ماتت مع محمد علي...في واقع الأمر يا سيدي، لا يمكننا ولا يمكن لأحد أن ينكر، أن محمد علي، على الرغم من كل أخطائه، كان رجلاً عظيم الشأن.

    إرثه

    إن أكثر النظريات السائدة عند المؤرخين وفي الأوساط العامّة، هي تلك التي تقول أن محمد علي باشا هو «والد مصر الحديثة»، كونه كان الحاكم الأول عليها، والذي استطاع تجريد الباب العالي من سلطته الفعليّة على البلاد، منذ الفتح العثماني لمصر عام 1517. وعلى الرغم من أنه فشل في تحقيق الانفصال التام لمصر عن الدولة العثمانية، إلا أنه وضع أسس الدولة المصرية الحديثة، التي تبلورت بعد وفاته. فمن خلال بناءه لجيش كبير وقوي يُدافع عن بلاده ويوسع رقعتها، أنشأ بيروقراطية مركزية ونظامًا تعليميًا سمح بحصول حراك اجتماعي في المجتمع المصري، وقاعدة اقتصادية واسعة تستند إلى الزراعة والصناعات العسكرية. وقد كان من شأن جهوده وأعماله هذه أن توطّد حكم ذريته لمصر والسودان طيلة 150 عامًا تقريبًا، كانت مصر فيها دولة تتمتع باستقلال ذاتي قانوني في ظل الدولة العثمانية، ومن ثم في ظل الحماية البريطانية.

    يرى قسم آخر من الناس، أن محمد علي باشا لم يكن باني مصر الحديثة، وإنما هو أجنبي غازٍ مثله في ذلك مثل أي محتل آخر لأرض مصر، بدءًا من الفرس في عام 525 ق.م. وحجج أصحاب هذا الرأي تتمثل بعدّة نقاط، منها أن محمد علي لم يتكلم العربية أو يجعلها اللغة الرسمية في بلاطه، وإنما استعاض عنها بالتركية، كما أنه استغل ثروات مصر ومواردها البشرية لتحقيق مآربه الخاصة، وليس لتحقيق مصلحة البلاد وأهلها، وإنه أرهق المصريين بالضرائب وأعمال السخرة والتجنيد الإجباري. ومن أبرز المواضيع التي تجعل البعض يتحفّظ على عهد محمد علي باشا، قصة عزمه على هدم الهرم الأكبر واستخدام أحجاره الضخمة لبناء قناطر جديدة عند رأس دلتا النيل في منطقة شلقان، التي أصبحت فيما بعد القناطر الخيرية، والتي تراجع عنها بعد أن أقنعه المهندس الفرنسي لينان دو بلفون بعدم جدواها. على العموم تعتبر النظرة سالفة الذكر النظرة الأقل قبولاً عند المؤرخين وبالذات العرب منهم.

    زوجاته ومستولداته وأبناؤه

    تزوّج محمد علي باشا امرأتين: كانت الأولى أمينة هانم وهي بنت علي باشا الشهير بمصرلي من أهالي قرية نصرتلي ورُزق منها خمسة أولاد، ثلاثة أنجال وبنتين وهم: إبراهيم باشا، أحمد طوسون باشا، إسماعيل باشا، توحيدة هانم، ونازلي هانم. أما امرأته الثانية فهي ماه دوران هانم، المعروفة باسم «أوقمش قادين»، ولم يرزق منها أولادًا.

    كذلك كان لمحمد علي عدد من المستولدات، وهنّ ما ملكته يمينه وفقًا للشريعة الإسلامية، كالجواري أو الإماء. أما مستولداته فهن: أم نعمان وقد رُزق منها نعمان بك، عين حياة قادين وقد رُزق منها محمد سعيد باشا، ممتاز قادين وقد رُزق منها حسين بك، ماهوش قادين وقد رُزق منها علي صديق بك، نام شاز قادين وقد رُزق منها محمد عبد الحليم، زيبة خديجة قادين وقد رُزق منها محمد علي باشا الصغير، شمس صفا قادين وقد رُزق منها بنتين: فاطمة هانم ورقية هانم، شمع نور قادين وقد رُزق منها زينب هانم. بالإضافة إلى نايلة قادين وكلفدان قادين وقمر قادين، اللواتي لم يُرزق منهن بأولاد.

  3. قناة السويس

    56 دقيقة قراءةقناة السويس هي ممر مائي اصطناعي في مصر مزدوج المرور في أغلب أجزاءه. يبلغ طول القناة 193.3 كم وتصل بين البحرين المتوسط والأحمر، وتنقسم طولياً إلى قسمين: شمال وجنوب البحيرات المرّة، وعرضياً إلى ممرين منفصلين في معظم…

    قناة السويس هي ممر مائي اصطناعي في مصر مزدوج المرور في أغلب أجزاءه. يبلغ طول القناة 193.3 كم وتصل بين البحرين المتوسط والأحمر، وتنقسم طولياً إلى قسمين: شمال وجنوب البحيرات المرّة، وعرضياً إلى ممرين منفصلين في معظم أجزائها لتسمح بعبور السفن في اتجاهين في نفس الوقت بين كل من أوروبا وآسيا، وتعتبر أسرع ممر بحري بين القارتين وتوفر نحو 15 يومًا في المتوسط من وقت الرحلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح.

    بدأت فكرة إنشاء القناة عام 1798 مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، ففكر نابليون في شق القناة إلا أن تلك الخطوة لم تكلل بالنجاح، وفي عام 1854 استطاع دي لسبس إقناع محمد سعيد باشا بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة دي لسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عام. استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 - 1869)، وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألف عامل أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة. وتم افتتاح القناة عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل في حفل مهيب وبميزانية ضخمة. وفي عام 1905 حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الامتياز 50 عاماً إضافية إلا أن تلك المحاولة لم تنجح. وفي يوليو عام 1956 قام الرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس، والذي تسبب في إعلان بريطانيا وفرنسا بمشاركة إسرائيل الحرب على مصر ما عرف بالعدوان الثلاثي والذي انتهى بانسحاب الثلاث دول تحت ضغوط دولية ومقاومة شعبية.

    تسببت حرب 1967 في إغلاق قناة السويس لأكثر من 8 سنوات، حتى قام الرئيس السادات بإعادة افتتاحها في يونيو 1975، بعد فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل ووقف إطلاق النار عقب أحداث حرب أكتوبر. شهدت القناة بعد ذلك عدة مشاريع لتوسيع مجراها وتقليل وقت عبورها بدأت عام 1980 وكان آخرها في 6 أغسطس 2015 مع افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة.

    تعد قناة السويس إحدى أهم الممرات البحرية في العالم، نظراً لما توفره من وقت وتكاليف وجهد للاقتصاد العالمي ويظهر ذلك جلياً في مرور ما بين 8% و12% من حجم التجارة العالمية عبر القناة، ووصول أعلى إيراد سنوي لها إلى نحو 9.4 مليار دولار أمريكي في العام المالي (2023/2022).

    تاريخ القناة

    تاريخ القناة القديمة

    يعد المصريون القدماء أول من شق قناة لربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عن طريق نهر النيل وكانت قناة سيزوستريس أول قناة شقها سنوسرت الثالث، أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة عام 1874 ق.م. ثم أهملت وأعيد افتتاحها عدة مرات تحت عدة أسماء منها: قناة سيتي الأول عام 1310 ق.م. ثم قناة دارا الأول عام 510 ق.م. ثم قناة بطليموس الثاني عام 285 ق.م. وقناة الرومان في عهد الإمبراطور تراجان عام 117، وقناة أمير المؤمنين عام 640، بعد الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص، وظلت مفتوحة 150 عاماً إلى أن أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بردم القناة التي كانت تصل بين الفسطاط والسويس، وسدها من ناحية السويس، منعاً لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي، ثم أعاد هارون الرشيد فتحها لمدة ثم ردمت مرة أخرى، وأغلق الطريق البحري إلى الهند وبلاد الشرق وأصبحت البضائع تنقل عبر الصحراء بواسطة القوافل، وأغلقت القناة حتى عام 1820، وعندما اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح في بداية القرن السادس عشر الميلادي تغيرت معه حركة التجارة العالمية.

    فكرة حفر القناة

    عقب اكتشاف البرتغالي فاسكو دا غاما لطريق رأس الرجاء الصالح، تضرر اقتصاد وتجارة مصر المملوكية واقتصاد البندقية ونابولي وجنوة بشكل بالغ، فما كان من أمراء البندقية إلا أن وفدوا على مصر عام 1501 ليعرضوا على السلطان الغوري فكرة الاستغناء عن طرق القوافل واستبدالها بالنقل عبر النيل بحفر قناة تصل بين البحرين الأحمر والأبيض، إلا أن ظروف مصر وصراعها مع العثمانيين في ذلك الوقت والذي انتهى باحتلالهم للقاهرة سنة 1517 لم يسمح بإنشاء مشروع بهذا الحجم، ومات المشروع حتى اقترحه الفيلسوف الألماني الشهير لايبيتز على الملك لويس الرابع عشر في إطار مشروع شامل لغزو مصر، ولكن الملك لويس لم يُرِد إغضاب الباب العالي في الأستانة من ناحية، ولأن أحلامه التوسعية كانت في أوروبا.

    وعندما قامت الثورة الفرنسية دخلت في صراعات مسلحة دموية مع ممالك أوروبا واستطاعت الانتصار عليها إلا مملكة واحدة وهي انجلترا وأرادت فرنسا قطع طريق المستعمرات البريطانية في الهند باحتلال مصر فقامت الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798. أعطت حكومة الديركتوار التي كانت تحكم فرنسا أمراً مباشراً لنابليون بونابرت بالقيام بحملة لحفر قناة تربط بين البحرين ولذا كانت تسمى قناة البحرين. فخرج نابليون من القاهرة ومعه مجموعة من المهندسين يرأسهم مهندس يدعي لوبير لمعاينة الموقع هندسياً عند السويس والبدء في الحفر. إلا أن لوبير أقنع نابليون بالعدول عن المشروع لأنه اكتشف أن مستوى البحر الأحمر أعلى من مستوى البحر الأبيض، مما سيتسبب في غرق مصر كلها،

    عاد نابليون إلى القاهرة دون أن يحقق هدفه. وذلك حتى تولى المشروع مجموعة من المهندسين من خريجي مدرسة البوليتكنيك الشهيرة وكانوا مفتونين بعظمة نابليون ويطلق عليهم اسم السان سيمونيين وأتوا إلى مصر في عصر محمد علي عام 1832 وحصلوا على إذن منه بالذهاب إلى الموقع من جديد وتبين لهم أن البحرين مستويان وأن مهندس نابليون أخطأ الحساب والتقدير، إلا أن محمد علي رفض فكرة حفر القناة إلا بشرطين: أولهما أن تضمن القوى العظمى حيادية القناة، وبالتالي استقلال مصر، وثانيهما أن تمول القناة بالكامل من الخزانة المصرية، مما أظهر حنكة وبُعد نظر محمد علي باشا في مسألة القناة، إلا أن الشرطين قوبلا بالرفض.

    عقب عودة نابليون إلى فرنسا عام 1801 بعد فشل حملته على مصر التي استمرت 13 شهراً، أرسل دبلوماسياً اسمه ماتيو دي لسبس إلى مصر لاختيار والي لمصر موالي لفرنسا يحكمها بعد أن قام الإنجليز باختيار البرديسي، فوقع اختيار ماتيو دي لسبس على محمد علي الضابط الألباني القريب من شيوخ الأزهر فاصطفاه وقدم له المشورة والمساعدة وهو ما لم ينساه محمد علي، وعندما مات ماتيو دي لسبس جاء ابنه الشاب فرديناند دي لسبس كقنصل مساعد لبلاده فرنسا في الإسكندرية واستقبله محمد علي بحفاوة كبيرة وعرض عليه أن يعمل في القصر مربياً ومعلماً لابنه محمد سعيد باشا وعلى إثر ذلك توطدت عرى الصداقة بين الدبلوماسي الفرنسي والأمير.

    وبعد أن جاء سعيد باشا إلى سُدة الحُكم، في وقت كانت أسرة دي لسبس تعاني الفقر والعزلة منذ سقوط إمبراطورية نابليون، فما كان من دي لسبس إلا أن ركب أول سفينة متجهة للإسكندرية ليصلها في 7 نوفمبر 1854 ويلتقي بصديقه الذي أصبح خديوي مصر في 11 نوفمبر، وهناك عرض دي لسبس مشروع حفر القناة على سعيد باشا الذي قبل فوراً ما رفضه والده وكأن سعيداً أراد أن يعبر عن امتنانه لصديقه القديم الذي كان يقدم له الأكل الذي حرمه منه والده داخل القصر.

    عهد دي لسبس إلى المهندس الفرنسي فوازان بك بمنصب رئيس مهندسي موقع حفر القناة، والذي كان مسئولاً عن الحياة اليومية في موقع الحفر بكل تفاصيلها، من تقدم عملية الحفر والنفقات والعلاقات بين العمال من مختلف الجنسيات، ومسألة السخرة الواقعة على الفلاحين المصريين بأوامر من دي لسبس باعتباره رئيس شركة قناة السويس البحرية العالمية التي كان قد أسسها لتولى عمليات الحفر في الموقع. وتعرض دي لسبس لضغوط واتهامات من قبل السان سيمونيين بأنه سرق منهم مشروع القناة الذي عرضوه على محمد علي ورفضه.

    تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية

    منح والي مصر الخديوي محمد سعيد باشا عام 1856 المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس الامتياز الثاني لحفر قناة السويس ونص الامتياز على منح دي لسبس امتيازاً لحفر وتشغيل قناة بحرية تربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط مدته 99 عاماً تبدأ من تاريخ فتح القناة للملاحة البحرية وذلك مقابل أن يكون للحكومة المصرية 15% من أرباح القناة، وسرعان ما أسس فرديناند دي لسبس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 400 ألف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك، وطرحت أسهم الشركة في الأسواق الدولية في نوفمبر 1858، واكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الأسهم فيما اكتتب الخديوي بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الأسهم المكتتبة في الأسواق الدولية

    حفر القناة

    بدأت الشركة العالمية لقناة السويس البحرية حفر القناة في أبريل 1859 واستمر لمدة 10 سنوات واستخدم في ذلك نحو مئات الألاف من الفلاحين المصريين بنظام السخرة واستمر ذلك النظام حتى عام 1864 تقدر بعض المصادر انه تواجد أكثر من 30 الف عامل في القناة في أي فترة من فترات حفرها وان اجمالي العمال بلغ مليون ونصف فرد من جنسيات متعددة وان الألاف من العمال توفوا نتيجة الكوليرا والأوبئة المشابهة الأخرى.

    انفرد دي لسبس وحده بوضع لائحة العمال وحاز على توقيع محمد سعيد باشا عليها، والتي ضمنت لشركة قناة السويس البحرية (الفرنسية في ذلك الوقت) الموارد البشرية الهائلة من خلال تعبئة المصريين لحفر القناة، وجاءت المادة الأولى من اللائحة لتنص على أن تقدم الحكومة المصرية العمال للشركة طبقاً للطلبات التي يتقدم بها كبير مهندسي الشركة وطبقاً لاحتياجات العمل، وحددت المادة الثانية أجور العمال التي تراوحت ما بين قرش ونصف القرش وثلاثة قروش في اليوم، وإذا كان العامل دون الثانية عشرة من عمره يتقاضى قرشاً واحداً في اليوم، والتزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد إلى كل عامل بصرف النظر عن عمره، ونصت اللائحة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من الحفر، فالعامل المهمل يخصم من أجره بما يتناسب مع مقدار إهماله، أما العامل الذي يهرب فيفقد أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزينة الشركة، ونصت اللائحة أيضاً على عمل مستشفى ميداني بمنطقة الحفر ومراكز للإسعاف مزودة بالأدوية.

    بدأت فصول معاناة العمال من خلال نقض الشركة لوعدها بحفر قناة ماء عذب لمد العمال بمياه الشرب مما أدى للتضحية بآلاف العمال الذين أنهكتهم شدة العطش والانهيارات الرملية. ثم توالى سقوط الآلاف بسبب انتشار الأوبئة، كما خالفت الشركة وعدها بتوفير وسائل متطورة في الحفر وأكره العمال المصريون على العمل في ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم وعلى الفأس والقفة.

    في شهر ديسمبر 1861 ذهب سعيد باشا بنفسه إلى منطقة الحفر، وأمر بحشد 20 ألف شاب لزيادة معدلات الحفر، فشهدت بذلك سنوات الحفر الأولى للقناة أكبر عملية حشد للعمال بلغت في عام 1862 ما بين 20 ألف و22 ألف عامل يساقون لساحات الحفر في الشهر الواحد، قادمين من الوجهين القبلي والبحري، وكثر تمرد العمال وهروبهم وأظهر عمال الوجه القبلي تحدياً سافراً للشركة مما اضطر الشركة للاستعانة بالشرطة لإخماد تمرد العمال ومطاردتهم وتعذيبهم.

    كانت مدينة الزقازيق هي منطقة فرز العمال التي كان يستبعد بها أصحاب الأجسام النحيلة ويختار منهم الشبان الأقوياء، الذين يرسلون إلى منطقة القناة سيراً على الأقدام في أربعة أيام وهم مقيدين بالحبال يحمل كل منهم قلة ماء وكيس خبز جاف، فيصلون إلى ساحات الحفر منهكي القوى، فيتبع وصولهم إصدار الأوامر بتسريح العمال القدامى الذين أمضوا شهراً كاملاً وهي المدة المقررة لبقائهم. وكانت عمليات الحفر من المشاهد المثيرة التي يحرص على رؤيتها السائحون الأجانب في هذا العصر. وتمادت الشركة في تعنتها ولم تدفع أجور العمال، واستمر نقص المؤن والملابس والأحذية، كما أنشأت معتقل يُرسل إليه من يسيء السلوك، وأنشأت إدارة طبية ومركزاً لإسعاف المرضى لرعاية العمال، ولكن صدرت الأوامر بأن تركز هذه الإدارة جهودها فقط في رعاية العمال والموظفين الأجانب، ومما عرض العمال بشكل مجحف للموت من شدة فتك الأمراض بهم.

    وطبقاً للتقارير الطبية المحفوظة في مكتبة بلدية الإسكندرية كان أكثر الأمراض انتشاراً بين العمال هي النزلات الشعبية والأمراض الصدرية والرمدية وحالات الإسهال الشديد والدوسنتاريا وأمراض الكبد والجدري والسل، ثم جاءت الكوليرا في صيف عام 1865 وعصفت بالعمال لدرجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كان يتم دفنهم في الصحراء، وتلاها ظهور مأساة تعرض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة كانت تحتوي على فوسفور حارق مما أدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض الغامضة التي أدت إلى وفاتهم على الفور، والغريب أن الحكومة الفرنسية منحت في 19 يناير 1867 وسام الشرف من طبقة فارس للدكتور أوبير روش كبير أطباء الشركة الفرنسية تقديراً لجهوده التي قيل إنه بذلها في حماية العمال المصريين من الموت.

    افتتاح القناة

    في 25 أبريل 1859 دشن دي لسبس حفر القناة في عهد محمد سعيد باشا، وانتهى العمل بها بعد عشر سنوات في عهد الخديوي إسماعيل الذي سافر إلى أوروبا في 17 مايو 1869 لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والعلم والأدب والفن لحضور حفل افتتاح القناة الذي عزم أن يقيمه في 17 نوفمبر 1869. وبعد أن عاد الخديوي إسماعيل إلى مصر بدأ في الإعداد للحفل الكبير فاستخدم 500 طاه وألف خادم ليكونوا في خدمة الضيوف، وطلب من دي لسبس أن يقوم بالاستعدادات لضيافة ستة آلاف مدعو.

    وفي يوم 15 أكتوبر 1869 بدأ المدعون بالقدوم ضيوفاً على مصر في بورسعيد مقر الحفل، والتي ضاقت أرجاؤها بالمصريين القادمين من جميع أنحاء مصر لمشاهدة فعاليات الافتتاح، بإيعاز من الخديوي إسماعيل إلى مديري الأقاليم ليرسل كل منهم جماعة من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيتية وركوبهم، فانتشروا على طول القناة، أعراب، وسودانيين وفلاحين، وصعايدة تعبيراً عن كافة طوائف الشعب المصري. فيما سافر الخديوي إسماعيل مع حاشيته ووزيريه نوبار باشا وشريف باشا إلى الإسكندرية حيث استقل يخته المحروسة وأبحر إلى بورسعيد، ورأى الخديوي إسماعيل السفن قادمة من جميع أطراف العالم تحمل ضيوفه الحاضرين على نفقته الخاصة، واصطفت أساطيل الدول في مرفأ بورسعيد ومن ضمنها الأسطول المصري وقد انتشرت على ضفاف القناة قوات الجيش المصري للحفاظ على نظام الاحتفال. وانطلقت طلقات المدافع مدوية احتفالا بوصول الضيوف واحدا تلو الآخر.

    بدأت الفعاليات بحفلة دينية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر 1869، وأقيمت ثلاث منصات خشبية كبيرة على شاطئ البحر مكسوة بالحرير والديباج ومزينة بالأعلام ومفروشة بأثمن السجاجيد ونشرت في أرجائها الرياحين والورود وصفت فيها الكراسي، فخصصت منصة الوسط للضيوف وعلى رأسهم مضيفهم خديوي مصر، وخصصت المنصة اليمنى للعلماء المسلمين في مقدمتهم الشيخ السقا والشيخ العمروسي والشيخ المهدي العباسي مفتي الديار المصرية، فيما خصصت المنصة اليسرى لأحبار الدين المسيحي ورجال الإكليروس وعلى رأسهم المنسيور كورسيا أسقف الإسكندرية والمنسيور باور الرسول البابوي. ونصب على الشاطئ الآسيوي خيالة بورسعيد وعلى الشاطئ الإفريقي المظلات البديعة للجماهير المدعوين. ووقفت السفن بالمرفأ على شكل قوس وكان عددهم يفوق الثمانين بجانب خمسون حربية منها ست مصرية ومثلها فرنسية واثنتا عشرة إنجليزي وسبع نمساوية وخمس ألمانية وواحدة روسية وواحدة دنماركية واثنتان هولنديتان واثنان أسبانيتان.

    المدعوون

    في الثانية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر أخذ المدعوون يتقدمون نحو الإيوان والمظلات حتى جلس كل في مكانه فتوسطت الإمبراطورة أوجيني الصف الأول وإلى يمينها إمبراطور النمسا والخديوي إسماعيل ثم ولي عهد بروسيا فولي عهد هولندا وعقيلته وإلى يساره جلست مدام اليوت عقيلة سفير إنجلترا بتركيا (الذي وكله السلطان بذكر اسمه عند افتتاح القناة) فالسفير إليوت فالأميرة مورا، وعلى اليمين جلس الأمير محمد توفيق باشا ولي عهد مصر فالأمير هوفمان لو فمدام أغنانيف فالجنرال أغنانيف.

    فقرات الحفل

    دوت المدافع متتابعة من كل الجهات إيذاناً ببدء الحفل الديني. ووقف شيخ الإسلام محاطاً بالعلماء وتلا ما تيسر من القرآن الكريم، ثم دعا الله أن يختص هذا العمل العظيم بعنايته ورعايته، وأن يهيئ له النجاح في كل زمان. ثم تقدم المنسيور كورسيا يحوطه رجال الإكليروس وتلا صلاة حارة دعا الله فيها أن يكلأ هذا العمل ويباركه بروح من عنده. ثم تقدم المسيو باور وألقى عبارة بليغة بالفرنسية وجهها إلى الخديوي. وعند المساء مدت الموائد متتابعة لستة آلاف مدعو وبها أشهى الأطعمة والأشربة، حتى إذا حلت الساعة الثانية بدأ ظهور الأنوار والزينات على ضفتي القناة. وظهر يخت الخديوي المحروسة في حلة من الأنوار وأخذ يطلق مدفع بين دقيقة وأخرى، والموسيقى تدوي حتى اختتمت الحفلة بالألعاب النارية. وعند شروق شمس صباح يوم 17 نوفمبر كانت السفن تمر في قناة السويس وقد استعدت للإبحار وتقدمها يخت الإمبراطورة أوجيني.

    بيع حصة مصر في القناة

    في عام 1875 مرت مصر بأزمة مالية طاحنة اضطر معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر من أسهم القناة لبريطانيا بمبلغ 100 مليون فرنك في 25 نوفمبر 1875. وبذلك حلت الحكومة البريطانية محل المصرية في ملكية شركة قناة السويس. ولكن الأزمة المالية لم تنفرج، وأرسلت الدول الدائنة لجنة لفحص الحالة المالية في مصر لتصفية الديون التي تدين بها مصر لدول نادي باريس وكان مؤمن على هذه الديون بأرباح مصر التي تمثل 15% من شركة قناة السويس. فقررت اللجنة بيع حصة مصر من الأرباح نظير مبلغ 22 مليون فرنك. وبذلك خسرت مصر حصتها من أسهم القناة وحصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.

    محاولة مد امتياز القناة

    في عام 1910 تقدمت شركة قناة السويس البحرية بطلب للحكومة المصرية لمد امتياز شركة قناة السويس الذي كان سينتهي في 17 نوفمبر 1968 لمدة 40 سنة أخرى تنتهي عام 2008، وأيدت الحكومة البريطانية الممثلة لسلطة الاحتلال في مصر مد الامتياز خصوصاً وقد بدأت الحركة الملاحية بالقناة تتضاعف حتى بلغت عام 1889 ضعف ما كانت عليه عام 1881 وتضاعفت مرة أخرى عام 1911، وكانت البضائع البريطانية تمثل 78,6% من مجموع البضائع المارة بالقناة.

    مواد مد الامتياز المقترحة

    ولكن الحركة الوطنية المصرية بقيادة محمد فريد قادت هجوماً كاسحاً على طلب المد وقلبت الرأي العام ضده، وقام إبراهيم ناصف الورداني باغتيال رئيس الوزراء بطرس غالي باشا عام 1910 بسبب سعيه نحو مد امتياز القناة، وقام الاقتصادي المصري طلعت حرب بتأليف كتاب عن قناة السويس ليوضح الحقائق للعامة والخاصة عن تاريخ القناة وكيف ضاعت حصص مصر من الأسهم والأرباح وخسائرها حتى 1909، وخلص إلى القول أن الأسهم التي باعتها مصر بـ 560 فرنك للسهم الواحد أصبح سعرها بعد ثلاثين سنة فقط 5010 فرنك فرنسي للسهم، وحصتها من أرباح القناة التي باعتها ب 22 مليون فرنك أصبحت فيمتها 300 مليون فرنك فرنسي.

    وإزاء الضغط الشعبي كلفت الجمعية العمومية (مجلس النواب) طلعت حرب باشا وسمير صبري باشا بكتابة تقرير عن الموضوع، وبالفعل قدموا تقريرهم للجمعية ووضحوا فيه خسائر مصر المالية المتوقعة في حالة تمديد الامتياز الحالي بالشروط السالف ذكرها، وبناءً على هذا التقرير رفضت الجمعية العمومية عرض تمديد امتياز شركة قناة السويس وبقي الامتياز قائما بشروطه.

    تأميم القناة

    في 26 يوليو 1956 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر من ميدان المنشية بالإسكندرية قرار تأميم شركة قناة السويس، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي بطريقة مهينة لمصر، ثم تبعتها بريطانيا والبنك الدولي. قدمت بريطانيا على إثر القرار احتجاجاً رفضه جمال عبد الناصر على أساس أن التأميم عمل من أعمال السيادة المصرية. فقامت هيئة المنتفعين بقناة السويس بسحب المرشدين الأجانب بالقناة لإثبات أن مصر غير قادرة على إدارة القناة بمفردها، إلا أن مصر أثبتت عكس ذلك واستطاعت تشغيل القناة بإدارة مصرية كان على رأسها مهندس عملية التأميم محمود يونس بمرافقة زميليه عبد الحميد أبو بكر ومحمد عزت عادل.

    الرد الاقتصادي

    كان أول رد على قرار تأميم شركة قناة السويس، قيام كلاً من فرنسا وإنجلترا بتجميد الأموال المصرية في بلادهما، في وقت كان للحكومة المصرية حساب دائن بإنجلترا من ديون الحرب العالمية الثانية يقدر في تاريخ التأميم بنحو 135 مليون جنيه استرليني، فيما قامت الولايات المتحدة بتجميد أموال شركة القناة لديها، وكذلك تجميد أموال الحكومة المصرية حتى تتضح الأمور فيما يتعلق بمستقبل شركة قناة السويس، وكانت أموال الحكومة المصرية هناك تقدر بنحو 43 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 15 مليون جنيه مصري وقت التأميم. وبلغ مجموع الأموال المصرية التي تقرر تجميدها في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة ما يزيد على القيمة المالية لشركة قناة السويس، كما قررت الولايات المتحدة وقف تقديم أي مساعدة مالية أو فنية لمصر، وضغطت كلاً من من فرنسا وإنجلترا على سويسرا لتتعاون معها عن طريق تجميد الأموال المصرية لديها، ولكنها لم تستجب لذلك. وأذعن مدير شركة قناة السويس إلى جميع اتحادات أصحاب السفن بأن يدفعوا رسوم المرور في القناة إلى شركة قناة السويس وليس إلى الحكومة المصرية، وبلغت نسبة مجموع الرسوم التي دفعت إلى الحكومة المصرية منذ التأميم وحتى إغلاق القناة 35% تقريباً والباقي دفع لشركة قناة السويس، وقدر ذلك بأكثر من خمسة ملايين جنيه مصري، وهو المبلغ الذي تقرر خصمه من مجموع التعويض الذي دفعته الحكومة المصرية للشركة أثناء مفاوضات التعويض.

    الرد الدبلوماسي

    تمثل الرد الدبلوماسي في محاولة تعبئة الرأي العام الدولي ضد مصر، وإقناعه بأن تأميمها لشركة قناة السويس، قد خالف الشريعة الدولية وحطمت مبدأ حرية المرور في القناة، وهددت السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، ولتلافي كل هذه المخاطر اجتمع كل من وزير خارجية فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة، وأصدروا في 2 أغسطس 1956 بياناً يتضمن أن قرار التأميم الصادر من جانب الحكومة المصرية يهدد حرية الملاحة في القناة، ويهدد الأمن فيها، وفي ذلك مخالفة لأحكام اتفاقية القسطنطينية، لذلك يرون ضرورة إقامة مؤتمر تدعى إليه الدول المنتفعة بالقناة، وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينية، أو التي حلت محلها في الحقوق والالتزامات وهذه الدول هي (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، النمسا والمجر، إيطاليا، هولندا، إسبانيا، تركيا، روسيا ويمثلها «الاتحاد السوفيتي») بالإضافة إلى مصر ودول أخرى باعتبارها من مستخدمي القناة، وهي (أستراليا، نيوزلندا، إندونيسيا، اليابان، سيلان، الهند، باكستان، إيران، اليونان، السويد، النرويج، الدانمارك، البرتغال، أثيوبيا، الولايات المتحدة) فيما رفضت الحكومة اليونانية في 11 أغسطس أن تشترك في المؤتمر وفي 12 أغسطس أعلنت الحكومة المصرية رفضها الاشتراك في هذا المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط إلا يمس اشتراكها الحقوق والسيادة المصرية، ولا يتخذ المؤتمر أي قرار نهائي إلا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفيتية مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربية والدول الاشتراكية. انعقد المؤتمر فيما بين 16 و 23 أغسطس 1956، ونال خلاله المشروع الأمريكي المقدم للتصويت أغلبية الأصوات، والذي تضمن اقتراحاً بإقامة منظمة دولية تقوم على نمط الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة لتشرف على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كل من (الهند والاتحاد السوفيتي وإندونيسيا وسيلان)، وتم عرض المشروع على مصر ورفضه عبد الناصر، وإزاء هذا الرفض، أعلن رئيس وزراء إنجلترا في مجلس العموم، إنشاء هيئة جديدة باسم هيئة المنتفعين سيكون لها طابع مؤقت وستكون مسؤولة عن تنسيق المرور في القناة، وتحصيل رسوم المرور. وانعقد في لندن مؤتمر فيما بين 19 و21 سبتمبر، لوضع القانون الأساسي لتلك الهيئة، وأصدر مجلس الأمن قراره في 13 أكتوبر 1956 الذي تألف من شطرين، أولهما يتضمن مبادئ ستة تكون أساساً للمفاوضات التي تجرى مستقبلاً، أما الشطر الثاني فيتضمن الاعتراف بهيئة المنتفعين التي ستكلف بالإشراف على القناة، إلا أنه لم يفز حين الاقتراع عليه إلا بتسعة أصوات واعتراض صوتين كان منهما صوت الاتحاد السوفيتي المتمتع بحق الفيتو. وأمام فشل السياسة الاستعمارية في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، دبرت لاستعمال القوة العسكرية.

    الرد العسكري والعدوان الثلاثي

    قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتدبير مؤامرة ثلاثية على مصر أطلق عليها المصريون العدوان الثلاثي وأطلق عليها الغرب حرب السويس، على إثرها بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر 1956، تلاه تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذارا لمصر يطالب بوقف القتال بين الطرفين، والقوات الإسرائيلية ما زالت داخل الأراضي المصرية ويطلب من مصر وإسرائيل الانسحاب عشرة كيلو مترات عن قناة السويس وقبول احتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس بواسطة بريطانيا وفرنسا، من أجل حماية الملاحة في القناة، واختتم الإنذار بأنه إذا لم يصل الرد في خلال 12 ساعة، فإن الدولتين ستعملان على تنفيذ ذلك، وأعلنت مصر فوراً أنها لا يمكن أن توافق على احتلال إقليم القناة، وأبلغت مجلس الأمن الذي عجز عن إصدار قرار بسبب استخدام بريطانيا وفرنسا حق الفيتو. وفي اليوم التالي للإنذار البريطاني الفرنسي في 31 أكتوبر، هاجمت الدولتان مصر وبدأت غاراتها الجوية على القاهرة، وعلى منطقتي القناة والإسكندرية. وأصبحت مصر تحارب في جبهتين، جبهة إسرائيل على الحدود، وجبهة الاستعمار البريطاني الفرنسي في الداخل، الذي يهدد باحتلال القناة. فأصدر جمال عبد الناصر الأوامر بسحب جميع القوات المصرية من صحراء سيناء إلى غرب قناة السويس، وتُركت وحدات انتحارية لتواجه اليهود في سيناء. وبدأت عملية غزو مصر من جانب القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد، التي تم ضربها بالطائرات والقوات البحرية، ولكنها لم تستسلم. وحركت مقاومة بورسعيد الضارية للقوات البريطانية والفرنسية العالم ضدهما. واتخذت الدول العربية موقفاً مندداً بالعدوان وقامت بنسف أنابيب البترول، ومنعوا وصوله إلى بريطانيا وفرنسا، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا في 2 نوفمبر بإيقاف القتال، وافقت مصر عليه، ورفضته كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وفي اليوم التالي وجه الاتحاد السوفيتي إنذارا إلى بريطانيا وفرنسا، وأعلن عن تصميمه على محو العدوان بالقوة، إذا لم تتراجع الدولتان عن موقفهما، كما استهجن رد الفعل الأمريكي العدوان على مصر، فأدى هذا الضغط الدولي مجتمعاً إلى وقف التغلغل البريطاني الفرنسي، وقبولهما وقف إطلاق النار ابتداء من 7 نوفمبر، وتلا ذلك انسحاب القوات الفرنسية والبريطانية من بورسعيد في 22 ديسمبر 1956، وبدأت بعد ذلك عملية تطهير القناة التي انتهت في 11 أبريل 1957، وتكلفت 8.5 مليون دولار. وكان من النتائج القانونية لتلك المغامرة العسكرية، قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب مصر مع كل من فرنسا وبريطانيا في 31 أكتوبر 1956، ووضع الممتلكات الإنجليزية والفرنسية تحت الحراسة، وإلغاء اتفاقية 19 أكتوبر 1954 بين مصر وإنجلترا في 1 يناير 1957 بأثر رجعي يمتد إلى تاريخ وقوع العدوان.

    مفاوضات التعويض

    عقب تأميم القناة والعدوان الثلاثي خاضت الحكومة المصرية مفاوضات مع الشركة القديمة لقناة السويس عام 1958 لتعويض المساهمين في شركة القناة، وخاض الجانبان مفاوضات شديدة التوتر في أول لقاء رسمي بين مسئولين مصريين وفرنسيين منذ الحرب. وتعذر التوصل لاتفاق خلال المفاوضات فلم تكن مصر تريد أن تدفع إلا تعويضات صورية وكانت فرنسا ممثلة في الشركة تريد استرداد كل شيء من مصر، وعند جولة المفاوضات الأولي في روما في فبراير 1958 كانت المفاوضات تتم بانعزال كل فريق في غرفة ويقوم بدور الوسيط بينهما خبراء من البنك الدولي، وانتهت الجولة بفشل ذريع، وتعبيراً عن حسن النوايا قبل الوفد الفرنسي القيام بجولة ثانية بالقاهرة نزولاً على دعوة من جمال عبد الناصر، وحدث هذا بالفعل في مايو من نفس العام، وبدأت الأجواء تقل توتراً ولكن بقي الخلاف على ما هو عليه. وتم التوقيع النهائي على الاتفاق بين الحكومة المصرية والشركة القديمة لقناة السويس بمدينة جنيف في 13 يوليو 1958، واتفق الطرفان على أن تتنازل الحكومة المصرية عن أسلوب التعويض الذي ذكر في قانون التأميم، وهو قيمة الأسهم حسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بقانون التأميم في بورصة باريس، وقبول مبدأ التعويض الجزافي، على أن تتنازل أيضا عن ممتلكات الشركة الموجودة خارج مصر، وتتعهد الشركة القديمة لقناة السويس أن تدفع الديون التي تمت خارج مصر، وأن تتحمل معاشات الموظفين المقيمين خارج مصر، وأن تتنازل عن مطالبة الحكومة المصرية بالمكاسب التي كان ينتظر أن تجنيها في الإثني عشر سنة الباقية على مدة الامتياز، وتتعهد الحكومة المصرية بأن تتحمل جميع ديون الشركة القديمة لقناة السويس في مصر وتتحمل معاشات الموظفين المقيمين في مصر، وأن تدفع مبلغاً جزافياً للشركة القديمة لقناة السويس، بقدر بمبلغ 28,300,000 جنيه مصري تسددها مصر بالدولار الأمريكي، على أن يقسم المبلغ على أربع أقساط ويخصم منه ما حصلته الشركة القديمة لقناة السويس من رسوم المرور منذ تاريخ التأميم حتى وقوع العدوان على مصر، وتم التصالح بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وفرنسا. أما المفاوضات المصرية الإنجليزية فقد انتهت بإبرام اتفاقية في القاهرة بتاريخ 28 فبراير 1959 وعادت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإنجلترا في 1 ديسمبر 1959.

    حرب أكتوبر

    عقب حرب 1967 احتلت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء حتى الضفة الشرقية لقناة السويس. وارتكزت إستراتيجية القوات الإسرائيلية الدفاعية لحدودهم الجنوبية على مانع مائي ضخم وهو قناة السويس. ولمنع القوات المصرية من عبور قناة السويس والاستحواذ على الضفة الشرقية، أقاموا خطاً دفاعياً شديد التحصين عرف بخط بارليف نسبة إلى الجنرال الإسرائيلي حاييم بارليف، وهو خط دفاعي يهدف إلى إحباط أي محاولة هجومية مصرية عبر القناة. فمثل عبور القناة تحدي ضخم أمام القوات المصرية نظراً للعقبات التي وضعتها القوات المحتلة والتي تمثلت في المانع المائي الموجود بطبيعة الحال وتياراته المائية الشديدة، وسد ترابي هائل أقامته إسرائيل ملاصقاً للحافة الشرقية للقناة وشيدت داخله تحصينات مزودة بجميع أنواع الأسلحة والنيران، بالإضافة إلى الموانع وحقول الألغام المحيطة، ثم حاجز اللهب الحارق المغطي لسطح القناة.

    أقيم خط بارليف على الحافة الشرقية لقناة السويس على بعد عشرات من السنتيمترات من مياهها، على امتداد 170 كم، تحتوي 22 موقع حصين، وتضم 31 نقطة قوية، بحيث يتكون كل موقع حصين من 1 إلى 3 نقاط قوية منتشرة على امتداد الخط من جنوب بورفؤاد إلى جنوب بورتوفيق، وتبلغ مساحة النقطة الواحدة 4000 متر، وهي عبارة عن منشأة هندسية معقدة ومتكاملة تتكون من عدة طوابق، حيث يبدأ أول هذه الطوابق في باطن الأرض، ويصل آخرها إلى قمة السد الترابي الذي يتراوح ارتفاعه بين 18 و25 متر. وتضم النقطة القوية مرابض النيران ووشم الأسلحة المختلفة المبنية من الأسمنت المقوي بقضبان السكك الحديدية وألواح الصلب، وتغطيها من الخارج طبقات ضخمة ومتدرجة من الكتل الحجرية الموضوعة داخل شبكات من الصلب، والتي يبلغ وزن المجموعة الواحدة منها عدة أطنان. وجهزت المسافات الواقعة على السد الترابي بين النقط القوية وبعضها على قمة السد الترابي بمرابض للدبابات بفاصل 100 متر بين كل مريض، وبلغ عددها 300 مربض.

    في يوم 6 أكتوبر 1973 قامت القوات المصرية بشن هجوم مباغت على القوات الإسرائيلية المحتلة بالضفة الشرقية للقناة، وعبر القناة 8,000 من الجنود المصريين، ثم توالت موجتا العبور الثانية والثالثة ليصل عدد القوات المصرية على الضفة الشرقية بحلول الليل إلى 60,000 جندي، في الوقت الذي كان فيه سلاح المهندسين المصري يفتح ثغرات في الساتر الترابي باستخدام خراطيم مياه شديدة الدفع. وأنجزت القوات المصرية في يوم 7 أكتوبر عبورها لقناة السويس، وانتهت أسطورة خط بارليف الدفاعي. وواصل سلاح المهندسين تدعيم الكباري فوق مجرى القناة لعبور فرق المشاة، فأقام جسرين امتد الأول من القنطرة شمالاً إلى الدفرسوار جنوباً وامتد الثاني من البحيرات المرة شمالا إلى بورتوفيق جنوباً.

    تطهير المجرى الملاحي

    توقفت الحياة تماما بالمجرى الملاحي ومرافق قناة السويس لثماني سنوات كاملة وذلك إبان حرب 1967 من 5 يونيو 1967 وحتى 22 أكتوبر 1973، وتحول المجري الملاحي للقناة ومنشآت الإدارة في الإسماعيلية والإدارات المساعدة في السويس وبورسعيد إلى سلسلة من الخرائب والأطلال التي لا تصلح لشيء، وأصبح مجرى القناة بحيرة كبيرة من الألغام والقنابل من كل الأنواع والأحجام، أما ضفتا القناة فكانت تحوي على الأقل مليون لغم، مما جعل تطهير القناة وإصلاح منشآتها وبناء وحداتها من جديد وإعادة حركة الملاحة تحدي ضخم أمام مصر والإدارة المصرية للقناة. وبدأت أعمال التطهير بعد عشرة أيام فقط من توقف القتال، حيث جرت أول عملية استطلاع لمعرفة حقيقة ما حدث للقناة وتحديد حجم الخسائر والبحث عن نقطة بداية العمل.

    العوائق

    تمثلت العوائق بداية في 10 عوائق كبيرة غارقة بين الكيلو 9 من القطاع الشمالي بالقرب من بورسعيد والكيلو 158 أقصى القطاع الجنوبي عند السويس وهي السفينة الإسماعيلية، والسفينتان مكة 2.1 والكرامة 23، والقاطرة منجد، والكراكة ناصر، والقيسون الخرساني، والكراكة 15 سبتمبر، والقاطرة بارع، والناقلة مجد، والكراكة 22، و120 قطعة أخرى من العوائق المتوسطة وهي عبارة عن صالات ولنشات ومعديات وقطع سيارات عسكرية، بالإضافة إلى 500 عائق صغير من بقايا الطائرات وانفجارات القنابل وأجسام حديدية وأحجار وكتل خرسانية وغيرها.

    سد الدفرسوار

    تمثلت أكبر العوائق بالقناة وأخطرها في سد الدفرسوار الخرساني الذي أقامته إسرائيل وسدت به المجري الملاحي في مدخل البحيرات المرة حتى يكون الوسيلة الفعالة لتأمين انسحاب قواتها من الغرب إلى الشرق، وتكون من 8 آلاف متر من الأتربة والأحجار فوق منسوب المياه و12 ألف كتلة خرسانية زنة الواحدة 4 أطنان و3504 كتل حجر طبيعي تصل زنة الواحدة منها أكثر من 5 أطنان و19 ألف متر من الصالات الحديدية المحملة بالأحجار، ثم كانت هناك تلال الرمال التي أقامتها القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية بطول القناة على ارتفاع ما بين 18 إلى 20 مترا، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من القنابل والألغام والخسائر في منشآت المرفق الملاحي والمعدات البحرية.

    التطهير

    كانت البداية في ديسمبر 1973 حينما بدأت الأيدي المصرية في انتشال العوائق والمعدات الغارقة بعد صدور الأمر بعودة أجهزة هيئة القناة من مواقع التهجير في القاهرة والإسكندرية، وأسندت هذه العملية للسواعد المصرية بعد أن طلبت الشركات الأجنبية 50 ألف دولار عن كل يوم عمل وتقدم فريق الإنقاذ البحري ليطلب القيام بكل مسئوليات رفع وانتشال العوائق المتوسطة والصغيرة بل والاشتراك بصورة فعالة مع الشركة الأمريكية التي ستتولى رفع العوائق الـ 10 الغارقة في القناة. وبعد دراسات طويلة استقر الرأي على إسناد العملية للفريق الوطني الذي لم يكن يزيد على 25 رجل، وكان أول تكليف لهذا الفريق هو انتشال 3 سفن وناقلات من مدخل القناة الجنوبي لإعداده لدخول سفن التطهير، وجاءت النتائج سريعة حيث تم انتشال ناقلة المياه الكونجو وسفينة الإنفاد الجمل وقاطرة أخرى كبيرة في وقت قياسي أقل من الزمن المتفق عليه وبتكاليف أقل بحوالي مليون و200 ألف جنيه عما كانت تطلبه الشركات الأجنبية وبمعدات أقل. ثم توالت إنجازات الفريق حتى بلغت جملة ما قام هذا العدد البسيط من البشر بانتشاله وحده 35 ألف طن من القطع الغارقة تشمل 120 عائق متوسط وما بين 560 إلى 600 عائق صغير و99 عائق من غاطس السويس وحده. وفي فبراير 1974 بدأت مشاركة القوات البحرية في عمليات تطهير القناة من الألغام حيث تم تشكيل فريق عمل من 100 رجل من ذوي الكفاءة العالية قاموا بتنفيذ 95% من عمليات التفجير تحت الماء أو على الشاطئ وانتشلوا 420 من الحطام والبقايا التي دارت عبر وفوق القناة وأمضوا 180 ألف ساعة تحت قاع القناة ونفذوا واحدة من أكبر وأسرع عمليات التطهير في العالم، فيما تولى رجال سلاح المهندسين في القوات المسلحة إزالة 680 ألف من كل الأنواع خلال أوسع عملية تطهير لضفتي القناة.

    أما إزالة سد الدفرسوار فكان يمثل العائق رقم 1 وكان وراءه إرادة وتصميم 200 من المهندسين والعمال المصريين المتخصصين، واستطاع الرجال بقيادة الخبير بالقناة المهندس شلبي جابر بركات باستخدام ما تيسر حشده من معدات في تلك الظروف العصيبة، وخلال ما لا يزيد على 6 أشهر حولوا هذا السد المنيع إلى تلال من الخرسانة والخردة على الشاطئ الغربي للقناة، بتكاليف لم تزد وقتها على 238 ألف جنيه، وبيعت الخردة الناتجة بحوالي 100 ألف جنيه، أي أن التكاليف الفعلية لم تزد على 138 ألف جنيه، وحقق الرجال بذلك وفر 4 ملايين جنيه كانت ستتقاضاها الشركات الأجنبية لو نفذت المشروع.

    فيما قامت كل من أمريكا وفرنسا وبريطانيا عن طريق قوتهم العلمية وخبرتهم العملية في مجال الكشف عن الألغام والقنابل والبحث عنها وتفجيرها بتقديم المعدات الإلكترونية المتقدمة لمصر للعمل في هذه المجالات، واستطاعت مع القوات البحرية المصرية وسلاح المهندسين المصري ومن خلال 3 عمليات خطيرة هي قمر السحاب، وقمر الأرض، ونجم قمر الأرض، وخلال شهور قليلة أن تعلن للعالم أن قناة السويس هي أنظف مجرى ملاحي في العالم. وعادت حركة الملاحة للقناة بعد أن وصل حجم خسائر العالم خلال مرحلة توقف الملاحة في القناة وخلال ثماني سنوات ما يعادل 1700 مليون دولار سنويا تحملتها الدول التي تعتمد على قناة السويس. وفي 5 يونيو 1975 قام الرئيس محمد أنور السادات بافتتاح القناة للعمل وأراد بهذا التاريخ أن يستبدل ذكرى حرب 1967 بذكرى يوم سعيد في حياة المصريين بإعادة الملاحة للقناة في هذا اليوم.

    النزاعات السياسية حول القناة

    الاتفاقيات

    في 30 نوفمبر 1854 صدر فرمان من الباب العالي بمنح الامتياز الأولي لفرديناند دي لسبس بحق إنشاء شركة لشق قناة السويس، وقد عدلت بعض أحكام هذا الفرمان بآخر صدر في 5 يناير 1856، وبدأ العمل في حفر القناة في 25 أبريل 1859، وسرعان ما وقعت بعض الخلافات بين الشركة والباب العالي، ثم سويت بإبرام اتفاقية جديدة في 22 فبراير 1866 والتي حددت الشروط النهائية لوضع شركة قناة السويس. وتم افتتاح القناة للملاحة في 17 يناير 1869، ومرت فيها جميع سفن العالم، دون أي عقبة ودون الحاجة إلى اتفاقية دولية لضمان حق المرور بالقناة، إلا أنه بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، في أعقاب الثورة العرابية، اجتمعت الدول الكبرى في باريس عن طريق لجنة دولية عام 1885، لوضع وثيقة دولية لضمان حرية الملاحة في قناة السويس، لكن لم تستطع الدول المجتمعة أن تتفق على أحكام هذه الاتفاقية، وذلك حتى اجتمعت في القسطنطينية في أكتوبر 1888، حيث استطاعت أن تتفق ووقعت على اتفاقية خاصة بضمان حرية المرور في القناة ووقع عليها كل من (بريطانيا العظمى، فرنسا، النمسا، المجر، إسبانيا، إيطاليا، هولندا، روسيا، تركيا التي وقعت الاتفاقية نيابة عن مصر).

    أعلنت الحكومة البريطانية في مؤتمر القسطنطينية عن تحفظها على الاتفاقية، لأن مبادئها تتعارض مع ما يقتضيه وضعها في مصر أثناء مدة الاحتلال، وفيما بعد سحبت إنجلترا هذا التحفظ في التصريح الفرنسي البريطاني الصادر في 18 أبريل 1904، والمعروف باسم الاتفاق الودي، وأصبحت اتفاقية القسطنطينية هي الميثاق الأساسي لحرية المرور في قناة السويس، والتي أشير إليها في أغلب المواثيق الدولية التي أبرمت بين الدول الكبرى عامة، وبين مصر وإنجلترا خاصة مثل (معاهدة فرساي، معاهدة لوزان، معاهدة سان جرمان، معاهدة ريانون، المعاهدة المصرية البريطانية في 26 أغسطس 1936، اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا في 19 أكتوبر 1954).

    تأمين القناة

    يتولى تأمين المحور الملاحي للقناة الجيش الثالث الميداني عن طريق قوات تأمين قناة السويس والمنشآت الاقتصادية وقطاع السخنة والقطاع الريفي وقوات تأمين قطاع السويس وذلك في النطاق الخاص به بدءاً من نهاية نطاق الجيش الثاني وحتى جنوب المخرج الجنوبي للقناة بطول 52 كم إلى جانب التأمين الداخلي للمجرى الملاحي، وذلك بالتنسيق مع قوات الجيش الثاني وحرس الحدود والقوات البحرية والقوات الجوية والدفاع الجوي والشرطة العسكرية من خلال مركز القيادة المشترك لقوات تأمين المجرى الملاحي. كما تتعاون قوات الجيش مع قوات الشرطة التي يمثلها مديرية أمن السويس، ومديرية أمن الإسماعيلية، ومديرية أمن بورسعيد. وتتمثل عملية التأمين في حراسة ضفتي القناة بمسافة معينة وبشكل مستمر، بخلاف وجود تأمين من داخل مجرى القناة نفسه، بالإضافة لنشر القوات الأمنية للأكمنة الثابتة والمتحركة لتأمين محاور القناة، وتحقيق حالات الاشتباه للعابرين بين الضفة الشرقية والضفة الغربية، والقيام بحملات تمشيطية يومية على المزارع المتاخمة للمجرى الملاحي، وتأمين المحاور البرية الرئيسية التي تربط سيناء بمحافظات القناة والقاهرة والدلتا ومنع الدخول إليها وقت اللزوم إلا بتصاريح للمقيمين بها. ويتم التأمين عن طريق استخدام الطائرات واللنشات والمدرعات والمجنزرات وقوات المشاة التي تتعدى 4 آلاف جندي متواجدين بالضفتين الشرقية والغربية للقناة، وباستخدام أجهزة الكشف عن المفرقعات للسيارات المترددة على محاور عبور القناة البرية والمعديات البحرية، وكاميرات المراقبة بعمق 3 كم على شاطئي القناة في اتجاه صحراء سيناء والمناطق الزراعية المتاخمة لساحل القناة بالجناين والقنطرة غرب وفايد والبحيرات المرة، وإنشاء التجهيزات الهندسية كالسواتر والحواجز على ضفتي القناة، وإقامة أسوار خرسانية، وأبراج مراقبة لضمان عبور السفن للمجرى الملاحي بأمان تام. كما يتم إزالة المنازل المتاخمة للمجرى الملاحي، وتعويضهم بمنازل أخرى في مناطق أبعد عن ضفتي القناة بالاتفاق مع شيوخ القبائل، بهدف كشف الأرض المتاخمة لضفتي القناة، بحيث لا توجد إلا أراض مفتوحة سواء زراعية أو صحراوية لإقامة سياج أمني بعمق نحو 3 إلى 4 كم.

    الحياة البحرية في القناة

    الهجرة اللسبسية

    الهجرة اللسبسية أو الدلسبسية هي الهجرة التي حدثت لبعض الكائنات البحرية النباتية والحيوانية من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط والعكس من خلال قناة السويس عقب حفرها عام 1869، وأطلق عليها هذا الاسم نسبة لدي لسبس، وكانت الأسماك من بين المجموعات التي هاجرت من البحر الأحمر إلى شرق البحر المتوسط واستوطنته، ونجحت في الوصول إلى بعض المناطق في الغرب، وسجل تقريباً عدد 30 نوع من أسماك البحر الأحمر التي هاجرت إلى البحر المتوسط ومن أشهر هذه الأنواع السيجان والبربوني، فيما سجل نحو 62 نوع أسماك هاجرت من المحيط الأطلنطي إلى داخل المتوسط من الشمال، على الجانب الآخر استطاع 5 أنواع فقط من أسماك البحر المتوسط عبور قناة السويس والعيش في البحر الأحمر.

    ويسير غزو الكائنات في معظم الأحيان تبعا لتيارات المياه إلى الشمال بحر الأحمر، والتي تسافر متطفلة على هياكل السفن أو سابحةً عبر القناة. وبعد ذلك تدفع التيارات المائية التي تتحرك عكس اتجاه عقارب الساعة هذه الكائنات إلى الشاطئ الشرقي، ومع مرور الوقت قطع بعضها ثلثي المسافة إلى جبل طارق. ويشمل الوافدون الجدد مجموعة متنوعة من الرخويات والأسماك والقشريات وأنواعا أخرى. وكان في قناة السويس حاجز طبيعي داخل الممر المائي، يتمثل في البحيرات المرة والتي توجد بها مياه شديدة الملوحة عرقلت مرور الكائنات البحرية، لكن على مدار قرن من تطور القناة، فقدت هذه البحيرات تأثيرها. ويشتمل إقليم قناة السويس على عدة محميات طبيعية بمناطق أشتوم الجميل، وبحيرة الملاحة، والأراضي الرطبة، والزرانيق.

    البحيرات المرة

    البحيرات المرة هي بحيرات مياه مالحة تقع بين الجزء الشمالي والجنوبي من قناة السويس في محافظة الإسماعيلية، ومكونة من بحيرتان كبرى وصغرى، وتبلغ مساحتها مجتمعة حوالي 250 كم، وتضم مسطحات مائية تمتد لمسافة 50 كم من الدفرسوار شمالاً وحتي جزيرة كبريت جنوباً، وتبلغ مساحة البحيرات الصغرى نحو 9 آلاف و525 فدان (الفدان المصري ويساوي 4200.83 متر مربع)، كما تبلغ مساحة البحيرات الكبري 46 ألف و190 فدان. تمثل البحيرات حاجزاً للقناة، مقللة من أثر تيارات المد والجزر. وتعتبر البحيرات المرة من الركائز الأساسية للتنمية السياحية بمحافظة الإسماعيلية بالإضافة إلى قطاع الصيد والثروة السمكية والاستزراع السمكي، إلا أنها تعرضت بدرجة كبيرة للتلوث بسبب المصارف التي تصب فيها وحوادث التلوث البترولي للسفن العابرة للقناة، مما أدى إلى اتخاذ الحكومة المصرية لإجراءات عاجلة للحد من التلوث، مثل استكمال أعمال إنشاء محطات رفع الصرف الصحي وإلزام جميع الجهات التي لها منشآت واقعة على البحيرات المرة بإقامة محطات لمعالجة مخلفات الصرف الصحي قبل الدخول على الشبكة العمومية للصرف.

    بحيرة التمساح

    بحيرة التمساح هي إحدى البحيرات التي تمر بها قناة السويس، والتي تشكل حوضاً طبيعياً مساحته نحو 1900 فدان. تعتبر البحيرة بيئة طبيعية متميزة ذات إمكانات إنتاجية وسياحية مهمة يمكن أن تنتج كميات مناسبة من الأسماك سنوياً، كما أن منظر البحيرة الهادئة والطقس الدافئ الجاف بالمنطقة على مدار العام جعل منها مركزاً رئيسياً للتنزه والرحلات. يطل على البحيرة ساحل جزيرة الفرسان التي يقع بها أحد المتنزهات الخاصة برئاسة الجمهورية المصرية. وبالرغم من ذلك تعرضت البحيرة للتلوث إثر حركة المرور بالقناة، ووصول نحو مليون متر مكعب يومياً من مياه الصرف الزراعي والصحي إليها، مما دعا الحكومة المصرية للتصدي لتلك المشكلة بإجراء عملية تكريك وتطهير للبحيرة بتكلفة وصلت إلى 50 مليون جنيه مصري مما أدى إلى تحسن خواص مياه البحيرة.

    الجهات المشرفة على القناة ومحورها

    شركة قناة السويس

    شركة قناة السويس البحرية هي شركة أنشئها الفرنسي فرديناند دي لسبس عقب منحه فرمان من قبل محمد سعيد باشا بامتياز شق قناة السويس وإدارتها، وتم فتح باب الاكتتاب في أسهم الشركة في 5 نوفمبر 1858، وكان الحفل الأول في 25 أبريل 1859 ببورسعيد عندما دشن دي لسبس حفر القناة بأول ضربة فأس في الأرض إيذاناً ببدء الحفر بالطليعة الأولى من العاملين بالشركة التي كان قوامها مائة من دمياط زاد عددهم خلال سبعة أشهر إلى 330 ومعهم 80 عامل أجنبي ليصل العدد إلى 1700 عامل. واستمرت الشركة قائمة تحت إدارة فرنسية بدءاً من فرديناند دي لسبس وحتى تأميم الشركة في يوليو 1956 وتحولها إلى الملكية والإدارة المصرية تحت اسم هيئة قناة السويس.

    رؤساء شركة قناة السويس

    هيئة قناة السويس

    هيئة قناة السويس أو هي هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة أنشئت في 26 يوليو 1956، وترفع تقاريرها لرئيس الوزراء المصري. تمتلك الهيئة جميع الصلاحيات التي تمكنها من تشغيل وإدارة قناة السويس دون أن يحد من سلطاتها القوانين والأنظمة الحكومية. تقوم الهيئة بإدارة وتشغيل واستخدام وصيانة وتطوير قناة السويس، ويوكل لها وحدها وحصرياً مهام الحفاظ على سريان قواعد الملاحة في القناة، وتطبيق القواعد واللوائح الأخرى التي تحافظ على سريان العمل بالقناة بانتظام وكما يجب. ويجوز للهيئة عند الحاجة إنشاء أو تشجيع أو المشاركة في المشاريع المرتبطة بالقناة، ولها في سبيل الوفاء بالتزاماتها وواجباتها الحصول على كل السلطات ذات الصلة، وبالخصوص سلطات التملك والاستحواذ على الأراضي والعقارات أو تأجيرها من ممتلكيها أو تأجير ممتلكاتها من الأراضي والعقارات للغير، وذلك في سبيل خدمة الهدف المنول للقناة، أو خدمة العاملين بها، أو إنشاء المشاريع والمرافق المتعلقة بالقناة التي تهدف إلى تسيير الأعمال بها بسلاسة مثل محطات المياه والكهرباء. وللهيئة مجلس إدارة يصدر بتعيين رئيسه وأعضائه وبإعفائهم من مناصبهم وبتحديد مرتباتهم ومكافآتهم قرار من رئيس الجمهورية. وتفرض الهيئة رسوم على الملاحة والمرور عبر القناة كما تَحصل على رسوم نظير الإرشاد والقطر والرسو وما إلى ذلك وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح. وللهيئة ميزانية مستقلة يُتبَع في وضعها القواعد المعمول بها في المشروعات التجارية، وتبدأ سنتها المالية في أول يوليو وتنتهي في آخر يونيو من كل عام. ولا يجوز للهيئة اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يتعارض مع أحكام اتفاقية القسطنطينية عام 1888 فيما يتعلق بحرية الملاحة بالقناة، كما لا يجوز لها إعطاء أي امتياز لسفينة أو شخص غير معطى في نفس الظروف للسفن أو الأشخاص الآخرين العابرين للقناة، ولا يحق لها التمييز ضد بعض العملاء لصالح عملاء آخرين.

    رؤساء الهيئة

    الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس

    الهيئة العامة لتنمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أو، هي هيئة حكومية أنشأت وفقاً لأحكام قانون المناطق الاقتصادية الخاصة رقم 82 لسنة 2003، وعين أول مجلس إدارة لها في نوفمبر 2015 لتتولى إدارة وتنفيذ مشروع محور قناة السويس بصفة منفصلة عن هيئة قناة السويس. تمتلك الهيئة صلاحيات وسلطات كاملة على محور قناة السويس في كل ما يتعلق بكافة الأنشطة والمشروعات المقامة داخل الإطار الجغرافي للمشروع دون تدخل من المحافظات التي تقع في نطاقها تلك المشروعات. ولها سلطة الولاية وصلاحية كافة الوزارات والمحافظات والهيئات داخل الحدود الجغرافية للمنطقة الاقتصادية دون المساس باختصاصات الوزارات السيادية والتي تشمل الدفاع والداخلية والعدل والخارجية.

    رؤساء الهيئة

    حفظ تاريخ القناة

    متحف بورسعيد الحربي

    متحف بورسعيد الحربي هو أحد المتاحف التابعة للقوات المسلحة المصرية ويخضع لإشراف إدارة المتاحف العسكرية. يحتوي المتحف قاعة خاصة بقناة السويس تحتوي أعمال فنية عن قصة قناة السويس ووثائق تخص المشروع ومراحل تنفيذه وحتى افتتاحه وتوثيق لدور القناة في تاريخ مصر السياسي والعسكري والاقتصادي.

    متحف السويس القومي

    متحف السويس القومي هو متحف قومي تم بناءه على الضفة الغربية للمجرى الملاحي لقناة السويس بمنطقة حوض الدرس ببورتوفيق، بتكلفة إجمالية بلغت 60 مليون جنيه مصري. تم افتتاح المتحف في 29 سبتمبر 2014، ويضم 500 قطعة أثرية نادرة تحكي قصة مدينة السويس ابتداءً من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، بالإضافة إلى تاريخ قناة السويس، كما يضم قاعة المحمل التي تحكي تاريخ السويس باعتبارها أهم المحطات التي ينطلق منها الحجيج إلى الأراضي المقدسة، وتم تزويده بأحدث وسائل التقنية لتأمين والحفاظ على الآثار.

    متحف قناة السويس

    متحف قناة السويس هو مشروع إنشاء متحف لتاريخ قناة السويس بمدينة الإسماعيلية. بدأت فكرته من قبل جان بول كالون رئيس الجمعية الفرنسية لأصدقاء قناة السويس، ليصبح رمز للعلاقات الممتازة بين مصر وفرنسا، مع إمكانية إنشاء أماكن بالمتحف تخصص للماكينات القديمة والحديثة التي استخدمت وتستخدم في حفر وتوسيع وصيانة القناة. وفي 17 نوفمبر 2013 قام كل من وزير الثقافة ووزير الآثار ورئيس هيئة قناة السويس بوضع حجر الأساس للمتحف الذي سوف يتضمن الوثائق التاريخية التي تحكي تاريخ إنشاء قناة السويس، على أن يقام المتحف داخل مبنى يعود إلى القرن التاسع عشر ويعتبر تحفة معمارية نادرة. ويقوم على المشروع إحدى الشركات الفرنسية بالتعاون مع جامعة القاهرة لوضع خطة لتحويل المبنى الأثري إلى متحف وثائق من خلال السيناريو المتحفي، الذي يحكي تاريخ إنشاء قناة السويس والأحداث التاريخية التي مرت بها القناة.

    الجمعية الفرنسية لأصدقاء قناة السويس

    الجمعية الفرنسية لأصدقاء قناة السويس هي جمعية فرنسية تمتلك أندر وأقيم الأرشيفات عن قناة السويس من وثائق ومخطوطات ولوحات والتي قامت بجمعها من جامعة فرنسا، وبعض الكنائس، ومقر إدارة القناة القديم في باريس. تقوم الجمعية بالعديد من أنشطة التبادل العلمي والثقافي مع المؤسسات الثقافية المصرية أو ذات الصلة بقناة السويس، حيث قامت في 12 مارس 2003 بإهداء مؤسسة الأهرام لوحتين نادرتين من لوحات افتتاح قناة السويس للفنان الفرنسي ريو يعود تاريخهما إلى القرن التاسع عشر، وقامت في 1 يناير 2012 بإهداء دار الكتب المصرية مجموعة من الكتب التاريخية التي تتحدث عن مصر، ونابليون بونابرت، وإنشاء قناة السويس، والتي تخص السيد جون إدوارد كوابي أحد المهندسين الفرنسيين الذين عملوا بشركة قناة السويس في مصر، ثم غادر عام 1956، وتتويجاً لدور الجمعية الثقافي قامت بالاشتراك مع وزارة الثقافة المصرية بتنفيذ مشروع تحويل استراحة ديليسبس لمتحف عالمي ومركز بحثي ثقافي لقناة السويس.

    جريدة قناة السويس

    جريدة قناة السويس هي صحيفة أسبوعية أنشأها الدكتور مصطفى الحفناوي عام 1951 عقب رفض الصحف المصرية نشر المقالات التي أعدها عن قناة السويس، والتي رغب أن يوضح فيها حقيقة تاريخ القناة ومشاكلها والنزاعات التي نشأت حولها، وتلاه بإصدار كتابه الشهير قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة، مما أزعج إدارة القناة وقتها تحت رئاسة فرانسوا شارل رو.

    المحطات البحرية لدخول القناة

    خليج السويس

    خليج السويس هو الفرع الغربي من شمال البحر الأحمر وهو صدع صغير يعود تاريخه لـ 40 مليون سنة، ويفصل بينه وبين خليج العقبة الذي يمثل الفرع الشرقي من شمال البحر الأحمر شبه جزيرة سيناء. سمي بهذا الاسم نسبة إلى مدينة السويس المصرية التي ينتهي عندها الخليج، ومنه تبدأ الحركة الملاحية المتجهة إلى قناة السويس من الطرف الشمالي للبحر الأحمر إلى داخل البحر المتوسط. ويبلغ طوله من أقصى جنوبه حتى المدخل الجنوبي لقناة السويس شمال البحر الأحمر 175 ميل ويتوسط بين موقعه في الغرب وبين موقع خليج العقبة في الشرق شبه جزيرة سيناء ليصبح الشريط الفاصل بين قارتي أفريقيا وآسيا. ويعتبر خليج السويس من أغنى المواقع المصرية بالثروات الطبيعية.

    باب المندب

    مضيق باب المندب هو أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن الذي تمر منه كل عام 25 ألف سفينة تمثل 7% من الملاحة العالمية، وتزيد أهميته بسبب ارتباطه بقناة السويس ومضيق هرمز. وتقدر كميات النفط العالمية التي تمر عبر المضيق بنحو 5% إلى 6% أي نحو 4 ملايين طن، تمر يومياً عبر المضيق باتجاه قناة السويس ومنها إلى بقية أنحاء العالم. وتنامت أهمية باب المندب عقب حفر قناة السويس وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. ليتحول المضيق إلى أحد أهم ممرات النقل والمعابر بين الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط، والدول المطلة على المحيط الهندي وشرق أفريقيا. ويسمح عرض وعمق القناة الغربية للمضيق لشتى أنواع السفن وناقلات النفط بعبور الممر بيسر على محورين متعاكسين متباعدين. ويقع المضيق تحت سيطرة دولة اليمن لامتلاكها جزيرة بريم، إلا أن عدد من القوى الكبرى تمتلك قواعد عسكرية قربه وحوله وذلك لأهميته العالمية في التجارة والنقل، إذ تملك كل من الولايات المتحدة وفرنسا قواعد في جيبوتي على الضفة الغربية لمضيق باب المندب. وخلال حرب أكتوبر عام 1973 أغلقت القوات البحرية المصرية، بالتنسيق مع السلطات اليمنية، مضيق باب المندب لحصار إسرائيل بحرياً. وإبان الأزمة اليمنية عقب الإطاحة بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح، تزايدت التوترات من محاولات المتمردين الحوثيين تعطيل حركة الملاحة الدولية في المضيق بعدما سيطروا على جزء كبير من الموانئ والقواعد اليمنية الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن، إلا أن القوات البحرية المصرية أحكمت عملية الحصار البحري على المضيق لإعاقة أي تقدم للعناصر الحوثية ناحية باب المندب.

    رسوم عبور القناة

    يتم تحصيل رسوم عبور قناة السويس بوحدة حقوق السحب الخاصة «سلة العملات» وليس بعملة واحدة لضمان استقرار عائدات القناة في حالة وجود أي تذبذب في أسعار العملة. وتضم هذه السلة أربعة عملات رئيسية يستحوذ الدولار الأمريكي فيها على نسبة 44,9%، يليه اليورو الأوروبي بنسبة 37,4%، والين الياباني بنسبة 9,4%، ثم الجنيه الاسترليني بنسبة 11,3%، ويؤدي ارتفاع قيمة وحدة حقوق السحب الخاصة التي تحصل بها رسوم العبور إلى انتعاش ملحوظ في عائدات القناة. يقوم بتحديد الرسوم لجنة مسئولة تابعة لهيئة قناة السويس بناءً على دراسة ظروف السوق والمتغيرات الاقتصادية، ونمو حركة التجارة العالمية المنقولة بحراً، ونوع السفينة وحجمها وحالتها ونوع البضائع المشحونة، والنظر في مكسب السفينة العابرة، ومقارنة تكلفة عبور السفينة من خلال قناة السويس مع غيرها من الطرق البديلة، بهدف رفع عدد المستفيدين المحتملين لعبور القناة لزيادة عائداتها التي تمثل 5% من إيرادات الدخل القومي المصري.

    ||

    إحصائيات إيرادات القناة

    خصائص القناة الملاحية

    يمر عبر القناة ما بين 8% إلى 12% من حجم التجارة العالمية المنقولة بحراً و35% من حجم التجارة من وإلى موانئ البحر الأحمر والخليج العربي، و20% من حجم التجارة من وإلى موانئ الهند وجنوب شرق آسيا، و39% من حجم التجارة من وإلى منطقة الشرق الأقصى. تتميز القناة بأنها أطول قناة في العالم بدون أهوسة، وتعمل فيها الملاحة فيها ليلاً ونهاراً بنسبة حوادث ضئيلة جداً، ومن الممكن توسيعها وتعميقها في أي وقت طبقاً لتطور أحجام السفن، كما تستخدم إدارة القناة نظم المراقبة الإلكترونية للملاحة بما في ذلك شبكات رادار حديثة. وتحقق القناة وفراً كبيراً في المسافة للسفن والناقلات التي تعبرها مقارنةً بالطرق البديلة (رأس الرجاء الصالح) وكمثال: تبلغ المسافة بين ميناء جدة (المملكة العربية السعودية) وميناء كونستانزا (بالبحر الأسود) 11771 ميل عن طريق رأس الرجاء الصالح، بينما تبلغ هذه المسافة 1698 ميل فقط عن طريق قناة السويس، وبذلك تحقق القناة وفراً في المسافة يبلغ حوالي 86%. كما تبلغ نسبة التوفير في المسافة بين طوكيو (اليابان) وميناء روتردام (هولندا) 23% بالمقارنة مع طريق رأس الرجاء الصالح.

    مراحل تطوير القناة

    القطاعات والتفريعات والتوسعات

    يبلغ الطول الكلي للقناة 193.3 كم تنقسم إلى عدة أقسام تتمثل في: من الشمندورة المضيئة إلى فنار بورسعيد، ومن منطقة الانتظار إلى المدخل الجنوبي، ومن بورسعيد إلى الإسماعيلية، ومن الإسماعيلية إلى بورتوفيق، مروراً بمناطق الدفرسوار وجزيرة البلاح وبحيرة التمساح والبحيرات المرة وجزيرة كبريت. طول التفريعات 80.5 كم، فيما يبلغ عرض صفحة الماء (شمال/جنوب) 280/345 متر، ويصل عمق القناة إلى 24 متر، وأقصى غاطس مصرح به لعبور السفن 66 قدم، مساحة القطاع المائي 4800/5200 متر، أقصى حمولة ساكنة 240000 طن، السرعة المسموح بها للناقلات المحملة 13 كم/ساعة، السرعة المسموح بها للناقلات الفارغة 14 كم/ساعة.

    يبلغ طول المجرى الملاحي للقناة 162 كم «بدون البواغيز» مع متوسط أعماق يصل إلى 24 متر، وينقسم المجرى الملاحي للقناة إلى 3 قطاعات رئيسية:

    التفريعات

    هي المناطق المزدوجة من القناة بخلاف قناة السويس الجديدة والتي تسمح بالملاحة في الاتجاهين ويبلغ طولها 80.5 كم طبقاً للترقيم الكيلو متري لشمندورات البداية والنهاية بكل تفريعة.

    قناة السويس الجديدة

    هي تفريعه جديدة لقناة السويس بطول 35 كم بالإضافة إلى توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المرة والبلاح بطول 37 كم ليصبح الطول الإجمالي للمشروع 72 كم (من علامة كم 50 حتى علامة كم 122 ترقيم قناة). تهدف التفريعة إلى تلافي المشكلات القديمة لقناة السويس من توقف قافلة الشمال لمدة تزيد عن 11 ساعة في منطقة البحيرات المرة، وتسمح باستيعاب قناة السويس للسفن العملاقة بغاطس 65 قدم، مما سيساهم في زيادة دخل القناة مستقبلاً. بلغت تكلفة التفريعة 4 مليار دولار أمريكي وتمت عمليات الحفر من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، والتي استعانت بـ17 شركة وطنية مدنية تعمل تحت إشرافها.

    بدأت مرحلة الحفر الجاف بالمشروع في 7 أغسطس 2014، وانتهت خلال 9 شهور، ثم بدأت مرحلة الحفر المائي (التكريك) وانتهت برفع 258.8 مليون متر مكعب من الرمال المشبعة بالمياه. وافتتح المشروع في 6 أغسطس 2015.

    توسعات المنطقة الجنوبية

    في مايو 2021 تم تدشين مشروع توسعات جديدة في المنطقة الجنوبية لقناة السويس، وتحديدا في المنطقة التي شهدت جنوح الناقلة إيفر غيفين.

    تتضمن خطة التطوير إنشاء قناة ازدواجية بمنطقة البحيرات من الكيلو 122 للكيلو 132 ترقيم قناة السويس، وكذلك توسعة قناة السويس من الكيلو 132 للكيلو 162 توسعة 40 متر جهة الشرق، وتعميق من 166 قدم لـ72 قدم، وبذلك يتم إنشاء قناتين جدد بطول 10 كيلو متر لتحسين الملاحة ومنع تأثير الرياح والأمواج والتيارات الملاحية على السفن المارة، وزيادة الطاقة الاستيعابية للقناة.

    الازدواج الكامل للقناة

    في 2024 أعلن رئيس هيئة قناة السويس عمل دراسات مبدأية لتنفيذ الازدواج الكامل لقناة السويس للمسار الفردي المتبقي في القناة بطول حوالي 80 كم (50 كم في الشمال و30 كم في الجنوب)، وجاري عمل دراسات الجدوى للمشروع.

    قناة بورسعيد

    هي مشروع لرفع 17 مليون متر مكعب رمال بطول 9,5 كم وعرض 6.5 ميل بحري للوصول إلى عمق 16 متر داخل البحر خلال 7 أشهر، وذلك في إطار التخطيط لتطوير ميناء شرق بورسعيد بهدف رفع تصنيفه ليصبح من ضمن أفضل 10 موانئ على مستوى العالم، عن طريق تسهيل دخول وخروج السفن بمعزل عن قوافل عبور قناة السويس على مدار 24 ساعة، وتفادي توقف السفن عند الدخول والخروج بسبب اشتراك قناة الدخول مع المجري الملاحي الخارجي.

    نظام المرور

    النظام القديم

    طبقاً لنظام الملاحة القديم كانت السفن تمر بنظام القوافل، وهي مجموعة من السفن تسير بسرعة واحدة، والفواصل بينها متساوية تقريباً وتدخل القناة ثلاث قوافل يومياً، قافلتان من الشمال وقافلة من الجنوب، وتخضع كل قافلة لنظام محدد من حيث موعد دخول القناة والسرعات المسموح بها. تبدأ قافلة الشمال الأولى في دخول القناة من جهة بورسعيد من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وحتى الساعة الخامسة صباحاً حيث تسير السفن متتابعة في اتجاه واحد، وتصل قافلة الشمال إلى البحيرات الكبرى لتبدأ السفن في الانتظار في منطقة غرب البحيرات المرة أو شرقها حتى مرور قافلة الجنوب، وتنطلق قافلة الجنوب القادمة من خليج السويس في المجرى الملاحي في اتجاه الشمال وبالتالي لا يسمح لأي سفن قادمة من الشمال بالمرور حتى عبور كل السفن القادمة من الجنوب، ومع مرور آخر سفن قافلة الجنوب من البلاح تبدأ أولى سفن قافلة الشمال الأخرى في المرور بالمجرى الملاحي باتجاه الجنوب. وتبدأ قافلة الشمال في دخول قناة السويس من جهة بورسعيد حيث يستقبلها المرشدون ليقوموا بإرشاد القافلة خلال رحلتها في مجرى القناة، وتنطلق قافلة الشمال في اتجاه السويس، وتستمر في العبور مروراً بالإسماعيلية حتى الوصول إلى منطقة البحيرات المرة الكبرى لتستقبل على المخطاف انتظاراً لمرور قافلة الجنوب، وتنتظر كل سفينة من سفن قافلة الشمال في البحيرات المرة في المكان المخصص لها طبقاً لعمق الغاطس، وتنقسم منطقة البحيرات المرة إلى شرق الممر الملاحي الأكثر عمقاً وغرب الممر الملاحي، وتدخل السفن العملاقة ذات الغاطس فوق 45 قدم جهة مناطق الانتظار الشرقية (Area E01, Area E02, Area E03)، والتي لا تستوعب أكثر من 8 سفن عملاقة ذات الغاطس فوق 45 قدم، وتنتظر قافلة الشمال من 8 إلى 10 ساعات في انتظار مرور قافلة الجنوب القادمة من خليج السويس، والتي تمر بلا توقف. وتبدأ قافلة الجنوب في دخول القناة من بورتوفيق الساعة السادسة صباحاً وتستمر في العبور المباشر لمدة 11 ساعة بلا توقف متجهة شمالاً إلى بورسعيد.

    النظام ازدواجي المرور

    مع افتتاح قناة السويس الجديدة متضمنة توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المرة والبلاح بإجمالي طول قدره 72 كم، أصبحت القناة تسمح بالعبور المباشر لمتوسط عدد 49 سفينة في كلا الاتجاهين وقل زمن عبور جميع السفن للقناة إلى 11 ساعة بدلاً من 18 ساعة، كما سمحت بعبور السفن ذات غاطس حتى 66 قدم في كلا الاتجاهين دون توقف، لترتفع قدرة قناة السويس في عبور السفن مختلفة الحمولات من 49 سفينة يومياً في المتوسط لتصل إلى 97 سفينة يومياً في المتوسط.

    محور قناة السويس

    تعود فكرة مشروع المحور لنهاية السبعينيات عندما طرحه المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان حينها على الرئيس أنور السادات، لكن المشروع لم يخرج للنور، ثم أعيد طرح المشروع على الرئيس حسني مبارك، لكن أيضا لم يخرج المشروع للنور ولم تتخذ أي خطوات تنفيذية تجاهه. في عام 2012 قدمت جماعة الإخوان المسلمين مشروع تنمية محور قناة السويس ضمن مشروعهم المسمى مشروع النهضة أثناء انتخابات الرئاسة المصرية 2012. وفي عام 2013 أقامت حكومة الدكتور هشام قنديل مؤتمراً صحفياً في عهد الرئيس محمد مرسي أعلنت فيه أنه سيتم الاتفاق مع المكتب الاستشاري الذي سيتولى تنفيذ المخطط العام للمشروع والتعاقد معه بحلول الأول من سبتمبر 2013، حيث سبق أن تم الطرح الأول لتنفيذ المخطط العام في نهاية أبريل 2013، ومدة تنفيذ المخطط العام ستكون 9 أشهر. في 5 أغسطس 2014 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن البدء فعلياً في إنشاء مجرى ملاحي جديد لقناة السويس وتعميق المجرى الملاحي الحالي وتنمية محور قناة السويس بالكامل، بهدف تعظيم دور إقليم قناة السويس كمركز لوجستي وصناعي عالمي متكامل اقتصادياً وعمرانياً ومتزن بيئياً، ويسعى إلى جعل الإقليم محوراً مستداماً ينافس عالمياً في مجال الخدمات اللوجستية والصناعات المتطورة والتجارة والسياحة. يضم الإقليم ثلاث محافظات هي بورسعيد والسويس والإسماعيلية، ويتوافر به إمكانيات جذب في مجالات النقل واللوجستيات، والطاقة، والسياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والعقارات. وفي 6 أغسطس 2015 تم افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة للعمل واستقبال الناقلات البحرية بنظام المرور المزدوج

    موانئ محور القناة

    وتتمثل في كل من:

    إقليم القناة

    هو مصطلح يطلق على ثلاث محافظات مصرية هي محافظة السويس، وتقع شرق الدلتا شمال خليج السويس على المدخل الجنوبي لقناة السويس، يحدها شمالاً محافظة الإسماعيلية ومحافظة شمال سيناء، ويحدها جنوباً محافظة البحر الأحمر، ويحدها شرقاً محافظة جنوب سيناء، ويحدها غرباً محافظة القاهرة ومحافظة الجيزة. ومحافظة الإسماعيلية، وتقع على الحد الشرقي لجمهورية مصر العربية في منتصف قناة السويس، وتنقسم إلى قسمين، قسم غربي في أفريقيا، وقسم شرقي في قارة آسيا، يحدها من الشرق سيناء وقناة السويس التي تخترق بحيرة التمساح والبحيرات المرة، ومن الغرب الحدود الشرقية للدلتا على امتداد فرع دمياط، ومن الجنوب الطريق الواصل بين السويس والقاهرة، ومن الشمال بورسعيد وبحيرة المنزلة. ومحافظة بورسعيد، وتقع في الطرف الشمالي الشرقي لجمهورية مصر العربية، على رأس قناة السويس، يحدها شمالاً البحر المتوسط، وجنوباً محافظة الإسماعيلية، ومن الغرب محافظة دمياط ومن الشرق محافظة شمال سيناء.

    الطرق البرية حول إقليم القناة

    يشتمل إقليم القناة شبكة طرق ممتدة ومتشابكة تساهم بشكل واسع في تنمية الإقليم بالكامل وتربط بين جميع مدنه، وتتمثل طرق الشبكة الرئيسية في: طريق القاهرة/الإسماعيلية الصحراوي، طريق القاهرة/السويس الصحراوي، طريق القاهرة/بورسعيد (محور الشرق الإقليمي)، طريق الإسماعيلية/بورسعيد، طريق شادر عزام (طريق موازي لترعة السلام)، طريق 36 الحربي، طريق الصالحية، طريق القاهرة/الإسماعيلية الزراعي، طريق الفردان/فاقوس، الطريق الدائري الإقليمي، الطريق الدولي الساحلي.

    ربط ضفتي القناة

    كوبري السلام

    كوبري السلام هو أطول جسر معلق للسيارات داخل مصر، يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا ماراً فوق المجرى الملاحي لقناة السويس. بدأ أنشاؤه في أكتوبر 1997 وتم افتتاحه في أغسطس 2001 ليساهم في تسريع وتيرة التنمية بسيناء عن طريق نقل حركة المرور والنقل منها وإليها وربطها بباقي محافظات مصر. يصل الجسر بين مدينتي القنطرة شرق والقنطرة غرب، ويقع جهة الجنوب من مدينة القنطرة شمال الإسماعيلية على بعد 20 كم من كوبري الفردان. يبلغ طوله 9,5 كم بارتفاع 70 متر فوق سطح البحر، ويبلغ عرض فتحته الملاحية 404 متر مما يسمح بأي توسعات مستقبلية لقناة السويس، ويصل ميله الرئيسي إلى 3,3%، وحمولته التصميمية حتى 90 طن، ويبلغ ارتفاع برجيه الرئيسيين 154 متر فوق سطح الأرض، ويوفر حارتي مرور بكل اتجاه بسرعة مرورية قدرها 80 كم/ساعة. تم تنفيذ المشروع بتكاليف إجمالية بلغت 680 مليون جنيه مصري بتمويل مشترك بنسبة 60% من الحكومة اليابانية و40% من الحكومة المصرية.

    الكباري العائمة

    السكك الحديدية

    الأنفاق

    تتضمن الأنفاق التي تمر أسفل القناة أنفاق تعمل فعلياً ومشاريع جارية بإجمالي 8 أنفاق موزعة على مدن (بورسعيد، الإسماعيلية، فايد «أبو سلطان»، السويس)

    مشاريع الري حول القناة

    ترعة السلام

    ترعة السلام هي أحد مشاريع التنمية العملاقة داخل سيناء، حيث تساهم في إضافة نحو 620 ألف فدان للرقعة الزراعية المصرية. تمتد الترعة وفروعها بطول 262 كم، وتقع المرحلة الأولى منها غرب قناة السويس بطول 87 كم من مأخذها على النيل فرع دمياط وحتي قناة السويس لتخدم زماماً قدره نحو 220 ألف فدان، وتمر الترعة في مسارها بخمس محافظات هي دمياط والدقهلية والشرقية والإسماعيلية وبورسعيد وقد تم الانتهاء من أعمال البنية الأساسية لهذه المرحلة بتكلفة إجمالية بلغت 300 مليون جنيه مصري.

    ترعة الشيخ جابر الصباح

    هي المرحلة الثانية من مشروع ترعة السلام وتمتد شرق قناة السويس من السحارة العابرة أسفل القناة بطول 86.5 كم وبإجمالي طول الترعة وفروعها 175 كم لنقل مياه النيل إلى داخل سيناء، وتم الانتهاء من تنفيذها عام 2001 بقدرة تصريفية للسحارة تصل إلى 160 م3/الثانية وبتكلفة إجمالية 188 مليون جنيه مصري. وتخدم الترعة مساحة 400 ألف فدان بسيناء وتم الانتهاء من أعمال حفر وتبطين الترعة والأعمال الصناعية عليها بطول 86.5 كم وحماية جسورها.

    ترعة الإسماعيلية

    ترعة الإسماعيلية أو «ترعة السويس الحلوة» قديماً، هي قناة ري أنشئت في عهد الخديوي إسماعيل عام 1860 وسميت باسمه. يبدأ مسار الترعة من النيل عند شبرا على بعد 7 كم شمال القاهرة، وتجري نحو الشمال الشرقي مخترقة الشرقية في الجنوب الغربي حتى الإسماعيلية، ثم تتفرع إلى فرعين، فرع يتجه شمالاً إلى بورسعيد، والآخر يتجه جنوباً إلى السويس وينتهي عند خليجها. يبلغ طول الترعة من النيل إلى بحيرة التمساح 136 كم، وطول فرع بورسعيد نحو 90 كم، فيما يبلغ طول فرع السويس نحو 87 كم، وتضم أكثر من 26 كوبري وهويس.

    سحارة سرابيوم

    سحارة سرابيوم هي أكبر مشروع لنقل مياه النيل أسفل مجرى قناة السويس بتكلفة تبلغ 175 مليون جنيه، وذلك لخدمة منطقة شرق السويس والبحيرات والإسماعيلية الجديدة، وهو عبارة عن أربعة خطوط مواسير بقطر داخلي 3.2 متر، وخارجي 4 أمتار، وبطول 400 متر لكل خط مواسير، وعلى عمق 60 متر تحت سطح الأرض وتحت قاع القناة بـ 16 متر، وتستهدف ري واستصلاح 100 ألف فدان بشرق القناة.

    المشاريع المنافسة للقناة

    قناة البحرين الإسرائيلية

    قناة البحرين أو قناة البحر الميت هي مشروع تم توقيع الاتفاق عليه في ديسمبر 2013 بين كل من الأردن وفلسطين وإسرائيل في مقر البنك الدولي، يقضي بإنشاء قناة لربط البحر الأحمر بالبحر الميت. يتضمن المشروع مد أربعة أنابيب بين البحرين يصل طولها إلى 180 كم لنقل 100 مليون متر مكعب من المياه سنوياً من البحر الأحمر إلى البحر الميت، وإقامة محطة تحلية للمياه في مدينة العقبة بالأردن لتوزيع المياه المحلاة على الأطراف الثلاثة. لا يوجد للقناة بتصميمها الحالي أي أثر على قناة السويس إلا أن اتفاق حفر القناة أثار اقتراحات سابقة عن إمكانية إنشاء قناة تحت اسم قناة بن غوريون أو قناة عسقلان تخدم القادمين من خليج العقبة في اتجاه إيلات على البحر الأحمر ثم حفر قناة من إيلات إلى حيفا أو أشدود على البحر المتوسط، مسافتها 522 كيلومتراً. ولكن تكلفة مشروع بهذا الحجم باهظة جداً ولم يعلن عن أي خطوات جادة تجاه تنفيذه.

    خط السكك الحديد الإسرائيلي

    خط السكك الحديد الإسرائيلي هو مشروع أعلنت عنه إسرائيل عام 2013 يهدف إلى إنشاء خط سكك حديد يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، يبدأ من ميناء إيلات الواقع على البحر الأحمر وينتهي عند ميناء حيفا أو أشدود المطلين على البحر المتوسط، تقوم فكرة المشروع على شحن ونقل البضائع والركاب لتكون بديلاً لقناة السويس، ويمتد لمسافة 350 كم، حيث سيربط البحرين في مدة زمنية لا تزيد على ساعتين. إلا أن تكلفة الشحن والنقل والوقت لن تضاهي قناة السويس حيث يلزم لنقل حاوية بضائع واحدة بحجم 40 قدم عربة سكة حديد خاصة، ومقارنة بسفينة شحن واحدة تنقل 19 ألف حاوية، يجب توفير 19 ألف عربة سكة حديد لنقل كل تلك الحاويات من سفينة واحدة، ثم تفريغ الحمولة في حيفا أو أشدود، ثم تحميل البضاعة ثانية من خلال أوناش على المراكب، وهو ما يحتاج إلى وقت وتكلفة عالية، على عكس قناة السويس.

    خط السكك الحديد الإيراني

    هو مشروع للسكك الحديدية تشترك فيه شركات من إيران وأذربيجان وروسيا، للربط بين شمال إيران وأذربيجان. وهو القطاع الذي يعتبر جزءاً مهماً جداً من ممر طريق بحر الشمال والذي من دون وجوده سيكون مستحيلاً تنفيذ المشروع برمته. لذلك يحظى هذا القطاع من المشروع باهتمام كبير خاصة في مجال التعاون بين كل من الدول الثلاث. وتبلغ مسافة خط السكة حديد من أذربيجان وحتى بحر قزوين حوالي 165 كم. إلا أن المشروع تقابله عدة سلبيات تتمثل في مروره عبر مناطق جبلية صعبة التضاريس، والضغوط الدولية التي تمارس على الدول المار بها الخط لمنعها من المشاركة في هذا المشروع، للحيلولة دون تعزيز مكانتها الدولية وتطوير اقتصادها خاصة دولة إيران. ومن المتوقع أن يؤثر هذا المشروع بالسلب على قناة السويس، باعتبارها تشكل شرياناً لنقل شحنات البضائع والنفط من منطقة جنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج العربي إلى دول شمال البحر المتوسط وأوروبا والولايات المتحدة. غير أن هذا التأثير المحتمل مازال محل تساؤل، نظراً للصعوبات التي يقابلها مشروع طريق بحر الشمال.

    خطوط أنابيب البترول

    تعتبر ناقلات النفط العميل الثالث بالنسبة للسفن المارة بقناة السويس، حيث تأتي سفن الحاويات في المرتبة الأولى، ثم سفن بضائع الصب في المرتبة الثانية. وتمثل ناقلات النفط نحو 19.6% من أعداد السفن المارة بقناة السويس فيما تمثل حمولتها 22% من إجمالي الحمولات المارة بالقناة. وتراجعت مكانة ناقلات النفط من العميل رقم واحد لقناة السويس في الستينات إلى المركز الثالث حالياً، بسبب انخفاض كميات البترول الخليجي المتجه لأوروبا خلال العقدين الأخيرين، من متوسط 400 مليون طن سنوياً إلى 130 مليون طن سنوياً، ويرجع ذلك لتعدد البدائل من بترول بحر الشمال وقزوين ومنطقة البحر الأسود، وتزايد الطلب الآسيوي على نفط الخليج في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا. ويستوعب المجرى الملاحي للقناة ناقلات النفط العملاقة، التي تزيد حمولتها على 220 ألف طن بقدرة على اجتذاب نحو 64% من سفن الأسطول العالمي لناقلات النفط بكامل حمولتها. في حين تمثل خطوط أنابيب النفط الموجودة بالمنطقة العربية منافساً قوياً لقناة السويس وعلى حجم تجارة النفط المارة بها، والتي تتمثل في خمسة خطوط أنابيب بخلاف خط أنابيب البترول المصري «سوميد»، تصل طاقتها إلى نحو 362.5 مليون طن سنوياً، وفي حالة تشغليها بكامل طاقتها تؤثر بشكل كبير على كميات النفط المنقولة عبر قناة السويس، خاصة أن نقل النفط عبر خطوط الأنابيب أرخص بكثير من النقل البحري.

    وتتمثل تلك الخطوط في:

    خط سوميد

    سوميد هو خط أنابيب بترول تم إنشاءه عام 1977، يمتد من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط بالإسكندرية وهو مشروع مكمل لقناة السويس لنقل البترول من منطقة الخليج العربي إلى ساحل البحر المتوسط. وهو مملوك للشركة العربية لأنابيب البترول «سوميد» والتي تساهم فيها شركات من مصر والإمارات والكويت والسعودية وقطر. ويتألف خط سوميد من خطي أنابيب متوازيين طول كل منهما 320 كم، وبسعة 9 آلاف طن/ساعة، وقطره 42 بوصة وهذه الخطوط مدفونة تحت الأرض ومغطاه بطبقة عزل لحماية الخط من التآكل، ويصل سُمك الأنبوب عند العين السخنة إلى 30 مم ويقل تدريجياً حتى سمك 8 مم قي سيدي كرير، وبعض الأماكن كالتي تحت نهر النيل يصل السمك إلى 60 مم. تصل طاقة الخط إلى 120 مليون طن بترول خام سنوياً، في حين تصل حمولة ناقلات النفط العابرة للقناة إلى 140 مليون طن، ضمن عملية تكامل بين خط سوميد وبين القناة، حيث يتم استخدامه لنقل كميات النفط العربي المتجهة لأوروبا والولايات المتحدة داخل ناقلات النفط، والتي لا تستطيع عبور قناة السويس بكامل حمولتها لزيادة غاطسها عن غاطس القناة فتستخدم الخط لتخفيف حمولتها في العين السخنة ومن ثم استرداده في سيدي كرير متجهة إلى دول الغرب.

    الطرق المنافسة للقناة

    طريق رأس الرجاء الصالح

    طريق رأس الرجاء الصالح أو هو طريق بحري تجاري يمر برأس أقولاس، واكتُشف في نهايات القرن الخامس عشر، مرت به قديماً السفن التجارية بين الهند وشرق آسيا ودول أوروبا، وذلك هروباً من سيطرة دولة المماليك في مصر على طريق التجارة البحري القديم القصير، الذي كان جزء منه يجري على اليابسة قبل حفر قناة السويس، وفضلت الممالك الأوروبية آنذاك أن تسلك طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأخطر، متحملة فقدان جزء كبير من التجارة، وذلك عقب فرض دولة المماليك رسوماً باهظة على المرور بأراضيها وتحكمهم بالطريق، وانتشار قطاع الطرق وهلاك الكثير من القوافل نتيجة ضعف قبضة دولة المماليك في ذلك الوقت. ويقع رأس الرجاء الصالح الذي يمثل رأس من اليابسة بالقرب من مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا على بعد 150 كم غرب أقصى نقطة في جنوب قارة أفريقيا، والتي تسمى برأس أقولاس.

    طريق بحر الشمال

    طريق بحر الشمال هو ممر شحن بحري يربط بين القارتين الآسيوية والأوروبية ويمر عبر كل من روسيا وإيران والهند، ويمثل منافسة قوية لطريق قناة السويس. بدأ تاريخ الطريق التجاري من آسيا عبر بحر قزوين وروسيا وصولاً إلى أوروبا منذ عدة قرون، إلا أن هناك محاولات لإحياء هذا الطريق باستخدام أحدث الوسائل التقنية، بهدف نقل الشحنات والبضائع بالترانزيت من الهند وإيران ودول الخليج العربي، عبر بحر قزوين إلى روسيا، ومنها إلى شمال وغرب أوروبا. يقوم المشروع الحديث على أساس الاتفاقية الموقعة بين كل من روسيا والهند وإيران عام 2000 بشأن ممر النقل الدولي "الشمال – الجنوب"، وقد انضمت إلى المشروع عدة بلدان عربية منها سلطنة عمان وسوريا، ومن الدول المتوقع أن تنضم إليه بعض دول دول الخليج العربي، مما سيترتب عليه زيادة تداول الشحنات بين بلدان الشرقين الأدنى والأوسط، وكذلك الهند من جهة وبين أوروبا من الجهة الأخرى. وطبقاً لتقدير الوقت والمسافة بن كل من طريق بحر الشمال وقناة السويس، يمثل الطريق بديلاً واقعياً للقناة، لاستغراق الشحنات المنقولة بواسطته من المحيط الهندي والخليج العربي عبر إيران وبحر قزوين وروسيا إلى بلدان شمال وشرق أوروبا وقتاً أقصر من طريق قناة السويس.

    يشكل المشروع في حال إتمامه قطباً اقتصادياً جديداً، حيث يدخل في هذا المحور دول جنوب آسيا (الهند وباكستان)، ودول آسيا الوسطى (تركمانستان وأوزباكستان وكازاخستان وأذربيجان)، بالإضافة إلى جورجيا، كما ستتأثر به أفغانستان وتركيا، ثم أوكرانيا، وبعد ذلك غرباً إلى روسيا البيضاء وبولندا وألمانيا، وشرقاً إلى مدن وسط وشرق روسيا، وشمالاً وغرباً إلى دول البلطيق الثلاث (إستونيا ولاتفيا ولتوانيا). وسيتشكل بذلك وضع فريد من نوعه لأن منطقة قزوين ستتحول إلى مركز تجمع لممرات النقل الدولية، إضافة إلى أهميتها النفطية بالنظر لما يحويه بحر قزوين وسواحله من احتياطي ضخم من النفط والغاز.

    إلا أنه رغم هذه المزايا التي يحققها مشروع فإنه لا يزال بعيد الإنجاز، بسبب المشاكل والصعوبات الاقتصادية التي تقابل تنفيذه والتي تتمثل في، المشاكل السياسية بين الدول التي يمر بها الطريق. وتكون الطريق من عدة محطات برية وأخرى بحرية والصعوبات المناخية التي تكمن في الطريق والمتمثلة في مياه القطب الشمالي المتجمدة والتي تعيق مرور السفن التجارية إلا من خلال الكاسحات، كما أن المشروع تصحبه صعوبات سياسية عديدة تنطلق من تخوف الدول الأوروبية والولايات المتحدة من وجود تنسيق للسياسات في مجال الطاقة بين كل من روسيا وإيران ودول أخرى منتجة للغاز والنفط وغيرها من خامات الطاقة، وتأثير التغيرات الاقتصادية التي سيحدثها المشروع على الموازين الدولية وخرائط النفوذ في العالم.

  4. الخديوية المصرية

    11 دقيقة قراءةكانت مصر بعد استحواذ العثمانيين على السلطنة المصرية عام 1517م إيالة عثمانية وأصدر الباب العالي قانوناً محلية لإبقاء أيدي المماليك على البلاد كتابعين للعثمانيين، أهمل العثمانيون الشئون المصرية تماماً باستثناء بعض الجنود…

    التاريخ

    سطوع محمد علي باشا

    كانت مصر بعد استحواذ العثمانيين على السلطنة المصرية عام 1517م إيالة عثمانية وأصدر الباب العالي قانوناً محلية لإبقاء أيدي المماليك على البلاد كتابعين للعثمانيين، أهمل العثمانيون الشئون المصرية تماماً باستثناء بعض الجنود الأتراك لردع محاولات المماليك المستمرة للتمرد وإقامة سلطنة مستقلة بمصر، وظل تعالي الأتراك والإهمال مستمريين حتى الحملة الفرنسية على مصر في 1798م. حاول الباب العالي بالتعاون مع البريطانيين استعادة السلطة على مصر من الفرنسيين حتى أغسطس 1801 عندما انسحب الجنرال مينو بقواته على متن السفن البريطانية منهياً التواجد الفرنسي في البلاد.

    بين عامي 1801 و1805 حدث صراع ثلاثي على السلطة بين الأتراك العثمانيين والمماليك المصريين، والمرتزقة الألبان بقيادة محمد على باشا، فبعد هزيمة الفرنسيين عين الباب العالي خسرو محمد باشا والياً على مصر وتكليفه بقتل وسجن المماليك البكاوات المتبقين هناك. تحرر معظم هؤلاء بواسطة البريطانيين أو فروا معهم بينما من تبقى منهم وضعوا يدهم على المنيا، ووسط تلك الاضطرابات حاول خسرو باشا استبعاد الباشبوزق الألبان دون سداد أجورهم مما أدى إلى حدوث أعمال شغب فلاذ خسرو باشا بالفرار من القاهرة في 14 محرم 1218 هـ / 1803م.

    أعلن الباب العالي العثماني محمد على باشا والياً على مصر عام 1805م، وقتل المماليك المتبقيين في مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811م لترسيخ حكمه على البلاد. يُنظر إليه باعتباره مؤسس مصر الحديثة بسبب الإصلاحات الهائلة التي أجراها في شتى المجالات العسكرية والزراعية والاقتصادية والثقافية.

    الإصلاحات

    خلال غياب محمد علي في الجزيرة العربية كان نائبه في القاهرة قد أكمل مصادرة جميع الأراضي الخاصة بالأفراد الذين تمت إجبارهم على قبول تعويضات غير كافية في عام 1808. وبهذه الطريقة الثورية لتأميم الأراضي أصبح محمد علي مالكًا لكل تربة مصر تقريبًا وهو إجراء استبدادى لم يجد المصريين مفر منه. كما حاول الباشا إعادة تنظيم قواته على الطراز الأوروبي لكن هذا أدى إلى تمرد هائل في القاهرة. كانت حياة محمد علي معرضة للخطر فلجأ الي القلعة بينما ارتكب الجنود العديد من أعمال النهب وتمت السيطرة على التمرد بقتل رؤساء المتمردين وأمر محمد علي أن يحصل المتضررون من الاضطرابات على تعويض من الخزانة. مشروع النظام جديد الذي كان محمد على شرع في تنفيذه تم التخلي عنه لفترة من الزمن نتيجة لهذا التمرد.

    بينما كان إبراهيم مشاركًا في الحملة العربية الثانية حول محمد على باشا اهتمامه إلى تعزيز قوة الاقتصاد المصري حيث بدأ في السيطرة على الاقتصاد وخلق احتكارات حكومية على المنتجات الرئيسية للبلاد. وأسس عدداً من المصانع وبدأ في حفر قناة مائية جديدة في عام 1819 إلى الإسكندرية سميت بالمحمودية نسبة إلى السلطان العثمانى. كانت القناة القديمة قد تدهورت بسبب فترة طويلة من الإهمال وكان هناك حاجة ماسة إلى وجود قناة آمنة بين الإسكندرية والنيل. ومع إبرام معاهدة مع تركيا في عام 1838 تم التفاوض عليها من قبل السير هنري بولر (اللورد دارلنغ) أنهى نظام الاحتكارات على الرغم من تأخر تطبيق المعاهدة في مصر لعدة سنوات. كانت التنمية الاقتصادية للبلاد في معظمها كانت تنمية زراعية ركزت على زراعة القطن في الدلتا في عام 1822 وما بعده وتم جلب القطن المزروع من السودان من قبل محى بك. وتنظيم الصناعة الجديدة التي من خلاله تم تمكين محمد علي في بضع سنوات من استخراج عائدات كبيرة. كان يعتمد عليهم محمد على في بيع صادراته على التجار الأوروبيين وتحت تأثير ذلك أصبح ميناء الإسكندرية مرة أخرى ذا أهمية. وكان أيضا تحت تشجيع محمد علي أن يتم استئناف النقل البري للبضائع من أوروبا إلى الهند عبر مصر. وبُذلت جهود لتطوير التعليم ودراسة الطب.

    غزو ليبيا والسودان

    في عام 1820 أمر محمد علي لبدء الغزو من شرق ليبيا. بعث أولا غربا حملة (فبراير 1820) التي احتلت وضمت واحة سيوة. وكان ينوي الحصول على السودان لتمديد حكمه جنوبا، والاستيلاء على تجارة القوافل المتجهة إلى البحر الأحمر، وتأمين مناجم الذهب الغنية التي يعتقد وجودها في سنار. ورأى أيضا في هذه الحملة وسيلة للتخلص من قواته الساخطين، والحصول على عدد كاف من الأسرى لتشكيل نواة للجيش الجديد.

    في عام 1820، أصدر محمد علي أوامر ببدء غزو شرق ليبيا. أرسل لأول مرة رحلة استكشافية باتجاه الغرب (فبراير 1820) والتي احتلت وضمت واحة سيوة. كانت نوايا علي للسودان هي تمديد حكمه جنوبا، لالتقاط تجارة القوافل الثمينة المتجهة إلى البحر الأحمر، وتأمين مناجم الذهب الغنية التي يعتقد أنها موجودة في سنار. كما رأى في الحملة وسيلة للتخلص من قواته الساخطة، والحصول على عدد كاف من الأسرى لتشكيل نواة الجيش الجديد. قاد القوات الموجهة لهذه الحملة إسماعيل باشا. وكانت قواته يتألفون من 4000 إلى 5000 رجل من الأتراك والألبان والمصريين غادروا القاهرة في تموز / يوليو 1820. وصلت الحملة إلى النوبة في وقت واحد وتم هزيمة قبيلة الشايقية خارج ولاية دنقلا وتمت السيطرة على مملكة سنار دون معركة.

    بمجرد استسلامم قبيلة الشايقية أرسل محمد علي باشا جيشا آخر يتألف من 3 إلى 4 آلاف رجل وبطارية مدفعية بقيادة محمد بك الدفتردار، للاستيلاء على سلطنة دارفور. اجتمعت القوات بمدينة الدبة حيث انضمت إليها قوات داعمة من قبيلة الكبابيش التي رافقتهم باتجاه الجنوب الغربي نحو صحراء بيوضة إلى شمال كردفان.

    قوات دارفور ارتكبت خطأً بعدم مهاجمة القوات الغازية بمجرد خروجهم من الصحراء والانتظار بدلا من ذلك في بارا. وكانت هناك قوة هائلة مكونة من 9000 رجل من سلطنة دارفور هزموا من قبل الجيش التركي بسبب القوة النارية المتفوقة مما أدى إلى خسارة جيش دارفور ل1500 رجل. وكما فعل إسماعيل باشا بالشايقية قدم الدفتردار مكافأة لكل من يأتي بآذان العدو، وأرسلت أكياس منها إلى القاهرة. وبعد فترة وجيزة أخذ الأتراك عاصمة كردفان الأبيض.

    أرسل سلطان دارفور قوات جديدة من الغرب، ولكنها أيضا هزمت. وأصبح الحكم التركي الآن آمنا في شمال كردفان. ولكن الدفتردار كان يفتقر إلى القوات للقيام بهجوم مباشر إما على جبال النوبة أو على دارفور.وقد سعى محمد علي في وقت لاحق في ضم دارفور، من خلال دعم أحد الطرفين ضد الآخر في حرب أهلية، ولكن هذه المبادرة لم تنجح أيضا.

    الحملة على اليونان

    كان محمد علي على وعي تام بأن الإمبراطورية التي بناها بجهد كبير قد تواجه في أي وقت بقوة السلاح من السلطان العثمانى محمود الثاني الذي تم توجيه سياسته بالكامل لكبح قوة أتباعه الطموحين والذي كان تحت تأثير الأعداء الشخصيين لباشا مصر محمد على ولا سيما من خسرو باشا الصدر الأعظم للدولة العثمانية الذي لم يغفر أبداً إهانته في مصر عام 1803. كما كان السلطان محمود يخطط بالفعل للإصلاحات المستعارة من الغرب. وبالفعل كان محمد علي لديه الكثير من الفرص لمراقبة تفوق الأساليب الأوروبية في الحرب وكان مصمما على توقع قيام السلطان بإنشاء أسطول وجيش على الطراز الأوروبي جزئيا كإجراء وقائي. وكأداة لتحقيق خطط أوسع من الطموح. قبل اندلاع حرب الاستقلال اليونانية في عام 1821 كان قد أنفق الكثير من الوقت والطاقة في تنظيم الأسطول وفي التدريب تحت إشراف مدرّسين فرنسيين وضباط وأصحاب أعمال محليين. على الرغم من أنه لم يكن حتى عام 1829 أن فتح حوض بناء السفن وترسانة في الإسكندرية مكنته من بناء وتجهيز السفن الخاصة به. وبحلول عام 1823 كان قد نجح في تنفيذ إعادة تنظيم جيشه على الطراز الأوروبي حيث تم استبدال العناصر التركية والألبانية المشكوك في ولائه بالسودانيين والفلاحين. وتم إثبات فعالية القوة الجديدة في قمع تمرد الألبان عام 1823 في القاهرة من قبل ستة أفواج سودانية منضبطة.

    دعى السلطان العثمانى محمد على باشا لمساعدته في مهمة إخضاع المتمردين اليونانيين وتقديم مكافأة لمجهوداته بضم أراضى كل من المورة وسوريا. تم تعيين محمد علي في عام 1821 والى على جزيرة كريت والتي كان قد احتلها مع قوة مصرية صغيرة. في خريف عام 1824 تمركز أسطول من 60 سفينة حربية مصرية تحمل قوة كبيرة قوامها 17000 جندي منضبطة في خليج سودا وفي مارس / آذار التالي بقيادة إبراهيم باشا في جزيرة المورة وانتزع تفوقه البحري من اليونانيين السيطرة على جزء كبير من البحر. في حين أن العصابات اليونانية غير المنتظمة على الأرض بعد أن ضربت القوات العثمانية بشكل كبير قابلت أخيرا عدوًا جيدًا وهي قوات إبراهيم باشا المنضبطة. انسحبت القوات المصرية من المورة في نهاية المطاف بسبب اتفاق القوى الأوروبية على كبح جماح قوة محمد على العسكرية في اليونان.

    الحروب ضد الأتراك

    على الرغم من أن محمد علي قد حصل على لقب الوالي فقط إلا أنه أعلن نفسه خديويًا في وقت مبكر خلال فترة حكمه. الدولة العثمانية على الرغم من غضبها لم تفعل شيئًا حتى غزا محمد علي سوريا التي كانت تحت حكم العثمانيين في عام 1831 وقد وعده السلطان محمود الثاني بحكم سوريا لمساعدته خلال حرب الاستقلال اليونانية ولكنه لم يمنحها له بعد الحرب. وكانت من توابع ذلك تحالف العثمانيين مع البريطانيين ضد محمد على باشا في عام 1839.

    في عام 1840 قصفت بريطانيا بيروت ونزلت قوة إنجليزية عثمانية واستولت على عكا. وأجبر الجيش المصري على العودة إلى الوطن وأصبحت سوريا مرة أخرى مقاطعة عثمانية. ونتيجة لاتفاقية لندن (1840) تخلى محمد علي عن جميع الأراضي التي غزاها باستثناء السودان وتم منحه حكم مصر والسودان بشكل وراثى.

    خلفاء محمد علي

    بحلول عام 1848 كان محمد علي شيخًا وكبيرًا بما يكفي لابنه إبراهيم الذي كان يعاني من السل أصلا مما دفعه لمطالبة السلطان العثمانى بتنازله عن الحكم وتوليه ابنه ابراهيم باشا حكم مصر والسودان وتمت إزالة محمد علي من السلطة. ومع ذلك توفي إبراهيم من مرضه بعد أشهر قليلة في عام 1849. وخلف إبراهيم ابن أخيه عباس الأول الذي أزال العديد من إنجازات محمد علي بسبب أفكاره الرجعية. اغتيل عباس الأول من قبل اثنين من مواليه في عام 1854 وخلفه ابن محمد علي الرابع سعيد باشا. أعاد سعيد العديد من سياسات والده. حكم سعيد لمدة تسع سنوات فقط وأصبح ابن أخيه إسماعيل باشا وهو حفيد آخر لمحمد علي واليًا على مصر. في عام 1867 اعترف السلطان العثماني باستخدام إسماعيل لقب خديوي.

    الاحتلال البريطاني

    في عام 1882 أدت المعارضة للسيطرة الأوروبية إلى توتر متزايد بين الأعيان المحليين أخطر المعارضة القادمة كانت من الجيش. أجبرت مظاهرة عسكرية كبيرة في سبتمبر 1881 الخديوي توفيق على عزل رئيس الوزراء. في أبريل 1882 أرسلت فرنسا وبريطانيا العظمى سفن حربية إلى الإسكندرية لمساندة الخديوي وسط مناخ مضطرب ونشر الخوف من الغزو في جميع أنحاء البلاد. بحلول يونيو / حزيران كانت مصر في أيدي القوميين المعارضين للهيمنة الأوروبية على البلاد. قامت السفن الحربية البريطانية بقصف بحري للإسكندرية ولكن كان له تأثير ضئيل على المعارضة التي أدت إلى هبوط قوة الإنقاذ البريطانية على طرفي قناة السويس في أغسطس 1882. نجح البريطانيون في هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير في سبتمبر وأخذوا السيطرة على البلاد. كان الغرض من الغزو استعادة الاستقرار السياسي لمصر في ظل حكم الخديوي والضوابط الدولية التي كانت موجودة لتبسيط التمويل المصري منذ عام 1876.انتهى الاحتلال البريطاني بشكل رمزي بعزل آخر خديوي لمصرعباس الثاني في 5 نوفمبر 1914 وإنشاء محمية بريطانية مع تنصيب السلطان حسين كامل سلطان لمصرفي 19 ديسمبر 1914.

    الحكم الخديوى (1867–1914)

    التأثير الأوروبي

    خلال عهد الخديوى إسماعيل أصبحت الحكومة المصرية برئاسة الوزير نوبار باشا معتمدة على بريطانيا وفرنسا من أجل المساعدة في تطوير الاقتصاد. حاول إسماعيل إنهاء هذه الهيمنة الأوروبية. تحت حكم إسماعيل تم بناء 112 قناة مائية و 400 جسر في مصر.

    بسبب جهوده للحصول على الاستقلال الاقتصادي عن القوى الأوروبية أصبح الخديوى إسماعيل غير محبوب لدى العديد من الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين بما في ذلك إيفلين بارينج وألفريد ميلنر الذي ادعى أنه «يدمر مصر».

    في عام 1869 أعطى حفر قناة السويس بريطانيا طريقاً أسرع إلى الهند. وهذا جعل مصر تعتمد بشكل متزايد على بريطانيا في كل من المساعدات العسكرية والاقتصادية. لم يقم إسماعيل بأي جهد للتصالح مع القوى الأوروبية، التي ضغطت على السلطان العثماني لإزالته من السلطة.

    توفيق وفقدان السودان

    خلف الخديوى إسماعيل توفيق ابنه الأكبر الذي لم يتلق تعليمه في أوروبا على عكس أخويه الأصغر سنا. اتبع سياسة علاقات أوثق مع بريطانيا وفرنسا لكن سلطته قوضت في تمرد قاده وزير الحربيه أحمد عرابي باشا في عام 1882. استغل عربي الشغب والعنف في الإسكندرية للسيطرة على الحكومة وتحييد توفيق مؤقتا عن الحكم. قصفت القوات البحرية البريطانية الإسكندرية واستولت عليها وتم تشكيل قوة استكشافية تحت قيادة الجنرال السير غارنيت وولسلي في إنجلترا. هبط الجيش البريطاني في مصر بعد ذلك بقليل وهزم جيش عرابي في معركة تل الكبير. وقد حوكم عرابي بتهمة الخيانة وحكم عليه بالإعدام لكن العقوبة خُففت إلى المنفى. بعد الثورة العرابية أعيد تنظيم الجيش المصري على طراز بريطاني وكانت كبار الضباط من الضباط بريطانيون.

    في هذه الأثناء اندلع تمرد ديني في السودان بقيادة شخص يدعى محمد أحمد الذي أعلن نفسه المهدي المنتظر. استولى المتمردون المهدييين على عاصمة إقليم كردفان وأبادوا حملتين قادتهما بريطانيا لاستعادة السيطرة على السودان. تم إرسال القائد البريطاني المغامر تشارلز جورج غوردون وهو حاكم سابق للسودان إلى العاصمة السودانية الخرطوم مع أوامر بإخلاء أقلية من سكانها الأوروبيين والمصريين. بدلاً من إخلاء المدينة استعد جوردون للحصار وصمد من عام 1884 إلى 1885. ومع ذلك سقطت الخرطوم في النهاية وقتل.

    تأخرت قوات الدعم البريطانية لإغاثة غوردون بسبب عدة معارك وبالتالي لم تتمكن من الوصول إلى الخرطوم وإنقاذ غوردون. أسفر سقوط الخرطوم عن إعلان قيام دولة إسلامية حكمها المهدي أولا ثم خليفته الخليفة عبد الله.

    استعادة السودان

    في عام 1896 في عهد ابن الخديوى توفيق عباس الثاني بدأت قوة ضخمة من القوات البريطانية المصرية تحت قيادة الجنرال هيربرت كيتشنر في إعادة فتح السودان واستعادته. تم هزم المهديون في معارك أبو حميد وعطبرة. وقد اختتمت الحملة بالانتصار البريطاني المصري على أتباع الدولة المهدية في أمدرمان عاصمة الدولة المهدية.

    تم مطاردة الخليفة وقتله في عام 1899. وأعيد الحكم الانجليزى المصري المشترك على السودان.

    نهاية الخديوي

    أصبح الخديوى عباس الثاني معاديًا جدًا للبريطانيين مع بداية عهده وبحلول عام 1911 اعتبر اللورد كيتشنر أن الخديوي الصغير شرير ومعاديا لبريطانيا ويستحق العزل. لاحقا في عام 1914 عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى انضمت الإمبراطورية العثمانية إلى دول المركز ضد بريطانيا وفرنسا. نتيجة لذلك قامت بريطانيا بإزالة التبعية الاسمية لمصر للدولة العثمانية وأعلنت النظام السلطانى في مصر وألغت النظام الخديوى في 5 نوفمبر 1914. كان معروفا عن الخديوى عباس الثاني دعمه لقوى المركز وكان في فيينا في زيارة رسمية وتم خلعه من منصب الخديوى في غيابه من خلال تطبيق السلطات العسكرية البريطانية في القاهرة للأحكام العرفية وتم منعه من العودة إلى مصر. وخلفه عمه حسين كامل الذي حصل على لقب السلطان في 19 ديسمبر 1914.

    اقتصاد

    العملة.أثناء الخديوية كان النموذج القياسي للعملة المصرية هو الجنيه المصري. بسبب الهيمنة الأوروبية التدريجية على الاقتصاد المصري، تبنى الخديوى المعيار الذهبي في عام 1885.

    اعتماد الصناعات على النمط الأوروبي

    على الرغم من أن تبني التقنيات الصناعية الحديثة بدأ في عهد محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر إلا أن السياسة استمرت في ظل الدولة الخديوية.

    تم استيراد الآلات من أوروبا إلى مصر وبإلغاء النظام الخدويوى في عام 1914 أصبحت صناعة النسيج الأبرز في البلاد.

  5. استيلاء محمد علي باشا على السلطة

    17 دقيقة قراءةهكذا كانت الحال في مصر حينما أخذ محمد علي يطمح إلى منصب الولاية. ولا يستبعد ان تكون تلك الحال نفسها حملته على الطموح إلى هذا المنصب بعد اقتناعه بعدم اقتدار أحد من كبار الرجال المشتركين في النزاع على التغلب على منازعيه…

    طموح محمد علي إلى منصب الولاية

    هكذا كانت الحال في مصر حينما أخذ محمد علي يطمح إلى منصب الولاية. ولا يستبعد ان تكون تلك الحال نفسها حملته على الطموح إلى هذا المنصب بعد اقتناعه بعدم اقتدار أحد من كبار الرجال المشتركين في النزاع على التغلب على منازعيه والاستئثار بالحكم وإدارة شؤون البلاد بالحكمة والحزم. أما النزاع بين الوالي والمماليك، فكان لابد من دخوله سريعا في دور حاد لأن الوالي كان مدفعوا إلى الإسراع في منازلة المماليك بالأوامر التي وردت عليه من الآستانة، وبشدة حاجته إلى المال لدفع مرتبات الجنود. على أنه ما كاد ينازل المماليك حتى تبين له خصم جديد من قواد جيشه، وهو محمد علي الذي كان قبلا من أصدقائه المقربين، لكنه لما اختبر ما عند محمد علي من المقدرة والطموح صار يرى فيه صديقا مخيفا، ولم يكن مخطئا في رأيه.

    عندما تسلم خسرو باشا منصب الولاية في القاهرة سنة 1801م، كان المماليك مسؤولين عن الوجه القبلي من الديار المصرية وعلى معظم الوجه البحري، فوجه اليهم فرقتين من الجند احداهما بقيادة يوسف بك، والثانية بقيادة محمد علي. فنازل المماليك فرقة يوسف بك وهزموها شر هزيمة قبل أن يصل محمد علي بفرقته إلى ساحة القتال، فنسب انكسار فرقة يوسف بك إلى تعمد محمد علي التأخر في نجدتها، فاستدعاه خسرو باشا ليلا إلى مقره في القلعة زاعما انه يرغب في مفاوضته في أمر هام، وهو انما كان يقصد الإيقاع به، فأدرك محمد علي قصد خسرو باشا، وجاوبه انه سيحصر لمقابلته نهارا على رأس فرقته. وعلى أثر ذلك ثار الجنود على الوالي طالبين مرتباتهم المتأخرة، ولم يستطع الوالي دفع المتأخر لهم، فرغب طاهر باشا كبير قواد الجيش التوسط بينه وبين الجنود الثائرين، فرفض خسرو باشا مفاوضته، فانحاز طاهر باشا إلى الجند وسار بهم إلى القلعة، فألجأ خسرو باشا إلى الفرار، وتولى الحكم بعده طاهر باشا بالوكالة سنة 1803.

    منذ ابتداء الحوادث صار معلوما أن هنالك محركا غير منظور يدير من وراء الستار حركات الجنود والطامعين بالولاية في بحذاقة لاعب الشطرنج البارع وكان ذلك المحرك محمد علي، لكنه رغما عن طموحه الشديد إلى منصب الولاية، لم يتعجل الأمر بل اتبع خطة تضمن له الوصول إلى الولاية بعد أن تقضي على سائر المرشحين لها والطامعين فيها، وتزيل من طريقه العناصر المعادية. وبمقتضى تلك الخطة أصبح كل من يتولى الحكم عرضة للقتل أو العزل العاجل، بعد أن ينال محمد علي بواسطته بعد مآربه. فعليه بعد أن تولى طاهر باشا أعمال الولاية، حمله محمد علي على مراسلة البرديسي أحد زعيمي المماليك الكبيرين ليتقرب من المماليك، ويأمن شرهم في أثناء العراك القائم بسبب الولاية، لكن عهد ظاهر باشا بالولاية لم يطل لأن الانكشارية ثاروا عليهم مطالبين بمرتباتهم، فأدى ذلك إلى خصام بين الباش والضباط الذين انتدبهم الانكشارية لمفاوضته، وانتهى الخصام بقتل طاهر باشا، واغتنم محمد علي الفرصة فاتفق مع المماليك.

    وكان في مصر حينئذ أحد وزراء الدولة العثمانية المدعو أحمد باشا قاصدا إلى المدينة المنورة التي عين واليا عليها فأراد الانكشارية إجلاسه على كرسي ولاية مصر، غير أن محمد علي لم يوافقهم على ذلك. وبالاتفاق مع المماليك طردوا أحمد باشا من القاهرة، ثم بطش الألبانيون بالانكشارية باغراء محمد علي، ولم يبق في مصر من الرجال المنتمين إلى حكومة الآستانة الذي يخشى محمد علي شرهم سوى خسرو باشا الوالي السابق الذي كان مقيما في دمياط فهاجمه محمد علي وعثمان بك البرديسي برجالهما وأحضراه إلى القاهرة. وهكذا لم يبق لمحمد علي خصم ظاهر من رجال الآستانة، كما أن عثمان بك البرديسي صارت اليه السلطة العليا بين المماليك، لأن مناظره محمد بك الألفي كان قد ذهب إلى إنجلترا طامعا بالاستقلال بالحكم في مصر بمساعدة إنجلترا.

    واتصلت بالدولة العثمانية أخبار الحوادث المصرية، فراعها اتحاد المماليك والألبانيين، فوجهت علي باشا الجزائري واليا وأصبحته بألف جندي وبعد مناورات لا محل لذكها، اعترضت الجنود الألبانية علي باشا في طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة ففتكت بجنوده وقادته أسيرا إلى القاهرة ثم وجهوه إلى سوريا لكنهم قتلوه في الطريق.

    وفي أوائل سنة 1804 عاد محمد بك الألفي من انكلترا، حاملا الكثير من التحف والأموال، وصعد نحو القاهرة في النيل. ولما كان وجوده في مصر يهدد محمد علي وعثمان بك البرديسي على السواء، اتفقا على مقاومته فاعترضه رجالهما في النيل ونهبوا الأموال والتحف التي جاء بها، أما هو فبادر إلى النزول إلى البر ونجا بنفسه واختبأ عند العرب.

    يظهر للقارئ مما تقدم أن محمد علي كان له نصيب كبير في تدبير جميع الحوادث التي سلف ذكرها، غير أنه مع هذا كان بعيدا عن كل مسئولية تجاه الشعب والجند. فكان إذا تأخر دفع مرتبات الجند وقعت المسئولية على من يتولى إدارة البلاد وثارت الجنود عليه لا على قائد الجند، وإذا فرضت الأموال على الأهلين واستثقلوا وطأتها نقموا على الحكام الذين فرضوها. أما محمد علي فكان في تلك الأحوال يشارك الجند والشعب في التوجع لما أصابهم، ويظهر الاهتمام بتحصيل حقوقهم وتخفيف كروبهم، فأصبح صديق الجند والشعب. وهذه أهم النتائج التي يبغي الحصول عليها قبلما يرشح لمنصب الولاية، لأن على الجند والشعب يتوقف تثبيت قدمه في البلاد.

    واتفق أن مرتبات الجنود كانت متأخرى فثار الألبانيون على عثمان بك البرديسي وطالبوه بدفعها، ففرض على أهل القاهرة ضرائب فادحة ليتمكن من دفع مرتبات الجنود، فأغضب ذلك الأهالي، ونزعوا إلى الثوة ر، فتدخل محمد علي في الأمر، وأظهر عطفا شديدا على الأهلين ووعدهم بالمساعدة لرفع هذه المظلمة عنهم، فثابوا إلى السكون. وكان المماليك قد أخذوا يشعرون أن محمد علي يبطن لهم العداء، والحقيقة أنه كان حينئذ في غنى عنهم بل صار اضعافهم خيرا له، فبدأ المشادة بين الفريقين.

    وتجددت الثورة في القاهرة على المماليك باتفاق الأهالي والألبان، وحدث قتال عنيف وبرز محمد علي نفسه إلى ميدان القتال، فتغلب على المماليك، وألجأ جميع أمرائهم إلى الفرار من القاهرة. فعندئذ أصبح محمد علي صاحب العقد والحل في القاهرة لأن زمام الجند والشعب كان في يده، غير أنه لم يتسرع في طلب الولاية لنفسه، ولعله حاول هذه المرة اثبات اخلاصه للدولة العثمانية حتى لا تناوئه متى آن أون ترشيحه للولاية. وكان لا يزال موجودا في القطر المصري اثنان من الباشوات العثمانيين، أحدهما خسرو باشا والثاني أحمد خورشيد باشا حاكم الإسكندرية.

    فدعا محمد علي علماء البلد وأعيانها إلى اجتماع أظهر لهم في اثنائه وجوب المبادرة إلى تعيين وال على البلد، واقتراح إخراج خسرو باشا من معتقله وتقليده منصب الولاية، فوافق العلماء والأعيان على ذلك. غير أن الزعماء الألبانيين اعترضوا على هذا التعيين وطلبوا من محمد علي إخراج خسروا باشا من البلاد، فأذعن إلى طلبهم وأعاد خسرو باشا إلى الآستانة. ولا يخفى أن الألبانيين كانوا رجال محمد علي الذين عليهم جل اعتماده ولديهم تودع أسراره، فلا يعقل والحالة هذه انه كان يجهل شعور زعمائهم نحو خشرو باشا عندما اقترح رده إلى منصب الولاية، بل يستشف من عمله التواطؤ مع الزعماء الالبانيين على اتخاذ ترشيح خسرو باشا لمنصب الولاية واخراجه من معتقله، كان وسيلة لاخراجه من القطر المصري، فيقرب محمد علي خطوة جديدة من الولاية بدون أن يكون في مظهره ما يغضب الباب العالي. والمشهور أن خسرو باشا كان يعتقد سوء النية في محمد علي، فأظهر نحوه أشد العداء بعد عودته إلى الآستانة وتوليه المناصب العالية فيها. وكان للعداء بينهما شأن عظيم في النزاع الذي وقع بعد ذلك بين السلطان محمود ومحمد علي. فبعد إخراج خسرو باشا من القطر المصري، لم يبق فيه من كبار العثمانيين من يصح تعيينه واليا سوى خورشيد باشا، فاتفق العلماء والأعيان وزعماء الجند على تعيينه واليا وتعيين محمد علي قائم مقام له. ووافق الباب العالي على ذلك في سنة 1804، أما خورشيد باشا فلقى ما لقى أسلافه من الصعوبات في الحصول على الأموال، وفي دفع مرتبات الجنود، فقرض الأموال الطائلة على أهل القاهرة، وابتز كثيرا منها من بعض الأفراد وخصوصا من المنتسبين إلى المماليك، فشمل الاستياء منه جميع الطبقات. وكان في الوقت عينه يشعر بعدم اخلاص محمد علي، وبشدة وطأته، وظن أنه يتخلص منه باشغاله بمحاربة المماليك، غير ان انتصارات محمد علي في تلك المحاربة، وشدة عطفه على الأهلين والجند، زاده رفعة في عيون الجميع، ووطد مكانته في البلد خصوصا لدى العلماء والأعيان.

    فرأى الوالي انه لابد له من قوة من رجال الدولة العثمانية تقف بجانبه وتعزز مقامه، والا أضحى بين يدي محمد علي كريشة في مهب الريح، ففاوض رجال الدولة في ذلك، بينما كان محمد علي بعيدا عن القاهرة مشتغلا بمحاربة المماليك، فوجهوا اليه ثلاثة آلاف مقاتل من طائفة الدالاتية، غير أن وجودهم في القاهرة لم يزد موقفه إلى ضعفا وارتباكا، لأنهم عمدوا إلى السلب والنهب وارتكاب شتى المنكرات والمحرمات، فزاد سخط الأهالي على خورشيد باشا، لأنه لم يشأ أو لم يستطع كف أذى الجند عنهم. كما أن محمد علي لما بلغه قدوم الدالاتية إلى القاهرة عاد اليها، وأخذ يدس الدسائس على الوالي ويستميل عنه حتى رجاله الدلاتية. وبما أن تأخر دفع مرتبات الجنود كان من القواعد المطردة في ذلك الزمن، ثار الألبانيون عليه مطالبين بدفع مرتباتهم، فوقف الدالاتية على الحياد، فوجد خورشيد باشا نفسه في موقف حرجا عما كان عليه قبل قدوم الدالاتية.

    وفي أثناء ذلك ورد مرسوم من الآستانة بتولية محمد علي باشا على جدة. وانما جرى ذلك بناء على مخابرات سابقة بين الباب العالي وخورشيد باشا درءا للخطر الذي خشيا وقوعه عليهما فيما لو بقى في مصر، فأظهر محمد علي استعداده لتنفيذ مرسوم الآستانة، وأخذ يتأهب للسفر، غير أن الجند والشعب الساخط على الوالي رجوا منه أن يبقى في مصر لاقتناعهم بأنهم لن يجدوا حاكما أرأف من محمد علي بحالتهم أو أقدر منه على انالتهم حقوقهم أو أكثر كفاءة لتولى ي الاحكام، فاتفق زعماء الجند والعلماء والأعيان على إسقاط خورشيد باشا من منصب الولاية، وانتخاب محمد علي بدلا منه. وكتبوا إلى الآستانة في ذلك، فأجيب ملتمسهم، وتلقى محمد علي مرسوما بذلك في يوليو سنة 1805. أما خورشيد باشا فانه قاوم هذا التعيين، لكنه اضطر اخيرا للتسليم وأعيد إلى الآستانة.

    وما كاد محمد علي يفرغ من مناهضة الباشوات العثمانيين حتى برز الإنكليز لمقاومته، طالبين من الباب العالي اسقاطه، وتسليم إدارة الأحكام للماليك، بزعامة صديقهم محمد بك الألفي الذي ذكرنا قبلا علاقته بإنكلترا، فأرسل الباب العالي القبطان باشا بأسطوله إلى مصر لتنحية محمد علي باشا عن كرسي الحكم، غير أنه وجد الشعب والجند يؤيدانه، ورأى الشقاق سائدا على المماليك، كما أنه أطلع على غرض إنكلترا من عزل محمد علي واعادة حكم المماليك، وبناء على ذلك وعلى ما عرضه المصريون إلى الباب العالي بواسطة إبراهيم باشا ابن محمد علي الذي أوفدوه إلى الآستانة، صدر مرسوم جديد بتثبيت محمد علي في منصبه، فوصل هذا المرسوم إلى مصر في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1806. وقد كان لمساعي قنصل فرنسا في الإسكندرية لدى القبطان باشا ولسفير فرنسا في الآستانة وللمال والهدايا التي يبعث بها محمد علي إلى الآستانة تأثير عظيم على هذا التثبيت.

    محمد علي والي مصر

    بعد ارتقاء محمد علي إلى منصب الولاية، انقضى دور العمل من وراء الستار، حيث كان هو الدافع وغيره العامل، وهو صاحب التدبير وعلى غيره تحمل المسئولية. انقضى ذلك الدور وانحصر في تصريف الأمور وحل المشاكل، ومقاومة الخصوم في الخارج والداخل. فالمماليك ضعفت قوتهم ولانت ملامسهم نوعا ما، لكن نفوسهم ما برح تحدثهم باسترجاع سلطتهم وسابق مجدهم متى سنحت الفرصة.

    ومصالح الانگليز في الهند كانت آخذة في النمو، وبنموها ازدادت مصر أهمية في نظرهم، لتسهيل وسائل النقل بين انكلترا والهند بطريق البحر المتوسط ومصر والبحر الأحمر، بدلا من الطريق البحرية الطويلة حول رأس الرجاء الصالح. وهذا الذي كان قد دفعهم قبلا إلى مقاومة حملة بونابرت على مصر وسوريا واجتذاب محمد بك الألفي أحد زعماء المماليك إلى جانبهم، وبذلك جهد عظيم لتسليمه مقاليد الحكم في البلاد المصرية لقاء امتيازات ينالونها منه، غير أن تفرق كلمة المماليك، وحزم محمد علي، أحبط مساعيهم كما روينا قبل.

    ونظرا لاشتباك انگلترا في حرب مع الدولة العثمانية وشدة شكيمة محمد علي وحرصه على ابعاد كل تدخل أجنبي عنه، لم يأمل الإنكليز الاتفاق معه، لاسيما أنه كان شديد الميل إلى الفرنسويين اللذين أخذوا بناصره حينما كان الإنكليز يدفعون الدولة العثمانية إلى عزله. فلذلك عزم هؤلاء على استخدام قوتهم وقوة المماليك لنزع البلاد من يد الدولة العثمانية، وتنحية محمد علي عن الولاية، وتسليم زمام الأمور للمماليك.

    لكن جرت التقادير ضد التدابير، فإن عثمان بك البرديسي توفى في أواخر سنة 1806 وزميله محمد بك الألفي توفى في أوائل سنة 1807، فسادت الفوضى شئون المماليك لفقد زعيمهم الكبيرين، ولم يدرك الإنكليز مبلغ الضعف الذي أصاب حلفاءهم وظنوا أنهم ما برحوا يستطيعون الاعتماد على معاونتهم، فوجهوا إلى القطر المصري حملة مؤلفة من نحو خمسة آلاف جندي يقودها الجنرال فريزر، فوصل إلى الإسكندرية واحتلها في شهر مارس سنة 1807، ثم حاول احتلال رشيد أولا، وثانيا ليفتح طريق المواصلة بينه وبين المماليك، وفي كلتا المرتين اخفق اخفاقاً تاماً، إذ أمعنت الجنود العثمانية في الحملتين قتلاً وتشريداً، وأخذت عدداً كبيرا من الأسرى نقلوا إلى القاهرة. أما المماليك فلزموا السكينة ولم يمدوا لمساعدة الإنكليز يداً وأخيراً دارت المفاوضة بين محمد علي والإنكليز وانتهت بالاتفاق على أن يخلي محمد علي سبيل الأسرى، وأن تتجلى الجنود الإنكليزية عن الإسكندرية فغادروها في شهر سبتمبر سنة 1807.

    فكان للانتصار الذي أحرزه محمد علي صدى عظيم في مختلف أنحاء البلاد، ونال ارتياح الباب العالي وتأييده. واغتنم المماليك هذه الفرصة للقرب منه، فتوكدت سيادته في القطر المصري، وعظمت هيبته في النفوس، واتخذ محمد علي على الخطر الذي كان يهدد البلاد من الخارج حجة لتحصين الثغور، وشحن الإسكندرية بالمقاتلة، وتولى الدفاع عن الثغور المصرية بنفسه، وقد كان قبل ذلك يقوم بالدفاع عنها قائد البحرية العثمانية (القبطان باشا) وهكذا استقل بادارة الاحكام في القطر المصري وبالدفاع عنه في الداخل والخارج.

    نكبة المماليك وحرب الوهابيين

    أما رجال الدولة العثمانية، فرغما عن ارتياحهم لانتصار محمد علي باشا على الإنجليز الذين حاولوا الاعتداء على بلاد عثمانية، كانوا ينظرون بعين الحذر والخواف إلى نمو قوته وانتشار صيته وسطوته. وكانت في أثناء ذلك قد انتشرت الدعوة الوهابية في البلاد العربية، ثم تحول أصحابها إلى جيش، فاتح فغزا الحجاز واستولى على مكة المكرمة والمدينة المنورة، فارتاع لذلك العالم الإسلامي، ولم يستطع الجنود العثمانيون صدهم، بل امتدت غزواتهم إلى العراق وسوريا.

    فانتدبت الحكومة العثمانية محمد علي لمقابلتهم، وهي تقصد بذلك تشريفه ظاهريا بالدفاع عن الكعبة والمدينة، أما حقيقة الحال فهي أنها كانت في حاجة إلى من يرد عن ولاياتها غارات الوهابيي، كما أنها كانت أمل ان المصادمة بين محمد علي والوهابيين، تلقيه في ورطة عظيمة ربما قضت عليه وعلى الوهابيين معا. على أن انتدابه لهذه المهمة الشريفة زاد مكانته رفعة في عيون المسلمين في جميع الأقطار.

    فأخذ في تجهيز الجنود واعداد وسائل النقل إلى الحجاز بحرا. فكانت هذه أول حركة صناعية كبرى قام بها إذ جمع لها المواد والصناع من جميع أنحاء القطر المصري، وأنشأ المصانع في بولاق، حيث جهزت السفن أجزاء، ونقلت كذلك إلى السويس حيث ركبت فكان ما أنشأه بضع عشرة سفينة.

    ولما اقترب أوان تسيير الحملة الحجازية، رأى من الحكمة أن يطهر البلاد من المماليك الذين كان قد قاتلهم قتالا شديدا في الأعوام الماضية حتى خضد شوكتهم، وظن أن لن تقوم لهم قائمة بعدها، ثم قرب كبارهم منه، وأقطعهم الاقطاعات، لكن لما شرع في اعداد الحملة على الوهابيين أخذوا يكيدون له ويتآمرون عليه، فعلم بمؤامراتهم لكن تجاهلها.

    وعول على نكبتهم، واختار لذلك أول آذار (مارس) 1811، وهو اليوم الذي عينه لعقد لواء الحملة الحجازية في قلعة الجبل لولده طوسون باشا. فدعا إلى الحفلة كبار رجال حكومته وأمراء المماليك، وبعد انتهاء الحفلة ركب المماليك خيولهم وهموا بالخروج فوجدوا باب القعلة موصدا في وجوههم، وكان الجنود قد أحدقوا بهم وأمطروهم وابلا من الرصاص وأجهزوا على من بقى حيا بالسيوف، فلم ينج منهم أحد من الذين شهدوا حفلة القلعة، فكان في ذلك اليوم القضاء الأخير على قوة المماليك في مصر، ولم يبق في البلاد من العناصر التي اعتادت الكيد للولاة واقلاق راحة العباد سوى طوائف من الجند.

    حرب الوهابيين

    بدأت هذه الحرب في سنة 1811، وانتهت في سنة 1818. قاد حملتها الأولى طوسون باشا من سنة 1811 إلى 1815، وأصيبت جنوده في بادئ الأمر بانكسار شنيع، لكن عاد فاستولى على مكة والمدينة وجدة، والطائف بعد متاعب وأخطار جمة، ثم ذهب محمد علي بنفسه إلى الحجاز في (أغسطس) 1813 ليشرف على الأعمال الحربية فمكث هناك إلى شهر حزيران (يونيه) سنة 1815.

    ثم تولى قيادة الحملة الوهابية إبراهيم باشا من أواخر سنة 1816 إلى أن انتهت في أواخر سنة 1818، فقهر الوهابيين واستولى على مدنهم، وأكره زعيمهم عبد الله بن السعود على التسليم والذهاب إلى مصر، ومنها أرسل إلى الآستانة فقتلته الحكومة العثمانية على أثر وصوله. فكان للقضاء على الوهابيين فرح عظيم في العالم الإسلامي اقترن به ذكر محمد علي بالإعجاب والتكريم. وظهرت في أثناء هذه الحرب كفاءة إبراهيم باشا وصفاته العسكرية الممتازة، وبها ابتدأت شهرته التي طبقت الآفاق في ما تلاها من الحروب ومكافأة له على انتصاراته الباهرة أنعم عليه السلطان بولاية جدة.

    وعدا الشهرة الواسعة التي نالها محمد علي في البلدان الأجنبية لتغلبه على الوهابيين، ازدادت سلطته رسوخا في القطر المصري، وخصوصا على رجال الجيش، لأن محاربة عدو باسل مدة سبع سنين في بلاد مقفرة أهلكت عددا كبيرا من الضباط والجنود المشاغبين، إما قتلا في المحاربة أو موتا بالأمراض، كما أن الانكسارات الأولى التي أصابت الجيش قضت على خيلاء بعض كبار ضباطه، بل أذلتهم ونزعت من الجنود الثقة بهم، فاغتنم محمد علي هذه الفرصة لتمكين قبضته لضباطهم، فكان إذا انتقل الضابط من جهة إلى أخرى انتقلت جنوده معه، كأنما هم مماليكه ولا علاقة لهم مباشرة بالقيادة العامة.

    حادثة لطيف باشا

    كان لطيف باشا من مماليك محمد علي المقربين اليه، فلما فتحت المدينة المنورة على يد طوسون باشا، انتدبه مولاه لحمل مفاتيحها إلى الآستانة. وبعد رجوعه إلى مصر ظهر تغير في سلوكه فنسب اليه التآمر على محمد علي ليحل محله بينما هو غائب في الحجاز. وقد اختلفت الروايات عن هذه الحادثة. فالرواية الكثيرة الشيوع هي أن رجال الآستانة رأوا من لطيف باشا في أثناء اقامته في عاصمة السلطنة اغترارا بنفسه وحبا بالسيادة، فأنعم عليه السلطان برتبة الباشوية، وأغرى على اغتصاب منصب مولاه، فانقاد إلى هذه الوساوس، وبعد رجوعه إلى القاهرة أخذ ينفق المال عن سعة لاجتذاب المريدين الذين يعضدونه في تنفيذ مآربه. وشعر محمد علي بتغير سلوك لطيف باشا، فملا عزم على السفر إلى الحجاز أوعز إلى كخياه وصهره محمد بك ليراقبه مراقبة دقيقة، فصدع بالأمر وأكتشف مؤامرة دبرت لقتله هو نفسه، ولاعلان وفاة محمد علي باشا في الحجاز وتولية لطيف باشا على مصر.

    فبادر الكخيا إلى محل اجتماع المتآمرين، بعد أن فر لطيف باشا من منزله عاد فوقع في قبضتهم، فحوكم وأعدم في القاهرة في 15 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1813. على أن بعض المعاصرين رووا أن قتل لطيف باشا كان مبنيا على تعليما تركها محمد لكخياه لاظ محمد بك، لأنه نقم على لطيف باشا لأسباب عديدة وهي ان لطيف باشا كان يجتمع كثيرا في أثناء وجوده في الآستانة بأشخاص معروفين بعدائهم لمحمد علي، وهذه الاجتماعات أثارت الشبهة في نفس محمد علي، ثم ان لطيف طلب التزوج بابنة محمد علي، ولما رفض طلبه تفوه بكلام يزري بقدر مولاه، وأتى أمورا أخرى تدل على عدم الأمانة لولي نعمته. وقيل أيضا ان محمد علي أخذته الغيرة لأن السلطان منح مملوكه نفس الرتبة التي منحت لأولاده. ويؤيد أصحاب هذه الرواية كلامهم بكثرة القوات العسكرية في مصر التي كانت تؤيد محمد علي، وكلها تحت قيادة أقاربه أو مريديه الأمناء، بينما الذين كانوا يؤيدون لطيف باشا لم يتجاوز عددهم مائتي رجل، فلم يكن من المعقول أن يحاول لطيف باشا قلب الحكومة والحال كما ذكر.

    تنظيم الجنود وتمردهم

    ان محمد علي كان شديد الرغبة في تنظيم جيشه على الطراز الأوروبي لاختباره تفوق الجنود المنظمة على سواها في أثناء محاربة الحملة الفرنساوية، ففي سنة 1815 لما عاد محمد علي من الحجاز اغتنم فرصة غياب أكثر الضباط والجنود المشاغبين في البلاد العربية، وعمد إلى تدريب فرقة من الجنود المقيمين في مصر، مهددا كل من يقاومه بالطرد من الجندية ومن القطر المصري، فتمرد الضباط والجنود وتآمروا على قتله، غير أنه أنذر بمكيدتهم فنجا منها، لكنه اضطر إلى ارجاء أمر التدريب العسكري إلى حين، وهدأ خواطر الجنود وضباطهم، وطمأن الأهلين الذين كانوا يخشون شر الجنود المتمردين.

    الشروع في التوسع والإصلاح

    ان أظهر صفات محمد علي على بعد النظر والحزم والمرونة السياسية. أدرك برأيه الصائب أن اقتباس الأنظمة الأوروبية ومجاراة الأوروبيين في الأساليب العمرانية أمور لابد منها لرقي بلاده، وتثبيت دعائم حكومته التي كانت حكومة الآستانة تعمل على تقويضها، فلما أخفق في محاولته تنظيم الجيش للمرة الأولى ستر اخفاقه بلباقته السياسية، لكنه بقى مصرا على العودة إلى التنظيم عند سنوح أول فرصة، وتمهيدا لذلك استمال اليه بوسائل مختلفة بعض كبار الضباط المعارضين. وجهز حملة لفتح السودان بقيادة ابنه إسماعيل باشا اقصت الباقين من هؤلاء الضباط ومن تابعهم من الجنود.

    جعل محمد علي للحملة على السودان ثلاث غايات وهي: التخلص من الضباط والجنود الذين كانوا يقاومون التنظيم العسكري والقضاء على المماليك الذين فروا من القطر المصري إلى دنقلة بعد مذبحة القلعة المشهورة، والحصول على مصادر جديدة للثروة والتجنيد. والسودانيون قوم بسل، ظن محمد على أنه يستطيع أن يؤلف منهم جيشا يحل محل الألبانيين وغيرهم. فبلغت الحملة غرضيها الأولين، لكنها لم تأت بالفائدة المادية المرجوة ولا حققت الآمال في التجنيد، نظرا لعدم مناسبة جو مصر للسودانيين.

    فعمد إلى تجنيد الفلاحين المصريين وانتدب لتنظيم الجيش ضابطا فرنساويا قديرا وهو الكولونيل ساف Seve المعروف باسم سليمان باشا الفرنساوي، وأنشأ المدارس الحربية وبنى الأسطول. ومع اصلاحاته هذه نمت الصناعة في البلاد، واستعان على القيام بكل ذلك برجال الفنون والصنائع الأوروبيين، وكان أكثرهم من الفرنسويين لحسن علائقه السياسية بهم واقبالهم على بلاده. واهتم أيضا بنشر المعارف في البلاد وتحسين الأحوال الصحية، فأنشأ المدارس والمستشفيات، وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، واستقدم منها أرباب الاختصاص.

    ومن اصلاحات محمد علي المشهورة وانشاء قوة منظمة من البوليس، واقرار الأمن في جميع انحاء البلاد حتى ضاهت مصر في ذلك البلدان الأوروبية الراقية.

    ووجه اهتماما عظيما إلى الإصلاح الاقتصادي، لأن جميع مشاريعه لاقوام بها الا بالمال، فنشط الزراعة والتجارة فدرت عليه الخيرات، وبذل الجهد المستطاع في سبيل ترقية الصناعة، لكنها لم تكن رابحة. أما أعماله الزراعية، فأهما زراعة القطن الأمريكي والنيلة، واستيلاؤه على أكثر أملاك القطر المصري بطرق جائرة وتسخيره العمال لاجل القيام بمشاريعه الزراعية التي وضعها تحت مراقبة رجال الحكومة في المديريات، فنجحت أعماله وكثرت أرباحه، لكنه أنزل الضنك بعدد عديد من الملاكين، والعمال باغتصابه الأملاك وتسخير الرجال. وزاد على هذه المظالم استعمال منتهى الشدة في تحصيل الأموال الأميرية وفرض ضريبة جديدة وهي الفردة أو ضريبة الرؤوس، وكانت تجبي من رجال البلاد على اختلاف مذاهبهم.

    لكن رغما عن هذه المظالم، فان اصلاحاته الجمة وتسامحه الديني جعله محترما في عيون الأوروبيين، فازدادت العلائق بين البلدان الأوروبية والمصرية، وكثر عدد مريديه والمعجبين به من الأوروبيين، نظرا لما كان يبديه من البشاشة في استقبالهم والحذق في أحاديثه الممزوجة بالظرف والفكاهة.

  6. إبراهيم محمد علي باشا

    3 دقائق قراءةإبراهيم باشا بن محمد علي باشا بن إبراهيم آغا (1789 - 10 نوفمبر 1848)، الابن الأكبر لوالي مصر محمد علي باشا. نصب قائمًا على العرش نيابة عن أبيه من 2 مارس حتى 10 نوفمبر 1848م. قاد حملة عسكرية ضخمة على وسط الجزيرة العربية…

    إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بن إبراهيم آغا (1789 - 10 نوفمبر 1848)، الابن الأكبر لوالي مصر محمد علي باشا. نصب قائمًا على العرش نيابة عن أبيه من 2 مارس حتى 10 نوفمبر 1848م. قاد حملة عسكرية ضخمة على وسط الجزيرة العربية وقضى على الدولة السعودية الأولى. ثم عُيِّن قائدًا للجيش ضد ثورة اليونانيين الذين خرجوا على الدولة العثمانية للظفر بالاستقلال، فانتزع معاقلهم وأخمد ثورتهم التي ظلت من 1825م ولغاية 1828م، ولكن نزول الجنود الفرنسيين بالمورة أجبره على الجلاء عن اليونان. وحين طمع محمد علي في ممتلكات السلطنة العثمانية بالشام أرسله مع جيش قوي ففتح فلسطين والشام وعبر جبال طوروس حتى وصل إلى «كوتاهيه» وذلك بعامي 1832م و 1833م، وحينما تجدد القتال عام 1839م بين المصريين والأتراك انتصر وهزمهم هزيمة ساحقة في معركة نسيب الفاصلة والتي وقعت في يونيو 1839م وغنم أسلحة كثيرة من العثمانيين، ولكن الدول الأوروبية حرمته من فتوحه وأجبرته على الجلاء عن جميع الجهات التي كان قد فتحها.

    الحروب التي خاضها

    الحملة المصرية ضد الدولة السعودية الأولى

    يعدّ من أحسن قادة الجيوش في القرن التاسع عشر، وقد حارب وانتصر في شبه الجزيرة العربية ضد عبد الله بن سعود بالدرعية، ثم أكمل حربه بكلًا من السودان. واليونان وتركيا وسوريا وفلسطين. وكانت البداية عندما عيّنه والده قائدًا للحملة المصرية ضد الدولة السعودية الأولى والتي جرت بين 1816 و1819، فقضى على حكمهم، وأسر أميرهم عبد الله بن سعود وأرسله لأبيه محمد علي باشا في القاهرة، فأرسله محمد علي إلى الأستانة، فطافوا به في أسواقها ثلاثة أيام ثم قتلوه، فنال إبراهيم باشا من السلطان مكافأة سخية، ونال أبوه محمد علي باشا لقب خان وهو اللقب الذي لم يحظ به سواه.

    الحرب في السودان

    وذهب بين سنتي 1821-1822 إلى السودان ليقمع تمردًا وقع هناك.

    حرب المورة

    كانت اليونان والجزء من أوروبا الشرقية تابعة للدولة العثمانية منذ القرن 15 الميلادي، فعندما قامت الثورة على الدولة العثمانية عجز السلطان عن إخمادها، ولذلك طلب من محمد علي باشا -أقوى الولاة في إطار الدولة العثمانية - القضاء على تلك الثورة. فبعث محمد علي بإبنه الأكبر إبراهيم باشا.. فنجح إبراهيم في القضاء على الثورة وأنهى التمرد.. و اكتسب الجيش المصري خلال تلك الحرب خبرات ميدانية.. وضم محمد علي جزيرة كريت (مكافأة من السلطان)

    الحملة على بلاد الشام

    الحرب المصرية العثمانية الأولى

    الحرب المصرية العثمانية (1831 - 1833) أو ما يعرف بحروب الشام الأولى وهي تعدّ بمثابة الجزء الأول من الصراع العسكري بين مصر والدولة العثمانية، أثناء حكم محمد على باشا بدأ بمطالبة السلطان العثماني بأن يمنحه ولاية الشام مقابل مساعدته له في حرب الاستقلال اليونانية فاكتفى السلطان بمنحه ولاية جزيرة كريت وهو ما لم يرضى به محمد علي، وكان السبب الرئيسي في اشتعال الحرب بينهما وانتهت بانتصار إبراهيم باشا ووصول نفوذ دولة محمد علي إلى أعالي نهر الفرات.

    الحرب المصرية العثمانية الثانية

    في عام 1839م قام السلطان العثماني بتحريك جيشاً لمحاولة استرداد أراضي الشام التي نجح إبراهيم باشا في فتحها خلال الحرب المصرية - العثمانية الأولى، وكان نتيجة ذلك التحرك أن جهز إبراهيم باشا جيشه وزحف مرة أخرى إلى الأناضول إلى أن دارت معركة نزيب والتي استطاع إبراهيم باشا بعبقريته العسكرية أن يسحق الجيش العثماني، وهنا أصبحت الإمبراطورية العثمانية على وشك الانهيار. وهرعت بريطانيا والنمسا ودول أوروبية أخرى، للتدخل وإجبار مصر على قبول معاهدة لندن. ونجحت بريطانيا في إشعال ثورات أهالي الشام ضد الحكم المصري حتى استعادت الإمبراطورية العثمانية سوريا، وقام حافظ باشا، يرافقه مولتك، بمسيرة الجيش إلى سوريا.

    معرض الصور

  7. 1820 م

    الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية

    دقيقتا قراءةيعود تاريخ إنشاء ”المطبعة الأميرية“ في بولاق إلى أكثر من 187 عاما فقد أنشئت مطبعة بولاق في سبتمبر عام 1235 هـ - 1820 م و افتتحت رسميا في عهد محمد علي باشا عام 1821م. بعد أن أوفد بعثة لدراسة الطباعة في مدينة ميلان…

    التاريخ

    يعود تاريخ إنشاء ”المطبعة الأميرية“ في بولاق إلى أكثر من 187 عاما فقد أنشئت مطبعة بولاق في سبتمبر عام 1235 هـ - 1820 م و افتتحت رسميا في عهد محمد علي باشا عام 1821م. بعد أن أوفد بعثة لدراسة الطباعة في مدينة ميلان الإيطالية، وكان أول كتاب طبع بها معجم عربي إيطالي في ديسمبر من عام 1822، وبعدها انتشرت المطابع في مصر والدول العربية. وكانت تطبع الكتب العسكرية للجيش، ثم تطور نشاطها لاحقًا إلى طبع الكتب الأدبية والعلمية والمدرسية.

    في أكتوبر 1862م قدم محمد سعيد باشا المطبعة هدية إلى عبد الرحمن بك رشدي، ثم اشتراها الخديوي إسماعيل باشا وضمها إلى أملاك الدائرة السنية، ثم عادت ملكا للدولة في 20 / 6 / 1880م و ذلك في عهد الخديوي توفيق، و قد أصدر جمال عبد الناصر في 13 أغسطس 1956 القرار بقانون رقم 312 لسنة 1956، بإنشاء الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، و إلحاقها بوزارة الصناعة، و قد عقد مجلس إدارتها أول جلساته، بتاريخ أول سبتمبر سنة 1956، برئاسة عزيز صدقي، وزير الصناعة آنذاك، و منذ ذلك التاريخ قررت وزارة الصناعة إقامة مبنى جديد للهيئة في منطقة إمبابة على مساحة قدرها 35000 متر مربع تقريبا، كما زودتها بأحدث ماكينات الطباعة المتطورة حتى يتهيأ لها كل أسباب النهوض برسالتها.

    افتتحت الهيئة –رسميا– مبناها الجديد في عهد أنور السادات، حيث افتتحها إبراهيم سالم محمدين، وزير الصناعة آنذاك يوم السبت 28 جمادى الآخر سنة 1393 هـ الموافق 28 يوليو سنة 1973 م و اعتبرت الهيئة من الهيئات ذات الطابع الاقتصادي، و ذلك بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1039 لسنة 1979.

    معرض الصور

  8. 1830 م

    الخديوي إسماعيل

    6 دقائق قراءةالخديوي إسماعيل (31 ديسمبر 1830 – 2 مارس 1895) هو خامس حكام مصر من الأسرة العلوية وذلك من 18 يناير 1863 إلى أن خلعه عن العرش السلطان العثماني تحت ضغط كل من إنجلترا وفرنسا في 26 يونيو 1879. في فترة حكمه عمل على تطوير…

    الخديوي إسماعيل (31 ديسمبر 1830 – 2 مارس 1895) هو خامس حكام مصر من الأسرة العلوية وذلك من 18 يناير 1863 إلى أن خلعه عن العرش السلطان العثماني تحت ضغط كل من إنجلترا وفرنسا في 26 يونيو 1879. في فترة حكمه عمل على تطوير الملامح العمرانية والاقتصادية والإدارية في مصر بشكل كبير ليستحق لقب المؤسس الثاني لمصر الحديثة بعد إنجازات جده محمد علي باشا الكبير.

    تتجلّى فلسفة إسماعيل باشا بوضوح في عبارة قالها عام 1879: «لم تعد بلادي تنتمي فقط إلى إفريقيا؛ لقد أصبحنا الآن جزءًا من أوروبا أيضًا. ومن الطبيعي لذلك أن نتخلى عن أساليبنا السابقة ونتبنى نظامًا جديدًا يتناسب مع ظروفنا الاجتماعية.»

    في عام 1867، وبعد أن دفع تعويضًا ماليًا ضخمًا للسلطان العثماني، حصل إسماعيل باشا على فرمان سلطاني يعترف له بلقب «الخديوي» (نائب الملك)، مُفضلًا إياه على لقب «الوالي» الذي كان يُستخدم من قبل أسلافه في إيالة مصر والسودان (1517–1867). كما تمكّن من قصر وراثة هذا اللقب على نسله المباشر، مستبعدًا بذلك جميع أفراد أسرة محمد علي الآخرين من خط الخلافة.

    إلا أن السياسات التي انتهجها إسماعيل، رغم طابعها التحديثي، أوقعت خديوية مصر والسودان (1867–1914) في ديون خانقة، ما اضطر الحكومة إلى بيع حصة البلاد في شركة قناة السويس للحكومة البريطانية. وقد شكل هذا الحدث نقطة تحوّل خطيرة، عجّلت بتدخل مباشر من القوى الأوروبية في الشأن المصري. وتحت ضغط متواصل من بريطانيا وفرنسا، تم خلع إسماعيل من الحكم عام 1879.

    النشأة

    وُلد إسماعيل بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا في 31 ديسمبر 1830 في قصر المسافر خانة بحي الجمالية في القاهرة، وهو الابن الأوسط بين ثلاثة أبناء لإبراهيم باشا غير أشقاء وهم الأميرين أحمد رفعت ومصطفى فاضل. اهتم والده إبراهيم باشا بتعليمه، فتعلم مبادئ العلوم واللغات العربية والتركية والفارسية، بالإضافة إلى القليل من الرياضيات والطبيعة وقد أرسله والده وهو في سن الرابعة عشر إلى فيينا عاصمة النمسا، لكى يعالج بها من إصابته برمد صديدي، وأيضاً لاستكمال تعليمه، وقد بقي في فيينا لمدة عامين، ثم التحق بالبعثة المصرية الخامسة إلى باريس لينضم إلى تلاميذها، وكان من بينهم الأمير أحمد رفعت (شقيقه) والأميران عبد الحليم وحسين وهما من أبناء محمد علي وفي باريس درس علوم الهندسة والرياضيات والطبيعة، كما أتقن اللغة الفرنسية تحدثاً وكتابة وتأثر بالثقافة والمعمار الفرنسي كثيراً، ثم عاد إلى مصر في عهد ولاية والده إبراهيم باشا، وحين توفي إبراهيم خلفه في الحكم عباس حلمي الأول، وقد كان الأمير إسماعيل يكره ابن عمه عباس (فوالد عباس هو الأمير أحمد طوسون عم إسماعيل)، فلما تولى الحكم شعر إسماعيل وإخوته بكراهية عباس لهم، ثم مات جده محمد علي، واشتد الخلاف بين إسماعيل وبقية الأمراء بشأن تقسيم ميراث جده، وسافر إسماعيل وبعض الأمراء إلى الآستانه، وعيّنه السلطان عبد المجيد الأول عضواً بمجلس أحكام الدولة العثمانية، وأنعم عليه بالبشاوية، ولم يعد إلى مصر إلا بعد مقتل ابن عمه عباس وتولّى بعده عمه محمد سعيد ولاية مصر. وعندما عاد إسماعيل من الآستانة لقي من عمه سعيد عطفاً كبيراً، وعهد إليه برئاسة (مجلس الأحكام) الذي كان أكبر هيئة قضائية في البلاد في ذلك الوقت، وأرسله سعيد باشا سنة 1855 في مهمة سياسية لدى الإمبراطور نابليون الثالث بشأن رغبة سعيد باشا من الدول الأوروبية في توسيع نطاق استقلال مصر بعد اشتراكها مع الحلفاء في حرب القرم، فأدى إسماعيل تلك المهمة بما امتاز به من ذكاء ولباقة، ووعده نابليون الثالث بتأييد مقترحه في مؤتمر الصلح بباريس، ولكنه لم يحقق وعده، وكذلك قابل البابا بيوس التاسع. ثم أرسله سعيد باشا في جيش تعداده 14000 إلى السودان وعاد بعد أن نجح في تهدئة الأوضاع هناك.

    توليه الحكم

    بعد وفاة محمد سعيد باشا في 18 يناير 1863 حصل على السلطة دون معارضة وذلك لوفاة شقيقه الأكبر أحمد رفعت باشا ومنذ أن تولى مقاليد الحكم ظلَّ يسعى إلى السير على خطى جده محمد علي والتخلص تدريجياً من قيود معاهدة لندن 1840، وفي 8 يونيو 1867م أصدر السلطان عبد العزيز الأول فرمان منح فيه إسماعيل لقب الخديوي مقابل زيادة في الجزية، وتم بموجب هذا الفرمان أيضًا تعديل طريقة نقل الحكم لتصبح بالوراثة لأكبر أبناء الخديوي سنًا، كما حصل في 10 سبتمبر 1872 م على فرمان آخر يتيح له حق الإستدانة من الخارج دون الرجوع إلى الدولة العثمانية، وفي 8 يونيو 1873 م حصل الخديوي إسماعيل على الفرمان الشامل الذي تم منحه فيه إستقلاله في حكم مصر بإستثناء دفع الجزية السنوية وعقد المعاهدات السياسة وعدم حق في التمثيل الدبلوماسي وعدم صناعة المدرعات الحربية.

    إنجازات الخديوي إسماعيل

    في عهده تمت العديد من الإصلاحات:

    الإصلاح النيابي

    الإصلاح الإداري

    الإصلاح القضائي

    الإصلاح العمراني

    في المجال الاقتصادي

    المجال التعليمي والثقافي

    الأعمال الصحية

    كانت المسائل الصحية موضع عناية إسماعيل، وشاركه في هذه العناية نوابغ الأطباء في مصر وأعضاء مجلس شورى النواب، فقد وجّهوا همتهم جميعاً إلى تحسين أحوال البلاد الصحية، وكان للإدارة الصحية فضل كبير في مقاومة الأمراض ومكافحة الأوبئة، وخاصةً وباء الكوليرا الذي حلَّ بالبلاد سنة 1865، وكان أشد ما أصيبت به البلاد من الأوبئة في ذلك العصر وأنشئت مستشفيات عدة.

    الضغط الدولي

    لما جاءت بعثة كيف (Steven Cave) إلى مصر، لحظت فرنسا من إيفاد الحكومة الإنجليزية إياها أنها تريد الاستئثار بالنفوذ لدى إسماعيل، ولم تكن إنجلترا ترمي إلى النفوذ المالي فقط، بل كانت تقصد إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو التدخل السياسي، فنشط التنافس بين النفوذ الإنجليزي والنفوذ الفرنسي، ووصل هذا التنافس إلى حاشية إسماعيل وبلاطه، ففريق كان ينقاد إلى نفوذ الإنجليز، وفريق آخر كان يميل إلى النفوذ الفرنسي، وهذا يدل على مبلغ الضعف السياسي الذي تغلغل في كيان الحكومة بسبب الارتباك المالي، ولا شك فالمال هو عصب النفوذ السياسي.

    وقد اعتزمت الحكومة الفرنسية أن تعارض مسعى الحكومة الإنجليزية بمسعى مثله، فأوفدت هي أيضا أحد موظفيها، وهو المسيو فييه (بالفرنسية:Villet) ليعاون إسماعيل على تنظيم ماليته، فكانت ترمي بذلك إلى أن لا تنفرد الحكومة الإنجليزي بالتدخل في شئون مصر، فقدم مشروعا أبدى إسماعيل ميله إلى الأخذ به، فاستاءت الحكومة الإنجليزية من رجحان كفة النفوذ الفرنسي، وعارضت عمل إسماعيل بضربه آلمته كانت على اتفاق معه أن لا تذيع تقرير لجنة كيف حتى لا يسوء مركزه المالي فلما رأت منه ميلاً إلى أتباع المشورة الفرنسية لوّحت بأنها ستنشر التقرير فلما احتجّ إسماعيل على إذاعته أوعزت إلى أحد نواب البرلمان البريطاني أن يسأل متى ينشر التقرير؟ فكان جواب رئيس الوزارة البريطاني دزرائيلي (بالإنجليزية:Benjamin Disraeli) أنه لا يعارض نشره وأن الخديوي هو الذي يمانع في ذلك، فكان هذا الجواب أشد وطأة من نشر التقرير، لأنه ترك الأذهان تعتقد سوء حالة المالية المصرية، وأدى ذلك إلى نزول أسعار السندات المصرية نزولاً هائلاً.

    عزله عن الحكم

    أدت النزعة الاستقلالية للخديوي إسماعيل في حكم مصر إلى قلق السلطان العثماني، بالإضافة إلى الأطماع الإستعمارية لكل من إنجلترا وفرنسا لمصر وتحت ضغط كل من قنصلي إنجلترا وفرنسا على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أصدر فرماناً بعزل الخديوي إسماعيل في 26 يونيو 1879م وبُعث إلى مصر عن طريق التلغراف وجاء نص الفرمان الذي ورد من الآستانة كالتالي: (إلى سمو إسماعيل باشا خديوي مصر السابق، إن الصعوبات الداخلية والخارجية التي وقعت أخيراً في مصر قد بلغت من خطورة الشأن حداً يؤدي استمراره إلى إثارة المشكلات والمخاطر لمصر والسلطنة العثمانية، ولما كان الباب العالي يرى أن توفير أسباب الراحة والطمأنينة للأهالي من أهم واجباته ومما يقضيه الفرمان الذي خولكم حكم مصر، ولما تبين أن بقائكم في الحكم يزيد المصاعب الحالية، فقد أصدر جلالة السلطان إرادته بناء على قرار مجلس الوزراء بإسناد منصب الخديوية المصرية إلى صاحب السمو الأمير توفيق باشا، وأرسلت الإرادة السنية في تلغراف آخر إلى سموه بتنصيبه خديوياً لمصر، وعليه أدعو سموكم عند تسلمكم هذه الرسالة إلى التخلي عن حكم مصر احتراماً للفرمان السلطاني).

    وقد سافر إسماعيل بعد ثلاثة أيام إلى نابولي بإيطاليا، ثم انتقل بعدها للإقامة في الأستانة.

    الوفاة

    توفي في 2 مارس 1895 في قصر إميرجان في إسطنبول الذي كان منفاه أو محبسه بعد إقالته.

    تم نحت تمثال له من صنع الفنان الإيطالي بييترو كانونيكا، وأزاح الستار عنه الملك فاروق في 4 ديسمبر 1938 في مكانه الأصلي بميدان المنشية أمام الموقع الأول لقبر الجندي المجهول بالإسكندرية إلى أن نُقل بعد ذلك، وهو مقام حاليًا في ميدان الخديوي إسماعيل بكوم الدكة بالإسكندرية، وكان التمثال هدية من الجالية الإيطالية بالإسكندرية تقديرًا لاستضافة مصر للملك فيكتور عمانويل الثالث آخر ملوك إيطاليا بعد الإطاحة به عن عرشه.

  9. 1854 م

    محمد سعيد باشا

    دقيقة قراءة واحدةخاضت مصر في عهده حربين:

    من الأعمال في عهده

    حروب في عهده

    خاضت مصر في عهده حربين:

    شهدت مصر في عصره بدايات التدخل الأجنبي وذلك عن طريق القروض الأجنبية وامتياز قناة السويس 1) القروض الأجنبية: اعتمد سعيد باشا على رؤوس الأموال الأجنبية فاستدان من البيوت المالية الأوروبية وبذلك بدأت الأزمة المالية حيث عقد في 1862 أول قرض من أحد البنوك البريطانية ثم اندفع سعيد باشا بعد ذلك في الاستدانات فلجأ للمرابين يستدين منهم مقابل سندات على الخزانة المصرية 2) امتياز قناة السويس: منح سعيد باشا فرديناند دليسبس عقدين لامتياز قناة السويس حيث كان: الامتياز الأول نوفمبر 1854 يقضي بمنحه امتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس واستثمارها لمدة 99 عاما من تاريخ افتتاح القناة للملاحة الامتياز الثاني يناير 1856 جاءت شروطه مجحفة لمصر والمصريين حيث كانت أهم شروطه: 1) تمنح الحكومة الشركة الحق في: *إنشاء قناة السويس * إنشاء ترعة المياه الصالحة للملاحة النيلية (سميت بترعة الإسماعيلية فيما بعد) والتي تستمد مياهها من النيل وتصب في قناة السويس * إنشاء فرعين للري والشرب يستمدان مياههما من ترعة الإسماعيلية * فرض ما تشاء من رسوم على السفن التي تمر في قناة السويس أو ترعة الاسماعيلية 2) تتنازل الحكومة المصرية للشركة مجـانا عن جميع الأراضي المملوكة لها والمطلوبة لإنشاء قناة السويس وترعة الإسماعيلية 3) مد الامتياز 99 سنة تبدأ من افتتاح قناة السويس وتصبح القناة بعدها للحكومة المصرية 4) يكون أربع أخماس (80%) العمال من المصريين (أصبح ذلك شرط إلزاميا على الحكومة المصرية للشركة) 5) تحصل مصر على 15% من صافي الأرباح مقابل الأراضي والامتيازات الممنوحة للشركة 6) يصدق السلطان العثماني على امتياز حفر قناة السويس شرطا لصحته وترتب على ذلك: -فتح باب التدخل الأجنبي في شئون مصر -ارتباك الميزانية المصرية وتورط البلاد في الاستدانة من البنوك الأجنبية - عدم استفادة مصر شيئا من القناة في تلك الفترة فقد عادت أرباحها للشركة الأجنبية.

  10. 1874 م

    عباس حلمي الثاني

    7 دقائق قراءةهو أكبر أولاد الخديوي توفيق. ولد في غرة جمادى الآخرة سنة 1291 هـ (14 يوليو 1874)، والتحق في يناير 1881 بالمدرسة العلية التي كان أبوه قد أنشأها في عابدين، وفي سنة 1884، التحق وأخوه بمدرسة هكسوس بسويسرا، ثم انتقلا سنة…

    عن حياته

    هو أكبر أولاد الخديوي توفيق. ولد في غرة جمادى الآخرة سنة 1291 هـ (14 يوليو 1874)، والتحق في يناير 1881 بالمدرسة العلية التي كان أبوه قد أنشأها في عابدين، وفي سنة 1884، التحق وأخوه بمدرسة هكسوس بسويسرا، ثم انتقلا سنة 1888 إل مدرسة ترزيانوم بالنمسا لدراسة العلوم السياسية والعسكرية، ولدى بلوغه الثامنة عشرة مُنح رتبة الباشوية لكونه ولي عهد البلاد، وفي يوم الجمعة 8 يناير 1892، وردت إليه في مدينة فيينا برقية من رئيس مجلس النظار تبلغه بوفاة أبيه فاستعد للعودة إلى مصر، وفي اليوم التالي وصلت إلى رئيس مجلس النظار المصري برقية من الصدر الأعظم للدولة العثمانية بتولية عباس حلمي باشا خديوية مصر، وفقًا لفرمان وراثة الخديوية المصرية، ولذلك لكونه أكبر أبناء الخديوي المتوفى، وكلّف الصدر الأعظم رئيس مجلس النظار ـ بالاشتراك مع هيئة نظاره ـ بإدارة شؤون البلاد لحين وصول عباس حلمي إلى مصر.

    وصل عباس حلمي الثاني إلى الإسكندرية صباح السبت 16 يناير، ثم توجه من فوره بالقطار إلى القاهرة فوصلها في الثانية بعد ظهر اليوم ذاته، وفي يوم الإثنين 18 يناير تولى عباس حلمي شؤون منصبه رسميًا.

    حاول عباس حلمي الثاني أن ينتهج سياسة إصلاحية ويتقرب إلى المصريين ويقاوم الاحتلال البريطاني، فانتهز الإنجليز فرصة بوادر نشوب الحرب العالمية الأولى وكان وقتها خارج مصر، فخلعوه من الحكم وطلبوا منه عدم العودة ونصبوا عمه حسين كامل سلطانًا على مصر بدلًا من أن يكون خديوي. وفرضوا على مصر الحماية رسميًا، ويوجد في القاهرة كوبري باسمه وهو كوبري عباس الذي يربط بين جزيرة منيل الروضة والجيزة.

    أعماله بعد توليه الحكم

    بعد عام من توليه الحكم أقال وزارة مصطفى فهمي باشا، فوقعت أزمة مع إنجلترا، وتحدى المندوب السامي البريطاني لورد كرومر فأدى ذلك إلى زيادة شعبيته، فعندما ذهب لصلاة الجمعة في مسجد الحسين في 11 يناير 1893 دوّت الهتافات بحياته وارتفع صوت الدعاء له وعبر الجميع عن حبهم له. وأرسل لورد كرومر لوزارة الخارجية في إنجلترا بأن الخديوي في حوار معه قال له إن إنجلترا وعدت بترك مصر وشرفها مقيد بهذا الوعد وظهر هذا في تصاريح الوزراء في مجلس النواب بل وفي خطب الملك. وسافر الخديوي للأستانة ليشكر السلطان عبد الحميد الثاني على الثقة التي أولاها له ولينال تأيدة على الخطوات العودة المصرية لحضن الخلافة، وقد ذكر الخديوي في مذكراته أن السلطان عبد الحميد الثاني شجعه على معارضة إنجلترا. وعندما عاد الخديوي واصل سياسة التحدى للاحتلال، وبإيعاز منه قررت لجنة مجلس شورى القوانين رفض زيادة الاعتماد المخصص للجيش البريطاني وتخفيض ضرائب الأطيان وتعميم التعليم، فاتهمه الإنجليز بأنه نسق مع نظارة مصطفى رياض باشا ولجنة المجلس، ولهذا اضطرت نظارة مصطفى رياض باشا للرضوخ لرغبة الإنجليز وزيادة الاعتمادات.

    قوة الجيش

    على الرغم من الهزيمة السياسية له في هذه المعركة فإنه سرعان ما قرر خوض معركة جديدة، ففي 15 يناير 1894 زار أسوان ودعا 33 ضابطا لتناول الطعام معه، ثم أبدى للقائد العسكري الإنجليزي هربرت كتشنر بعض الملاحظات حول عدم كفاءة الجيش البريطاني، ولكن كتشنر لم يقبل هذه الملاحظات واعتبرها إهانة وأبلغ المندوب السامي لورد كرومر الذي بدوره أبلغ إنجلترا فثارت ضجة هناك وقالت الصحف إن الخديوي يعاملنا معاملة الأعداء وهددت بخلعه. وطلب لورد كرومر منه أن يصدر أمرًا عسكريًا يثني فيه على الجيش، فاضطر للإذعان في 21 يناير 1894. وإمعانًا في إذلاله طلبوا منه تغيير النظارة الحالية بأخرى بزعامة نوبار باشا.

    اشتباكات مع الإنجليز

    وكنتيجة للشعور الوطني لدى الشعب اشتبك الأهالي مع بعض البحّارة الإنجليز فطلب لورد كرومر منه تشكيل محكمة خاصة، وأنشأت المحكمة وأصدرت أحكامها عليهم تترواح بين الحبس 3 إلى 8 شهور. ومع توالي الهزائم اضطر لإيقاف الصدام مع الإنجليز مؤقتًا والتحول لميدان آخر وهو إصلاح الأزهر وتنصيب شيخ جديد وإرسال كسوة الكعبة. كما إن الحظ وقف معه باستقالة نوبار باشا لظروفه الصحية. وفي 19 سبتمبر 1897 عاد الصدام حيث اشتبك الأهالي في قليوب مع فصيلة إنجليزية، فحاصر الإنجليز البلدة.

    فتح السودان

    طلب الإنجليز من مصر إعادة فتح السودان بأموال مصرية ورجال من مصر، ومع هذا استولى الإنجليز عليها مما زاد من كراهية المصريين للإنجليز خاصة مع ظهور مصطفى كامل ومقالتة في جريدة اللواء ودعوته لوحدة مصر مع دولة الخلافة.

    حرب بين إنجلترا والعثمانيين في مصر

    حاول الإنجليز دق إسفين بين مصر والدولة العثمانية، وفكروا في إقالة قاضي القضاة العثماني وتعيين قاضي مصري، فصرح أن تعيين قاضي شرعي في مصر ليس من سلطته ولكن من سلطة الخليفة الأعظم، وفي لقائه مع لورد كرومر تمكّن الخديوي عباس من فرض وجهة نظره ليحقق انتصار سياسي بعد عدة هزائم.

    وفي 1904 وقع اتفاق ودي بين إنجلترا وفرنسا بمقتضاه تطلق إنجلترا يد فرنسا في مراكش وتطلق فرنسا يد إنجلترا في مصر، وبهذا خسرت مصر النقد اللاذع من الفرنسيين للإنجليز، فاضطر لمهادنتهم.

    حادثة دنشواي

    في عام 1906 وقعت حادثة في دنشواي، وعقدت محاكمة للأهالي وصدر ضدهم أحكام قاسية، وسافر مصطفى كامل لإنجلترا وشرح المأساة حتى نجح في خلق رأي عام ضد سياسة لورد كرومر في مصر، واستجابت الحكومة البريطانية ومجلس النواب، وهاجم الأديب أيرلندي جورج برنارد شو الاحتلال، فأعفي لورد كرومر من منصبه في 12 أبريل 1907.

    رحيل كرومر وما تلاه

    في حفل وداع لورد كرومر أثنى على الخديوي توفيق وعلى نوبار باشا وتجاهله. وأعلن أن الاحتلال البريطاني سيدوم وذلك في تحد له وللمصرين. وفي 7 يناير 1908 أعلن العفو عن 9 من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة في حادثة دنشواي.

    وفي عام 1908 أرسل وفد يطلب من وزارة الخارجية البريطانية منح مصر الحق في حكومة نيابية ذات سلطات معينة. وفي محاولة لإعادة سياسة الصدام وبإيعاز منه رفض البرلمان والحكومة مد امتياز قناة السويس على أساس إن هناك غبن وقع على مصر مقدارة 130 مليون جنية. وفي 27 سبتمبر 1911 وصل المندوب السامي الجديد هربرت كتشنر وحاول إجراء إصلاح محدود، فضم مجلس الشورى مع الجمعية العمومية في هيئة واحدة تسمى الجمعية التشريعية، وفي 22 يناير 1914 قام الخديوي بإصدار قرار بإنشاء الجمعية الجديدة وتعيين سعد زغلول رئيسًا لها.

    وصل إليه إن هناك رشوة للنظار وإفسادهم ضد ولي الأمر، فقال له هربرت كتشنر إن رغبت في تغيير النظارة فلن نرضى إلا أن تكون تحت رئاسة مصطفى فهمي باشا، وتم ذلك وطلب من الخديوي القضاء على الرشوة. وإمعانًا في إذلاله طلب هربرت كتشنر بتغيير مصطفى فهمي باشا فعين حسين رشدي باشا.

    وفي 21 مايو 1914 استقل يخت المحروسة في رحلة للخارج، وكان هذا آخر عهده في مصر، وكان آخر ما فعله توقيع أمرين بتنقلات وترقيات لرجال القضاء الأهلي ووضع سلطاته لرئيس الوزراء.

    محاولة اغتياله في إسطنبول

    أقام بعد مغادرته مصر في فرنسا متنكرًا، ثم غادرها لتركيا. وفي 25 يوليو 1914 بينما كان خارج من الباب العالي قام شاب مصري يدعى «محمود مظهر» بإطلاق الرصاص عليه. وقال عن الحادثة:

    وتسبب هذا الحادث في تأخير عودته لمصر في الوقت الذي نشبت فيه الحرب العالمية الأولى ولم يعد السفر عبر البحار مأمونًا، وطلب السفير الإنجليزي في تركيا من الخديوي العودة إلى مصر، إلا إنه تردد فطلب منه أن يرحل إلى إيطاليا إلى أن تسمح الظروف بالعودة إلى مصر، إلا إنه رفض. وكانت الحرب حتى ذلك الوقت بين إنجلترا وألمانيا، إلا أن إنجلترا تعرف إنه كان هناك عداء تركي للإنجليز جعلهم يتشككون في نواياه.

    خلعه عن الحكم

    كانت جميع الجهات في بريطانيا عدا الخارجية تطالب بخلعه، وفي 19 ديسمبر 1914 صدر القرار بعزله وجاء فيه:

    بقي المصريون فترةً طويلةً من 1914 إلى 1931 يهتفون في مظاهراتهم ضد الاستعمار بـ«عباس جاي» على أساس أنه رمز لسيادة مصر ونهاية الحكم الإنجليزي وأن خلعه تم من جانبٍ واحدٍ دونما موافقةٍ من قبله أو السلطان العثماني صاحب الحق الرسمي بتعيين حاكم مصر، لكنه تنازل عن كافة حقوقه في عرش مصر بعد مفاوضاتٍ أجراها رئيس الوزارة إسماعيل صدقي باشا مقابل ثلاثين ألف جنيهٍ دفعتها الحكومة المصرية.

    يرى بعضهم أنه لعب على حساباتٍ خاطئةٍ إذ وجد الدولة العثمانية تعادي روسيا حليفة إنجلترا، وأنه انتصار العثمانيين في الحرب ستؤدي لعودته إلى القاهرة رافعاً رايات النصر، ولكن بعد أربع سنوات احتل الإنجليز الشام وخسر العثمانيون الحرب وتصدعت دولة الخلافة.

    قانون تنظيم وراثة العرش في أسرة محمد على

    بعد حصول مصر على الاستقلال أصدر الملك فؤاد الأمر الملكي رقم 25 لسنة 1923 الخاص بتنظيم وراثة العرش في أسرة محمد علي وجاء في المادة الثالثة منه نص خاص يقضي باستثناء الخديوي عباس حلمي الثاني من تولّي العرش ولو استحقه طبقاً لقاعدة الأكبر من الذكور في أسرة محمد علي، وعليه غدا الأمير محمد عبد المنعم ابن الخديوي عباس حلمي يتطلع لفترةٍ طويلةٍ لعرش مصر باعتباره أكبر الذكور في العائلة.

    معرض الصور

  11. 1879 م

    الخديوي توفيق

    4 دقائق قراءةشكّل وزارته الأولى في عهد والده (10 مارس 1879 - 7 إبريل 1879)، وكانت تضم وزيرين أوروبيين، ولم تدم طويلاً، فقد احتدم الخلاف بينها وبين مجلس شورى النواب، واستهدفت لحركة معارضة انتهت بسقوطها وتأليف وزارة محمد شريف الأولى.

    حياته السياسية وفترة حكمه

    رئاسته الوزارة الأولى

    شكّل وزارته الأولى في عهد والده (10 مارس 1879 - 7 إبريل 1879)، وكانت تضم وزيرين أوروبيين، ولم تدم طويلاً، فقد احتدم الخلاف بينها وبين مجلس شورى النواب، واستهدفت لحركة معارضة انتهت بسقوطها وتأليف وزارة محمد شريف الأولى.

    حكومته

    توليه الحكم

    استلم الحكم في 26 يونيو 1879، بعد أن أجبر الإنجليز والفرنسيون أباه الخديوي إسماعيل على ترك منصبه، وذلك عندما حاول استدراك ما فاته، وبعد أن أغرق البلاد في ديون أجنبية ضخمة مهٌدت السبيل للأوروبيين للتدخل في شئون البلاد، حاول إسماعيل التصدي للنفوذ الأجنبي، فأجبروه على ترك منصبه لأكبر أبنائه توفيق.

    بعد تولّيه الحكم، استقالت نظارة شريف الأولى (7 أبريل 1879 - 5 يوليو 1879)، ولكن الخديوي طلب منه تأليف نظارة جديدة، فألٌفها في (5 يوليو 1879)، ولكنه اشترط على الخديوي أن تحكم وزارته بمقتضى دستور جديد، وحينما قدّم شريف ملامح الدستور الجديد مشتملاً على وجود مجلسًا للنواب، يكون له الرقابة على إدارة الدولة، رفض الخديوي توفيق ذلك، مما أدٌى إلى استقالة شريف باشا.

    رئاسته الوزارة الثانية

    رأس وزارته الثانية أثناء فترة حكمه (18 أغسطس 1879 - 21 سبتمبر 1879)، ولم تستمر طويلاً بسبب التدخل الأوروبي.

    حكومته

    بيع في عهده حصة مصر في أرباح قناة السويس (15%)، وكانت مرهونة لبعض الماليين الفرنسيين منذ عهد إسماعيل، وبذلك فقدت مصر ما تبقٌى لها من الفائدة المادية للقناة.

    حاول الخديوي توفيق استرضاء الأوروبيين، فنفى المصلح السياسي جمال الدين الأفغاني، وفرض العديد من القيود المالية التي طالب بها دائنو مصر، وذلك بموجب قانون التصفية الصادر عام 1880، الذي خصص أكثر من نصف إيرادات مصر لصالح الدين العام، وبذلك تمكّن الأجانب من السيطرة على الاقتصاد المصري.

    تذمر الضباط المصريون في عهده من اضطهاد عثمان رفقي وزير الجهادية (الحربية) الجركسي، وإجحافه بحقوقهم وتفضيل الجراكسة والأتراك عنهم، مما دفعهم إلى تقديم عريضة لمصطفى رياض -رئيس النظار- في فبراير 1881، للمطالبة بعزله. وبالرغم من تدبير مؤامرة للقبض على مقدمي العريضة واحتجازهم، إلا أن زملائهم تمكنوا من إطلاق سراحهم، وذهب الجميع إلى قصر عابدين وطلبوا من الخديوي عزل وزير الحربية، واضطر الخديوي إلى عزله، وتعيين محمود سامي البارودي وزيرًا للحربية.

    الثورة العرابية

    قام أحمد عرابي بثورة في 9 سبتمبر 1881، وكان من مطالبه: عزل رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب، وزيادة عدد الجيش إلى 18 ألف جندي، فبادر الخديوي بعزل الوزارة، وكلّف شريف باشا بتشكيل وزارة جديدة، فكوّن وزارة وطنية في 14 سبتمبر 1881، فبدأ الاستعداد لإجراء انتخابات النواب، وشرع شريف في وضع دستور للبلاد، يتضمن توسيع اختصاصات المجلس، وجعل الوزارة مسئولة أمامه، وغير ذلك من المزايا، عدا حق المجلس في مناقشة الميزانية حتى لا يؤدي ذلك لاحتجاج إنجلترا وفرنسا ويفتح الباب للتدخل الأجنبي.

    اعترض أعضاء المجلس على عدم إعطائهم حق مناقشة الميزانية، وطالبوا بهذا الحق، بينما اعترض المراقبان الأجنبيان إعطاء المجلس هذا الحق، لأنه يعني مسئوليتهما أمام مجلس النواب، وأسرعت إنجلترا وفرنسا بتعضيد موقف المراقبين، وأرسلتا للخديوي مذكرة مشتركة تبلغاه فيها رغبتهما في مساعدته للتغلب على المصاعب الداخلية والخارجية.

    قدّم شريف باشا استقالته نتيجة للخلاف مع مجلس النواب، فعهد الخديوي توفيق لمحمود سامي البارودي بتأليف الوزارة، وعيّن أحمد عرابي وزيرًا للحربية، ووضع البارودي برنامجًا للإصلاح، وأعلن عن عزمه على التصديق على الدستور الذي أقره الوطنيون.

    أرسلت إنجلترا وفرنسا أسطولهما للإسكندرية، وقدمتا مذكرة جديدة (25 مايو 1882) تطالب فيها بإقالة وزارة البارودي، وإبعاد أحمد عرابي عن مصر، وعبد العال حلمي وعلي فهمي للأرياف.

    استقال البارودي احتجاجًا على قبول الخديوي للمذكرة المشتركة الثانية، ورفض الضباط الثلاثة تنفيذ الأوامر بالخروج من القاهرة، وإزاء ذلك اضطر الخديوي إلى إبقاء عرابي في مركزه أمام تهديد حامية الإسكندرية، وطالب رؤساء الأديان بإبقاء عرابي وزملاؤه.

    قصف الإسكندرية

    تطورت الحوادث بحدوث مذبحة الإسكندرية (11 يونيو 1882)، ذهب ضحيتها عدد من المصريين والأجانب، وتألفت وزارة جديدة برئاسة راغب باشا، وظلّ عرابي وزيرًا للحربية، ولكن الوزارة الجديدة فشلت في إعادة الهدوء للبلاد.

    تذرعت إنجلترا بإصلاح العرابيين لطوابي الإسكندرية، وقامت بضرب الإسكندرية في 11 يوليو 1882. وأقام عرابي التحصينات في دمنهور وكفر الدوار لصد الإنجليز، وعزم على ردم قناة السويس لمنع دخول الإنجليز عن طريقها، ولكن ديليسبس وعده بمنع الأسطول الإنجليزي من المرور في قناة السويس، اعتمادًا على حيادها، ولكنه لم يفِ بوعده، فنقل عرابي تحصيانته إلى التل الكبير لوقف زحف الإنجليز الذين نزلوا في الإسماعيلية.

    ساءت أحوال العرابيين بسبب ضعف الجيش، وحلَّ الإنهاك به عقب وصوله للتل الكبير، فضلاً عن إعلان السلطان العثماني عصيان عرابي، كما أن الخديوي توفيق أعلن عزله، ودعا إلى عدم مقاومة الإنجليز، بالإضافة إلى ذلك خيانة بعض الضباط. وعلى ذلك دخل الإنجليز القاهرة بدون مقاومة في 14 سبتمبر 1882، واضطر عرابي إلى التسليم.

    تمخٌض عن الثورة العرابية في عهده إلى الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، كما فشل الجيش المصري في عهده في كبح الثورة المهدية في السودان عام 1881 وضياع السودان من مصر (1884 - 1885).

مصادر هذا الفصل (205)بحث أكاديمي31جهة رسمية5كتاب متخصص79موقع موثوق90

بحث أكاديمي(31)

  1. Kamusella · Central Europe's Limits in the North and the South · Slavic Research Center, Hokkaido University · 2023
  2. Mohammed Ali · Blackwood's Edinburgh Magazine · 1841
  3. Abir · Modernisation, Reaction and Muhammad Ali's 'Empire' · Middle Eastern Studies · 1977
  4. Did Muhammad Ali foster industrialization in early nineteenth-century Egypt? · The Economic History Review · 2015
  5. Fahmy · The Anatomy of Justice: Forensic Medicine and Criminal Law in Nineteenth-Century Egypt · Islamic Law and Society · 1999
  6. Verdery · The Publications of the Būlāq Press under Muhammad 'Alī of Egypt · Journal of the American Oriental Society · 1971
  7. Nineteenth-Century Attempted Escapes from the Periphery: The Cases of Egypt and Paraguay · Review (Fernand Braudel Center) · 1993
  8. Egypt's Age of Transition: Unintentional Cosmopolitanism during the Reign of Muhammad 'Alī (1805–1848) · Arab Studies Quarterly · 2014
  9. McSweeney · Versions and Visions of the Alhambra in the Nineteenth-Century Ottoman World · West 86th: A Journal of Decorative Arts, Design History, and Material Culture · 2015
  10. Brown · Who abolished corvée labour in Egypt and why? · Past & Present · 1994
  11. Fattovich · Recent Excavations at the Ancient Harbor of Saww (Mersa/Wadi Gawasis) on the Red Sea · Abgad: Journal of Archaeological Studies · 2016
  12. Hess · 'Israel in Egypt: The Evidence for the Authenticity of the Exodus Tradition', by James K. Hoffmeier · The Denver Journal · 1998
  13. Addison · Thomas Waghorn and the overland route · Journal of the Royal Central Asian Society · 1958
  14. Carminati · Port Said and Ismailia as Desert Marvels: Delusion and Frustration on the Isthmus of Suez, 1859–1869 · Journal of Urban History · 2020
  15. Harvey Wilson Harkness · Zoe · 1891
  16. Richards · Suez Canal, with directions for is pilotage · Proceedings of the Royal Geographical Society of London · 1869
  17. Bateman · Some Account of the Suez Canal, in a Letter to the President · Proceedings of the Royal Society of London · 1870
  18. Disraeli, Derby and the Suez Canal, 1875: Some Myths Reassessed · History · 2012
  19. Lord Cromer: Practitioner and Philosopher of Imperialism · Journal of British Studies · 1963
  20. Shlaim · The Protocol of Sèvres, 1956: Anatomy of a War Plot · International Affairs · 1997
  21. Khadduri · Closure of the Suez Canal to Israeli Shipping · Law and Contemporary Problems · 1968
  22. The Yom Kippur War: The Epic Encounter That Transformed the Middle East · Foreign Affairs · 2004
  23. A Review of Potential Tsunami Impacts to the Suez Canal · Journal of Coastal Research · 2012
  24. The Final Frontier: The Northern Sea Route · 2015
  25. Character and imperialism: The british financial administration of Egypt, 1878–1914 · Journal of Imperial and Commonwealth History · 2010
  26. Bowen · The Conflict of East and West in Egypt · Political Science Quarterly · 1886
  27. Bowen · The Conflict of East and West in Egypt. II · Political Science Quarterly · 1886
  28. Kronprinsparets resa · Nya Dagligt Allehanda · 1891
  29. Verdery · Brief Communications: The Publications of the Bulaq Press Under Muhammad Ali of Egypt · Journal of the American Oriental Society · 1971
  30. Abu-Manneh · The Islamic Roots of the Gulhane Rescript · Die Welt des Islams · 1994
  31. Hosny · The Amiri typeface · TUGboat · 2012

جهة رسمية(5)

  1. FAHMY · The era of Muhammad Ali Pasha,1805-1848
  2. Year's Lesson · UCLA Center for Near East Studies · 2003
  3. Meteorology (1.15) · Ebooks.adelaide.edu.au · 2010
  4. Alexandria Bombardment of 1882 Photograph Album · American University in Cairo · 1882
  5. Okerson · Near East Collection: Early Arabic Printing · 2009

كتاب متخصص(79)

  1. Özavcı · Dangerous Gifts: Imperialism, Security, and Civil Wars in the Levant, 1798-1864 · Oxford University Press · 2021
  2. Fahmy · All The Pasha's Men: Mehmed Ali, Hisarmy And The Making Of Modern Egypt · American University in Cairo Press · 2002
  3. Aksan · Ottoman Wars, 1700–1860: An Empire Besieged · Routledge · 2013
  4. The Ottoman Empire: A Historical Encyclopedia [2 volumes] · ABC-CLIO · 2017
  5. Elsie · A Biographical Dictionary of Albanian History · I.B.Tauris · 2012
  6. Hassan · In the House of Muhammad Ali: A Family Album, 1805–1952 · American University in Cairo Press · 2000
  7. Fahmy · All The Pasha's Men: Mehmed Ali,Hisarmy And The Making Of Modern Egypt · American University in Cairo Press · 2002
  8. Khalid Fahmy · All the Pasha's Men: Mehmed Ali, his Army and the Making of Modern Egypt · Cambridge University Press · 1998
  9. Robert Elsie · A Biographical Dictionary of Albanian History · I.B. Tauris · 2012
  10. Kiel · Ottoman Architecture in Albania, 1385–1912 · Research Centre for Islamic History, Art and Culture · 1990
  11. Katsikas · Islam and Nationalism in Modern Greece, 1821–1940 · Oxford University Press · 2021
  12. Cultural Sociology of the Middle East, Asia, and Africa: An Encyclopedia · SAGE · 2012
  13. Terri DeYoung · Mahmud Sami al-Barudi: Reconfiguring Society and the Self · Syracuse University Press · 2015
  14. A History of the Modern Middle East · 2016
  15. Karabell · Parting the desert: the creation of the Suez Canal · Alfred A. Knopf · 2003
  16. Charles Kupchan · Power in Transition: The Peaceful Change of International Order · United Nations University Press · 2001
  17. Karabel · Parting the desert: the creation of the Suez Canal · Alfred A. Knopf · 2003
  18. In the House of Muhammad Ali: A Family Album, 1805-1952 · American University in Cairo Press · 2000
  19. Doumani · Family History in the Middle East: Household, Property, and Gender · State University of New York Press · 2003
  20. Öztürk · "Remembering" Egypt's Ottoman Past: Ottoman Consciousness in Egypt, 1841-1914 · Ohio State University · 2020
  21. Tugay · Three Centuries: Family Chronicles of Turkey and Egypt · Oxford University Press · 1963
  22. Rogan · The Arabs · Penguin · 2011
  23. Mémoires d'un souverain · 1942
  24. Italia : Ministero dell'interno · Calendario generale del Regno d'Italia · Unione tipografico-editrice · 1891
  25. Statshaandbog for Kongeriget Danmark for Aaret 1889 · J.H. Schultz A.-S. Universitetsbogtrykkeri · 1889
  26. Hof- und Staatshandbuch des Großherzogtums Oldenburg: 1879 · Schulze · 1879
  27. Elaine Morgan · The Red Sea Pilot · Imray Laurie Norie & Wilson · 1995
  28. Sheehan · Babylon of Egypt: The Archaeology of Old Cairo and the Origins of the City · Oxford University Press · 2010
  29. Raymond · Cairo · Harvard University Press · 2000
  30. Abu-Lughod · Cairo: 1001 Years of the City Victorious · Princeton University Press · 1971
  31. Hall · The Search for the Ancient Suez Canal · Kansas City, Missouri
  32. Wilson, Sir Arnold T. · The Suez Canal · Oxford University Press. · 1939
  33. Headrick · The Tools of Empire : Technology and European Imperialism in the Nineteenth Century · Oxford University Press · 1981
  34. Russel · Egypt: The Opening of the Great Canal · "Scotsman" Office · 1869
  35. Ritchie · The Admiralty Chart · Hollis & Carter · 1967
  36. Kassir · Beirut · University of California Press · 2011
  37. Fawaz · Merchants and Migrants in Nineteenth-Century Beirut · 1983
  38. Anderson · A History of the Modern Middle East: Rulers, Rebels, and Rogues · Stanford University Press · 2016
  39. Dunstan · The Yom Kippur War 1973: 2, the Sinai. · Osprey · 2003
  40. Non-indigenous species in the Mediterranean and the Black Sea · Food & Agriculture Org. · 2021
  41. Rathbone · Great Britain and the Suez Canal · Chapman and Hall, Limited · 1882
  42. Wilson · The Suez Canal. Its Past, Present, and Future · Oxford University Press · 1939
  43. Ekmeleddin İhsanoğlu · The Turks in Egypt and their Cultural Legacy · Oxford Academic · 2012
  44. Holes · Modern Arabic: Structures, Functions, and Varieties · Georgetown University Press · 2004
  45. Bonné · The Economic Development of the Middle East: An Outline of Planned Reconstruction after the War · Routledge · 2003
  46. al-Sayyid Marsot · A Short History of Modern Egypt · Cambridge University Press · 1985
  47. Cuno · Encyclopaedia of Islam, Three · Brill · 2019
  48. Ibrahim · The Cambridge History of Egypt, Volume 2, Modern Egypt from 1517 to the End of the Twentieth Century · Cambridge University Press · 1998
  49. al-Sayyid Marsot · A History of Egypt: From the Arab Conquest to the Present · Cambridge University Press · 2007
  50. Bosworth · The New Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual · Edinburgh University Press · 1996
  51. Emirate, Egyptian, Ethiopian: Colonial Experiences in Late Nineteenth-Century Harar · Syracuse University Press · 2018
  52. Olender · Russo-Turkish Naval War 1877-1878. · 2017
  53. Yapp · The Making of the Modern Near East 1792-1923 · Routledge · 2014
  54. Tonsy · The Egyptian Army and the Muslim Brotherhood: Contemporary Political Power Dynamics · Routledge · 2021
  55. H. Aksan · Ottoman Wars, 1700-1870: An Empire Besieged · Routledge · 2007
  56. Fahmy · All the Pasha's Men: Mehmed Ali, His Army, and the Making of Modern Egypt · American University in Cairo Press · 2002
  57. Makdisi · Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth-Century Ottoman Lebanon · University of California Press · 2000
  58. Fawaz · An occasion for war: civil conflict in Lebanon and Damascus in 1860 · University of California Press · 1994
  59. Frontiers of the State in the Late Ottoman Empire: Transjordan, 1850–1921 · Cambridge University Press · 2002
  60. Bodart · Militär-historisches Kriegs-Lexikon (1618–1905) · C. W. Stern · 1908
  61. Revival: Ismail: The Maligned Khedive (1933) · Routledge · 2018
  62. Hughes · Middle East Railways · Continental Railway Circle · 1981
  63. M. Wattel, B. Wattel. · Les Grand'Croix de la Légion d'honneur de 1805 à nos jours. Titulaires français et étrangers · Archives & Culture · 2009
  64. Encyclopedia of the Ottoman Empire
  65. Tauris · Kitchener Hero and Anti-Hero · Bloomsbury USA · 1995
  66. Tanman · Nil kıyısından Boğaziçi'ne : Kavalalı Mehmed Ali Paşa Hanedanı'nın İstanbul'daki izleri = From the shores of the Nile to the Bosphorus : traces of Kavalalı Mehmed Ali Pasha Dynasty in İstanbul · İstanbul Araştırmaları Enstitüsu · 2011
  67. Statshaandbog for Kongeriget Danmark for Aaret 1895 · J.H. Schultz A.-S. Universitetsbogtrykkeri · 1895
  68. Morris · Pax Britannica: The Climax of an Empire · Harcourt Inc. · 1968
  69. Cromer · Abbas II · Macmillan and Co. · 1915
  70. Goldschmidt · Biographical Dictionary of Modern Egypt · Lynne Rienner · 2000
  71. Pollock · Kitchener: Architect of Victory, Artisan of Peace · Carroll & Graf Publishers · 2001
  72. Sayyid-Marsot · Egypt and Cromer: A Study in Anglo-Egyptian Relations · John Murray · 1968
  73. Abbas II, Khedive of Egypt · The Last Khedive of Egypt: Memoirs of Abbas Halmi II · Ithaca Press · 1998
  74. Gehan · Unfinished places : the politics of (re)making Cairo's old quarters · 2017
  75. Historical Aspects of Printing and Publishing in Languages of the Middle East · 2014
  76. Ihsanoglu · The Turks in Egypt and their Cultural Legacy · American University in Cairo Press · 2012
  77. Nemeth · Arabic type-making in the machine age : the influence of technology on the form of Arabic type, 1908-1993 · BRILL · 2017
  78. Ayalon · The Press in the Arab Middle East · Oxford University Press · 1995
  79. Conidi · Arabic types in Europe and the Middle East, 1514-1924 : challenges in the adaptation of the Arabic script from written to printed form.

موقع موثوق(90)

  1. The Royal House of Mehmet Ali
  2. Family tree of the House of Mohammed Aly
  3. The Royal Order of the Crown of Egypt
  4. History
  5. Travel - Yahoo Style
  6. His Highness Kavalali Ibrahim Pasa
  7. UQconnect, The University of Queensland
  8. Moslem Egypt and Christian Abyssinia; Or, Military Service Under the Khedive, in his Provinces and Beyond their Borders, as Experienced by the American Staff · 1880
  9. Welcome Fortune City Customers | Dotster · Members.fortunecity.com
  10. The Suez Canal – A vital shortcut for global commerce · World Shipping Council
  11. Number of ships passing through the Suez Canal from 1976 to 2021 · Statista · 2022
  12. Suez Canal Authority
  13. Suez Crisis · A&E Television Networks · 2009
  14. SCA Overview · Suez Canal Authority
  15. Feyrer · Distance, Trade, and Income – The 1967 to 1975 Closing of the Suez Canal as a Natural Experiment · National Bureau of Economic Research
  16. Egypt opens East Port Said side channel for navigation · Xinhua
  17. Suez Canal
  18. Cambyses II – King of Persia
  19. Jona Lendering · Darius' Suez Inscriptions · Livius.org
  20. Pithom Stele – translation of inscription
  21. Parry · Suez canal: what the 'ditch' meant to the British empire in the 19th century · 2021
  22. (reported by German historian Uwe A. Oster)
  23. Le canal de Suez – ARTE · Arte.tv · 2006
  24. Wie der Suezkanal in 150 Jahren die Welt verändert hat · 2019
  25. Pasquale Revoltella, l'imprenditore veneziano che rese grande la città di Trieste · 2020
  26. The Suez Canal formally opened to ships · StratScope
  27. The Dean Memorandum · Government of UK
  28. Rhodes James · Excerpt from 'Anthony Eden: A Biography' · Government of UK
  29. War of Attrition | History, Combatants, & Facts | Britannica
  30. Egyptian - Israeli Agreement on Disengagement of Forces in Pursuance of the Geneva Peace Conference (Sinai I) | UN Peacemaker
  31. Operationl Rheostat One – Royal Navy Minesweepers Arrive at Port Said to Help Clear the Suez Canal
  32. Operation Rheostat One – Fleet Clearance Diving Team at Work on the Wreck of the Mecca
  33. Operation Rheostat Two – The Suez Canal is Opened
  34. Naval Aviation News · 1974
  35. Egypt completes trial run of new Suez Canal channel extension · 2024
  36. Bulos · Dredgers try to free ship in Suez Canal, scene of plenty of past international drama · 2021
  37. OOCL Megaship Runs Aground in Suez Canal
  38. Schkvarkin · Mega container ship hard aground in Suez Canal · 2021
  39. Massive cargo ship becomes wedged, blocks Egypt's Suez Canal · 2021
  40. 'Anything you see in the stores' could be affected by Canal logjam, shipping experts say · 2021
  41. Giant Vessel Is Now Afloat, Inchcape Says: Suez Update · 2021
  42. vesselfinder.com
  43. Chairman of the Suez Canal Authority: The damage caused by the blockage may reach 1 billion US dollars – News Update · 2021
  44. Canal Characteristics · Suez Canal Authority · 2010
  45. Characteristics of the canal
  46. Navigation Circular "The New Suez Canal" No 5/2015 · Suez Canal Authority
  47. 'Attached Charts' to Navigation Circular 'The New Suez Canal' No 5/2015 · Suez Canal Authority
  48. Egypt announced the widening of the Suez Canal, expected to be completed within two years – News Update · 2021
  49. Traffic system · Egyptian Maritime Data Bank (EMDB)
  50. New Suez Canal
  51. Kingsley · Egypt to build new Suez canal · The Guardian · 2014
  52. Suez Canal Convoy System and passage
  53. BV classes EL-NASR floating bridge across Suez Canal · Bureau Veritas
  54. Kajima History · Kajima
  55. النقل تعيد كوبرى الفردان للحياة وإنشاء كوبرى جديد على قناة السويس الجديدة.. صور · 2023
  56. Salt-Corroded Tunnel Undergoes Major Renovation · Kajima.co.jp
  57. President Al Sisi inaugurated mega development projects in Central Sinai and Ismailia| The Arab Contractors
  58. Wie der Suezkanal in 150 Jahren die Welt verändert hat (German: How the Suez Canal changed the world in 150 years) · 2019
  59. DW documentary examines China's grip on Europe · 2020
  60. New Silk Road: Everything that belongs to the mega project (German) · 2022
  61. Egypt losing $800 mln monthly in Suez Canal revenues due to regional tensions: El-Sisi at Armed Forces annual Iftar - Politics - Egypt
  62. Giorgio Cafiero · Geopolitical Dynamics Surrounding Iraq's Ambitious Development Road Project · Arab Center Washington DC · 2025
  63. A new chapter: Iraq celebrates launch of TIR system · International Road Transport Union
  64. Suez Canal Economic Zone · Ministry of Investment, Egypt · 2016
  65. Qualifying Industrial Zones · 2018
  66. Egypt – From Autonomy To Occupation: Ismail, Tawfiq, And The Urabi Revolt · Country-data.com
  67. BBC – History – British History in depth: The Suez Crisis
  68. FRENCH SOMALI COAST 1708 – 1946 FRENCH SOMALI COAST | Awdalpress.com
  69. Heritage History – Putting the "Story" back into History · Heritage-history.com · 1904
  70. Britain Sudan Reconquest 1896–1899 · Onwar.com · 2000
  71. Egyptian Pound
  72. The Mamelukes are massacred in Egypt
  73. Küçük Kine: Turkey
  74. Ibrahim Pasha
  75. Movement · Mohammed Ali, the Founder of Modern Egypt · 2022
  76. The Egyptian empire 1805-1885
  77. Soszynski · Ikbal Hanim · Ancestry.com, Inc.
  78. History- On this day- Abbas II of Egypt
  79. Abbas II (Egypt) · Encyclopædia Britannica, Inc. · 2010
  80. Abbas II · Columbia University Press · 2000
  81. Abbas Hilmi · Cambridge University Press · 1990
  82. Abbas Hilmi Pasha · Chambers Harrap Publishers Ltd. · 2007
  83. Index Aa–Ag · 2014
  84. The Middle East and North Africa, 1792–1914: e. Egypt · Houghton Mifflin Company · 2001
  85. Vucinich · Abbas II · P. F. Collier · 1997
  86. The Bulaq Press
  87. مطبعة بولاق، مراحل إنشاء مطبعة بولاق
  88. النشاط المعجمي بين العربية والإيطالية (ج3)
  89. مشروع الخط الأميري :: Amiri Font Project
  90. Google Fonts

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة