تخطَّ إلى المحتوى
  • كل حقيقة تاريخية بمصدر مسجَّل ومستوى يقين معلَن
  • عربية وإنجليزية كاملتان — لا ترجمة آلية
  • 1072 علامةً هيروغليفيةً متحقَّق منها آليًّا
  • مجاني بالكامل — من غير حساب ومن غير إعلانات
  • 1958 مكانًا في مصر: متاحف ومعابد ومواقع أثرية ومحميات
  • تحدّي يومي جديد كل يوم بتوقيت القاهرة
  • اكتب اسمك بالهيروغليفي وحمّله خلفية أو صورة شخصية
  • بيانات مفتوحة ومصادر مذكورة — راجعنا بنفسك

العصر البطلمي

~305 – ~30 ق.م

5 فصول · 117 دقيقة قراءة · 254 مرجعًا

  1. ~305 ق.م

    بطليموس الأول

    9 دقائق قراءةبطليموس الأول سوطير، أو بطليموس المنقذ (367 ق.م.-283 ق.م.) (باليونانية: Πτολεμαίος Σωτήρ) أحد رفقاء ومؤرخي الإسكندر الأكبر المقدوني الذي أصبح حاكمًا لمصر ضمن الإمبراطورية المقدونية التي أسسها الإسكندر الأكبر، ثم أعلن…

    بطليموس الأول سوطير، أو بطليموس المنقذ (367 ق.م.-283 ق.م.) (باليونانية: Πτολεμαίος Σωτήρ) أحد رفقاء ومؤرخي الإسكندر الأكبر المقدوني الذي أصبح حاكمًا لمصر ضمن الإمبراطورية المقدونية التي أسسها الإسكندر الأكبر، ثم أعلن نفسه فرعونًا لمصر وأسس المملكة البطلمية نحو سنة 304/305 ق.م. التي حكمت مصر حتى وفاة كليوباترا السابعة سنة 30 ق.م.، وحوّل مصر إلى مملكة هلنستية تنشر الثقافة الإغريقية مركزها مدينة الإسكندرية.

    كان بطليموس الأول ابنًا لأرسينوي المقدونية إما من زوجها لاغوس أو من فيليب الثاني المقدوني والد الإسكندر الأكبر. كما كان بطليموس واحدًا من ضباط ورفقاء الإسكندر الذين كان يثق بهم. وبعد موت الإسكندر الأكبر سنة 323 ق.م.، استولى بطليموس على جثمان الإسكندر الأكبر وهو في طريقه للدفن في مقدونيا، ودفنه مؤقتًا في ممفيس إلى أن فرغ من بناء مقبرة له في الإسكندرية. بعد ذلك، انضم بطليموس إلى تحالف ضد بيرديكاس الوصي على عرش الإمبراطور المقدوني فيليبوس الثالث المقدوني. مما دفع بيرديكاس لغزو مصر، لكنه تعرض للاغتيال على يد ضباطه سنة 320 ق.م.، مما سمح لبطليموس ببسط سيطرته على مصر. وبعد حروب خلفاء الإسكندر، طالب بطليموس بضم المنطقة اليهودية جنوب بلاد الشام التي نازعه على حكمها سلوقس الأول ملك سورية حليفه السابق. سيطر بطليموس على قبرص وقورينا، وجعل من ربيبه ماغاس حاكمًا على قورينا.

    يُعتقد أن بطليموس ربما تزوج من محظيته ثايس خلال فترة حياة الإسكندر الأكبر، إلا أنه من المؤكد أنه تزوج من النبيلة الفارسية أرتاكاما بأمر من الإسكندر الأكبر. ثم تزوج بطليموس بعد ذلك من إيوريديس ابنة أنتيباتر الوصي على عرش الإمبراطورية المقدونية؛ وأنجبا بطليموس كيراونوس وميلياجر اللذان تتابعا على حكم مقدونيا كملوك. أما زوجته الأخيرة فهي برنيكي ابنة عم زوجته إيوريديس ووصيفتها. توفي بطليموس الأول سنة 282 ق.م. وخلفه ابنه من برنيكي بطليموس الثاني.

    نشأته وبداياته

    وُلد بطليموس المقدوني سنة 367 ق.م. أمه هي أرسينوي المقدونية. وفقًا لساتيروس المشّاء، فإن أرسينوي من نسل الإسكندر الأول المقدوني، وبالتالي فهي من الأسرة الأرغية التي تدّعي أنها من سلالة هرقل. ظاهرًيًا، فإن والد بطليموس هو لاغوس أحد النبلاء المقدونيين الذي ينحدر من مدينة إورديا، إلا أن العديد من المراجع القديمة تزعم بأن بطليموس كان في الحقيقة ابنًا غير شرعي لفيليب الثاني المقدوني. إن صحّ ذلك، فإن ذلك يجعل من بطليموس أخًا غير شقيق للإسكندر الأكبر. إلا أنه من المحتمل أن تكون تلك حكاية مُختلقة بعدئذ من أجل تمجيد أصول السلالة البطلمية.

    التحق بطليموس بحملات الإسكندر الأولى، وكان واحدًا من حراس الإسكندر الشخصيين السبعة. كما لعب دورًا بارزًا في حملاته الأخيرة في أفغانستان والهند. وشارك أيضًا في معركة إسوس، كقائد لميسرة جيش القائد بارمينيون. بعدئذ، صاحب بطليموس الإسكندر خلال رحلته الروحانية إلى سيوة حيث أعلن الإسكندر نفسه ابنًا لزيوس. وقد تولّى بطليموس القيادة للمرة الأولى في الحملة التي ابتعثها الإسكندر لقتال المتمرد بيسوس الذي نجح بطليموس في الإمساك به وسلّمه للإسكندر ليُعدم.

    خلفاء الإسكندر

    عند وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م.، يقال أن بطليموس حرض على تقسيم إمبراطورية الإسكندر في بابل. من خلال اتفاقية قسمة بابل، وقد عُيّن بطليموس ساتراب مصر نيابة عن الملكين الاسميين فيليبوس الثالث المقدوني والرضيع الإسكندر الرابع المقدوني. كما بقي كليومينس النقراطسي الذي كان آخر ساتراب لمصر عيّنه الإسكندر كنائب لبطليموس. ثم تحرّك بطليموس بعدئذ من تلقاء نفسه لإخضاع برقة. كانت العادة أن يستمدّ ملوك مقدونيا أحقيتهم في العرش بدفنهم لأسلافهم. ومن هذا المنطلق، أراد بطليموس أن يستبق بيرديكاس الوصي على عرش الإمبراطورية بمطالبته بجثمان الإسكندر متعللًا برغبة الإسكندر بأن يُدفن في معبد آمون في سيوة بدلًا من دفنه في المقابر الملكية في إيجة بمقدونيا.

    وبالرغم من وصية الإسكندر، حاول خلفاء الإسكندر ومن بينهم بيرديكاس دفن الإسكندر في مقدونيا. في نهاية سنة 322 ق.م. أو مع بداية سنة 321 ق.م.، وبينما كان جثمان الإسكندر لا يزال في سوريا في طريقه لمقدونيا، استولى بطليموس على الجثمان. وعاد به إلى مصر ودفنه مؤقتًا في ممفيس، ثم نقله بعدئذ إلى الإسكندرية حيث دفنه في مقبرة الإسكندر الأكبر التي شيدها من أجله. وبعد فترة وجيزة، انضم بطليموس للتحالف ضد بيرديكاس. ويبدو أن بيرديكاس اعتقد أن بطليموس يسعى من أجل العرش لنفسه، ولذلك اعتبر بطليموس أخطر منافسيه.

    أعدم بطليموس نائبه كليومينس النوكراتي بحجة أنه جاسوس لصالح بيرديكاس؛ فأزاح بذلك عقبة كبيرة كانت تعوق سلطته، ومن ثمّ تمكّن أيضًا من الاستيلاء على الثروة التي جمعها كليومينس، واستخدم تلك الأموال في تجنيد جنود إغريق مرتزقة، وفي استقطاب طائفة من الضباط المخلصين.

    الحروب والتنافسية

    في سنة 321 ق.م.، حاول بيرديكاس غزو مصر. قرر بطليموس أن يدافع ضد قوات بيرديكاس حتى لا يعبر نهر النيل، واستطاع أن يُفقد بيرديكاس 2,000 من رجاله عند فياسكو. أثرت تلك الهزيمة بشدة على سمعة بيرديكاس، ثم تعرض بيرديكاس للقتل في خيمته على يد اثنين من أتباعه. بعد مقتل بيرديكاس، عُرض على بطليموس أن يكون وصيًا على عرش الإمبراطورية، إلا أنه اعتذر. فضّل بطليموس أن يحافظ على قاعدة تنطلق منها قواته، بدلًا من أن يغامر بمواجهة كافة خلفاء الإسكندر.

    في الحروب الطويلة بعدئذ بين القادة الذين خلفوا الإسكندر، كان هدف بطليموس الأول تأمين حكمه لمصر، ومن ثمّ تأمين حكم المناطق المحيطة: برقة وقبرص وكامل سورية بما في ذلك المقاطعة اليهودية. استولى بطليموس للمرة الأولى على سورية سنة 318 ق.م.، وفرض الحماية على مملكة قبرص. وعندما حاول أنتيغونوس الأول حاكم آسيا المقدوني سنة 315 ق.م. توسعة أراضيه، انضم بطليموس إلى التحالف الذي تشكّل ضده، وتحسُّبًا للحرب أخلى سورية من قواته. وفي قبرص، قاتل بطليموس الجنود المرتزقة الموالين لأنتيغونوس، ثم غزا الجزيرة مرة أخرى سنة 313 ق.م. كما سحق تمردًا في قورينا في نفس السنة.

    وفي سنة 312 ق.م.، غزا بطليموس وسلوقس ساتراب بابل سورية، وهزما ديميتريوس بن أنتيغونوس في معركة غزة. ثم أعاد بطليموس بسط سيطرته على سورية، بعد بضعة أشهر فقط من إخلائه لها بعد هزيمة قواته أمام قوات ديميتريوس. وفي سنة 311 ق.م.، عقد المتحاربون سلامًا. وبعد فترة وجيزة من هذا الاقتتال، تعرض الملك الصبي ذي الثلاثة عشر عامًا الإسكندر الرابع للقتل في مقدونيا بأمر من كاسندر، مما عزّز من سلطات بطليموس في مصر.

    لم يدم السلم طويلًا، ففي سنة 309 ق.م أمر بطليموس أسطولًا بحريًا بانتزاع المدن الساحلية في ليقيا وكاريا من أنتيغونس، ثم واصل الأسطول طريقه نحو اليونان وسيطر على كورنث وسيكيون وميغارا سنة 308 ق.م. وفي سنة 306 ق.م. هاجم أسطول كبير يقوده ديميتريوس قبرص، وهزم مينيلوس شقيق بطليموس، وأسره بعد أن هزمه هزيمة ساحقة في معركة سلاميس. وبذلك فقد بطليموس قبرص تمامًا.

    وعندما أعلن الساترابان أنتيغونوس وديميتريوس أنفسهما ملكيين سنة 306 ق.م.، قام بطليموس وكاسندر وليسيماخوس وسلوقس بالمثل. وفي شتاء سنة 306 ق.م.، حاول أنتيغونوس استغلال انتصاره السابق في قبرص، وبعث حملة لغزو مصر؛ لكن بطليموس نجح في الحفاظ على مواقعه فيها، غير أنه بعد خسارته لقبرص، لم يشنّ أي حملات بحرية ضد أنتيغونوس. وعلى الرغم من ذلك، فقد أرسل بطليموس مساعدات كبيرة لأهالي رودس أثناء حصار ديميتريوس لهم سنتي 304-305 ق.م.، مما جعل أهالي الجزيرة يشعرون بالامتنان لبطليموس، ومنحوه مرتبة الشرف الإلهية.

    وعندما تجدّد التحالف ضد أنتيغونوس سنة 302 ق.م.، انضم بطليموس للتحالف، وغزا سورية للمرة الثالثة في الوقت الذي كان فيه أنتيغونوس وليسيماخوس يقتتلان في الأناضول. ولما بلغته أنباء نصر أنتيغونوس الحاسم في الأناضول، سارع بطليموس بإخلاء سورية. ولكن بعد أن وردت أنباء مقتل أنتيغونوس وهزيمة قواته أمام قوات ليسيماخوس سلوقس في معركة إبسوس سنة 301 ق.م.، أعاد بطليموس احتلال سورية للمرة الرابعة.

    قرر باقي أعضاء التحالف ضد أنتيغونوس منح سورية لسلوقس، متجاهلين بطليموس، مما أشعل حربًا لمئة سنة حول أحقية حكم جنوب سورية (التي هي المقاطعة اليهودية) بين السلوقيين والبطالمة. ومنذ ذلك الحين، لم يُقحم بطليموس نفسه في حروب التنافس على الأناضول واليونان؛ ففقد ما اكتسبه من أراض في اليونان، ولكنه أعاد غزو قبرص سنتي 294-295 ق.م. وفي قورينا، وبعد سلسلة من التمردات حوالي سنة 300 ق.م.، أخضعها بطليموس، وجعل ربيبه ماغاس حاكمًا لها.

    زواجاته وأبناؤه وخلفاؤه

    خلال حياة الإسكندر، كان لبطليموس ثلاثة أبناء من محظيته «ثايس» التي ربما كانت أيضًا زوجته، وهم لاغوس وليونتسكوس وأيريني التي تزوجها إيونوستوس السولوي في قبرص. وفي بلاد فارس، تزوج بطليموس من النبيلة الفارسية أرتاكاما بأمر من الإسكندر. وفي حوالي سنة 322 ق.م.، تزوج بطليموس إيوريدس ابنة أنتيباتر الوصي على مقدونيا، وأنجبا خمسة أبناء قبل أن ينبذها: ثلاثة أبناء بطليموس كيراونوس ملك مقدونيا القديمة بين سنة سنتي 279-281 ق.م.؛ و«ميلاجير» الذي خلف أخيه لشهرين سنة 279 ق.م.؛ وابنًا ثالثًا قُتل على يد أخيه غير الشقيق بطليموس الثاني بعد تمرده في قبرص؛ إضافة إلى ابنتين «بُطليميس» التي تزوجت ديميتريوس الأول المقدوني؛ و«ليساندرا» التي تزوجت الإسكندر الخامس المقدوني أولًا، ثم تزوجت أغاثوكليس بن ليسيماخوس. تزوج بطليموس مرة أخرى من برنيكي الأولى ابنة عم زوجته إيوريدس التي جاءت إلى مصر مع أبنائها من زواج سابق، وأنجبا أرسينوي وفيلوتيرا وبطليموس الثاني. تزوجت ابنتهما أرسينوي من ليسيماخوس ثم من أخيها غير الشقيق بطليموس كيراونوس، ثم أخيرًا أخيها الشقيق بطليموس الثاني.

    في سنة 285 ق.م.، جعل بطليموس ابنه بطليموس الثاني فيلادلفوس ولي عهده. مما جعل ابنه الشرعي الأكبر بطليموس كيراونوس يلجأ إلى بلاط ليسيماخوس. توفي بطليموس الأول في يناير سنة 282 ق.م. عن عمر يناهز الرابعة والثمانين. كان بطليموس داهية حذر، استطاع أن يؤسس لحكم منتظم بعد أربعين سنة من الحروب. كما كان لسمعته الطيبة وتحرره أثره في التحاق الجنود الإغريق بخدمته، كما استطاع أن يوازن في معاملته بين الإغريق وسكان البلاد الأصليين من المصريين. كان بطليموس أيضُا مُحبًا للكتب، فأسس مكتبة الإسكندرية العظيمة. حكمت سلالة البطالمة مصر نحو ثلاثة قرون، كانت فيها عاصمتها الإسكندرية مركزًا هلنستيًا ينشر ثقافة الإغريق، ولم ينته حكمهم إلا مع موت كليوباترا السابعة سنة 30 ق.م.

    تاريخ حملات الإسكندر المفقود

    كتب بطليموس بنفسه تأريخًا لحملات الإسكندر الأكبر إلا أنه هذا التأريخ مفقود. في القرن الثاني قبل الميلاد، اعتمد آريانوس النيقوميدي تأريخ بطليموس ليكون أحدَ مصدريه الأساسيين (جنبًا إلى جنب مع تأريخ أرسطوبولوس الكاساندري) لكتابة «مسيرة الإسكندر الأكبر»، لذا يُعتقد أن أجزاءً كبيرةً من تاريخ آريانوس ليست إلا إعادة صياغة لتأريخ بطليموس. استشهد أريانوس ببطليموس في كتابه في مناسباتٍ قليلةٍ، حين ذكر أنه أحد مصادر كتابه الأساسية وقال بأن بطليموس من المصادر الموثوق بها:.

    كان تأريخ بطليموس المفقود يعتبر عملًا موضوعيًا، تميّز بأمانته ووضوحه، لكن الأعمال الحديثة تنظر إلى تأريخه بعين الشك. يزعم المؤرخ إرينغتون أن تاريخ بطليموس متحيز ومُضلّل، وسعى فيه بطليموس للتشويه المنظم لسمعة بيرديكاس أحد منافسي بطليموس الرئيسين بعد وفاة الإسكندر الأكبر. على سبيل المثال، في سرد آريانوس لسقوط ثيفا سنة 335 ق.م. سفّه بطليموس دور بيرديكاس في الأحداث. يزعم المؤرخ رويسمان أن بطليموس تعمّد تحريف دور بيرديكاس بصورةٍ مبالغةٍ إلى حدٍّ كبير.

    عصر بطليموس الأول

    نظرًا للحروب والصراعات العديدة التي خاضها بطليموس، اهتم بطليموس بالجيش، وكان جيشه يتألف من 18,000 من المشاة إضافة إلى 4,000 من الفرسان، وكانوا خليطًا من المقدونيين والمرتزقة والمصريين الأصليين. كما أسس قوة بحرية قوية قاعدتاها الإسكندرية في مصر وبافوس في قبرص. خاضت عملياتها الحربية في شرق البحر المتوسط وبحر إيجة، كما سيطرت على الملاحة في مجرى نهر النيل وفي البحر الأحمر وصولًا إلى المحيط الهندي.

    وعندما وصل بطليموس إلى مصر كسا ترابها الجديد، اتخذ من ممفيس قاعدة لحكمه، ولم ينتقل إلى الإسكندرية إلا بعد سنوات. وقد اهتم بطليموس بعمرانها، وأسس أيضًا مدينة «Ptolemais Hermiou» على الطراز الإغريقي في موقع مدينة المنشأة بسوهاج الآن، على أنقاض قرية «Bsoi» المصرية القديمة لتكون عاصمة لمصر العليا.

    كما أدرك بطليموس أهمية الدين في حياة المصريين، وأنه من أهم الوسائل للتقريب بين المصريين والإغريق حكام البلاد الجدد، وخاصة أن المصريين كانوا لا يزالون ينظرون إلى الإغريق كمحتلين، لذا لجأ بطليموس إلى الدعوة إلى عبادة إله جديد توفيقي مصري إغريقي سمّاه سيرابيس، وهو إله إغريقي المظهر يحمل صفات الإلهين المصريين أوزيريس وآبيس، وله قوى الآلهة الإغريقية هاديس وديميتر وديونيسوس، وجعل عبادته هي الديانة الرسمية للدولة.

    اهتم بطليموس الأول في عهده بالعلوم. ويُعتقد أنه هو من أسس متحف ومكتبة الإسكندرية وفق نصيحة ديميتريوس الفالرومي. وكان المتحف في عصره مركزًا للأبحاث يدعمه بطليموس بنفسه، وجعل موقعه في القسم الملكي من مدينة الإسكندرية، بل وخطّ منازل للعلماء في هذا القسم الملكي. وكان من أبرز العلماء الذين كانوا مشمولين برعايته الرياضياتي العظيم إقليدس. كتب إقليدس كتاب الأصول الذي كان صعب الفهم، لذا فقد طلب بطليموس منه أن يجعله أسهل لتدريسه. وفقًا لبرقلس، رد بطليموس بسخرية:."

  2. ~285 ق.م

    مكتبة الإسكندرية

    14 دقيقة قراءةمكتبة الإسكندرية القديمة، وعُرفت باسم مكتبة الإسكندرية الملكية أو المكتبة العظمى، هي كبرى مكتبات عصرها، وشُيّدت في العصر البلطمي. يُنسب التأسيس في بعض الروايات إلى بطليموس الأول، بينما تُشير روايات أخرى إلى أن الإسكندر…

    مكتبة الإسكندرية القديمة، وعُرفت باسم مكتبة الإسكندرية الملكية أو المكتبة العظمى، هي كبرى مكتبات عصرها، وشُيّدت في العصر البلطمي. يُنسب التأسيس في بعض الروايات إلى بطليموس الأول، بينما تُشير روايات أخرى إلى أن الإسكندر الأكبر وضع فكرتها قبل نحو ثلاثة وعشرين قرنًا، كما تُرجع مصادر أخرى تأسيسها إلى بطليموس الثاني في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، خلال الفترة بين عاميّ 285 و247 قبل الميلاد. تعرّضت المكتبة للعديد من الحرائق أدت إلى تدميرها في عام 48 ق.م، وفي عام 2002 أُعيد إحياؤها باسم مكتبة الإسكندرية الجديدة.

    التاريخ

    اختلف المؤرخون حول الجهة التي أنشأت المكتبة، إذ يرى بعضهم أن الإسكندر الأكبر أدخلها ضمن تخطيط مدينة الإسكندرية، وكان صاحب فكرة إنشائها، بينما ينسبها آخرون إلى بطليموس الأول، في حين يذهب فريق ثالث إلى أنها أُسست في عهد بطليموس الثاني، بوصفه من أكمل مشروعها، وتُشير روايات تاريخية إلى أن بطليموس الأول أمر بتأسيس المكتبة وتنظيمها على نفقته، ثم تابع بطليموس الثاني استكمالها وتوسيعها.

    تكوّنت نواة مكتبة الإسكندرية على يد ديمتريوس الفاليري اليوناني أثناء وجوده في بلاد اليونان، إذ عمل مستشارًا لبطليموس الأول، وأسهم في تنظيم المكتبة ووضع أسسها. جرى إعداد تخطيط معماري وموضوعي يعكس الفكر اليوناني وعلوم العصر، كما يظهر خلاف حول سنة إنشائها؛ فبعض المصادر تذكر عام 330 قبل الميلاد، بينما تُشير مصادر أخرى إلى عام 288 قبل الميلاد.

    المكتبة القديمة

    كانت مكتبة الإسكندرية الملكية أول مكتبة حكومية عامة عُرفت في التاريخ، وظلّت أكبر مكتبات عصرها. أنشأها خلفاء الإسكندر الأكبر قبل أكثر من ألفي عام، لتضم أكبر مجموعة من الكتب في العالم القديم، إذ بلغ عدد مقتنياتها آنذاك نحو 700 ألف مجلد، شملت أعمال هوميروس ومكتبة أرسطو.

    صدر أمر إنشائها في عهد بطليموس الأول عام 330 قبل الميلاد، وحُظيت بإنفاق واسع في عهد بطليموس الثاني الذي وسّعها وأضاف إليها ملحقات جديدة، واحتوات المكتبة عددًا هائلًا من الكتب والمخطوطات وصل إلى نحو 700 ألف مجلد.

    ترجع شهرة مكتبة الإسكندرية القديمة، المعروفة باسم "ببليوتيكا دي الإسكندرينا"، إلى كونها أقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم، لا لأنها أول مكتبات العالم؛ إذ كانت مكتبات المعابد الفرعونية معروفة لدى قدماء المصريين، لكنها اقتصرت على الكهنة فقط، كما أن البطالمة الذين أسسوها كانوا على دراية واسعة بثقافة المكتبات.

    تنبع عظمتها أيضًا من احتوائها علوم وكتب الحضارتين الفرعونية والإغريقية، إذ تحقق فيها تمازج علمي والتقاء ثقافي وفكري بين علوم الشرق وعلوم الغرب، فغدت نموذجًا مبكرًا للعولمة الثقافية التي أفرزت الحضارة الهلينستية، نتيجة تزاوج الفرعونية والإغريقية، وتزداد أهميتها بأهمية القائمين عليها، إذ فُرض على كل عالم يدرس فيها أن يودع نسخة من مؤلفاته. كما استفادت من موقعها في مركز العلم وصناعة البردي وأدوات الكتابة في مصر، فجمعت ما كان في مكتبات المعابد المصرية وما احتوته من علوم أون. وأخيرًا، تميّزت بتحرر علمائها من قيود السياسة والدين والجنس والعرق، إذ كان العلم فيها موجّهًا للبشرية جمعاء، فلا يُسأل الوافد إليها أو الدارس فيها إلا عن علمه، دون اعتبار لدينه أو قوميته.

    حريق المكتبة

    في عام 48 ق.م قام يوليوس قيصر بحرق 101 سفينة كانت موجودة على شاطئ البحر المتوسط أمام مكتبة الإسكندرية بعدما حاصره بطليموس الصغير شقيق كليوباترا بعدما شعر أن يوليوس قيصر يناصر كليوباترا عليه، وامتدت نيران حرق السفن إلى مكتبة الإسكندرية فأحرقتها حيث يعتقد بعض المؤرخون أنها دمرت.

    في حين يذكر التاريخ كذلك أنه قد لحق بالمكتبة أضرار فادحة في 391 م عندما أمر الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول بتدميرها، ويطرح بعض المؤرخون نظرية أخرى أنه رغم حريق ثيودوسيوس الأول فإن المكتبة قد صمدت حتى العام 640م، حيث يقول بعض المؤرخين أنها دمرت تماما إبان فترة حكم عمرو بن العاص لمصر بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. في حين ينفي مؤرخون آخرون، مثل جوستاف لوبون أي صلة للمسلمين وعمرو بن العاص في حريق المكتبة، ويصفون هذا الاتهام بالخرافة والأسطورة حيث يقولون أن عمرو بن العاص دخل الإسكندرية في العام 642م في وقت لم تكن مكتبة الإسكندرية موجودة حتى يحرقها حيث يقولون أنه ثبت أن مكتبة الإسكندرية تم إحراقها عن آخرها في زمن الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر عام 48 ق.م ".

    حيث لم ترد في كتب الأقدمين كاليعقوبي، والبلاذري، وابن عبد الحكم، والطبري، والكندي، ولا في تاريخ من جاء بعدهم وأخذ منهم كالمقريزي، وأبي المحاسن، والسيوطي، وغيرهم.

    وبحسب الرواية التي تتهم المسلمين بحرق المكتبة، فإنه بعد دخول العرب للإسكندرية في 22 ديسمبر عام 640 م. وتدمير أسوار المدينة، حدث أن تعرف عمرو بن العاص على عالم لاهوت مسيحي طاعن في السن (تلميذ الفيلسوف السكندري أمونيوس السابق ذكره، وهو معروف لدى العرب باسم يحيى النحوي، وقد ساهمت كتاباته إلى حد كبير في نقل الثقافة الإغريقية للعرب). وبعد العديد من الجدالات الدينية بين يوحنا وعمرو بخصوص التثليث والتوحيد وألوهية السيد المسيح طلب يوحنا من عمرو الحفاظ على الكتب الموجودة في مكتبة الإسكندرية لأن، حسب قول يوحنا، «بخلاف مخازن وقصور وحدائق المدينة، فإن تلك الكتب ليست ذات فائدة لعمرو أو لرجاله». حينئذ استغرب عمرو وسأل عن أصل تلك الكتب وفائدتها، فسرد له يوحنا قصة مكتبة الإسكندرية منذ تأسيسها على يد بطليموس الثاني. ولكن عمرو بن العاص رد عليه قائلا أنه ليس بإمكانه التصرف دون أخذ مشورة عمر بن الخطاب. فكتب بن العاص خطابا لبن الخطاب يستشيره في أمر المكتبة والكتب. بينما كان يوحنا وعمرو في انتظار الرد، أذن الأخير ليوحنا بزيارة المكتبة برفقة تلميذه الطبيب اليهودي فيلاريتيس Philaretes (وهو مؤلف كتاب طبي عن النبض وهو الكتاب المنسوب خطأً ليوحنا فيلوبونوس). وبعد عدة أيام أتى رد عمر بن الخطاب والذي قرأه وترجمه عمرو بن العاص على مسمع كلا من يوحنا وفيلاريتيس، وفيه ما معناه: «...وأما الكتب التي ذكرتها فان كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة بنا إليها». وهكذا أمر عمرو بن العاص بتوزيع الكتب على حمامات الإسكندرية لاستخدامها في إيقاد النيران التي تُبقي على دفء الحمامات.

    ويذكر المؤرخ المسلم القفطي في كتابه تراجم الحكماء أن إحراق تلك الكتب قد استمر لما يقارب الستة أشهر، وأن الكتب الوحيدة التي نجت من الحريق كانت بعض كتب الفيلسوف الإغريقي أرسطو وبعض كتابات إقليدس الرياضي وبطليموس الجغرافي. ورواية إحراق العرب لكتب مكتبة السيرابيوم كما ذكرها القفطي -وهو أقدم وأول من ذكرها على الإطلاق -مذكورة أيضا في كتب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار لشيخ المؤرخين المصريين تقي الدين المقريزي، والفهرس لابن النديم. كما يؤيد ابن خلدون في كتابه مقدمة ابن خلدون رواية إحراق العرب لمكتبة الإسكندرية وذلك بالنظر لسلوك العرب في نفس العصر، ومن أمثلة ذلك السلوك إلقاء سعد بن أبي وقاص لكتب الفرس في الماء والنار، وذلك بناء على أمر عمر بن الخطاب الذي بعث لبن أبي وقاص قائلا «إن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله». ولكن هذه الرواية لا تصح عند كثيرين من المؤرخين البارزين. يُرجع البعض إحراق مكتبة الإسكندرية ليوليوس قيصر (100-44 ق.م.). وأحد أهم سنائد هذا الادعاء هو ما دوّنه يوليوس قيصر نفسه في كتابه Alexandrian War من أن النيران التي أشعلها جنوده لإحراق الأسطول المصري الموجود في ميناء الإسكندرية قد امتدت لتلتهم مخزنا مليئا بأوراق البردي يقع قريبا من الميناء. ولكن من الدراسة الجغرافية لموقع مكتبة الإسكندرية في حي بروخيون Bruchion بعيدا عن الميناء يتضح أن هذا المخزن يستحيل أن يكون المكتبة. كما أن شبهة حرق يوليوس قيصر لمكتبة الإسكندرية من السهل دحضها من خلال قراءة كتاب Geography للمؤرخ سترابو Strabo الذي زار الإسكندرية حوالي سنة 25 ق.م. والذي يستمد مادته العلمية من المصادر التاريخية التي كانت موجودة في مكتبة الإسكندرية في ذلك الوقت. وبالإضافة لذلك فإن سيسرو Cicero أشهر مؤرخي الامبراطورية الرومانية، والذي عُرف بعدائه الشديد ليوليوس قيصر، لم يذكر إطلاقا واقعة إحراق يوليوس قيصر لمكتبة الإسكندرية في كتابه الشهير Philippics مما يعد دليلا إضافيا على براءة يوليوس قيصر من تلك التهمة.

    ورغم ذلك فإن بعض المؤرخين يتفقون على أن يوليوس قيصر هو بالفعل من قام بإحراق مكتبة الإسكندرية. وأحد هؤلاء المؤرخون هو بلوتارخ Plutarch في كتابه Life of Caesar الذي كتبه في نهاية القرن الأول الميلادي والذي ذكر فيه أن مكتبة الإسكندرية قد احترقت بفعل الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر لتدمير الأسطول المصري المرابط في ميناء الإسكندرية. وفي القرن الثاني الميلادي، وفي كتابه Attic Nights، يذكر المؤرخ الروماني أولوس جليوس Aulus Gellius أن المكتبة الملكية الإسكندرية قد أُحرقت بطريق الخطأ عندما أشعل بعض الجنود الرومان التابعون ليوليوس قيصر بعض النيران. وفي القرن الرابع يتفق المؤرخان الوثني أميانوس مرسلينوس Ammianus Marcellinus والمسيحي أوروسيوس Orosius على أن مكتبة الإسكندرية قد أُحرقت خطأً بسبب الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر. ولكن في الغالب هنا أن هؤلاء المؤرخين قد خلطوا بين الكلمتيّن اليونانيتيّن bibliothekas بمعنى مجموعة من الكتب وbibliotheka بمعنى مكتبة، وعلى هذا فقد ظنوا أن ما كُتب سابقا عن حرق بعض الكتب القريبة من الميناء والموجودة في بعض المخازن هو حرق لمكتبة الإسكندرية الشهيرة.

    وعلى هذا، وبالنظر لما كتبه المؤرخون الرومان السالف ذكرهم، فمن المرجح أن المكتبة الملكية الإسكندرية قد أُحرقت بعد زيارة سترابو للمدينة حوالي 25 ق.م. ولكن قبل بداية القرن الثاني الميلادي، وإلا ما كان هؤلاء المؤرخون قد ذكروا حادثة حرقها ونسبهم إياها خطأً يوليوس قيصر. والنتيجة هي أن المكتبة قد دُمرت في الغالب بفعل شخص آخر غير يوليوس قيصر ولكن الأجيال التالية للحادثة اعتادت الربط بين الحريق الذي وقع في الإسكندرية إبان وجود يوليوس قيصر فيها وبين إحراق المكتبة.

    ولكن من المعروف أن مكتبة الإسكندرية الملكية، أو المتحف كما كان يُطلق عليها حيث كانت تضم أصول العديد من أمهات الكتب في العالم، لم تكن المكتبة الوحيدة الموجودة في مدينة الإسكندرية، بل كانت هناك مكتبتان آخرتان على الأقل: مكتبة معبد السيرابيوم ومكتبة معبد السيزاريون. واستمرار الحياة الفكرية والعلمية في الإسكندرية بعد تدمير المكتبة الملكية، وازدهار المدينة كمركز العلوم والآداب في العالم ما بين القرن الأول الميلادي والقرن السادس الميلادي، قد اعتمدا على وجود هاتين المكتبتين وما احتوتاه من كتب ومراجع. ومن الموثق تاريخيا أن المكتبة الملكية كانت مكتبة خاصة بالأسرة المالكة وبالعلماء والباحثين، بينما كانت مكتبا السيرابيوم والسيزاريون مكتبتنيّن عامتيّن مفتوحتيّن أمام عامة الشعب. ويعود الفضل في إنشاء المكتبة الملكية لبطليموس الثاني فيلادلفيوس بينما أسس ابنه بطليموس الثالث معبد السيرابيوم والمكتبة الملحقة به. ولاحقاً عُرفت مكتبة السيرابيوم باسم المكتبة الأبنة Daughter Library. وبينما كان موقع المكتبة الملكية في حي بروخيون Bruchion الملكي بالقرب من القصور والحدائق الملكية، فقد كانت مكتبة السيرابيوم ومعبد السيرابيوم الذي للإله سيرابيس في حي راكوتيس Rhakotis الشعبي. وبينما حوت المكتبة الملكية النسخ الأصلية لمعظم كتب العالم، فقد كان من المعتاد وضع نسخ من تلك الأصول في مكتبة السيرابيوم.

    وبعد إحراق المكتبة الملكية صارت مكتبة معبد السيرابيوم، الأكبر حجما من مكتبة معبد السيزاريون، المكتبة الرئيسية لمدينة الإسكندرية. وأول إشارة تاريخية لتلك المكتبة كانت في كتاب The Apology للعلامة المسيحي ترتليان Tertullian، حيث يذكر أن مكتبة البطالمة محفوظة في مكتبة السيرابيوم، وأن من ضمن ما تحتويه من كتب نسخة للعهد القديم يذهب يهود الإسكندرية لسماعها تُقرأ في المكتبة. وإذا اعتبرنا أن مكتبة البطالمة هي المكتبة الملكية، فيمكن القول بأن ما تم إنقاذه من كتب أصلية من مكتبة الإسكندرية الملكية قد تم نقله لمكتبة السيرابيوم لتوضع بجانب النسخ التي كانت موجودة بالفعل في تلك المكتبة الابنة. وهذا التحليل مدعم بما هو مذكور في رسالة ارستياس Letter of Aristeas (كاتب سكندري يهودي) والتي يرجع تاريخ كتابتها لنهاية القرن الأول الميلادي، من أن مخطوطات المكتبة الملكية قد نُقلت لمكتبة السيرابيوم. وفي عام 379 م. يعود القديس يوحنا ذهبي الفم لذكر مكتبة السيرابيوم في كلامه الموجه للأنطاكيين من أن مكتبة السيرابيوم تحوي نسخة العهد القديم التي أمر بطليموس الثاني فيلادلفيوس بترجمتها من العبرية لليونانية.

    ثم في عام 391 م. قام بعض مسيحيي الإسكندرية بتحريض من البابا ثيوفيلوس بابا الإسكندرية بتدمير معبد السرابيون الوثني وبناء كنيسة فوق أنقاضه. ولكن تدمير السرابيون لم يطل مكتبته وذلك في الغالب لاحتوائها على العديد من أمهات الكتب المسيحية واليهودية بالإضافة للكتب العلمية الأخرى والتي كانت محل اهتمام العديد من العلماء الوثنيين والمسيحيين على السواء. وحتى نهاية القرن السادس الميلادي نجد العديد من الإشارات التاريخية لوجود مكتبة السيرابيوم في الإسكندرية، ومن تلك الإشارات وصف الفيلسوف السكندري امونيوس Ammonius لتلك المكتبة ولما حوته من كتب، مثل نسختيّن لكتاب المصنفات Categories لأرسطو.

    وللباحث السوري الدكتور صلاح كَزَّارة كتاب "حريق مكتبة الإسكندرية فِرْيةٌ ظالمة أُلصِقَت بالعرب المسلمين"، نُشر ملخَّص له في جريدة أخبار الخليج بالمنامة، العدد 7559، الخميس 2 أكتوبر (تشرين الأول) 1998. وله أيضًا مقالة بعنوان "متى بدأت أكذوبة حَرْق العرب مكتبة الإسكندرية"، جريدة الحياة بلندن، العدد 13714، الخميس 28 سبتمبر (أيلول) 2000.

    محاولات بعث من جديد

    في سنة 2002 وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة «اليونسكو» تم تدشين مكتبة الإسكندرية الجديدة وتقع كلتا المكتبتين في مدينة الإسكندرية بمصر. وظل الحلم في إعادة بناء مكتبة الإسكندرية القديمة وإحياء تراث هذا المركز العالمي للعلم والمعرفة قد راود خيال المفكرين والعلماء في العالم أجمع.

    كانت البداية مع إعلان الرئيس السابق مبارك إعلان أسوان العام 1990 لإحياء المكتبة القديمة.

    و مكتبة الإسكندرية هي أحد الصروح الثقافية العملاقة التي تم إنشاؤها، وتم تدشين مكتبة الإسكندرية الجديدة في احتفال كبير حضره ملوك ورؤساء وملكات ووفود دولية رفيعة لتكون منارة للثقافة ونافذة مصر على العالم ونافذة للعالم على مصر.

    وهي أول مكتبة رقمية في القرن الواحد والعشرين وتضم التراث المصري الثقافي والإنساني، وتعد مركزًا للدراسة والحوار والتسامح. ويضم هذا الصرح الثقافي:

    مكتبة تتسع لأكثر من ثمانية ملايين كتاب، ست مكتبات متخصصة، ثلاثة متاحف، سبعة مراكز بحثية، معرضين دائمين، ست قاعات لمعارض فنية متنوعة، قبة سماوية، قاعة استكشاف ومركزا للمؤتمرات.. بنيت مكتبة الإسكندرية الجديدة لتسترجع روح المكتبة القديمة فالمكتبة تطمح لأن تكون:

    الحكماء

    فاق عددهم المائة في أكثر فترات المكتبة تألّقاً فكانوا ينقسمون إلى فريقين حسب التصنيف الذي وضعوه هم بأنفسهم الفيلولوجيون والفلاسفة. كان الفيلولوجيون يدرسون النصوص والنحو بكل تعمّق فبلغت الفيلولوجيا مرتبة كبرى العلوم فكان لها اتصال بعلم التاريخ والمثيوغرافيا. بينما يدرس الفلاسفة بقية العلوم سواء كانوا مفكرين أو علماء.

    و من بين أجيال العلماء الذين تعاقبوا على مكتبة الإسكندرية وعملوا بها الساعات الطوال الدراسة والتمحيص، عباقرة حفظ التاريخ أسماءهم مثل أرخميدس (مواطن سيراقوسة)، وطوّر بها اقليدس هندسته، وشرح هيبارخوس للجميع حساب المثلثات وطرح نظريته القائلة بجيومركزية العالم فقال أنّ النجوم أحياء تولد وتتنقّل لمدة قرون ثمّ تموت في نهاية المطاف، بينما جاء أريستارخوس الساموزي بالأطروحة المعاكسة أي نظرية الهليومكزية (وهي القائلة بحركة الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس وذلك قبل كوبرنيكوس بعدّة قرون).

    نجد كذلك ومن بين جملة العلماء الذين عملوا في المكتبة إراتوسثينس والذي ألّف جغرافيّةً وأنجز خريطة على قدر كبير من الدقّة، وهيروفيلوس القلدوني وهو عالم وظائف استنتج أنّ مركز الذكاء هو الدماغ وليس القلب. كما كان من روّاد المكتبة الفلكيون طيمقريطس وأرسطيلو وأبولونيوس البرغامي وهو رياضي معروف، وهيرون الإسكندراني مخترع العجلات مسنّنة وآلات بخارية ذاتية الحركة وصاحب كتاب أفتوماتكا وهو أول عمل معروف عن الروبوتات. وفي مرحلة لاحقة وحوالي القرن الثاني في نفس المكان الفلكي كلاوديوس بطليموس وعمل بالمكتبة أيضا غالينوس الذي ألّف أعمالاً كثيرة حول فن الطب والتشريح، وعمل أيضًا ألكسندر الأيتولي.

    التوسعة والهدم

    كما ذكرنا سابقا فإنّ المكتبة كانت جزءا من الموسيون ولكنها وفي مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجما كبيرين وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق على مقربة منها.

    يعتقد أن الملحق أو «المكتبة الوليدة» أنشأت بأمر بطليموس الثالث إفيرغيتيس، حيث أنشئ هذا الملحق على هضبة حي راكوتيس (والمعروف اليوم بحي كرموز)، في مكان من الإسكندرية بعيدا عن شاطئ البحر في معبد قديم شيّده البطالمة الأوائل للإله سيرابيس وسمي السرابيوم.

    استطاعت هذه المكتبة الصمود وعبور القرون مكتسبة كسابقتها شهرة وأهمية كبيرتين في شتى أرجاء العالم. وقد حافظ الأباطرة الرومان، في ما بعد، على المكتبة وطوّروا تجهيزاتها بنظام تدفئة مركزية بمد أنابيب عبر الحوائط وذلك للحفاظ على جفاف الجو داخل المستودعات الأرضية.

    مجموعات مكتبة الإسكندرية القديمة

    وعندما عرف تجار الكتب أن هناك سوقاً للكتب في الإسكندرية أسرعوا إلى مصر لبيع أندر الكتب وأثمن الوثائق للبطالمة.كما كانت المكتبات الشخصية مجالاً خصباً لتغذية مكتبة الإسكندرية بمجموعات كبيرة كما هو الحال بالنسبة لمكتبة أرسطو ومكتبة تيوفراستوس. ومن طرق الحصول على الكتب، تفتيش حمولات السفن التي كانت ترسو في ميناء الإسكندرية ومصادرة أية كتب توجد على متنها وتستنسخ منها نسخ فقط تعطى لأصحابها ويحتفظ بالأصول في المكتبة مع أية تعويضات تطلب إذا كانت هناك أية مشاكل في هذا الإجراء.ومن خلال هذه الطرق تجمع عدد ضخم من الكتب شمل الإنتاج الفكري اليوناني المكتوب كله، وربما تكون المكتبة الرئيسية قد ضاقت بما تجمع فيها من كتب، مما استدعى إنشاء مكتبة فرعية لها في معبد السيرابيوم. وليست هناك أرقام محددة عن حجم المجموعات أو عدد الكتب التي كانت موجودة في المكتبتين. وقد أعطى الكتاب الإغريق أرقاماً مختلفة عن عدد الكتب (اللفافات) التي كانت مقتناه في المكتبة، ويجب أن نعرف أن اللفافة الواحدة قد تنطوي على عدد من الأعمال كما أن الكتاب الواحد قد يقع في عدد من اللفافات.وتشير الأرقام إلى أن المكتبة الرئيسية بالمتحف كانت تضم 400 ألف لفافة غير مصنفة و90 ألف لفافة و800 مرتبة ومصنفة. وهذه الأرقام تسجل ما كانت عليه المجموعات في زمن كاليماخوس الذي توفي في سنة ما بين 235 و240 ق.م. وتؤكد الوثائق أن أقصى رقم وصلت إليه المجموعة هو 700 ألف مجلد حتى القرن الأول قبل الميلاد، أي قبل الحريق الجزئي الذي عساه يكون قد وقع مع ضرب «يوليوس قيصر» للإسكندرية. ومن المؤسف أنه ليست لدينا أرقام مؤكدة بعد ذلك التاريخ وبعد تعويض كليوباترا كما قيل بمكتبة برجاموم بعد سقوطها في يد أنطونيو عام 41 ق.م والتي قدرت بنحو 200 ألف لفافة، وكانت فخراً للملوك الاتاليين، كذلك فمن الصعب معرفة الاتجاهات الموضوعية لمقتنيات المكتبة حيث لم يصلنا حتى الفهرس الذي وضعه كاليماخوس للمجموعات، والذي يُطلق عليه بيناكس.

  3. ~196 ق.م

    حجر رشيد

    25 دقيقة قراءةحجر رشيد نصب تذكاري من حجر الجرانوديوريت، دونت عليه نقوش ثلاث نسخ من مرسوم صدر عام 196 قبل الميلاد في عهد الملك بطليموس الخامس إبيفانس البطلمي. كتب النصان الأعلى والأوسط باللغة المصرية القديمة أحدهما بالخط الهيروغليفي…

    حجر رشيد نصب تذكاري من حجر الجرانوديوريت، دونت عليه نقوش ثلاث نسخ من مرسوم صدر عام 196 قبل الميلاد في عهد الملك بطليموس الخامس إبيفانس البطلمي. كتب النصان الأعلى والأوسط باللغة المصرية القديمة أحدهما بالخط الهيروغليفي والثاني بالديموطيقي، وكتب النص الثالث الأدنى باللغة اليونانية القديمة. ويعتبر الحجر مفتاح فك رموز الخطوط المصرية، إذ مكنت نصوصه الثلاث شبه متطابقة علماء الآثار من تحديد المقابلات الصوتية للرموز المصرية القديمة.

    أصدر المرسوم كهنة من منف لتمجيد بطليموس الخامس وتأليهه، وأتى النقش أيضا على التمرد المصري على الحكم البطلمي وبعض من قرارات بطليموس. يرجح أن الحجر نحت لينصب بأحد المعابد، ويقال أن المعبد المقصود كان بمدينة سايس (صا الحجر). ونُقل الحجر على الأغلب من موقعه الأصلي في أواخر العصور القديمة أو في العصر المملوكي، وانتهى به الأمر في طابية رشيد بالقرب من المدينة على أحد فرعي نهر النيل. وعثر عليه هناك الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار في يوليو 1799 إبان الحملة الفرنسية على مصر.

    يُعدُّ الحجر أول حجر مصري قديم مزدوج اللغة يُكتشف في العصر الحديث ولهذا أثار اهتمامًا كبيرًا بين علماء الآثار لفرصة أن يفكوا منه رموز الخط الهيروغليفي الذي كان مجهولًا آنذاك، وسرعان ما انتشرت نسخ منه في المتاحف الأوروبية وبين علماء القارة. وعندما هزم البريطانيون فرنسا بالإسكندرية في عام 1801 استولوا على الحجر ونقلوه إلى بلادهم. ثم وضع الحجر بالمتحف البريطاني في عام 1802 وظل الحجر معروضا للجمهور طوال تلك السنين وهو القطعة الأكثر زيارة بالمتحف.

    بدأت دراسة الحجر بإدراك أن نقوشه الثلاث متطابقة وهي أول قفزة حصلت في سياق فك رموزه. ثم توصّل العلماء في عام 1802 إلى أن النص الديموطيقي يستخدم رموزًا صوتية لتهجئة الأسماء الأجنبية. ونشرت أول ترجمة كاملة للنص اليوناني في عام 1803، ثم اكتُشف في عام 1814 أن الأسماء الأجنبية بالنصين الهيروغليفي والديموطيقي كُتبت صوتيًا، وأن النصين يتشبهان كثيرًا. ونشر جان فرانسوا شامبليون بباريس في عام 1822 ترجمته للنصوص المصرية، وأدرك العلماء كذلك بين عامي 1822 و1824 أن الرموز الصوتية استُخدمت أيضًا في كتابة الكلمات المصرية الأصلية.

    اكتُشفت لاحقًا ثلاث نسخ أخرى مجزأة من المرسوم نفسه، وتوجد حاليًا العديد من النقوش المصرية التي دونت عليه نص واحد بخطين أو ثلاث منها مراسيم أقدم من حجر رشيد مثل مرسوم الإسكندرية الذي نحت بعام 243 ق.م ومرسوم كانوب الذي نُقش بعام 238 ق.م، و الذي صدر في عهد بطليموس الرابع قرابة عام 218 ق.م. ويظهر من ذلك عدم فرادة حجر رشيد إلا أن السبق في اكتشافه جعله المفتاح الرئيس للفهم الحديث للأدب والحضارة المصرية القديمة.

    وصفه

    حجر رشيد من الجرانوديوريت، لكن مظهره داكن قليلا ويشبه البازلت، لأنه لُوِّن وقتما وصل لندن بالطبشور الأبيض لإيضاح نقوشه، في حين طُليت بقيته بشمع الكرنوبة لحمايته من لمسات الزوار. أُزيلت هذه الإضافات عند تنظيف الحجر بعام 1999، ليظهر بلونه اللون الرمادي الداكن الأصلي، وبريقه البلورية، والعرق الوردي الموجود في زاويته العلوية اليسرى. وأظهرت المقارنات مع لعينات الصخور المصرية أن الحجر يتشابه بشكل كبير مع الصخور المستخرجة من محجر جبل تنجار الواقع على الضفة الغربية لنهر النيل غرب إلفنتين وبالقرب من أسوان؛ إذ يُعد العرق الوردي سمة مميزة للجرانوديوريت المستخرج من تلك المنطقة.

    يبلغ ارتفاع الحجر في أقصاه، وعرضه، وسُمكه، ويزن قرابة. وجه الحجر مصقول ونقوشه سطحية وجوانبه مستوية، أما ظهره فخشن وغير مصقول نظرًا لأنه لم يكن ليُرى عند نصب الشاهد. دونت على الحجر ثلاث نقوش: النص الأعلى بالهيروغليفية المصرية والأوسط بالخط الديموطيقي والأدنى باللغة الإغريقية. اللغة التي كتب بها النص الهيروغليفي هي اللغة المصرية الوسطى الحديثة خلف اللغة المصرية الوسطى التي كانت تكتب بها النصوص الدينية الرسمية والتي انقرضت قبل نحت الحجر بقرون، أما النص الديموطيقي فهو خط اللغة المصرية التي كانت منطوقة في العصر البطلمي.

    يُتفق على أن الحجر جزء من شاهد أكبر، لم يُعثر على أجزاء أخرى منه في الموضع الذي اكتشف فيه حجر رشيد. ونظراً لتضرر الحجر فالنصوص الثلاث ناقصة وليست كاملة. النص المكتوب بالهيروغليفية في الأعلى هو الأكثر تضرراً؛ إذ لم يبقَ منه سوى الأسطر الأربعة عشرة الأخيرة وكلها ناقصة من الجانب الأيمن واثني عشر سطرًا منها ناقص من الجهة اليسرى. في حين أن النقش الديموطيقي الأوسط هو الأحسن حالا إذ يتكون من 32 سطراً، الأربعة عشر سطرًا الأولى بها بعض النقص من الجهة اليمنى. أما النقش الإغريقي الأدنى فيتكون من 54 سطرًا، الأسطر السبعة والعشرين الأولى سليمة تماماً، بينما الأسطر المتبقية ناقصة بسبب كسر مائل في الجزء السفلي الأيمن من الحجر.

    يمكن تقدير الطول الكامل للنص الهيروغليفي والحجم الكلي للشاهد الأصلي مقارنة بالشواهد الأخرى السليمة ومنها النسخ الأخرى لهذا المرسوم. فمرسوم كانوب الذي نحت بعام 238 ق.م في عهد بطليموس الثالث، يبلغ ارتفاعه وعرضه، ويحتوي على 36 سطراً من الكتابة الهيروغليفية، و73 سطراً من الكتابة الديموطيقية، و74 سطراً من الكتابة الإغريقية، وتتقارب أطوال نصوص الحجرين. وبالمقارنة فيقدر أن الحجر فقد 14 إلى 15 سطراً إضافياً من الكتابة الهيروغليفية بأعلى الشاهد والتي كان ليبلغ طولها قرابة إضافية. ويمكن وجود مشهد للملك وهو يُقدم القرابين للآلهة يعلوه قرص الشمس المجنَّح أعلى الحجر مثل النقش الموجود بشاهد كانوب. تشير هذه المقارنات مع العلامة الهيروغليفية الموجودة على الحجر والتي تعني "شاهد" (انظر قائمة جاردنر) إلى أن قمة هذا الحجر كانت مستديرة، ويقدر أن طوله الأصلي كان نحو.

    سياق المرسوم ومضمونه

    أصدر المرسوم مجمع لكهنة مدينة منف لتمجيد بطليموس الخامس وتأليهه، وأيضا لترسيخ شرعية حكم البطالمة في فترة اضطربت فيها أحوال البلاد. يذكر النقش الديموطيقي أن هذا المجمع انعقد يوم 4 كسانديكوس في و18 أمشير في التقويم المصري، ما يوافق 27 مارس 196 ق.م أي في السنة التاسعة من حكم بطليموس الخامس. يُشير النص إلى أن اليوم الذي توج فيه بطليموس كان في شهر مارس أيضًا، ويختلف النقشان الإغريقي والهيروغليفي في هذه النقطة إذ يوردان أنه تُوج يوم 27 نوفمبر 197 ق.م. ولا يعرف سبب لهذا التضارب.

    يتجلى أمر الاضطراب السياسي في أن بطليموس الخامس قد تولى الحكم وهو في الخامسة من العمر بعد مقتل والديه بطليموس الرابع وأرسينوي في مؤامرة دبرتها عشيقة والده وفقًا للمصادر المعاصرة. وتولى المتآمرون حكم مصر فعليًا تحت غطاء الوصاية على بطليموس الخامس، حتى أن اندلعت بعد ذلك بعامين ثورة قادها الجنرال، وفيها قتل الغوغاء أغاثوكليا وعائلتها. ثم أبعد تليبوليموس عن الوصاية عام 201 ق.م ليصبح الوزير الأول الوصي على العرش.

    اندلعت في الوقت ذاته ثورة بجنوب مصر قادها حوروينفر ومن بعده خلفه عنخوينيفر. وزاد من حدة هذه المشكلات الداخلية حروب الدولة الخارجية، فقد تحالف أنطيوخوس الثالث السلوقي مع فيليب الخامس المقدوني واتفقا على تقسيم أملاك مصر الخارجية؛ فقد استولى فيليب على عدة جزر ومدن في كاريا وتراقيا، بينما سيطر السلوقيون على سوريا الجوفاء ومنطقة يهودا بعد انتصارهم بمعركة بانيوم التي وقعت بعام 198 ق.م. وفي خضم هذه الأحداث توج بطليموس الخامس ملكًا في منف وهو في سن الثانية عشرة بعد سبع سنوات من الحكم، وثم صدر مرسوم الحجر بعد ذلك بما يزيد قليلاً عن عام.هذا المرسوم من أحد السمات التي تميز عصر البطالمة، ففي عصور مصر القديمة لم يكن ليتصور أن يتخذ أي شخص سوى الحاكم الإله أي قرار وطني بينما كانت خطوة شائعة في المدن الإغريقية مسقط رأس البطالمة. ويبرز النقش أهمية كبار كهنة بتاح في منف حيث تُوج الملك في معبدهم، ويفهم منه أنهم كانوا أعلى سلطة دينية بالبلاد في ذلك الوقت والأوسع نفوذًا. ويتضح من حقيقة صدور المرسوم في منف العاصمة المصرية القديمة، بدلًا من الإسكندرية التي كانت مركز حكومة البطالمة الحاكمة، أن الملك الشاب حرص على كسب ولائهم الفعلي. وأنه أيضا حرص على إظهار الارتباط بعامة الشعب باستخدام لغتهم -على غرار التي سبقته-، مع اللغة الإغريقية لغة الإدارة في ذلك الوقت وليس بالاقتصار على الأخيرة.

    من المؤكد تقريباً أن الشاهد لم يُوضع في الأصل في مدينة رشيد التي عُثر عليه فيها، بل الأرجح أنه وضع في أحد من المعابد المنتشرة في البلاد، وربما يكون أحد معابد مدينة سايس الملكية. ويحتمل أن المعبد الأصلي الذي وضع فيه الشاهد هجر قرابة عام 392 ميلادياً عندما أمر الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول بتدمير كل دور العبادة الوثنية. وقد انكسر الشاهد الأصلي في وقت ما، لتصبح أكبر قطعة هي ما نعرفه اليوم باسم حجر رشيد. ولاحقا أعيد استخدام أحجار المعابد المصرية القديمة في بناء المباني الحديثة، ومنها هذا الحجر الذي وضع بأساسات قلعة أنشأها السلطان المملوكي قايتباي لحماية فرع رشيد، وظل هناك ثلاثة قرون أخرى على الأقل حتى أُعيد اكتشافه. عثر العلماء على ثلاثة أحجار أخرى تحمل نفس هذا المرسوم وهي: وشاهد وُجد في إلفنتين ونُقش على مسلة فيلة.

    أرسى كهنة منف قواعد عبادة الملك في هذا المرسوم إذ أمروا القائمين على المعابد كافة في شتى أنحاء القطر المصري بأن "...ينصبوا تمثالاً للفرعون بطليموس... في المكان الأشد (بروزاً) بصحن المعبد...". وأن يُنحت تمثال العبادة هذا وفق الطراز المصري الأصيل، على أن يتولى الكهنة خدمته ثلاث مرات يومياً، وأن يقيموا له الطقوس الشعائرية ذاتها التي تُقام للآلهة الأخرى. ويضاف لقب "كهنة الإله المتجلي، ذي الجود المُطلق" إلى الألقاب الحالية لكهنة المعابد.

    وفُصل في المرسوم الموصفات الدقيق للمقصورة التي يفترض أن يوضع بها تمثال الملك؛ فذكر أن يعلوها التيجان الملكية بدلا الصل التقليدي على أن يتوسطها التاج المزدوج. وتوضع عند أركانها نباتات البردي والسعدية تحمل صِلاً "يرمز للفرعون الذي أضاء وحدة القطرين (مصر العليا والسفلى)"، ويجب "...وضع المقصورة في قدس الأقداس بجانب المقاصير الذهبية الأخرى". وحُددت أيام أعياد الملك، فاعتُبر "اليوم الأخير من الشهر الرابع من فصل الصيف" عيد ميلاد للفرعون، و"اليوم السابع عشر من الشهر الثاني من فصل الشتاء" ذكرى اعتلائه العرش، وقضى المرسوم بوجوب الاحتفال بهذين اليومين "...شهريًا في معابد مصر كافة...". وقضى بأن يقام عيد وموكب للفرعون "... سنوياً في غرة الشهر الأول من فصل الفيضان ولمدة خمسة أيام..."، وأن يمجد الملك في أعياد الآلهة الأخرى، وأن يُحمل تمثاله في مواكبهم المهيبة.

    يسمح النص "لعامة الناس ممن يرغبون في ذلك" بأن يقتنوا في بيوتهم مقصورة ذهبية مماثلة لتك الموجودة بالمعابد وأن يوضع داخلها تمثال لعبادة الملك، "وأن يحتفلوا بالمهرجانات والمواكب الموصوفة أعلاه في كل عام...". وينتهي المرسوم بتعليمات تقضي بوضع نسخة منه في كل معبد منقوشة بلغة الآلهة (الهيروغليفية المصرية)، ولغة الوثائق (الديموطيقية)، ولغة الإغريق التي كانت تستخدمها الحكومة.

    يسجل النص أيضا وقوع فيضان عالٍ للنيل في السنة الثامنة من حكم بطليموس، وأنه أمر ببناء سدود لحجز المياه الزائدة. كما أُشيد المديح بسخاء الملك، إذ عفى عن السجناء وألغى تسخير البحارة المصريين. ذكر النص أن بطليموس خفف بعض الضرائب أو ألغاها عن الجيش وعامة الشعب وذلك "لكي ينعم الجيش وسائر الشعب بالسعادة في عهده"، كما شمل التخفيف المعابد وممتلكاتها وبأن "تبقى في حوزتهم عوائد الآلهة المقدسة، والفضة والحبوب التي تهدى لمعابدهم كل عام، والحصص التي تؤول إلى الآلهة من الكروم والحدائق وسائر الممتلكات الأخرى التي كان لهم حقوق عليها في عهد والده..."، وحدد بألا تتجاوز الضريبة التي يدفعها الكهان عن كهانتهم المبلغ الذي كانوا يدفعونه في السنة الأولى من عهد والده.

    أطال النص الحديث عن تفاصيل الفضة والحبوب التي مُنحت للمعابد، ولا سيما تلك المخصصة لعبادات الحيوانات؛ فقد قدم بطليموس "منحاً سخية عديدة لأبيس ومنفيس وسائر الحيوانات المقدسة في مصر... وكان قلبه مشغولاً بشؤونها في جميع الأوقات، فبذل كل ما هو مرغوب لمدافنها العظيمة والموقرة، وتحمل ما كان يطرأ من نفقات في معابدها عند إقامة الاحتفالات وتقديم القرابين المحروقة أمامها، وغير ذلك مما يليق فعله". وبذل الأموال لترميم وإعادة بناء عدد من المعابد في جميع أنحاء مصر، وأنه أهدى كميات من الفضة والحبوب لمعبد منف.

    يذكر النص انتصار الملك في حصار شكان (ليكوبوليس)، التي "حصنها العدو بكل وسيلة"، وعفو بطلميوس عن "الرجال الذين انحازوا إلى الطرف الآخر في التمرد الذي شهدته مصر، وسمح لهم بالعودة إلى ديارهم واسترداد ممتلكاتهم". إلا أنه لم يرأف بقادة التمرد، الذين "قُتلوا بالخازوق" في منف أثناء اعتلائه للعرش. وتشير نسخ المرسوم الأحدث التي وجدت بالصعيد إلى غزوه لطيبة بعد تمردها على حكمه.

    اكتشافه

    قاد نابليون بونابرت جيش الشرق الفرنسي في حملته على مصر عام 1798، ورافقت القوات العسكريةَ لجنة العلوم والفنون التي ضمت مائة وواحدًا وخمسين خبيرًا (المعروفين بالعلماء). ولتأمين قواتهم شرعت القوات الفرنسية تحت إمرة العقيد دوتيول في تعزيز تحصينات قلعة رشيد في منتصف يوليو عام 1799، وأثناء هدم أحد الجدران الداخلية بالقلعة عثر الملازم بيير فرانسوا بوشار على لوح حجري يحمل نقوشًا على أحد وجهيه، وقد أدرك بوشار ودوتيول بسرعة أهمية هذا اللوح، فأبلغا الجنرال جاك فرانسوا مينو الذي صادف وجوده في رشيد آنذاك. أُعلن عن هذا الاكتشاف في تقرير أعده، عُرض في 19 يوليو أمام المجمع العلمي المصري الذي أسسه نابليون في القاهرة؛ حيث أشار التقرير إلى احتواء اللوح على ثلاث كتابات، أولاها بالهيروغليفية وثالثتها باليونانية، مرجحًا أن هذه النقوش الثلاثة لنص واحد. كما تولى بوشار نقل الحجر إلى القاهرة ليتسنى للعلماء فحصه ودراسته.

    أوردت صحيفة سلطات الاحتلال الفرنسي كورييه دي ليجيبت نبأ الاكتشاف في شهر سبتمبر، وفيه أعرب كاتب التقرير (الذي لم يُعرف عن اسمه) عن أمله في أن يغدو الحجر يومًا ما مفتاحًا لفك رموز الكتابة الهيروغليفية. ابتكر ثلاثة من خبراء اللجنة العلمية في عام 1800 طرقًا لاستنساخ النصوص المحفورة على الحجر، وكان منهم جان جوزيف مارسيل؛ الذي تُنسب إليه معرفة أن النص الأوسط كُتب بالخط الديموطيقي، الذي كان نادر الاستخدام في النقوش الحجرية وقليل المعرفة بين العلماء آنذاك، خلافًا للاعتقاد الي شاع أول الأمر بأنه كتب باللغة السريانية. واستطاع الفنان نيكولا جاك كونتيه نسخ كتابة الحجر عبر استخدام الحجر نفسه قالبًا للطباعة الخشبية، بينما اتبع طريقة مغايرة قليلاً. ونقل الجنرال نسخ الحجر هذه إلى باريس، مما أتاح للعلماء في أوروبا فرصة الاطلاع على النقوش ومحاولة قراءتها وتفسيرها.

    غادر نابليون بونابرت الديار المصرية عائدًا إلى أوروبا في أغسطس 1799، تاركًا خلفه القوات الفرنسية. وشهد شهر مارس 1801 نزول القوات البريطانية على ساحل خليج أبي قير، فزحف إليه جيش الشرق بقيادة خليفة بونابرت جاك مينو والتقيا عند ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد اصطحب الجيش معه حجر رشيد ومجموعة كبيرة من الآثار الأخرى. مُني الفرنسيون بالهزيمة في معركة الإسكندرية، وانسحب ما تبقى من جيش مينو إلى مدينة الإسكندرية حيث حاصرتهم القوات البريطانية، وكان الحجر آنذاك داخل أسوار المدينة المحاصرة. وانتهى الأمر باستسلام مينو للقوات البريطانية والعثمانية في 30 أغسطس.

    في حوزة بريطانيا

    اختلف الطرفان حول ملكية القطع الأثرية والعينات البيولوجية والملاحظات والمخططات والرسومات التي جمعها أعضاء اللجنة العلمية الفرنسية وقت وجودهم في مصر. إذ رفض مينو تسليم هذه المقتنيات لبريطانيا، زاعمًا ملكية المجمع العلمي لها، بينما أصر الجنرال البريطاني على أحقية التاج البريطاني في ملكية المواد والمقتنيات كافة ورأى أن يستمر الحصار حتى يذعن مينو لمطالبه. ثم بُعث البريطانيون العالمان إدوارد دانيال كلارك و لفحص المجموعات الأثرية التي بحوزة الفرنسيين وأكدا عثورهما على قطع كثيرة لم يذكرها الفرنسيون. وذكر كلارك في رسالة بعثها إلى وطنه: "لقد وجدنا في حوزتهم ما يفوق بكثير ما كان يُتصور أو يُتخيل".

    لم يرضخ الفرنسيون لمطالب هاتشينسون وعزموا على إحراق مكتشفاتهم كافة بدلاً من تسليمها؛ وأبلغ العالم الفرنسي إيتيان جوفروا سانت إيلار العالمين كلارك وهاميلتون بهذا الخبر، فنقلاه إلى هاتشينسون الذي وافق بعد مماطلة على احتفاظ العلماء ببعض المقتنيات مثل عينات التاريخ الطبيعي، فسارع مينو إلى ادعاء ملكيته الخاصة لحجر رشيد.

    يحيط الغموض بالكيفية الدقيقة التي انتقل بها الحجر إلى أيدي البريطانيين، إذ تباينت الروايات المعاصرة لتلك الحقبة؛ فقد ادعى العقيد الذي تولى نقل الحجر إلى إنجلترا، أنه انتزع الحجر شخصيًا من مينو ونقله على متن. فين حين أورد إدوارد دانيال كلارك رواية أكثر تفصيلاً، ذكر فيها أن عالمًا فرنسيًا اصطحبه مع تلميذه جون كريبس وهاميلتون سرًا إلى زقاق يقع خلف مقر إقامة مينو، حيث كشف لهم عن مكان الحجر المخبأ بين أمتعة مينو. وأفاد كلارك أن مُخبرهم كان يخشى أن يسرقه الجنود الفرنسيون إذا عثروا عليه، فنُقل الحجر بعيدًا عن معسكرات الفرنسيين، وربما كان تيرنر هو من تولى نقله وفقًا لروايته.

    نقل تيرنر الحجر إلى إنجلترا على متن الفرقاطة الفرنسية المأسورة، التي رست في ميناء بورتسموث في فبراير عام 1802. وقدم تيرنر الحجر وسائر الآثار الأخرى إلى الملك جورج الثالث؛ فوجه اللورد نيابة عن الملك بإيداعه في المتحف البريطاني. ذكر تيرنر في روايته للأحداث أنه اتفق مع هوبارت على عرض الحجر أمام علماء -التي كان تيرنر عضوًا فيها- قبيل وضعه بالمتحف. وشهد اجتماع الجمعية المنعقد في الحادي عشر من مارس لعام 1802 أول ظهور علني للحجر وأول مناقشة علمية لمضمونه.

    صنعت جمعية الآثار أربعة قوالب جبسية للنقوش في عام 1802، وأهدتها لجامعات أكسفورد وكامبريدج وإدنبرة وكلية الثالوث بدبلن. تلا ذلك بوقت قصير إعداد نسخ مطبوعة من النقوش وتوزيعها على العلماء في شتى أنحاء أوروبا، ثم نُقل الحجر قبل نهاية العام ذاته إلى المتحف البريطاني حيث يستقر حتى يومنا هذا. نُقش على جانب الحجر اليسار باللون الأبيض "تحصل عليه الجيش البريطاني في مصر بعام 1801"، وكتب على الجانب الأيمن "أهداه الملك جورج الثالث".

    يعرض المتحف البريطاني حجر رشيد للزوار منذ يونيو 1802 دون انقطاع تقريبًا، ويحمل الحجر رقم تخزين "EA 24"، ويرمز الحرفان "EA" إلى "الآثار المصرية". ويشكل الحجر جزءًا من مجموعة الآثار المصرية القديمة التي استولى عليها البريطانيون من البعثة الفرنسية، والتي ضمت تابوت نختنبو الثاني (EA 10) وتمثال كاهن آمون الأكبر (EA 81) وقبضة يد ضخمة من الجرانيت (EA 9). تبين للقائمين على المتحف آنذاك أن هذه القطع تفوق في ثقلها قدرة تحمل أرضيات منزل منتاغو (المبنى الأصلي للمتحف)، فنُقلت إلى ملحق جديد أُضيف إلى القصر. ثم وضع حجر رشيد في معرض المنحوتات عام 1834، وذلك عقب هدم منزل منتاغو وإحلال المبنى الحالي للمتحف البريطاني محله. وتؤكد سجلات المتحف أن حجر رشيد هو القطعة الأكثر زيارة على الإطلاق، كما تصدرت بطاقة بريدية تحمل صورته قائمة المبيعات لعدة عقود، فضلاً عن رواج مجموعة واسعة من الهدايا التذكارية التي تحمل نصوص الحجر أو تحاكي شكله المميز في متاجر المتحف.

    عُرِض حجر رشيد في الأصل بزاوية ميلان خفيفة داخل قالب معدني صُمم خصيصًا له، مما استلزم نحت أجزاء صغيرة جدًا من جوانبه لضمان إحكام تثبيته. ولم يغطى وجه الحجر في البداية، غير أن إدارة المتحف رأت ضرورة تغطيته في عام 1847، رغم وجود حراس مكلفين بضمان عدم لمس الزوار له. ثم وضع بعام 2004 داخل واجهة عرض صُممت لأجله في وسط قاعة المنحوتات المصرية. وتعرض مكتبة الملك بالمتحف البريطاني حاليًا نسخة مطابقة للأصل من حجر رشيد، معروضة دون واجهة زجاجية ويُسمح للجمهور بلمسها، لتجسد الهيئة التي كان يبدو عليها الحجر لزوار أوائل القرن التاسع عشر.

    ساور القلق إدارة المتحف جراء القصف العنيف الذي تعرضت له لندن أواخر الحرب العالمية الأولى عام 1917، فنُقل الحجر إلى موقع آمن رفقة مقتنيات ثمينة أخرى. فقضى عامين في إحدى محطات سكك حديد البريد قرب منطقة هولبورن على عمق تحت مستوى سطح الأرض. غير تلك المرة غادر الحجر أروقة المتحف البريطاني مرة واحدة فقط وذلك لمدة شهر واحد في أكتوبر 1972؛ حيث عُرِض في متحف اللوفر بباريس إلى جانب رسالة إلى السيد دايسير التي كتبها شامبليون، احتفاءً بالذكرى المائة والخمسين لصدور تلك الرسالة الشهيرة. وحتى حينما رمم الحجر بعام 1999 أُنجز العمل داخل صالة العرض ذاتها ليبقى متاحًا للجمهور.

    فك رموز الحجر

    ظلّت اللغة المصرية القديمة وكتاباتها عصية على الفهم منذ قبيل سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، واستمر ذلك الغموض حتى اكتشاف حجر رشيد وفك رموزه لاحقًا. فقد اقتصر فهم وقراءة الهيروغليفية المصرية على نخبة من الشعب منذ أواخر عهود مصر القديمة. وبحلول القرن الرابع الميلادي لم يكن يستطيع قراءتها سوى قلة من المصريين، وتوقف استخدام الهيروغليفية مع انحدار الديانة المصرية القديمة، ويعود آخر نقش معروف إلى 24 أغسطس عام 394 وهو نقش إسمت أخوم الذي عُثر عليه في معبد فيلة. كما كُتب آخر نص ديموطيقي معروف في عام 452، وهو موجود بمعبد فيلة أيضا.

    لاحظ الكتاب الكلاسيكيون شكل رموز الهيروغليفية وهو الجانب الذي ركزوا عليه في كتابتهم بسبب تمييزها عن الأبجديتين اليونانية والرومانية. وضع الكاهن حورابولو ابن القرن الخامس كتاب "الهيروغليفية" والذي تضمن شرحاً لما يقرب من مائتي رمز هيروغليفي، ولكن ثبت فيما لحق احتواء المؤلف على مغالطات عدة؛ إذ شكّل هو وغيره من المؤلفات عقبة دامت طويلاً أمام فهم الكتابة المصرية القديمة، بسبب أنها رسخت فكرة أن الرمز الواحد يدل على كلمة أو جملة وليس حرفًا. وحاول المؤرخين المسلمين ذو النون المصري وابن وحشية فك الرموز الهيروغليفية في القرنين التاسع والعاشر الميلادي، عبر مقارنتها باللغة القبطية التي كان يستخدمها الكهنة الأقباط في زمانهم. وجرب عدة علماء أوروبيين فك رموز الهيروغليفية أبرزهم في القرن السادس عشر وأثناسيوس كيرشر في القرن السابع عشر. وجاء اكتشاف حجر رشيد ليقدم المعلومات الجوهرية المفقودة، التي مكنت جان فرانسوا شامبليون في نهاية المطاف من فك الرموز المصرية.

    النص اليوناني

    كان النص المكتوب باللغة اليونانية على حجر رشيد نقطة الانطلاق الأولى، ورغم إلمام العلماء الواسع باليونانية القديمة، إلا أنهم افتقروا آنذاك للإحاطة بكل التفاصيل المتعلقة بلغة ذلك العصر، إذ أظهرت الترجمات الأولى للنص اليوناني معاناة المترجمين في استيعاب السياق التاريخي والمصطلحات الإدارية والدينية المعقدة، وأولى الترجمات كانت ترجمة الإنجليزية والتي ألقاها شفهية في اجتماع خلال شهر أبريل عام 1802.

    عندما وصلت نسختي الحجر التي أعدتا في مصر إلى معهد فرنسا بباريس عام 1801، شرع أمين المكتبة وخبير الآثار في العمل على ترجمة النص اليوناني. غير أن نابليون أمر بنقله إلى مكان آخر، فترك عمله بين يدي زميله. أصدر أميلهون ترجمته للنص اليوناني عام 1803 باللغتين اللاتينية والفرنسية لضمان انتشارها، بينما عكف في كامبريدج على دراسة الزاوية اليمنى السفلية المفقودة من النص اليوناني، فنشر محاولة لإعادة بناء النص سارعت جمعية الآثار إلى تداولها رفقة النقش الأصلي. ونشر كريستيان جوتلوب هاين في غوتينغن ترجمة لاتينية جديدة للنص اليوناني تميزت بدقة أكبر من ترجمة أميلهون ونُشرت بعام 1803. وأعادت جمعية تجار التحف القديمة طباعة هذه الترجمة في عدد خاص من مجلتها العلمية (علم الآثار) عام 1811، مع ترجمة الإنجليزية ورواية لأحداث الإسكندرية ووثائق أخرى.

    النص الديموطيقي

    وقت اكتشاف الحجر كان الدبلوماسي والعالم السويدي يوهان ديفيد أوكربلاد يعكف على دراسة خط مجهول (هو الخط المعروف اليوم باسم الخط الديموطيقي) أسماه بالخط القبطي الجاري لقناعته التامة بأنه استُخدم لتدوين شكل من أشكال اللغة القبطية السليل المباشر للغة المصرية القديمة، رغم ضآلة التشابه بينه وبين الأبجدية القبطية المتأخرة. تواصل المستشرق الفرنسي سيلفيستر دي ساسي مع أوكربلاد بشأن هذا الخط، وحصل دي ساسي في عام 1801 على إحدى النسخ الحجرية الأولى لحجر رشيد من وزير الداخلية الفرنسي جان أنطوان شابتال؛ فأدرك حينها أن النص الأوسط قد كُتب بنفس الخط الذي كان أوكربلاد يدرسه. شرع الرجلان في العمل على فك ترميز النص الأوسط، وانطلقا من فرضية أن هذا الخط هو نظام كتابة أبجدي. وحاولا تحديد المواقع التي يُفترض ظهور الأسماء اليونانية فيها ضمن هذا النص المجهول عبر مقارنته بالنص اليوناني. أبلغ دي ساسي الوزير شابتال في عام 1802 بنجاحه في تحديد خمسة أسماء (الإسكندر الأكبر والإسكندرية وبطليموس الخامس وآرسينوي الثالثة ولقب بطليموس "إبيفانوس")، بينما نشر أوكربلاد أبجدية من تسعة وعشرين حرفًا (تبين لاحقًا أن أكثر من نصفها كان صحيحًا) استخلصها من الأسماء اليونانية في النص الديموطيقي. ولكن عجز العالمان عن تحديد الرموز المتبقية في النص، والتي تبين لاحقًا أنها رسوم فكرية وعلامات أخرى بداخل الأبجدية.

    النص الهيروغليفي

    أعاد سلفستر دي ساسي في عام 1811 النظر في مقترح طرحه في عام 1797 رجّح فيه أن الأسماء الأجنبية في النقوش الهيروغليفية المصرية قد كُتبت كتابةً صوتية، وقد توصل إلى هذا الاقتراح إثر مناقشات مع طالب صيني حول المقاطع الصينية. كما استذكر دي ساسي مقترحًا أقدم لجان جاك بارتليمي من عام 1761، مفاده أن الخراطيش في النقوش الهيروغليفية ترمز لأسماء الأعلام. ولهذا حينما راسله توماس يونغ أمين سر الشؤون الخارجية في الجمعية الملكية، بشأن الحجر في عام 1814، اقترح عليه دي ساسي أن يبحث في النص الهيروغليفي عن الخراطيش التي يُفترض أن بداخلها أسماء يونانية، وأن يحاول تحديد القيم الصوتية لتلك الرموز.

    اتبع يونغ نصيحة دي ساسي، وخلص إلى نتيجتين مهدتا الطريق لفك الرموز بالكلية؛ فقد وجد في النص الهيروغليفي الحروف الصوتية (والتي تُكتب في النقحرة الحديثة ) التي استُخدمت لكتابة الاسم اليوناني Ptolemaios (بطليموس). لاحظ يونغ أن هذه الحروف تشبه نظيراتها في الخط الديموطيقي، واستطاع أن يرصد ما يصل إلى 80 وجهاً من أوجه التشابه بين النصين الهيروغليفي والديموطيقي على الحجر، وهو اكتشاف جوهري نظراً لأن الخطين كان يُعتقد سابقاً أنهما مختلفان تماماً عن بعضهما البعض. واستنتج يونغ أن الخط الديموطيقي لم يكن خطًا صوتياً فقط بل وقد احتوى أيضًا على رموز فكرية مشتقة من الهيروغليفية. نشر يونغ إسهاماته هذه في المقال الطويل المعنون "Egypt" الذي شارك به في الموسوعة البريطانية عام 1819، غير أنه لم يتمكن من إحراز أي تقدم إضافي بعد ذلك.

    تبادل يونغ في عام 1814 المراسلات بشأن الحجر مع جان فرانسوا شامبليون، وهو معلم في غرونوبل كان قد وضع مؤلفاً علمياً عن مصر القديمة. واطلع شامبليون في عام 1822 على نسخ من النقوش الهيروغليفية واليونانية الموجودة على مسلة فيلة، والتي كان ويليام جون بانكس قد كتب عليها تخمينه للرموز التي كتب بها اسمي بطليموس وكليوباترا بكلتا اللغتين. استطاع شامبليون من خلال كتابات بانكس تحديد الحروف الصوتية k l e o p a t r a (والتي تُكتب في النقحرة الحديثة q l i҆ w p 3 d r 3.t). ثم سارع إلى صياغة أبجدية للحروف الهيروغليفية الصوتية معتمدة على طريقة بانكس ومقارنة الأسماء الأجنبية الواردة في حجر رشيد وحقيقة أن الهيروغليفية فيها أحرف أبجدية وعلامات صوتية لها أكثر من صوت واحد، حيث أتم عمله في 14 سبتمبر، وأعلنه في 27 سبتمبر في محاضرة ألقاها أمام أكاديمية النقوش والآداب الجميلة.

    كتب شامبليون في اليوم ذاته رسالته الشهيرة إلى، أمين سر الأكاديمية، مفصلاً فيها اكتشافه. وأشار شامبليون في ملحق رسالته إلى وجود حروف صوتية تكررت على ما يبدو في الأسماء اليونانية والمصرية على حد سواء؛ وهي فرضية استطاع تأكيدها في عام 1823 حين أرسل إليه النقوش التي نسخها بانكس من معبد أبو سمبل، والتي استطاع شامبليون تحديد اسمي الفرعونين رمسيس الأول وتحتمس الأول فيها. ومن هذه النقطة، انفك مسار حجر رشيد عن مسار فك رموز الكتابة المصرية القديمة، حيث اعتمد شامبليون على نصوص أخرى كثيرة لتطوير قواعد اللغة المصرية القديمة وقاموس الهيروغليفية اللذين نُشرا بعد وفاته عام 1832.

    الأعمال اللاحقة

    تركزت جهود من درس الحجر بعد ذلك على تعميق فهم النصوص وسياقاتها عبر مقارنة النسخ الثلاث ببعضها البعض. إذ تعهد العالم الكلاسيكي جان أنطوان ليترون في عام 1824 بإعداد ترجمة حرفية جديدة للنص اليوناني ليستخدمها شامبليون، وبالمقابل وعده شامبليون بتحليل جميع النقاط التي اختلفت بين النصوص الثلاثة. تعثر عمل لترون عقب وفاة شامبليون عام 1832، إذ لم يستطع العثور على مسودة التحليل الذي عمل عليه شامبليون، ولم يعرف مصيرها وغيرها من المسودات المفقودة إلا بعد وفاة فرانشيسكو سالفوليني تلميذ شامبليون ومساعده السابق عام 1838، فقد وُجدت بين أوراقه. وأثبت هذا الاكتشاف أن العمل الذي نشره سالفوليني عن الحجر عام 1837 كان منتحلًا. فأكمل لترون عمله على النص اليوناني وأخرج في عام 1841 ترجمة فرنسية جديدة له. أصدر عالما المصريات الألمانيان هاينريش كارل بروغش وماكس أوليمان ترجمات لاتينية منقحة مستندة إلى النصين الديموطيقي والهيروغليفي في أوائل خمسينيات القرن التاسع عشر. أما أول ترجمة إنجليزية فقد ظهرت عام 1858، وكانت ثمرة عمل ثلاثة أعضاء من في جامعة بنسلفانيا.

    ظل السؤال حول ما إذا كان أحد النصوص الثلاثة هو النسخة الأصلية التي تُرجمت عنه النسختان الأخريان موضع جدل مستمر. حاول لترون في عام 1841 إثبات أن النسخة اليونانية كانت الأصل لأنها كانت لغة الحكومة المصرية البطلمية. بينما يرى جون راي من بين الكتاب المعاصرين أن الهيروغليفية كانت أهم الخطوط الموجودة على الحجر، إذ وُضعت بالمعبد لتقرأها الآلهة والكهنة. ورأى فيليب ديرشين وهاينز جوزيف ثيسن بأن النسخ الثلاث صِيغت في آن واحد، بينما يرى ستيفن كيرك تلاحمًا معقدًا بين نصوص المرسوم. يقول ريتشارد باركنسون أن النسخة الهيروغليفية تبتعد عن الصياغات الرسمية العتيقة، وتنزح أحياناً نحو لغة أقرب إلى الخط الديموطيقي الذي كان الكهنة يستخدمونه في حياتهم اليومية. ويفسر عدم تطابق النصوص كلمة بكلمة صعوبة فك الرموز عما كان متوقعاً في البداية.

    الخلافات

    تخللت قصة فك الرموز نزاعات حول الأسبقية والانتحال حتى قبل واقعة سالفوليني؛ فقد أقر شامبليون بعمل توماس يونغ في رسالته إلى السيد دايسير عام 1822، غير أن نقاداً بريطانيين رأوا أن هذا الإقرار منقوصًا. فعلى سبيل المثال، شارك في سلسلة مقالات نقدية مجهولة المصدر في عام 1823، أثنى فيها بشدة على عمل يونغ وزعم أن شامبليون لم يتورع عن انتحال عمل يونغ. ترجم هذه المقالات إلى الفرنسية ونُشرت في كتاب عام 1827، كما أعاد يونغ في مؤلفه الصادر عام 1823 التأكيد على الإسهام الذي قدمه. ولم تنتهِ هذه النزاعات بعد وفاة كل من يونغ (1829) وشامبليون (1832)؛ إذ ركز واليس بودج في عمله عن الحجر عام 1904 على إسهام يونغ أكثر من شامبليون. استمر هذا الخلاف حتى أوائل السبعينات حين اشتكى زوار فرنسيون للمتحف البريطاني من أن صورة شامبليون التي كانت موضوعة في لوحة المعلومات بجانب الحجر أصغر من صورة يونغ، بينما اشتكى زوار إنجليز من العكس تماماً إذ قالوا أن صورة شامبليون كانت أكبر من صورة يونغ، غير أن الصور في الواقع كانت بالحجم ذاته.

    مطالبات إرجاع الحجر لمصر

    طالب زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر في يوليو 2003 بإعادة حجر رشيد إلى مصر، بدعوى أن الحجر "أيقونة الهوية المصرية". أهدى المتحف البريطاني مصر في عام 2005 نسخة طبق الأصل من الحجر، مصنوعة من الألياف الزجاجية وبذات ألوان الأصل وبحجمه الكامل، توجد هذه النسخة في متحف رشيد الوطني، وهو منزل عثماني يقع في مدينة رشيد.

    اقترح حواس في نوفمبر 2005 استعارة حجر رشيد لمدة ثلاثة أشهر، مع تأكيده أنه هدفه النهائي هو استعادته. عرض في ديسمبر 2009 التنازل عن مطلب استعادة الحجر إذا وافق المتحف البريطاني على إعارته لمصر لمدة ثلاثة أشهر، ليعرض في الوقت الذي كان يتوقع أن يفتتح المتحف المصري الكبير به في عام 2013. جدد حواس مطالبه ذاتها في أغسطس 2022، وفي عام 2026 أيضا.

    قال العالم جون د. راي: "قد يأتي يوم يقضي فيه الحجر في المتحف البريطاني وقتاً أطول مما قضاه في رشيد". تُبدي المتاحف الوطنية عادةً معارضة قوية لإعادة القطع ذات الأهمية الثقافية الدولية مثل حجر رشيد. ورداً على المطالبات اليونانية المتكررة باستعادة رخاميات إلغن من البارثينون ومطالبات الأمم الأخرى أصدر أكثر من 30 متحفاً من كبرى متاحف العالم في عام 2002 -منهم المتحف البريطاني واللوفر ومتحف بيرغامون في برلين ومتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك- بياناً مشتركاً جاء فيه: "ينبغي النظر إلى المقتنيات التي جُمعت في أزمنة سابقة في ضوء القيم والحساسيات المختلفة التي كانت سائدة آنذاك… فالمتاحف لا تخدم مواطني دولة بعينها فحسب، بل تخدم شعوب كل الدول".

    التعبير الاصطلاحي

    أُطلق اسم «حجر رشيد» رمزيًا على عدة أحجار تشبيهًا بدوره في فك رموز الخطوط القديمة. فعلى سبيل المثال، وُصفت عملات أغاثوكليس البختري ملك المملكة الإغريقية البخترية بأنها "أحجار رشيد صغيرة" فهذه العملات التي كتبت بالأبجدية اليونانية والخط البراهمي مكنت كريستيان لاسين من إحراز أولى خطواته في فك رموز خط البراهمي الذي ساعد في دراسة النقوش الهندية القديمة. كما قُورِن الحجر بنقش بيستون الإيراني الذي يتكون من نقوش باللغات الفارسية القديمة والعيلامية والأكدية.

    يُستخدم مصطلح "حجر رشيد" أيضًا للدلالة على المفتاح الأول في عملية فك تشفير معلومات مرمزة، لا سيما إن كانت معلومة صغيرة ساهمت في فهم كم كبير. يذكر قاموس أكسفورد الإنجليزي أن هذا الاستخدام المجازي ظهر أول مرة في طبعة عام 1902 من الموسوعة البريطانية، وذلك ضمن مادة تتعلق بالتحليل الكيميائي للجلوكوز. كما استخدم بشكل آخر في رواية شكل الأشياء القادمة الصادرة عام 1933 للكاتب هربرت جورج ويلز، حيث تعثر الشخصية الرئيسة على مخطوطة مختزلة ساعدتها على فهم مواد أخرى متناثرة.

    شاع استخدام المصطلح منذ ذلك الحين على نطاق واسع في سياقات أخرى؛ فقد كتب الحائز على جائزة نوبل تيودور هانش في مقال بمجلة العلوم الأمريكية عام 1979 حول علم الأطياف أن "طيف ذرات الهيدروجين كان حجر رشيد بالنسبة للفيزياء الحديثة: فبمجرد فك أنماط خطوطه، أمكن فهم الكثير من الأمور الأخرى". كما وُصف الفهم الكامل لمجموعة الجينات الرئيسية لمستضد الكريات البيضاء البشرية بأنه "حجر رشيد علم المناعة".

    أُطلق نفس التعبير على نبات رشاد أذن الفأر في سياق فهم توقيت إزهار النباتات، وانفجار أشعة غاما المقترن بالمستعر الأعظم الذي أسهم في فهم أصل تلك الانفجارات، وتخطيط صدى القلب الدوبلري بالنسبة لفهم العملية المعقدة التي يمتلئ بها البطين الأيسر أثناء الأشكال المختلفة من قصور القلب. ومن ناحية أخرى أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية اسم روزيتا على مركبتها الفضائية التي أُرسلت لدراسة المذنب 67P/تشوريوموف-جيراسيمنكو تفاؤلًا بأن يساهم تكوينه في تعميق فهم أصول المجموعة الشمسية.

  4. ~70 ق.م

    كليوباترا

    59 دقيقة قراءةكليوباترا السابعة أو قُلُوبَطْرَة السابعة، أو كليوباترا أو قُلُوبَطْرَة اختصارًا (70/69 قبل الميلاد - 10 أغسطس 30 قبل الميلاد)، ملكة المملكة البطلمية في مصر من عام 51 وحتى 30 قبل الميلاد وآخر ملوكها. تنتمي كليوباترا إلى…

    كليوباترا السابعة أو قُلُوبَطْرَة السابعة، أو كليوباترا أو قُلُوبَطْرَة اختصارًا (70/69 قبل الميلاد - 10 أغسطس 30 قبل الميلاد)، ملكة المملكة البطلمية في مصر من عام 51 وحتى 30 قبل الميلاد وآخر ملوكها. تنتمي كليوباترا إلى سلالة البطالمة وتعود في نسبها إلى مؤسس السلالة بطليموس الأول، وهو جنرال يوناني مقدوني ورفيق للإسكندر الأكبر. تحولت مصر إلى مقاطعة تابعة للإمبراطورية الرومانية بعد وفاة كليوباترا، ومثَّل هذا الحدث نهاية آخر دولة هلنتسية في البحر الأبيض المتوسط تأسست نتيجة تفكك الإمبراطوربة المقدونية. كانت لغة كليوباترا الأم اليونانية العامية المختلطة، وهي الملكة البطلمية الوحيدة المعروفة التي أتقنت اللغة المصرية.

    يُعتقد أن كليوباترا رافقت والدها بطليموس الثاني عشر حين نُفي إلى روما عام 58 قبل الميلاد بعد وقوع ثورة في مصر التي كانت آنذاك مقاطعة تابعة للرومان، وهذا ما سمح لابنته المنافسة برينيكي الرابعة للمطالبة بعرشه. قُتلت برينيكي الرابعة عام 55 قبل الميلاد عندما عاد بطليموس الثاني عشر إلى مصر بمساعدة عسكرية رومانية.

    تولّت كليوباترا وشقيقها بطليموس الثالث عشر الحكم توليًا مشتركًا بعد وفاة بطليموس الثاني عشر عام 51 قبل الميلاد، ومع ذلك تدهورت علاقتهما وتحول الخلاف بينهما إلى حرب أهلية مفتوحة. فر رجل الدولة الروماني بومبيوس عام 48 قبل الميلاد إلى مصر بعد هزيمته في معركة فرسالوس في اليونان ضد منافسه يوليوس قيصر (ديكتاتور روماني وقنصل) في الحرب الأهلية التي خاضها قيصر. كان بومبيوس حليفًا سياسيًا لبطليموس الثاني عشر، لكن بطليموس الثالث عشر وبناءً على مشورة من رجال بلاطه، نصب كمينًا لبومبيوس واغتاله قبل وصول قيصر واحتلاله الإسكندرية.

    بذل قيصر جهودًا للتوسط والمصالحة بين الأشقاء البطالمة المتنازعين بعد مقتل بومبيوس، لكن بوثينوس رأى أن الشروط التي اقترحها قيصر للمصالحة كانت متحيزة لصالح كليوباترا، لذا أمر قواته بمحاصرة كليوباترا وقيصر في القصر الملكي. قُتِل بطليموس الثالث عشر في معركة النيل، بعد وقت قصير من فك الحصار عن طريق التعزيزات، ونُفِيت أرسينوي الرابعة أخت كليوباترا غير الشقيقة إلى أفسس لدورها في تنفيذ الحصار. في أعقاب هذه الأحداث أعلن قيصر أن كليوباترا وشقيقها بطليموس الرابع عشر حاكمان مشتركان، ومع ذلك حافظ قيصر على علاقة خاصة مع كليوباترا فأنجبت منه ابنها (قيصريون). سافرت كليوباترا بين عامي 46 و44 قبل الميلاد إلى روما وأقامت في فيلا قيصر. عيَّنت كليوباترا ابنها قيصريون حاكمًا مشاركًا باسم بطليموس الخامس عشر بعد اغتيال قيصر، ومقتل بطليموس الرابع عشر بعد وقت قصير (بناءً على أوامرها) عام 44 قبل الميلاد.

    انحازت كليوباترا إلى الحكومة الثلاثية الرومانية الثانية التي شكلها أوكتافيان (حفيد قيصر ووريثه)، ومارك أنطوني، وماركوس أميليوس ليبيدوس، خلال حرب المحررين الأهلية التي جرت بين عامي 43 و42 قبل الميلاد. أقامت كليوباترا علاقة غرامية مع أنطوني بعد لقائهما في طرسوس عام 41 قبل الميلاد، حيث أعدم أنطوني أرسينوي الرابعة بناءً على طلبها، وأصبح يعتمد بتزايد على كليوباترا للحصول على التمويل والمساعدات العسكرية خلال غزواته للإمبراطورية البارثية ومملكة أرمينيا.

    خلال تبرعات الإسكندرية، تم إعلان أبنائها من مارك أنطوني وكليوباترا: الإسكندر هيليوس، وكليوباترا سيليني الثانية، وبطليموس فيلادلفوس حكامًا على مناطق مختلفة كانت تحت سلطة أنطوني الثلاثية سابقًا. أدى هذا الحدث، بالإضافة إلى زواج كليوباترا من مارك أنطوني وطلاق أنطوني من أوكتافيا الصغرى (شقيقة أوكتافيان)، إلى اندلاع الحرب النهائية للجمهورية الرومانية.

    دخل أوكتافيان في حرب دعائية، وأجبر حلفاء أنطوني في مجلس الشيوخ الروماني على الفرار من روما عام 32 قبل الميلاد، وأعلن الحرب على كليوباترا. بعد هزيمة أسطول أنطوني وكليوباترا البحري في معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد، غزت قوات أوكتافيان مصر في عام 30 قبل الميلاد، مما أدى إلى هزيمة أنطوني وانتحاره لاحقًا. وعندما علمت كليوباترا أن أوكتافيان يخطط لإحضارها إلى موكب النصر الروماني، قتلت نفسها بالسم، على عكس الاعتقاد الشائع بأنها تعرضت للدغة أفعى.

    لا يزال إرث كليوباترا حاضرًا في الأعمال الفنية القديمة والحديثة. فقد قدم وو منظورًا نقديًا لشخصيتها كملكة، وهو الرأي الذي استمر في التأثير على الأدب في العصور الوسطى وعصر النهضة لاحقًا. وقد خُلدت صورتها في الفنون البصرية عبر العصور، بما في ذلك الصور القديمة، التماثيل النصفية، اللوحات، المنحوتات الرومانية، النقوش الزجاجية، والعملات البطلمية والرومانية، والنقوش البارزة. في عصر النهضة والفن الباروكي، كانت كليوباترا موضوعًا للعديد من الأعمال الفنية، بما في ذلك الأوبرا، اللوحات، الشعر، المنحوتات، والدراما المسرحية. كما أصبحت رمزًا للثقافة الشعبية المتعلقة بالهوس بالحضارة المصرية منذ العصر الفيكتوري، وظهرت في العصر الحديث في الفنون التطبيقية والجمالية، الهجاء الهزلي، أفلام هوليوود، وفي صور العلامات التجارية لبعض المنتجات.

    نبذة تاريخية

    كان رئيس كهنة بتاح المصري في ممفيس يتوج الفراعنة من سلالة البطالمة، لكن مقر إقامتهم الفعلي كان في مدينة الإسكندرية اليونانية التي أسسها الإسكندر الأكبر المقدوني. تحدث البطالمة باللغة اليونانية وحكموا مصر كالملوك اليونانيين الهلنستيين رافضين تعلم اللغة المصرية الأصلية. في المقابل أجادت كليوباترا التحدث بلغات متعددة بحلول سن الرشد وكانت أول ملك بطلمي يتعلم اللغة المصرية.

    ذكر الفيلسوف والمؤرخ اليوناني بلوطرخس أن كليوباترا أجادت التحدث بعدة لغات كاللغة المروية والعبرية (أو الآرامية) والعربية والسورية (على الأرجح السريانية) والميدية والفرثية واللاتينية أيضًا، على الرغم من أن معاصريها الرومان كانوا يفضلون التحدث معها باليونانية العامية المختلطة وهي لغتها الأصلية. وبصرف النظر عن اليونانية والمصرية واللاتينية، عكست هذه اللغات رغبة كليوباترا في استعادة مناطق شمال إفريقيا وغرب آسيا التي كانت تنتمي يومًا إلى المملكة البطلمية.

    سبق التدخل الروماني في مصر عهد كليوباترا. عندما توفي بطليموس التاسع في أواخر سنة 81 قبل الميلاد خلفته ابنته برنيكي الثالثة. رأى الحاكم الروماني الدكتاتور سولا عداءًا متزايدًا في البلاط الملكي لفكرة وجود ملكة واحدة حاكمة، فرتب لبرنيكي الثالثة تقاسم الحكم مع ابن عمها وربيبها بطليموس الحادي عشر والزواج منه.

    قَتَلَ بطليموس الحادي عشر زوجته برنيكي الثالثة عام 80 قبل الميلاد بعد فترة وجيزة من زواجهما، مما أدى إلى اندلاع أعمال شغب عنيفة أعدم على إثرها الحشد الغاضب بطليموس الحادي عشر دون محاكمة نتيجة لهذا الفعل. وضع بطليموس الحادي عشر قبل وفاته (ربما مع عمه بطليموس التاسع أو والده بطليموس العاشر) خطة لجعل المملكة البطلمية تابعة لروما ضمانًا للحصول على القروض، مما منح الرومان تبريرًا قانونيًا لتولي السيطرة على مصر بعد وفاة بطليموس الحادي عشر. ومع ذلك اختار الرومان تقسيم المملكة البطلمية بين الأبناء غير الشرعيين لبطليموس التاسع، فمنحوا قبرص لبطليموس القبرصي ومصر لبطليموس الثاني عشر (والد كليوباترا).

    حياتها

    نشأتها

    ولدت كليوباترا السابعة أوائل عام 69 قبل الميلاد للفرعون البطلمي الحاكم بطليموس الثاني عشر وأم مجهولة الهوية يرجح أنها كليوباترا الخامسة (التي ربما هي نفسها كليوباترا السادسة تريفاينا) والتي أنجبت أيضا شقيقة كليوباترا الكبرى برينيكي الرابعة. اختفى اسم كليوباترا تريفينا من السجلات الرسمية عام 69 قبل الميلاد بعد أشهر قليلة من ولادة كليوباترا. الأطفال الثلاثة الأصغر سنًا لبطليموس الثاني عشر (أشقاء كليوباترا) هم أرسينوي الرابعة وبطليموس الثالث عشر وبطليموس الرابع عشر وجميعهم ولدوا في غياب زوجته (أي ربما كان الزوجان منفصلين آنذاك). تلقت كليوباترا تعليمها في طفولتها على يد مدرسها فيلوستراطوس الذي علمها فن الخطابة والفلسفة اليونانية. يعتقد أن كليوباترا تابعت دراستها في شبابها في متحف الإسكندرية القديم الذي كان آنذاك جزءًا من مكتبة الإسكندرية.

    تولي الحكم ونفي بطليموس الثاني عشر

    دعا الرقيب الروماني ماركوس ليسينيوس كراسوس في عام 65 قبل الميلاد أمام مجلس الشيوخ الروماني إلى ضم مصر البطلمية، لكن مشروع قانونه المقترح رُفض، ورُفض مشروع قانون مشابه قدّمه الأطربون في عام 63 قبل الميلاد. ورداً على التهديد الذي كان يلوح في الأفق بضم مصر البطلمية، اتخذ بطليموس الثاني عشر حاكم مصر آنذاك تدابير لعرقلة الانضمام من خلال تقديم مكافآت وهدايا سخية لإرضاء رجال الدولة الرومانيين المؤثرين وكسب تأييدهم، أحد الأمثلة على ذلك كان بومبيوس الذي تلقى هذه الحوافز خلال حملته العسكرية ضد ميثراداتس السادس، وتلقى أيضًا قيصر مكافآت بعد أن تولى منصب القنصل الروماني عام 59 قبل الميلاد. تسبب سلوك بطليموس الثاني عشر المتهور بإفلاسه، فاضطر إلى الحصول على قروض من المصرفي الروماني.

    ضم الرومان قبرص عام 58 قبل الميلاد، وبناءً على اتهامات بالقرصنة أجبروا بطليموس القبرصي (شقيق بطليموس الثاني عشر) على الانتحار بدلاً من نفيه إلى بافوس. التزم بطليموس الثاني عشر الصمت علنًا بشأن وفاة أخيه، وهو القرار الذي أضر بمصداقيته بين رعاياه الذين كانوا غاضبين بالفعل من سياساته الاقتصادية، إلى جانب تنازله عن الأراضي البطلمية التقليدية للرومان. لاحقًا نُفي بطليموس الثاني عشر من مصر بالقوة، فسافر أولاً إلى رودس، ثم إلى أثينا، واستقر أخيراً في منزل ريفي روماني يملكه الحاكم الثلاثي بومبيوس يقع في تلال ألبان بالقرب من بالسترينا في إيطاليا.

    أقام بطليموس الثاني عشر في ضواحي روما مدة عام تقريبًا برفقة ابنته كليوباترا التي كانت تبلغ من العمر 11 عامًا تقريبًا آنذاك. خلال هذه الفترة أرسلت برينيكي الرابعة (ابنة بطليموس الثاني عشر من زواج سابق) سفراء إلى روما تدافع فيها عن أحقيتها في الحكم وتعارض إعادة والدها إلى منصبه، فلجأ بطليموس الثاني عشر إلى توظيف قتلة لاغتيال السفراء، وهي الجريمة التي تستر عليها مؤيدوه الرومان المؤثرون. وعندما رفض مجلس الشيوخ الروماني طلبه بمرافقة مسلحة وإمدادات لرحلة العودة إلى مصر، اتخذ بطليموس الثاني عشر قرارًا بمغادرة روما أواخر عام 57 قبل الميلاد واستقر في معبد أرتميس في أفسس.

    أصر المصرفيون الرومانيون في عهد بطليموس الثاني عشر والموالون له على إعادته إلى السلطة. حاول بومبيوس جاهدًا إقناع الحاكم الروماني لسوريا بغزو مصر وإعادة تنصيب بطليموس الثاني عشر وعرض عليه مبلغ 10000 طالن لتنفيذ المقترح. وبالرغم من أن هذا الغزو يتعارض مع القانون الروماني، إلا أن جابينيوس هاجم مصر في ربيع عام 55 قبل الميلاد عبر الأراضي التي تسيطر عليها السلالة الحشمونية، ورتب هيركانوس الثاني (ملك السلالة الحشمونية) مع أنتيباتر الأدومي (والد هيرودس الكبير) لتزويد الجيش بالإمدادات اللازمة. كان مارك أنطوني ضابطًا شابًا في سلاح الفرسان تحت قيادة، عزز سمعته جنديًا شجاعًا عندما منع بطليموس الثاني عشر من تنفيذ مذبحة بسكان مدينة بيلوسيون، وأنقذ جثة (رئيس الكهنة وزوج برينيكي الرابعة) الذي قُتل في المعركة ودفنها بمراسم ملكية مناسبة. من المرجح أن كليوباترا البالغة من العمر 14 عامًا آنذاك قد رافقت الحملة الرومانية إلى مصر، اعترف أنطوني بعد سنوات أنه وقع في حبها في هذا الوقت.

    قُدِّم جابينيوس للمحاكمة في روما بتهمة إساءة استخدامه لسلطته ولكن نال حكم البراءة في النهاية، لاحقًا قُدِّم للمحاكمة مرة ثانية بتهمة قبوله للرشاوى مما أدى إلى نفيه. استدعاه قيصر عام 48 قبل الميلاد بعد قضائه سبع سنوات في المنفى. حل كراسوس مكانه حاكمًا لسوريا ووسع قيادته الإقليمية إلى مصر، لكنه قُتل على يد البارثيين في معركة كارهاي سنة 53 قبل الميلاد. أمر بطليموس الثاني عشر بإعدام برينيكي الرابعة وحلفائها الأثرياء وصادر ممتلكاتهم، وسمح لحامية جابينيوس العسكرية المكونة من أفراد من شعب الجرمان والغاليون بمضايقة الناس في شوارع الإسكندرية وعين صديقه المصرفي الروماني الذي يثق به مديرًا ماليًا له.

    وُضع بوستوموس في غضون عام تحت الحجز الوقائي وأعيد إلى روما بعد أن أصبحت حياته معرضة للخطر بسبب استنزاف الموارد في مصر، وبالرغم من هذه المشكلات، صاغ بطليموس الثاني عشر وصية أعلن فيها أن كليوباترا وبطليموس الثالث عشر هما ورثته، وأشرف على مشاريع البناء الكبرى مثل معبد إدفو ومعبد آخر في دندرة، وعمل على استقرار الاقتصاد. في 31 مايو 52 قبل الميلاد، أصبحت كليوباترا وصية على عرش بطليموس الثاني عشر، وهذا يتضح من النقش الذي اكتُشف في معبد حتحور في دندرة. لم يكن بوستوموس قادرًا على تحصيل كامل ديون بطليموس الثاني عشر بحلول وقت وفاة الأخير، نتيجة لذلك ورثت كليوباترا وبطليموس الثالث عشر هذه الديون.

    اعتلاء العرش

    توفي بطليموس الثاني عشر في وقت ما قبل 22 مارس سنة 51 قبل الميلاد. وبعد وقت قصير من توليها الحكم، انطلقت كليوباترا في رحلة إلى مدينة أرمنت الواقعة بالقرب من طيبة للمشاركة في احتفالات تنصيب ثور بوخيس، وهو كيان مقدس يحظى بالتبجيل كوسيط للإله منتو في الديانة المصرية القديمة. واجهت كليوباترا العديد من القضايا الملحة والطارئة بعد فترة وجيزة من توليها العرش، شمل ذلك المجاعة الشديدة الناجمة عن الجفاف وانخفاض مستوى فيضانات النيل السنوية والسلوك الخارج عن القانون والفوضى التي حرّض عليها مقاتلو جابينياني وهم الجنود الرومان العاطلون عن العمل الذين تركهم لحامية مصر. ورثت كليوباترا ديون والدها، وكانت مدينة للجمهورية الرومانية بمبلغ 17.5 مليون دراخما.

    أرسل حاكم سوريا ولديه الأكبرين إلى مصر عام 50 قبل الميلاد، على الأرجح للتفاوض مع الجابينياني وتجنيدهم للدفاع اليائس عن سوريا ضد البارثيين. لكن الجابينياني اعتقلوهما وعذبوهما وقتلوهما في النهاية، ربما بدعم سري من كبار المسؤولين المارقين في بلاط كليوباترا. قبضت كليوباترا على الجناة الجابينياني وأرسلتهم إلى بيبولوس كأسرى في انتظار أن يُصدر حكمه عليهم، لكن بيبولوس أعادهم إلى كليوباترا ووبخها لتدخلها في قضيتهم كونها من اختصاص مجلس الشيوخ الروماني. فشل بيبولوس الذي وقف إلى جانب بومبيوس في حرب قيصر الأهلية في منع قيصر من إنزال أسطول بحري في اليونان، مما سمح لقيصر في النهاية بالوصول إلى مصر لملاحقة بومبيوس.

    بدأت السجلات الرسمية تشير إلى كليوباترا كحاكم وحيد بحلول 29 أغسطس 51 قبل الميلاد، مما يشير لرفضها مشاركة شقيقها بطليموس الثالث في الحكم. من المرجح أنها تزوجته، لكن لا أحد يثبت ذلك في السجلات. أصبح زواج الأخوة عادة بطلمية شائعة خلال حكم بطليموس الثاني وشقيقته أرسينوي الثانية، كره الإغريق القدماء هذه العادة الملكية المصرية القديمة، ولكن بحلول عصر كليوباترا كان يُنظر إليها على أنها عادة نموذجية للملوك البطالمة.

    على الرغم من رفض كليوباترا الاعتراف به حاكمًا مشاركًا، حافظ بطليموس الثالث عشر على قاعدة دعم قوية، لا سيما بين الشخصيات المؤثرة مثل بوثينوس معلمه والوصي عليه ومدير ممتلكاته في طفولته. تآمر أيضًا ضد كليوباترا بعض الشخصيات النافذة مثل أخيلاس القائد العسكري البارز، و وهو معلم آخر لبطليموس الثالث عشر. حاولت كليوباترا لفترة وجيزة تشكيل تحالف مع شقيقها الآخر بطليموس الرابع عشر، ولكن بحلول خريف عام 50 قبل الميلاد، اكتسب بطليموس الثالث عشر اليد العليا في الصراع على السلطة، فبدأ بتوقيع الوثائق باسمه الخاص قبل اسم كليوباترا وأسس أول تأريخ لبدايه حكمه في عام 49 قبل الميلاد، مما يشير إلى تزايد سلطته وسيطرته على المملكة.

    اغتيال بومبيوس

    كانت كليوباترا وقواتها في صيف عام 49 قبل الميلاد لا تزال تقاتل ضد بطليموس الثالث عشر داخل الإسكندرية، خلال هذا الوقت وصل جنايوس بومبيوس (ابن بومبيوس) ناشدًا المساعدة العسكرية نيابة عن والده. عاد قيصر إلى إيطاليا في يناير عام 49 قبل الميلاد بعد أن انتهى من حملاته في بلاد الغال واجتياز الروبيكوني، وأجبر بومبيوس وأنصاره على الفرار إلى اليونان. وافقت كليوباترا وبطليموس الثالث عشر (ربما في مرسومهما المشترك الأخير) على طلب جنايوس بومبيوس فأرسلوا لوالده 60 سفينة و500 جندي بما في ذلك مجموعة المقاتلين (جابينياني)، وهي خطوة ساعدت في محو بعض الديون المستحقة لروما. اضطرت كليوباترا بعد خسارة القتال ضد شقيقها إلى الفرار من الإسكندرية والانسحاب إلى منطقة طيبة. وسافرت بحلول ربيع عام 48 قبل الميلاد إلى سوريا الرومانية برفقة أختها الصغرى أرسينوي الرابعة لحشد قوة عسكرية والعودة بها إلى مصر، لكن قوات شقيقها منعتها من التقدم نحو الإسكندرية، بما في ذلك بعض مقاتلي الجابينياني الذين حُشدوا للقتال ضدها، نتيجة لذلك أقامت كليوباترا معسكرًا خارج بيلوسيون في شرق دلتا النيل.

    اشتبكت قوات قيصر وبومبيوس في 9 أغسطس 48 قبل الميلاد في معركة فارسالوس الحاسمة في اليونان، نتج عن هذه المواجهة العنيفة هزيمة مدمرة لجيش بومبيوس مما أجبره على الانسحاب والهروب القسري إلى مدينة صور بلبنان. اتخذ بومبيوس قرارًا باللجوء إلى مصر بسبب علاقاته الوثيقة مع سلالة البطالمة الحاكمة، معتقدًا أنه يمكنه إعادة تجميع قواته والحصول على الدعم هناك. ومع ذلك، خشي مستشارو بطليموس الثالث عشر من استخدام بومبيوس لمصر كقاعدة له في حرب أهلية رومانية طويلة الأمد، فابتكر خطة لاغتيال بومبيوس فبعث إليه برسالة يدعوه فيها إلى القدوم، وحين وصل بومبيوس في 28 سبتمبر 48 قبل الميلاد على متن سفينة وعند اقترابه من بيلوسيون نُصب له كمين وطُعن حتى الموت. أرسل بطليموس الثالث عشر (في محاولة لإظهار قوته ونزع فتيل الأزمة) رأس بومبيوس مقطوعًا ومحنطًا إلى قيصر الذي وصل إلى الإسكندرية أوائل أكتوبر وأقام في القصر الملكي. أعرب قيصر عن حزنه وغضبه لمقتل بومبيوس ودعا بطليموس الثالث عشر وكليوباترا إلى حل قواتهما والتصالح مع بعضهما.

    العلاقة مع يوليوس قيصر

    وصل بطليموس الثالث عشر إلى الإسكندرية على رأس جيشه متحديًا أمر قيصر بحل الجيش والمغادرة مع قواته قبل وصوله. في البداية أرسلت كليوباترا مبعوثين إلى قيصر، وبعد أن بلغها بأنه يميل إلى إقامة علاقات مع النساء الملكيات، سافرت إلى الإسكندرية لرؤيته شخصيًا. وفقًا للمؤرخ كاسيوس ديو فقد عزمت على المضي بهذه الرحلة دون إبلاغ شقيقها وارتدت ملابس أنيقة وسحرت قيصر بذكائها. في حين يذكر المؤرخ بلوطرخس رواية مختلفة تمامًا يقول فيها أن كليوباترا كانت مخبأة داخل كيس وهُرِّبَت سرًّا إلى القصر لمقابلة قيصر.

    عندما علم بطليموس الثالث عشر بأن شقيقته كليوباترا داخل القصر مع قيصر، سعى إلى إثارة سكان الإسكندرية ودفعهم للقيام بأعمال شغب واضطرابات، لكن قيصر اعتقله واستخدم مهاراته الخطابية المقنعة لتهدئة الحشد الغاضب، لاحقًا دعا قيصر كليوباترا وبطليموس الثالث عشر للمثول أمام مجلس الإسكندرية، وكشف عن وصية مكتوبة مخفية لأبيهما بطليموس الثاني عشر (كانت في حوزة بومبيوس سابقًا) تنص على تسمية كليوباترا وبطليموس الثالث عشر وريثين مشتركين للعرش، ثم حاول قيصر أن يرتب للأخوين الآخرين أرسينوي الرابعة وبطليموس الرابع عشر ليحكما على قبرص حكمًا مشتركًا، وبذلك إزاحة المطالبين المنافسين المحتملين للعرش المصري واسترضاء الرعايا البطالمة الذين كانوا يشعرون بالحسرة بسبب خسارة قبرص للرومان عام 58 قبل الميلاد. شعر بوثينوس بأن هذه الوصية قد فضلت كليوباترا على بطليموس الثالث عشر، فقرر تشكيل قوة عسكرية للزحف إلى الإسكندرية ومحاربة قيصر وكليوباترا، ونصَّب أخيلاس قائدًا لهذه القوات مرجحًا أن جيش بطليموس الثالث عشر المكون من 20 ألف جندي بما فيهم مقاتلي الجابينياني يمكن أن يهزم جيش قيصر المكون من 4000 جندي غير مدعوم، لكن قيصر ألقى القبض على بوثينوس وأعدمه فتغير مسار الأحداث، ثم تحالفت أرسينوي الرابعة مع أخيلاس ونُِّصبت ملكة، وبعد فترة وجيزة قتل معلمها القائد أخيلاس ونصب نفسه مكانه قائدًا لجيش أرسينوي الرابعة. لاحقًا استخدم حيلة ذكية لخداع قيصر، إذ طلب منه السماح لبطليموس الثالث عشر الذي كان أسيرًا آنذاك بالقدوم والمشاركة في المفاوضات، لكن غرضه الحقيقي كان اقناع بطليموس الثالث عشر بالإنضمام إلى جيش أرسينوي الرابعة. وبالفعل خان بطليموس الثالث عشر ثقة قيصر وانضم إلى جيش أرسينوي الرابعة. أدى هذا التحول في الأحداث إلى إطالة أمد الحصار على القصر الذي كانت كليوباترا وقيصر محاصرين معًا داخله، استمر هذا الحصار حتى عام 47 قبل الميلاد. وصلت تعزيزات عسكرية لدعم قيصر في وقت ما بين يناير ومارس من عام 47 قبل الميلاد، بما في ذلك القوات التي يقودها وأنتيباتر الأدومي. سحب بطليموس الثالث عشر وأرسينوي الرابعة قواتهما إلى نهر النيل حين بدأ قيصر بالهجوم عليهما، استقل بطليموس الثالث عشر قاربًا في محاولة يائسة للهرب لكنه انقلب وغرق. من المرجح أن قد قتل في هذه المعركة، وعُثر على بعد سنوات في آسيا على يد ماركوس جونيوس بروتوس وأعدم، أما أرسينوي الرابعة فقد قُبض عليها وأُرسلت إلى روما لشارك قسرًا في عرض انتصار قيصر في روما ثم نفيت لاحقًا إلى معبد أرتميس في أفسس. كانت كليوباترا غائبة غيابًا واضحًا عن هذه الأحداث ومقيمة في القصر، على الأرجح لأنها كانت حاملًا بطفل قيصر منذ 48 سبتمبر قبل الميلاد.

    انتهت فترة ولاية قيصر كقنصل في نهاية عام 48 ق.م. ومع ذلك ساهم أنطوني الذي كان أحد ضباطه في تعيين قيصر في منصب ديكتاتور وهو المنصب الذي شغله مدة عام تقريبا (حتى أكتوبر 47 قبل الميلاد)، مما منح قيصر السلطة القانونية لتسوية النزاع الأسري في مصر. وخوفًا من تكرار الخطأ السابق الذي ارتكبه مع برينيكي الرابعة (أخت كليوباترا) التي حكمت باعتبارها العاهل الأنثى الوحيدة، كان قيصر أكثر حذرًا هذه المرة، إذ عين بطليموس الرابع عشر (شقيق كليوباترا) البالغ من العمر 12 عامًا حاكمًا مشاركًا، ورتب له الزواج من كليوباترا البالغة من العمر 22 عامًا زواجًا رمزيًا. ومع ذلك ظلت كليوباترا تقيم خصوصًا مع قيصر. التاريخ الدقيق الذي عادت فيه قبرص إلى سيطرة كليوباترا غير معروف، على الرغم من أنها عينت حاكمًا هناك بحلول عام 42 قبل الميلاد. يُزعم أن قيصر انضم إلى كليوباترا في رحلة بحرية عبر نهر النيل لمشاهدة المعالم الأثرية المصرية، قد تعكس هذه القصة الرومانسية ميول الأثرياء الرومان اللاحقين وليست بالضرورة أن تكون حدثًا تاريخيًا حقيقيًا. قدم المؤرخ سوتونيوس تفاصيل كثيرة حول هذه الرحلة بما في ذلك استخدام، وهي بارجة ترفيهية بناها بطليموس الرابع بلغ طولها 90 مترًا (300 قدم) وارتفاعها 24 مترًا (80 قدمًا) واحتوت على غرف طعام وغرف رسمية ومزارات مقدسة ومتنزهات على طابقيها وكانت أشبه بفيلا عائمة. من الممكن أن يكون اهتمام قيصر بالرحلة النيلية هو بسبب شغفه بالجغرافيا؛ إذ كان يقرأ جيدًا أعمال إراتوستينس وبيثياس، وربما أراد اكتشاف منبع نهر النيل، لكنه عاد قبل أن يصل إلى إثيوبيا.

    غادر قيصر مصر قرابة أبريل 47 قبل الميلاد بدعوى مواجهة ابن ميثريداتس السادس الذي كان يثير المشكلات لروما في الأناضول. من المرجح أن قيصر (المتزوج من المرأة الرومانية البارزة كالبورنيا) قد سعى أيضًا إلى تجنب الظهور مع كليوباترا عندما أنجبت ابنهما. ترك قيصر في مصر ثلاثة فيالق وزادت فيما بعد إلى أربعة، ووضعت هذه الفيالق تحت قيادة المعتوق، بهدف حماية وضع كليوباترا غير المستقر، وربما أيضًا لإبقاء أنشطتها تحت السيطرة والمراقبة.

    وُلد قيصريون الطفل المزعوم لكليوباترا وقيصر في 23 يونيو 47 قبل الميلاد وكان اسمه في الأصل (فرعون قيصر) مثلما هو موثق على شاهد عثر عليه في سيرابيوم في سقارة. امتنع قيصر (ربما بسبب زواجه من كالبورنيا التي لم تنجب له أي أطفال في تلك المرحلة) عن الإدلاء بتصريحات عامة حول قيصريون (ولكن ربما اعترف بنسبه في حوارات خاصة). من ناحية أخرى، أصدرت كليوباترا تصريحات رسمية متكررة حول نسب قيصريون، وكانت دائمًا ما تشير إلى قيصر صراحة على أنه والد الطفل.

    زارت كليوباترا وحاكمها المشترك الإسمي بطليموس الرابع عشر روما في وقت ما في أواخر عام 46 قبل الميلاد دون قيصرون على الأرجح، ومنحا السكن في فيلا قيصر الواقعة داخل، منح قيصر كليوباترا وبطليموس الرابع عشر (كما فعل مع والدهما بطليموس الثاني عشر من قبل) الوضع القانوني «صديقًا وحليفًا للشعب الروماني»، مما جعلهما حكامًا تابعين في الولاء لروما. كان من بين زوار كليوباترا في فيلا قيصر الواقعة بالقرب من نهر التيبر هو السيناتور شيشرون الذي وجد سلوكها متعجرفًا إلى حد ما. لعب سوسيجينيس الإسكندري (أحد أعضاء بلاط كليوباترا) دورًا في مساعدة قيصر في الحسابات اللازمة لتنفيذ التقويم اليولياني الجديد، والذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 45 قبل الميلاد. كان معبد فينوس جينيتريكس الذي أنشئ في منتدى قيصر في 25 سبتمبر 46 قبل الميلاد يحتوي على تمثال ذهبي لكليوباترا (الذي ظل قائمًا حتى القرن الثالث الميلادي على الأقل)، ربط هذا التمثال بين كليوباترا مباشرة بالإلهة فينوس التي كانت تعتبر أم الشعب الروماني. بالإضافة إلى ذلك، ربط التمثال بين الإلهة المصرية إيزيس والدين الروماني.

    من المرجح أن وجود كليوباترا في روما كان له تأثير على الأحداث التي وقعت في مهرجان لوبركاليا الذي أقيم قبل شهر من اغتيال قيصر. خلال المهرجان، حاول أنطوني وضع إكليل ملكي على رأس قيصر، لكن الأخير رفض فيما كان على الأرجح عرضًا مسرحيًا، ربما كان يهدف إلى تقييم مدى تقبل الجمهور الروماني لفكرة اعتناق ملكية على الطراز الهلنستي. استفسر شيشرون الذي كان حاضرًا في المهرجان ساخرًا عن أصل الإكليل، في إشارة واضحة إلى الملكة البطلمية كليوباترا التي كان يمقتها.

    اغتيل قيصر في منتصف شهر مارس (15 مارس 44 ق.م.)، ومع ذلك ظلت كليوباترا مقيمة في روما حتى منتصف أبريل تقريبًا على أمل يائس بالحصول على اعتراف بقيصرون كوريث لعرش قيصر. ومع ذلك، فإن وصية قيصر أشارت إلى حفيده أوكتافيان باعتباره الوريث الأساسي. وصل أوكتافيان بعد ذلك إلى إيطاليا في نفس الوقت تقريبًا الذي قررت فيه كليوباترا العودة إلى مصر. وبعد بضعة أشهر، قتلت كليوباترا شقيقها بطليموس الرابع عشر بالسم، ورفعت ابنها قيصريون ليكون حاكمًا مشاركًا لها.

    كليوباترا في الحرب الأهلية للأحرار

    شكل أوكتافيان وأنطوني وماركوس أميليوس ليبيدوس الحكومة الثلاثية الثانية في عام 43 قبل الميلاد، وانتُخب كل منهم مدة خمس سنوات بهدف استعادة النظام في الجمهورية وتقديم قتلة قيصر إلى العدالة. تلقت كليوباترا في هذا الوقت رسائل من غايوس كاسيوس لونغينوس (أحد قتلة قيصر) و حاكم سوريا الموالي للقياصرة ينشدان المساعدة العسكرية. وردًا على ذلك، أرسلت كليوباترا رسالة إلى غايوس توضح فيها أن مملكتها تواجه العديد من المشكلات الداخلية، مما يجعل من المستحيل عليها تقديم المساعدة العسكرية، بينما أرسلت كليوباترا الجحافل الأربعة التي تركها قيصر في مصر لدعم دولابيلا. لكن غايوس تمكن من الاستيلاء على هذه القوات في فلسطين.

    انشق (حاكم قبرص في عهد كليوباترا) وتحالف مع غايوس وزوده بالسفن، أبحرت كليوباترا بأسطولها الخاص إلى اليونان بهدف تقديم الدعم المباشر لأوكتافيان وأنطوني. لكن سفنها تعرضت لأضرار جسيمة بسبب عاصفة في البحر الأبيض المتوسط فوصلت بعد فوات الأوان للمساعدة في القتال. نجح أنطوني في هزيمة قتلة قيصر في معركة فيليبي في اليونان بحلول خريف عام 42 قبل الميلاد، مما أدى في النهاية إلى انتحار غايوس وماركوس جونيوس بروتوس.

    سيطر أوكتافيان بحلول نهاية عام 42 قبل الميلاد على جزء كبير من النصف الغربي من الجمهورية الرومانية بينما سيطر أنطوني على النصف الشرقي، مما أدى إلى تهميش دور ماركوس أميليوس ليبيدوس إلى حد كبير. أنشأ أنطوني في صيف عام 41 قبل الميلاد مقره الرئيسي في طرسوس في الأناضول واستدعى كليوباترا هناك وأرسل لها عدة رسائل، لكنها في كل مرة كانت ترفض القدوم إلى أن أقنعها مبعوث أنطوني بالمجيء. سمح هذا الاجتماع لكليوباترا بتوضيح الاعتقاد الخاطئ عنها بأنها دعمت كاسيوس خلال الحرب الأهلية ومعالجة التبادلات الإقليمية في بلاد الشام، لكن أنطوني أيضًا رغب بلا شك في تكوين علاقة رومانسية شخصية معها. أبحرت كليوباترا عبر نهر كيدنوس إلى طرسوس باستخدام الثالاميغوس (مركب عائم)، واستضافت أنطوني وضباطه مدة ليلتين على متن السفينة المليئة بالمآدب الفخمة. نجحت كليوباترا في تبرئة نفسها، موضحة أن نيتها الحقيقية كانت دعم في سوريا وليس غاسيوس، وأقنعت أنطوني بإعدام أختها المنفية أرسينوي الرابعة في أفسس، وسُلِّم حاكم قبرص المتمرد السابق إلى كليوباترا لإعدامه.

    العلاقة مع مارك أنطوني

    وجهت كليوباترا دعوة إلى أنطوني للقدوم إلى مصر قبل مغادرتها لطرسوس، فقبل الدعوة ووصل إلى الإسكندرية في نوفمبر عام 41 قبل الميلاد. قوبل وصوله باستقبال حار من أهل الإسكندرية الذين كانوا يكنون له تقديرًا كبيرًا لجهوده البطولية في إعادة بطليموس الثاني عشر إلى العرش ولقدومه إلى مصر دون قوة احتلال مثلما فعل قيصر. واصل أنطوني في مصر بالاستمتاع بأسلوب الحياة الملكي الفخم الذي شهده على متن سفينة كليوباترا التي رست في طرسوس، بالإضافة إلى ذلك فقد كلف مرؤوسيه ومنهم بمهمة طرد البارثيين من الأناضول وسوريا.

    اختارت كليوباترا أنطوني بعناية ليكون شريكًا لها في إنجاب المزيد من الورثة، إذ كان يُعتبر أقوى شخصية رومانية بعد وفاة قيصر. وبفضل صلاحياته كحاكم ثلاثي، كان لأنطوني أيضًا سلطة واسعة لاستعادة الأراضي البطلمية السابقة التي أصبحت تحت السيطرة الرومانية وإعادتها إلى كليوباترا. في حين أنه من الواضح أن كلا من قيليقية وقبرص كانتا تحت سيطرة كليوباترا بحلول 19 نوفمبر 38 قبل الميلاد، فمن المحتمل أن استعادة الأراضي قد حدث في وقت سابق في شتاء 41-40 قبل الميلاد خلال الفترة التي قضتها مع أنطوني.

    غادر أنطوني مصر بحلول ربيع عام 40 قبل الميلاد بسبب الاضطرابات في سوريا، إذ قُتل حاكمه واستولى على جيشه، وهو ضابط سابق في عهد غايوس وكان متحالفًا مع الإمبراطورية البارثية. قدمت كليوباترا لأنطوني 200 سفينة لحملته وكدفعة للأراضي المكتسبة حديثًا. لم تتمكن كليوباترا من رؤية أنطوني مرة أخرى حتى عام 37 قبل الميلاد، لكنها حافظت على المراسلات بينهما، وتشير الأدلة إلى أنها احتفظت بجاسوس في معسكره. أنجبت كليوباترا من أنطوني توأمان بحلول نهاية عام 40 قبل الميلاد: صبي اسمه ألكسندر هيليوس وفتاة اسمها كليوباترا سيليني الثانية، واعترف أنطوني بكلاهما بأنهما أبناؤه. كانت أسماء أبنائهما هيليوس (وتعني الشمس) وسيليني (وتعني القمر) ترمز إلى الوعد بعصر جديد من تجديد المجتمع، وعكست هذه الأسماء رغبة كليوباترا وأملها في أن يكرر أنطوني مآثر الإسكندر الأكبر ويقهر البارثيين.

    تعطلت حملة مارك أنطوني البارثية في الشرق بسبب أحداث (41-40 قبل الميلاد)، التي بدأتها زوجته الطموحة فولفيا ضد أوكتافيان على أمل جعل زوجها زعيم روما بلا منازع. اقترح البعض أن دافع فولفيا ربما كان إبعاد أنطوني عن كليوباترا، لكن الصراع ظهر في إيطاليا حتى قبل لقاء كليوباترا مع أنطوني في طرسوس. حاصر أوكتافيان فولفيا وشقيق أنطوني في (بروجة الحديثة، إيطاليا) في نهاية المطاف ونُفيا لاحقًا من إيطاليا، لاحقًا ماتت فولفيا في سيكيون في اليونان أثناء محاولتها الوصول إلى أنطوني. أدى موتها المفاجئ إلى مصالحة بين أوكتافيان وأنطوني في برونديسيوم في إيطاليا في سبتمبر 40 قبل الميلاد. ومع أن الاتفاق في برونديسيوم عزز سيطرة أنطوني على أراضي الجمهورية الرومانية الواقعة شرق البحر الأيوني، إلا أنه نص أيضًا على تنازل أنطوني عن إيطاليا وهسبانيا وبلاد الغال، والزواج من أوكتيفيا الصغرى (شقيقة أوكتافيان) المنافسة المحتملة لكليوباترا.

    استقبلت كليوباترا هيرودس في الإسكندرية في ديسمبر 40 قبل الميلاد ضيفًا غير متوقع ولاجئ فر من الوضع المضطرب في يهودا. كان أنطوني قد عين هيرودس في الأصل رئيسًا للربع في المنطقة، لكن سرعان ما وجد هيرودس نفسه في صراع مع أنتيجونوس الحشموني، وهو عضو في سلالة الحشمونائيم العريقة. وكان الأخير قد سجن شقيق هيرودس وزميله فاسيل، الذي أُعدم بينما كان هيرودس هاربًا ويبحث عن ملجأ في بلاط كليوباترا. حاولت كليوباترا تكليف هيرودس بمهمة عسكرية، لكن هيرودس رفض وسافر إلى روما، وهناك عينه الثلاثي أوكتافيان وأنطوني ملكًا على يهودا. وضع هذا الفعل هيرودس على مسار تصادمي مع كليوباترا، التي كانت ترغب في استعادة الأراضي البطلمية السابقة التي شكلت مملكته الهيرودية الجديدة.

    من المرجح أن العلاقة بين أنطوني وكليوباترا قد توترت ليس فقط لأنه تزوج أوكتافيا، بل لأنه أنجب منها طفلين أيضًا: أنطونيا الكبرى في عام 39 قبل الميلاد وأنطونيا الصغرى في عام 36 قبل الميلاد، ونقل مقر إقامته إلى أثينا. ومع ذلك، ظل وضع كليوباترا داخل مصر مستقرًا. كان منافسها هيرودس مشغولاً بالحرب الأهلية في يهودا والتي تطلبت مساعدة عسكرية رومانية ثقيلة، لكنه لم يتلق أي مساعدة من كليوباترا. انتهت سلطة أنطوني وأوكتافيان حاكمين ثلاثيين في 1 يناير 37 قبل الميلاد، فرتبت أوكتافيا لاجتماع في تارانتوم، مددت فيه السلطة الثلاثية رسميًا إلى 33 قبل الميلاد.

    سافر أنطوني إلى أنطاكية مع فيلقين منحهما أوكتافيان وألف جندي أعارتهم أوكتافيا للبدأ بالاستعدادات للحرب ضد البارثيين. استدعى أنطوني كليوباترا إلى أنطاكية لمناقشة بعض القضايا الملحة، بما في ذلك وضع مملكة هيرودس وتأمين الدعم المالي لحملته البارثية القادمة. وصلت كليوباترا برفقة طفليها التوأم البالغين من العمر آنذاك ثلاث سنوات إلى أنطاكية، ورآهما أنطوني للمرة الأولى، ومن المحتمل أنهما حصلا على لقبيهما (هيليوس) و(سيلين) لأول مرة كجزء من خطط أنطوني وكليوباترا الطموحة للمستقبل. ومن أجل تحقيق الاستقرار في الشرق، لم يوسع أنطوني مملكة كليوباترا فحسب، بل أنشأ أيضًا سلالات حاكمة جديدة وحكامًا تابعين كي يظلوا موالين له حتى بعد وفاته.

    وفقًا لهذا الترتيب، حصلت كليوباترا على مناطق بطلمية سابقة شاسعة في بلاد الشام، وشمل ذلك تقريبًا كل فينيقيا (لبنان) باستثناء صور وصيدا اللتان ظلتا تحت السيطرة الرومانية. واستحوذت كليوباترا على بطليموس عكا (عكا الحديثة) وهي المدينة التي أنشأها بطليموس الثاني. ونظرًا لعلاقات أسلافها مع السلوقيين، مُنحت كليوباترا منطقة سوريا الجوفاء على طول نهر العاصي العلوي. علاوة على ذلك، حصلت على المنطقة المحيطة بأريحا في فلسطين، لكنها أعادت هذه المنطقة إلى هيرودس. مُنحت كليوباترا أيضًا جزءًا من المملكة النبطية حول خليج العقبة على البحر الأحمر على حساب الملك النبطي ماليخوس الأول (ابن عم هيرودس)، بما في ذلك إيلانا (العقبة، الأردن). وإلى الغرب مُنحت كليوباترا قورينا على طول الساحل الليبي، بالإضافة إلى وأولوس في جزيرة كريت الرومانية. وعلى الرغم من استمرار إدارة المسؤولين الرومان لهذه الأراضي، إلا أنها أغنت مملكة كليوباترا وقادتها إلى تدشين حقبة جديدة وهو ما يتضح من عملاتها المعدنية في عام 36 قبل الميلاد.

    وسع أنطوني المملكة البطلمية من خلال التخلي عن الأراضي الرومانية الخاضعة للسيطرة المباشرة، استغل أوكتافيان تصرفات أنطوني كأداة سياسية ضده، واستغل أيضًا المشاعر السائدة في روما آنذاك ضد تمكين ملكة أجنبية على حساب جمهوريتهم. عزز أوكتافيان السرد القائل بأن أنطوني كان يهمل أوكتافيا زوجته الرومانية الفاضلة، فمنحها هي وزوجته ليفيا دروسيلا امتيازات استثنائية. أصبحت كورنيليا أفريكانا (إبنة شيبيون الإفريقي) قبل زهاء 50 عامًا أول إمرأة رومانية على قيد الحياة يقام لها تمثال مخصص لها، وتبعتها أوكتافيا وليفيا اللتان نصبت تماثيلهما على الأرجح في منتدى قيصر لمنافسة تمثال كليوباترا الذي نصبه قيصر بنفسه. رافقت كليوباترا أنطوني في حملته نحو غزو الإمبراطورية البارثية في عام 36 قبل الميلاد، وسافرت معه إلى نهر الفرات. ثم عادت إلى مصر، ربما بسبب مرحلة حملها المتقدمة. وبحلول صيف عام 36 قبل الميلاد، أنجبت بطليموس فيلادلفوس (ابنها الثالث من أنطوني).

    انتهت حملة أنطوني البارثية في عام 36 قبل الميلاد بكارثة محققة، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى عدة عوامل، أبرزها خيانة أرتافاسديس الثاني ملك أرمينيا، الذي أنشق وحول ولاءه إلى البارثيين. أسفرت الحملة عن مقتل قرابة 30,000 رجل، متجاوزة الخسائر التي تكبدها كراسوس في معركة كارهاي، وهي النتيجة التي كان أنطوني يأمل في الانتقام منها. وصل أنطوني أخيرًا إلى ليوكوكوم بالقرب من بيريتوس (بيروت، لبنان) في ديسمبر، وكان قد أفرط في شرب الخمر قبل وصول كليوباترا التي عادت محملة بالأموال والملابس لقواته المنهكة التي كانت في أمس الحاجة إليها. أراد أنطوني تجنب المخاطر التي تنطوي عليها العودة إلى روما، لذا اختار السفر مع كليوباترا عائداً إلى الإسكندرية لرؤية ابنه حديث الولادة.

    تبرعات الأسكندرية

    بينما كان أنطوني يستعد لرحلة استكشافية بارثية أخرى في عام 35 قبل الميلاد موجهة هذه المرة نحو حليفتهم أرمينيا، سافرت أوكتافيا إلى أثينا برفقة 2000 جندي ظاهريًا لإظهار الدعم لأنطوني، ولكن هذه الخطوة على الأرجح كانت جزءًا من مخطط ابتكره أوكتافيان لإحراج أنطوني بسبب خسائره العسكرية. استقبل أنطوني هذه القوات لكنه طلب من أوكتافيا ألا تبتعد شرق أثينا بينما سافر هو وكليوباترا معًا إلى أنطاكية، ومع ذلك، فقد تخلى عن الحملة العسكرية تخليًا مفاجئًا وغير مفهوم وعاد إلى الإسكندرية. عندما عادت أوكتافيا إلى روما، صور أوكتافيان أخته كضحية ظلمها أنطوني، على الرغم من أنها رفضت مغادرة منزله. ازدادت ثقة أوكتافيان بنفسه عندما قضى على منافسيه في المناطق الغربية، بما في ذلك سكستوس بومبيوس وحتى ليبيدوس (العضو الثالث في الحكم الثلاثي) والذي وُضع تحت الإقامة الجبرية بعد الثورة ضد أوكتافيان في صقلية.

    أرسل أنطوني مبعوثه إلى أرتافاسديس الثاني عام 34 قبل الميلاد للتفاوض على تحالف وزواج محتمل من شأنه أن يزوج إبنة الملك الأرمني إلى ألكسندر هيليوس (ابن أنطوني وكليوباترا). وعندما رفض أرتافاسديس الثاني هذا الاقتراح، سار أنطوني بجيشه إلى أرمينيا، وهزم قوات الملك الأرميني وأسره والعائلة المالكة الأرمنية. أقام أنطوني عرضًا عسكريًا في الإسكندرية تقليدًا لعرض للانتصار الروماني مرتديًا زي ديونيسوس ودخل المدينة على عربة لتقديم السجناء الملكيين إلى كليوباترا التي كانت تجلس على عرش ذهبي فوق منصة فضية. قوبل هذا العرض بانتقادات شديدة في روما باعتباره تحريفًا للعادات والطقوس الرومانية القديمة التي لا ينبغي أن تستمتع بها ملكة مصرية، إذ كانت هذه الاحتفالات تخص القادة الرومان وحدهم.

    في حدث أقيم في صالة الألعاب الرياضية بعد فترة وجيزة من عرض الانتصار، ارتدت كليوباترا زي إيزيس وأعلنت نفسها ملكة الملوك وأن ابنها قيصريون هو ملك الملوك، في حين أُعلِن ابنها الآخر ألكسندر هيليوس ملكًا على أرمينيا وميدي وبارثيا، بالإضافة إلى ذلك، سُمِّي بطليموس فيلادلفوس البالغ من العمر عامين ملكًا على سوريا وقيليقية. مُنحت كليوباترا سيليني الثانية جزيرة كريت وقورينا. من الممكن أن يكون زواج أنطوني وكليوباترا قد حدث خلال هذا الحفل. لاحقًا أرسل أنطوني تقريرًا إلى روما يطلب فيه التصديق على هذه المطالبات الإقليمية التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم "تبرعات الإسكندرية". سعى أوكتافيان إلى نشر هذا الحدث لأغراض دعائية، ولكن اثنين من القناصل من أنصار أنطوني حجباه عن الرأي العام. انخرط أنطوني وأوكتافيان في حرب دعائية ساخنة استمرت سنوات في أواخر عام 34 قبل الميلاد. ادعى أنطوني أن أوكتافيان قد عزل ليبيدوس عزلًا غير قانوني من حكومتهم الثلاثية ومنعه من تجنيد القوات في إيطاليا، بينما اتهم أوكتافيان أنطوني باحتجاز ملك أرمينيا احتجازًا غير قانوني، والزواج من كليوباترا على الرغم من أنه لا يزال متزوجًا من أخته أوكتافيا، والادعاء ظلماً بأن قيصريون هو وريث قيصر بدلاً من أوكتافيان. شكلت سلسلة الاتهامات والشائعات المرتبطة بهذه الحرب الدعائية التصورات الشعبية حول كليوباترا بدءًا من فترة الأدب الأوغستاني وحتى وسائل الإعلام المختلفة في العصر الحديث. قيل أن كليوباترا غسلت دماغ مارك أنطوني من خلال استخدام السحر والشعوذة وكانت شخصية شريرة مثل شخصية هيلين الطروادية التي ذكرت في إحدى روايات هوميروس ودمرت حضارة بأكملها. ادعى بليني الأكبر في كتابه (التاريخ الطبيعي) أن كليوباترا قامت ذات مرة بإذابة لؤلؤة تبلغ قيمتها عشرات الملايين من السسترس (عملة فضية) في الخل كي تفوز برهان في حفل العشاء. بالإضافة إلى ذلك، فإن الادعاء بأن أنطوني قد سرق كتبًا من مكتبة بيرغاموم لتجديد مكتبة الإسكندرية كُشف عنه لاحقًا على أنه تلفيق اعترف به.

    عُثِر على توقيع كليوباترا على وثيقة من ورق البردي يرجع تاريخها إلى 33 فبراير قبل الميلاد واستخدمت فيما بعد لتغليف مومياء، من المرجح أن هذه الوثيقة كتبها مسؤول مفوض بالتوقيع لها. تتعلق الوثيقة بإعفاءات ضريبية في مصر ممنوحة إما لكوينتوس كايسيليوس أو، وهو قنصل روماني سابق وأحد المقربين من أنطوني وقائد قواته البرية في معركة أكتيوم، كُتب أسفل البردية بخط يد مختلف عبارة "اجعل الأمر يحدث،" أو "فليكن،" ومن المحتمل أنه توقيع كليوباترا، إذ كان من المعتاد عند البطالمة التوقيع على المستندات لتجنب تزويرها.

    معركة أكتيوم

    اتهم أوكتافيان أنطوني بمحاولة تقويض الحريات الرومانية والسلامة الإقليمية باعتباره عبدًا لملكته الشرقية (يقصد كليوباترا) في خطاب ألقاه أمام مجلس الشيوخ الروماني في اليوم الأول من توليه منصب القنصل في 1 يناير 33 قبل الميلاد. أعلن أنطوني أن قيصريون هو الوريث الحقيقي لقيصر في محاولة لإضعاف أوكتافيان قبل انتهاء إمبراطورية أنطوني وأوكتافيان المشتركة في 31 ديسمبر 33 قبل الميلاد. تولى و المواليان لأنطوني منصب القنصل في عام 32 قبل الميلاد. ألقى الأول خطابًا شديد اللهجة أدان فيه أوكتافيان، الذي أصبح بحلول ذلك الوقت مواطنًا عاديًا دون شغل أي منصب عام وقدم تشريعات ضده. خلال جلسة مجلس الشيوخ التالية، دخل أوكتافيان إلى مجلس الشيوخ برفقة حراس مسلحين ووجه اتهاماته الخاصة ضد القناصل. وخوفًا من هذا الفعل، فر القناصل وأكثر من 200 من أعضاء مجلس الشيوخ الذين يدعمون أنطوني من روما في اليوم التالي للوقوف إلى جانب أنطوني.

    سافر أنطوني وكليوباترا معًا إلى أفسس عام 32 قبل الميلاد، حيث قدمت كليوباترا 200 سفينة من أصل 800 سفينة بحرية تمكن أنطوني من الحصول عليها. كان أهينوباربوس، الذي شعر بالقلق من هذا التحول الخطير في الأحداث، يبذل جهدًا كبيرًا لإقناع أنطوني باستبعاد كليوباترا من الحملة العسكرية ضد أوكتافيان. من ناحية أخرى، قدم مضادة مفادها أن كليوباترا كانت تمول المجهود الحربي وكانت ملكة تتمتع بكفاءة كبيرة.

    على الرغم من طلب أنطوني لكليوباترا بالعودة إلى مصر، إلا أنها رفضت بشدة، معتبرة أن مشاركتها في هذه الحرب ضرورية لعرقلة تقدم أوكتافيان في اليونان، مما سيمكنها من الدفاع عن مصر بسهولة. وقد أدى إصرار كليوباترا على المشاركة في معركة اليونان إلى انشقاق بعض الشخصيات الرومانية البارزة مثل ولوسيوس موناتيوس بلانكوس سافر أنطوني وكليوباترا إلى أثينا في ربيع عام 32 قبل الميلاد، وأقنعت كليوباترا أنطوني بإرسال إعلان رسمي للطلاق إلى أوكتافيا. نتيجة لذلك، قدم بلانكوس نصيحة إلى أوكتافيان بضرورة الاستيلاء على وصية أنطوني المحفوظة عند عذارى فستال. وعلى الرغم من أن هذا العمل كان يُعتبر انتهاكًا للحقوق المقدسة والقانونية، إلا أن أوكتافيان حصل على الوصية بالقوة من معبد فيستا، واستخدمها كأداة في الحرب الدعائية ضد أنطوني وكليوباترا.

    سلط أوكتافيان الضوء على بعض أجزاء من الوصية، مثل تعيين قيصريون وريثًا لقيصر، وأن تبرعات الإسكندرية كانت قانونية، وأن أنطوني يجب أن يُدفن جنبًا إلى جنب مع كليوباترا في مصر بدلاً من روما، وأن الإسكندرية ستصبح العاصمة الجديدة للجمهورية الرومانية. ومن أجل إظهار الولاء لروما، قرر أوكتافيان البدء في بناء ضريحه الخاص في.

    تحسن الوضع القانوني لأوكتافيان بعد انتخابه قنصلًا في عام 31 قبل الميلاد. ومع الكشف العلني عن وصية أنطوني، أصبح لدى أوكتافيان مبرر لشن حرب، فأعلنت روما الحرب على كليوباترا وليس أنطوني. كانت الحجة القانونية للحرب تعتمد بدرجة أقل على استحواذات كليوباترا على الأراضي، التي شملت الأراضي الرومانية السابقة التي يحكمها أطفالها من أنطوني، وبدرجة أكبر على حقيقة أنها كانت تقدم الدعم العسكري لأنطوني (الذي أصبح مواطنًا عاديًا بعد انتهاء سلطته الثلاثية).

    كان لدى أنطوني وكليوباترا أسطول أكبر من أسطول أوكتافيان، لكن أطقم البحرية التابعة لأنطوني وكليوباترا لم تكن كلها مدربة تدريبًا جيدًا، وربما كان بعضها من السفن التجارية، في حين كان لدى أوكتافيان قوة بحرية محترفة بالكامل. أراد أنطوني عبور البحر الأدرياتيكي وحصار أوكتافيان إما في طارنت أو ابرندس، لكن كليوباترا التي كانت مهتمة في المقام الأول بالدفاع عن مصر ألغت قرار مهاجمة إيطاليا مباشرة. أنشأ أنطوني وكليوباترا مقرهما الشتوي في باتراس في اليونان، وبحلول ربيع عام 31 قبل الميلاد كانا قد انتقلا إلى أكتيوم الواقعة على الجانب الجنوبي من.

    حصلت كليوباترا وأنطوني على دعم العديد من الملوك المتحالفين بما فيهم هيرودس (الذي كانت كليوباترا في نزاع معه)، وبسبب وقوع زلزال في يهودا فقد تغيب هيرودس عن الحملة. فقدت كليوباترا وأنطوني أيضًا دعم ماليخوس الأول، الأمر الذي كان له عواقب استراتيجية. تعرض أنطوني وكليوباترا لعدة هزائم في مناوشات ضد أوكتافيان بالقرب من أكتيوم خلال صيف عام 31 قبل الميلاد، واستمرت انشقاقات النخب السياسية والعسكرية إلى معسكر أوكتافيان، بما في ذلك رفيق أنطوني القديم والملوك المتحالفين وديوتاروس ملك بافلاغونيا. اقترح البعض في معسكر أنطوني التراجع إلى الداخل والتخلي عن الصراع البحري، بينما دعت كليوباترا إلى مواجهة بحرية لإبقاء أسطول أوكتافيان بعيدًا عن مصر.

    في 2 سبتمبر 31 قبل الميلاد، التقت القوات البحرية لأوكتافيان بقيادة ماركوس فيبسانيوس أغريبا بقوات أنطوني وكليوباترا في معركة أكتيوم. أشرفت كليوباترا من على متن سفينتها الرئيسية أنطونيا على أسطول مكون من 60 سفينة متمركزة عند مدخل خليج أمبراسيان، وكانت سفنها متمركزة في الجزء الخلفي من الأسطول. من المحتمل أن يكون هذا الترتيب قد نسَّقه ضباط أنطوني لتقليل نفوذها أثناء المعركة. أصدر أنطوني أوامره برفع أشرعة السفن بهدف الحصول على فرصة أفضل لملاحقة العدو أو الهروب منه، أعجبت كليوباترا التي كانت مهتمة دائمًا بالدفاع عن مصر بهذه الفكرة، واستفادت منها للتحرك بسرعة عبر منطقة القتال الرئيسية ونفذت انسحابًا استراتيجيًا إلى شبه جزيرة البيلوبونيز.

    ذكر المؤرخ أن الكتاب الرومان المتحيزين اتهموا كليوباترا لاحقًا بالجبن لأنها تركت أنطوني، ومع ذلك، اقترح الكتاب أن الهدف الأساسي من إبقاء الأشرعة على متن السفينة ربما لكسر الحصار وإنقاذ أكبر عدد ممكن من سفن الأسطول. تبع أنطوني كليوباترا واستقل سفينتها التي تعرف عليها من خلال أشرعتها الأرجوانية المميزة، ثم هرب الاثنان من المعركة واتجها إلى. وبحسب ما ورد تجنب أنطوني الحديث مع كليوباترا خلال هذه الرحلة التي استغرقت ثلاثة أيام، حتى حثته سيداتها المنتظرات في تاينارون على التحدث معها. استمرت معركة أكتيوم بدون كليوباترا وأنطوني حتى صباح يوم 3 سبتمبر، وأعقبتها انشقاقات هائلة من الضباط والقوات والملوك المتحالفين الذين انضموا إلى أوكتافيان.

    نهاية الحكم والوفاة

    في الوقت الذي احتل فيه أوكتافيان مدينة أثينا، وصل مارك أنطوني وكليوباترا إلى بارايتونيون في مصر، حيث افترق الزوجان؛ إذ توجه أنطوني إلى قورينا لجمع المزيد من القوات، بينما عادت كليوباترا إلى ميناء الإسكندرية، ساعيةً إلى تضليل الفصيل المعارض وتصوير التطورات في اليونان على أنها انتصار، خوفًا من أن تؤدي الأخبار عن نتيجة معركة أكتيوم إلى اندلاع تمرد.

    لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت كليوباترا قد أمرت في ذلك الوقت بإعدام أرتافاسديس الثاني، ثم أرسلت رأسه المقطوع إلى منافسه في محاولة لعقد تحالف معه.

    وصلت الأنباء إلى حاكم قورينا المعين، تفيد بانتصار أوكتافيان في معركة أكتيوم حتى قبل أن يتمكن رسل مارك أنطوني من الوصول إليه. أمر بيناريوس بإعدام هؤلاء الرسل ثم انشق إلى جانب أوكتافيان، وسلم له الفيالق الأربعة التي كانت تحت قيادته، والتي كان أنطوني يسعى للسيطرة عليها.

    عندما علم أنطوني بهذه الخيانة، قرر الانتحار، لكن بعض ضباطه المخلصين تدخلوا ومنعوه. في الإسكندرية، انسحب أنطوني إلى كوخ منعزل بناه في جزيرة فاروس، وأطلق عليه اسم "تيمونيون"، نسبةً إلى الفيلسوف تيمون الأثيني، المعروف بسخريته واحتقاره للبشر.

    في تلك الأثناء، سافر هيرودس الأول، الذي كان قد نصح أنطوني سابقًا بخيانة كليوباترا بعد معركة أكتيوم، إلى جزيرة رودس للقاء أوكتافيان، حيث أعلن عن استعداده للتنازل عن الحكم بسبب ولائه لأنطوني. غير أن أوكتافيان، الذي أعجب بإحساسه بالولاء، سمح له بالاحتفاظ بمنصبه في يهودا، مما زاد من عزلة أنطوني وكليوباترا.

    يعتقد أن كليوباترا وبحلول أواخر صيف عام 31 قبل الميلاد قد بدأت تنظر إلى أنطوني باعتباره عائقًا، لذا استعدت لمغادرة مصر، خططت كليوباترا للتنازل عن حكم مصر لابنها قيصريون، ونقل أسطولها من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر، ثم الإبحار إلى ميناء أجنبي ربما إلى الهند، حيث يمكنها قضاء بعض الوقت في التعافي. ومع ذلك، تخلت كليوباترا عن هذه الخطط في نهاية المطاف عندما تمكن ماليخوس الأول (بناءً على نصيحة الحاكم الذي عينه أوكتافيان على سوريا) من حرق أسطول كليوباترا انتقامًا لخسائره في الحرب مع هيرودس وهي الحرب التي حرضت عليها كليوباترا إلى حد كبير. لم يكن أمام كليوباترا آنذلك خيار آخر سوى البقاء في مصر والتفاوض مع أوكتافيان. وبدأت كليوباترا في هذا الوقت في اختبار قوة السموم المختلفة على السجناء وحتى على خدمها.

    جندت كليوباترا قيصريون ليلتحق بصفوف الإفيبيين، وأظهرت النقوش البارزة التي عُثر عليها على شاهد في كوبتوس والتي يعود تاريخها إلى 21 سبتمبر 31 قبل الميلاد أن كليوباترا كانت آنذلك تخطط ليصبح ابنها هو الحاكم الوحيد لمصر. وفي نفس الوقت استدعى أنطوني ولإظهار تضامنه ابنه ماركوس أنطونيوس أنتيلوس للانضمام إلى صفوف الإفيبيين. أرسل أنطوني وكليوباترا العديدَ من الرسائل والمبعوثين إلى أوكتافيان الذي كان لا يزال متمركزًا في رودس، ومع ذلك، يبدو أن أوكتافيان كان يجيب على رسائل كليوباترا فقط. طلبت كليوباترا أن يرث أطفالها مصر وأن يسمح لأنطوني بالعيش في المنفى في مصر، وعرضت على أوكتافيان المال في المستقبل، وأرسلت له على الفور هدايا سخية. أرسل أوكتافيان مبعوثه ثيرسوس إلى كليوباترا بعد أن هددت بحرق نفسها وحرق كميات هائلة من كنوزها وثروتها داخل مقبرة قيد الإنشاء. نصحها ثيرسوس بقتل أنطوني حتى تنجو بحياتها، ولكن عندما شك أنطوني في وجود نوايا شريرة، أمر بجلد المبعوث وإعادته إلى أوكتافيان دون صفقة.

    بعد مفاوضات مطولة لم تسفر في النهاية عن أي نتائج، انطلق أوكتافيان لغزو مصر في ربيع عام 30 قبل الميلاد، وتوقف عند مدينة سانت جون داكر، وزود حليفه الجديد هيرودس جيشه بإمدادات جديدة. تحرك أوكتافيان جنوبًا واستولى بسرعة على بيلوسيون، بينما كان يتقدم شرقًا من قورينا وهزم قوات أنطوني بالقرب من بارايتونيون. تقدم أوكتافيان بسرعة إلى الإسكندرية، لكن أنطوني عاد وحقق انتصارًا صغيرًا على قوات أوكتافيان المتعبة بالقرب من ميدان سباق الخيل بالمدينة. ومع ذلك استسلم أسطول أنطوني البحري لأوكتافيان في 1 أغسطس 30 قبل الميلاد، وتلاه سلاح الفرسان التابع لأنطوني.

    اختبأت كليوباترا في مقبرتها مع مرافقيها المقربين ومن هناك أرسلت رسالة إلى أنطوني مفادها أنها انتحرت. شعر أنطوني باليأس ورد على الرسالة بطعن نفسه في بطنه وانتحر عن عمر يناهز 53 عامًا. وفقًا للمؤرخ بلوطرخس، كان أنطوني لا يزال يحتضر عندما أُحضر إلى كليوباترا عند مقبرتها، وأخبرها وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أنه مات بشرف وأنها يمكن أن تثق في (رفيق أوكتافيان) أكثر من أي شخص آخر في حاشيته. كان بروكليوس هو من تسلل إلى مقبرة كليوباترا باستخدام سلم واحتجزها، ومنعها من حرق نفسها مع كنوزها. سُمح لكليوباترا بتحنيط ودفن أنطوني داخل مقبرتها قبل اصطحابها إلى القصر.

    دخل أوكتافيان الإسكندرية واحتل القصر، وألقى القبض على أصغر أطفال كليوباترا الثلاثة. وفقًا للمؤرخ تيتوس ليفيوس عندما التقت كليوباترا بأوكتافيان قالت له بصراحة: "لن أشارك في عرض الانتصار" (باليونانية القديمة: οὑ θριαμβεύσομαι، بالحروف اللاتينية: ou thriambéusomai) وهي عبارة تدل على التحدي والرفض، كان هذا التصريح من كليوباترا يعكس إصرارها على عدم الخضوع للإهانة أو للظهور كعدو مهزوم في روما، خاصة في ظل مكانتها الملكية باعتبارها آخر حكام مصر. لقد كانت عبارتها تأكيدًا على كرامتها ورفضًا لأن تكون مشهدًا لانتصار عدوها.

    وعد أوكتافيان بأنه سيبقي كليوباترا على قيد الحياة لكنه لم يقدم أي تفسير حول خططه المستقبلية لمملكتها. وعندما أبلغها أحد الجواسيس بأن أوكتافيان يخطط لنقلها وأطفالها إلى روما في غضون ثلاثة أيام، استعدت كليوباترا للانتحار لأنها لم تكن تنوي الظهور في موكب الانتصار الروماني مثلما ظهرت سابقا أختها أرسينوي الرابعة. من غير الواضح ما إذا كان انتحار كليوباترا في 10 أغسطس 30 قبل الميلاد عن عمر يناهز 39 عامًا قد حدث داخل القصر أو في مقبرتها، ويقال إنها كانت برفقة خادميها إيراس وتشارميون اللذان انتحرا أيضًا.

    يُقال إن أوكتافيان شعر بالغضب من هذه النهاية، لكنه مع ذلك أمر بدفن كليوباترا بجنازة ملكية في مقبرتها إلى جوار أنطوني. لم يوضح طبيبها، أوليمبوس، سبب وفاتها، لكن الرواية الأكثر انتشارًا تشير إلى أنها تعمدت السماح لأفعى، ربما الكوبرا المصرية، بلدغها لتسميمها. هذه الفرضية أوردها المؤرخ بلوطرخس، الذي طرح أيضًا احتمال استخدامها أداة تُعرف باسم knêstis (بمعنى "العمود الفقري" أو "مبشرة الجبن") لحقن السم عبر الخدوش. في المقابل، ذكر كاسيوس ديو أنها استخدمت إبرة، بينما رأى سترابو أنها ربما لجأت إلى مرهم سام. ورغم عدم العثور على أي أثر لثعبان سام بجوار رفاتها، إلا أن وجود جروح صغيرة على ذراعها قد يشير إلى استخدام إبرة في حقن السم.

    قررت كليوباترا في لحظاتها الأخيرة إرسال قيصريون إلى صعيد مصر، ربما كانت تأمل في تهريبه إلى النوبة الكوشية أو إثيوبيا أو حتى الهند. لكن بعد اعتلائه العرش باسم بطليموس الخامس عشر، لم يدم حكمه سوى 18 يومًا، إذ أُعدم في 29 أغسطس عام 30 قبل الميلاد، بعدما خُدع بالعودة إلى الإسكندرية بوعد زائف من أوكتافيان بالسماح له بالحكم. استجاب أوكتافيان لنصيحة الفيلسوف، الذي قال إنه لا يوجد في العالم متسع لأكثر من قيصر واحد. بسقوط المملكة البطلمية، أصبحت مصر مقاطعة رومانية، معلنةً بذلك نهاية العصر الهلنستي. لاحقًا، غيّر أوكتافيان اسمه إلى أغسطس قيصر، أي "الموقر"، في يناير عام 27 قبل الميلاد، ووسع سلطاته الدستورية، ليصبح أول إمبراطور روماني، ويفتتح بذلك عصر الزعامة للإمبراطورية الرومانية.

    مملكة كليوباترا ودورها كملكة

    وفقًا لتقاليد الحكام المقدونيين، حكمت كليوباترا مصر وبعض المناطق الأخرى مثل قبرص كحاكمة مطلقة، حيث كانت صاحبة السلطة الوحيدة في المملكة، وشغلت أيضًا منصب رأس السلطة الدينية. كانت كليوباترا تشرف على الاحتفالات الدينية المكرسة للآلهة المصرية واليونانية الوثنيتين، بالإضافة إلى إشرافها على بناء العديد من المعابد المخصصة لهذه الآلهة، بما في ذلك معبد لليهود في مصر. كما أمرت ببناء معبد القيصريون، وهو نصب تذكاري مخصص لعبادة قيصر، راعيها وعشيقها.

    تدخلت كليوباترا مباشرة في الشؤون الإدارية لمملكتها، وحرصت على معالجة الأزمات الاقتصادية، مثل المجاعة، من خلال إصدار أوامر بتوزيع الطعام من مخازن الحبوب الملكية على الجياع أثناء الجفاف الذي وقع في بداية عهدها. ورغم أن النظام الاقتصادي الذي سعت لتطبيقه كان مثاليًا إلى حد بعيد، فقد حاولت الحكومة فرض ضوابط على الأسعار، والرسوم الجمركية، واحتكار الدولة لبعض السلع، وضبط أسعار صرف العملات الأجنبية. كما أصدرت قوانين صارمة تجبر الفلاحين والمزارعين على البقاء في قراهم أثناء مواسم الزراعة والحصاد. ومع ظهور مشكلات مالية واضحة في المملكة، اضطرت كليوباترا إلى تخفيض قيمة العملة، بما في ذلك العملات الفضية والبرونزية، بينما لم تشمل هذه التخفيضات العملات الذهبية التي سكّها بعض أسلافها من حكام البطالمة.

    العرق والسلالة

    تنتمي كليوباترا إلى سلالة البطالمة اليونانية المقدونية التي تنحدر أصولهم الأوروبية من شمال اليونان. يعود نسبها من خلال والدها بطليموس الثاني عشر إلى اثنين من رفاق الإسكندر الأكبر المقدوني البارزين: الجنرال بطليموس الأول مؤسس المملكة البطلمية في مصر، وسلوقس الأول اليوناني المقدوني مؤسس الإمبراطورية السلوقية في غرب آسيا. يمكن تتبع نسب كليوباترا من جهة الأب تتبعًا موثقًا جيدًا، بينما كانت هوية والدتها غير مؤكدة. من المفترض أنها كانت إبنة كليوباترا الخامسة (شقيقة بطليموس الثاني عشر وزوجته) والتي سبق لها أن أنجبت ابنتهما برنيكي الرابعة.

    من المؤكد أن كليوباترا الأولى هي العضو الوحيد في الأسرة البطلمية الذي أدخل بعض الأصول غير اليونانية إلى نسله. والدتها هي إبنة الملك ميثريداتس الثاني، وهو فارسي من، أما زوجته فكان لها تراث يوناني-فارسي مختلط. كان أنطيوخوس الثالث الكبير (والد كليوباترا الأولى) من نسل الملكة أباما زوجة سلوقس الأول الإيرانية الصغدية. ويعتقد عموماً أن البطالمة لم يتزاوجوا مع المصريين الأصليين. يؤكد مايكل جرانت أنه لا يوجد سوى عشيقة مصرية واحدة معروفة لبطليموس ولا زوجة مصرية معروفة له، مجادلًا أيضًا بأنَّ كليوباترا ربما لم يكن لديها أيُّ أصل مصري وكانت تصف نفسها بأنها يونانية.

    كتبت أنَّ كليوباترا كانت يونانية مقدونية مع بعض الأصول الفارسية، بحجة أنه من غير المألوف أنْ يكون للبطالمة عشيقة مصرية. يقترح بأنَّ كليوباترا يمكن أنْ تكون من نسل إمرأة نصف مقدونية يونانية ونصف مصرية من ممفيس في شمال مصر تنتمي إلى عائلة من الكهنة المكرسين لبتاح (وهي نظرية لم تُتَبنَّى على نطاق واسع في الأوساط العلمية) ومع ذلك، يؤكد رولر أنًّ كليوباترا كانت تضع تراثها البطلمي اليوناني في أعلى درجات التقدير بغض النظر عن نسبها. وفقًا للمؤرخ البريطاني فإن تحدي كليوباترا لروما لم يكن باعتبارها إمرأة مصرية بل باعتبارها يونانية مثقفة.

    لا أي دليل قط على أنًّ كليوباترا هي طفلة غير شرعية مثلما ورد في الدعاية الرومانية عليها. سترابو هو المؤرخ القديم الوحيد الذي ادعى أن أطفال بطليموس الثاني عشر الذين ولدوا بعد برنيس الرابعة (بما في ذلك كليوباترا) كانوا غير شرعيين. طُردت كليوباترا الخامسة (أو السادسة) من بلاط بطليموس الثاني عشر في أواخر عام 69 قبل الميلاد بعد أشهر قليلة من ولادة كليوباترا، بينما وُلد أطفال بطليموس الثاني عشر الأصغر سنًا عندما كان الزوجان منفصلين. وتتضح الدرجة العالية من زواج الأقارب بين البطالمة من خلال نسب كليوباترا المباشر، والذي يظهر أدناه عند إعادة بناءه.

    تدرج شجرة العائلة الواردة أدناه أيضًا كليوباترا الخامسة باعتبارها إبنة بطليموس العاشر وبرنيكي الثالثة، وهذا من شأنه أن يجعلها إبنة عم زوجها بطليموس الثاني عشر، ومن الممكن أيضا أن تكون كليوباترا الخامسة هي إبنة بطليموس التاسع، ففي هذه الحالة تصبح زوجة بطليموس الثاني عشر وشقيقته. أدت الروايات المشوشة في المصادر الأولية القديمة أيضًا إلى ترقيم العلماء لزوجة بطليموس الثاني عشر على أنها إما كليوباترا الخامسة أو كليوباترا السادسة؛ وربما كانت في الواقع إبنة بطليموس الثاني عشر. يؤكد المؤرخان (فليتشر) و(جون وايتهورن) أن هذه الشكوك يمكن أن تشير إلى وفاة كليوباترا الخامسة عام 69 قبل الميلاد بدلاً من ظهورها لاحقًا كحاكم مشارك مع برينيكي الرابعة عام 58 قبل الميلاد، وهو ما حدث حين نفي بطليموس الثاني عشر إلى روما.

    الإرث

    الأبناء والخلفاء

    أُرسل أطفال كليوباترا الثلاثة الباقين على قيد الحياة (كليوباترا سيليني الثانية، والإسكندر هيليوس، وبطليموس فيلادلفوس) بعد انتحارها إلى روما وتولت أوكتافيا الصغرى (شقيقة أوكتافيان) والزوجة السابقة لأبيهم دور الوصي عليهم. كان كل من كليوباترا سيليني الثانية والإسكندر هيليوس حاضرين في عرض الانتصار الروماني لأوكتافيان عام 29 قبل الميلاد، أما مصير الإسكندر هيليوس وبطليموس فيلادلفوس فظل مجهولاً بعد هذا الحدث. رتبت أوكتافيا خطوبة كليوباترا سيليني الثانية على يوبا الثاني (ابن يوبا الأول)، الذي تحولت مملكته نوميديا في شمال إفريقيا إلى مقاطعة رومانية عام 46 قبل الميلاد على يد قيصر بسبب دعم يوبا الأول لبومبي.

    ثبت الإمبراطور أغسطس قيصر جوبا الثاني وكليوباترا سيليني الثانية بعد زواجهما عام 25 قبل الميلاد حكامًا جدد لموريطنية، فحولوا مدينة إيول القرطاجية القديمة إلى عاصمتهم الجديدة، وأعادوا تسميتها إلى قيصرية موريطنية (شرشال، الجزائر). جلبت كليوباترا سيليني الثانية العديد من العلماء والفنانين والمستشارين المهمين من بلاط والدتها الملكي في الإسكندرية لخدمتها في قيصرية، وسرعان ما أصبحت هذه المدينة متغلغلة في الثقافة اليونانية الهلنستية. وسمَّت ابنها (بطليموس الموريطني) تكريمًا لتراثهم الأسري البطلمي.

    توفيت كليوباترا سيليني الثانية قرابة العام 5 قبل الميلاد، وعندما توفي يوبا الثاني عام 23/24 م، خلفه ابنه بطليموس الموريطني. ومع ذلك، أعدم بطليموس الموريطني في نهاية المطاف على يد الإمبراطور الروماني كاليغولا في عام 40 بعد الميلاد، ربما بحجة أن بطليموس الموريطني سكَّ عملاته الملكية سكًّا غير قانوني واستخدم الشعارات المخصصة للإمبراطور الروماني. كان بطليموس الموريطني آخر الملوك المعروفين من سلالة البطالمة. ومن الجدير بالذكر أن الملكة زنوبيا التي حكمت مملكة تدمر قصيرة العمر خلال القرن الثالث ادعت لاحقًا أنها تنحدر من نسل كليوباترا. من اللافت للنظر أن العبادة المخصصة لكليوباترا استمرت حتى عام 373 م، إذ ذكر بيتسينوفي وهو كاتب مصري لكتاب إيزيس أن «شخصية كليوباترا كانت مغطاة بالذهب»، وهو ما يعني أن كليوباترا ظلت تحتل مكانة مهمة في الممارسات الدينية أو الثقافية لبعض الأفراد أو الجماعات بعد وقت طويل من عصرها.

    الأدب الروماني والتأريخ

    على الرغم من أن ما يقرب من 50 عملًا قديمًا في التأريخ الروماني تذكر كليوباترا، إلا أن هذه الأعمال غالبًا ما تضمنت روايات مختصرة عن بعض الأحداث في حياتها كمعركة أكتيوم، وانتحارها، والدعاية التي أطلقها أغسطس قيصر حول عيوبها الشخصية. يوفر كتاب (حياة أنطونيوس) الذي كتبه بلوطرخس في القرن الأول الميلادي أكثر الروايات الباقية شمولاً عن حياة كليوباترا (بالرغم من أنه لا يعتبر كتاب سيرة ذاتية لكليوباترا). عاش بلوطرخس بعد قرن من كليوباترا لكنه اعتمد على مصادر أولية في كتاباته مثل، الذي كان لديه إمكانية الوصول إلى القصر الملكي البطلمي، وطبيب كليوباترا الشخصي المسمى أوليمبوس، بالإضافة إلى وهو أحد المقربين من مارك أنطوني وكليوباترا. تضمن عمل بلوطرخس كلا من وجهة نظر أغسطس قيصر لكليوباترا - والتي أصبحت وجهة النظر المقبولة في عصره - بالإضافة إلى مصادر أخرى بما في ذلك شهادات شهود العيان.

    يقدم المؤرخ اليهودي الروماني يوسيفوس فلافيوس الذي كتب في القرن الأول الميلادي معلومات قيمة عن حياة كليوباترا من خلال علاقتها الدبلوماسية مع هيرودس الكبير. ومع ذلك، يعتمد هذا العمل إلى حد كبير على مذكرات هيرودس والرواية المتحيزة لنقولا الدمشقي (معلم أطفال كليوباترا في الإسكندرية) قبل أن ينتقل إلى يهودا للعمل مستشارًا ومؤرخ في بلاط هيرودس. يقدم التاريخ الروماني الذي نشره المسؤول والمؤرخ كاسيوس ديو في أوائل القرن الثالث الميلادي تاريخًا مستمرًا لعصر حكم كليوباترا على الرغم من فشله في الفهم الكامل لتعقيدات العصر الهلنستي المتأخر.

    نادرًا ما تُذكر كليوباترا في كتاب، وهي مذكرات ضابط أركان مجهول خدم في عهد قيصر. تقدم الذي عرفها شخصيًا صورة غير محببة لكليوباترا. خلد مؤلفو الفترة الأوغسطية بما في ذلك فيرجيل، وهوراس، وبروبرتيوس، وأوفيد، وجهات النظر السلبية عن كليوباترا التي وافق عليها النظام الروماني الحاكم، على الرغم من أن فيرجيل أسس فكرة كليوباترا كشخصية رومانسية وميلودراما ملحمية. واعتبر هوراس قرار كليوباترا بإنهاء حياتها قرارًا شجاعًا، وهي فكرة لاقت قبولًا في أواخر العصور الوسطى من خلال أعمال جيفري تشوسر.

    قدم المؤرخون مثل سترابو، وفيليوس، و، وبليني الأكبر، وأبيان (على الرغم من أنهم لم يقدموا روايات كاملة مثل بلوطرخس، يوسيفوس فلافيوس، أو كاسيوس ديو) بعض التفاصيل عن حياة كليوباترا التي لم يُحفاظ عليها في السجلات التاريخية الأخرى. تظهر بعض النقوش على العملات المعدنية من العصر البطلمي وبعض وثائق البردي المصرية لمحة عن وجهة نظر كليوباترا على الرغم من أن هذه المادة محدودة للغاية بالمقارنة مع الأعمال الأدبية الرومانية. تقدم رواية (ليبيكا) غير المكتملة التي أمر بكتابتها جوبا الثاني صهر كليوباترا، مصدرًا محتملاً للمواد التاريخية التي ربما كانت تدعم وجهة نظر كليوباترا.

    من المحتمل أن جنس كليوباترا قد ساهم في تصويرها كشخصية ثانوية ليست ذات أهمية في التأريخ القديم والعصور الوسطى وحتى الحديثة حول مصر القديمة والعالم اليوناني الروماني. على سبيل المثال، اقترح المؤرخ رونالد سيم أن كليوباترا لم تكن ذات أهمية كبيرة بالنسبة لقيصر وأن دعاية أوكتافيان ضخمت أهميتها إلى درجة مفرطة. على الرغم من أن النظرة الشائعة لكليوباترا بأنها كانت فاتنة متعددة العلاقات الجنسية، إلا أنه لم يكن لديها سوى شريكين معروفين وهما قيصر وأنطوني، وهما أبرز شخصيتين من الرومان في تلك الفترة الزمنية، واللذان كان لهما دور حاسم في ضمان بقاء سلالتها. وصف بلوطرخس كليوباترا بأنها تتمتع بشخصية قوية وذكاء ساحر ولم تكن تعتمد فقط على جمالها الجسدي.

    التصوير الثقافي

    الرسوم في الفن القديم

    التماثيل

    صُوِّرت كليوباترا في العديد من الأعمال الفنية القديمة بأساليب متنوعة، منها الطراز المصري التقليدي، إلى جانب الأسلوبين الهلنستي اليوناني والروماني. تضمنت هذه الأعمال تماثيل كاملة ونصفية، نقوشًا، وعملات مسكوكة، بالإضافة إلى نقوش حجرية قديمة، مثل تلك التي تصور كليوباترا ومارك أنطوني وفق النمط الهلنستي، والمعروضة حاليًا في متحف ألتيس ببرلين.

    ظهرت صور معاصرة لكليوباترا داخل مصر البطلمية وخارجها. على سبيل المثال، ضم معبد فينوس جينيتريكس في روما تمثالًا كبيرًا من البرونز المذهب لكليوباترا، مما جعله أول تمثال لشخص حي يُوضع بجوار تمثال إله داخل معبد روماني. شيد يوليوس قيصر هذا التمثال، وبقي في المعبد حتى القرن الثالث الميلادي على الأقل. يُرجَّح أن بقاؤه يعود إلى رعاية قيصر له، خاصة أن أغسطس قيصر لم يُقدم على إزالة أو تدمير الأعمال الفنية التي تصوِّر كليوباترا في الإسكندرية.

    عثر على تمثال بالحجم الطبيعي لكليوباترا، مصنوع على الطراز الروماني، بالقرب من تومبا دي نيرون في روما، على طول طريق كاسيا. يُعرض هذا التمثال حاليًا في متحف بيو كليمنتينو، وهو جزء من متاحف الفاتيكان.

    وفقًا للمؤرخ بلوطرخس في كتابه (حياة أنطونيوس)، هدم أغسطس قيصر التماثيل العامة لمارك أنطوني، لكنه أبقى على تماثيل كليوباترا بعد وفاتها. يُعزى الحفاظ على هذه التماثيل إلى صديقها أرشيبيوس، الذي يُقال إنه دفع 2000 طالن لأغسطس قيصر لإثنائه عن تدميرها.

    ناقش العلماء منذ خمسينيات القرن العشرين ما إذا كان تمثال، الذي اكتُشف عام 1874 على تل إسكويلين في روما ويُحفظ حاليًا في قصر المعهد الموسيقي بمتاحف كابيتولين، يمثل تصويرًا لكليوباترا. استندت هذه الفرضية إلى تسريحة شعر التمثال، وملامح الوجه، والإكليل الملكي، إضافة إلى الصل المصري للكوبرا الملفوف حول القاعدة.

    ومع ذلك، يجادل معارضو هذه النظرية بأن ملامح الوجه في التمثال تبدو أنحف مقارنة بصورة كليوباترا في برلين، كما يستبعدون أن تُصوَّر الملكة المصرية على هيئة الإلهة العارية فينوس (أو أفروديت عند الإغريق). لكن بالمقابل لتصوير كليوباتراسوابق في هيئة إلهية، حيث صورت على هيئة إيزيس في تمثال مصري، كما ظهرت في بعض العملات المعدنية بشخصية فينوس أفروديت. وارتدت زي أفروديت عندما التقت بمارك أنطوني في طرسوس.

    يُعتقد عمومًا أن تمثال هو نسخة رومانية تعود إلى منتصف القرن الأول الميلادي، مستوحاة من نسخة يونانية أقدم تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، والتي تنتمي إلى مدرسة.

    صور العملات

    تشمل العملات الباقية من عهد كليوباترا عينات من كل سنة ملكية تمتد من عام 51 إلى 30 قبل الميلاد. من المؤكد أن كليوباترا هي الملكة البطلمية الوحيدة التي أصدرت عملات معدنية باسمها، ومن المحتمل جدًا أنها ألهمت شريكها قيصر ليصبح أول روماني على قيد الحياة يضع صورته على عملاته المعدنية. كانت كليوباترا أيضا أول ملكة أجنبية تظهر صورتها على العملة الرومانية. العملات المعدنية التي يرجع تاريخها إلى فترة زواجها من أنطوني والتي تحمل صورته أيضًا تصور كليوباترا بأنف معقوف وذقن بارز مشابه جدًا لأنف زوجها. اتبعت ملامح الوجه المتشابهة هذه تقليدًا فنيًا يمثل الانسجام المتبادل بين الزوجين الملكيين.تختلف ملامح وجه كليوباترا القوية شبه الذكورية في هذه العملات المعينة اختلافًا لافتًا للنظر عن الصور المنحوتة الأكثر سلاسة ونعومة وربما المثالية لها سواء في الأساليب المصرية أو الهلنستية. تتشابه ملامح وجهها الذكورية على العملة المسكوكة مع ملامح والدها بطليموس الثاني عشر، وربما أيضًا تلك الخاصة بسلفها البطلمي أرسينوي الثانية (316-260 ق.م.) وحتى تصوير الملكات السابقات مثل حتشبسوت ونفرتيتي. من المحتمل (مدفوعًا باعتبارات سياسية) أن تكون صورة أنطوني قد صُمِّمَت لتتوافق ليس فقط مع صورتها ولكن أيضًا مع أسلافها اليونانيين المقدونيين الذين أسسوا السلالة البطلمية، ليتعرف أنطوني على رعاياها بصفته عضوًا شرعيًا في البيت الملكي.

    كتبت النقوش الموجودة على العملات باللغة اليونانية، مع اعتماد الحالة الاسمية المميزة للعملات الرومانية بدلاً من الحالة المضافة النموذجية للعملات اليونانية، بالإضافة إلى وضع الحروف وضعًا دائريًا على طول حواف العملة بدلاً من وضعها أفقياً أو عموديًا مثلما جرت العادة عند اليونانيين. تشير هذه الميزات في العملات إلى اندماج الثقافة الرومانية والهلنستية، وربما تحمل أيضا رسالة إلى رعاياها، على الرغم من أن القصد لا يزال غامضًا بالنسبة للعلماء المعاصرين فيما يتعلق بالتفوق الملحوظ لأي من أنطوني أو كليوباترا على الآخر. تجادل ديانا كلاينر بأن كليوباترا في إحدى عملاتها المعدنية المسكوكة بالصورة المزدوجة لزوجها أنطوني، قدمت نفسها أكثر ذكورية من الصور الأخرى وأشبه بملكة عميلة رومانية مقبولة أكثر من كونها حاكمة هلنستية. حققت كليوباترا بالفعل هذه النظرة الذكورية في العملات المعدنية التي سبقت علاقتها مع أنطوني، مثل العملات المعدنية التي ضربت في دار سك العملة في عسقلان خلال فترة نفيها القصيرة إلى سوريا وبلاد الشام، والتي تفسرها على أنها محاولة من كليوباترا للظهور مثل والدها وتأكيد نفسها خليفةً شرعيةً لحاكم بطلمي ذكر.

    تصور كليوباترا وهي ترتدي إكليلًا ملكيًا وتصفيفة شعر على شكل ثمرة البطيخ على العديد من العملات المعدنية مثل عملة التترادراخما الفضية التي سُكَّت في وقت ما بعد زواج كليوباترا من أنطوني عام 37 قبل الميلاد. تظهر تصفيفة الشعر هذه المقترنة بالإكليل أيضًا في رأسين رخاميين منحوتين محفوظين. تصفيفة الشعر هذه مع الشعر المسحوب للخلف على شكل كعكة هي نفس التسريحة التي ظهرت فيها أسلافها البطالمة أرسينوي الثانية وبرنيس الثانية في عملاتهما المعدنية. اكتسبت تسريحة الشعر هذه شعبية بين النساء الرومانيات بعد زيارة كليوباترا إلى روما بين 46-44 قبل الميلاد، ولكن تُخُلِّي عنها للحصول على مظهر أكثر تواضعًا وتقشفًا خلال الحكم المحافظ لأغسطس.

    التماثيل النصفية والرؤوس اليونانية الرومانية

    من بين التماثيل النصفية ورؤوس كليوباترا الباقية على الطراز اليوناني الروماني، يُعتبر تمثال «كليوباترا برلين» أحد أبرز التماثيل المحفوظة في مجموعة آثار برلين بمتحف ألتيس. يتميز هذا التمثال بوجود أنف كليوباترا كاملاً، مما يتيح رؤية تفاصيل وجهها أفضل من تمثال رأس كليوباترا المعروف باسم «كليوباترا الفاتيكان»، الذي يفتقر إلى الأنف بسبب التلف.

    يتميز كلا التمثالين، سواء تمثال «كليوباترا برلين» أو «كليوباترا الفاتيكان»، بوجود تيجان ملكية على رأس كليوباترا، مما يبرز مكانتها كملكة، إلى جانب ملامح وجه متشابهة، مما يشير إلى أن ملامح وجهها ربما كانت مماثلة للتمثال البرونزي الذي كان موجودًا في معبد فينوس جينيتريكس.

    تمثل رؤوس التماثيل النصفية لكليوباترا، مثل تمثال «كليوباترا برلين» و«كليوباترا الفاتيكان»، بعضًا من أهم الأعمال الفنية التي تعود إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، وقد عثور عليها في الفيلات الرومانية على طول طريق أبيا في إيطاليا. اكتشف تمثال «كليوباترا الفاتيكان» في.

    كتب المؤرخ فرانسيسكو بينا بولو أن عملات كليوباترا تقدم صورة دقيقة لها، مشيرًا إلى أن الصورة المنحوتة لتمثال «كليوباترا برلين» تؤكد هذه التفاصيل. يتضح من هذه التماثيل أن كليوباترا كانت تُصور مع شعر مسحوب إلى الوراء على شكل كعكة مزينة بإكليل ملكي، مع أنف معقوف، وهي السمات التي تميز ملامحها في العديد من الصور المعروفة عنها.

    عثر على تمثال رأس ثالث لكليوباترا في المتحف الأثري في شرشال، الجزائر، ويُعتبر هذا التمثال أصليًا حسب رأي العديد من العلماء. يتميز هذا التمثال بوجود إكليل ملكي وملامح وجه مشابهة لرأسي «برلين» و«الفاتيكان»، لكنه يمتلك تصفيفة شعر مميزة، مما دفع بعض العلماء إلى اقتراح أنه قد يصور كليوباترا سيليني الثانية، ابنة كليوباترا، بدلاً من الملكة نفسها.

    أما في متاحف الكابيتولين في روما تمثالٌ آخر من يظهر كليوباترا وهي ترتدي غطاء رأس النسر على الطراز المصري. هذا التمثال يعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد، واكتشف بالقرب من معبد إيزيس في روما. من المحتمل أن يكون من أصل روماني أو هلنستي-مصري.

    تشمل التماثيل المنحوتة الأخرى المحتملة لكليوباترا تمثال في المتحف البريطاني في لندن، مصنوع من الحجر الجيري، يُحتمل أن يصور امرأة من حاشية كليوباترا أثناء زيارتها لروما، بدلاً من الملكة نفسها. على الرغم من أن ملامح الوجه في هذا التمثال تشبه تلك الموجودة في تماثيل أخرى، بما في ذلك الأنف المعقوف الواضح، إلا أنه يفتقر إلى التاج الملكي ويتميز بتسريحة شعر مختلفة. من المحتمل أن يكون هذا الرأس جزءًا من تمثال أكبر، وقد يُصور كليوباترا في مرحلة مختلفة من حياتها أو يكون تمثالًا يبرز اختيارها لتقليل الرموز الملكية مثل الإكليل لتكون أكثر قبولًا لدى المواطنين الرومان.

    يعتقد الباحث دوان دبليو رولر أن هذا التمثال، بالإضافة إلى تماثيل أخرى في متحف القاهرة والمتحف الكابيتولين، والمجموعة الخاصة لموريس نحمن، يشترك في ملامح وجه وتسريحات شعر مماثلة لتلك الموجودة في تمثال "كليوباترا برلين". ومع ذلك، فإن هذه المنحوتات تفتقر إلى التاج الملكي، مما يشير إلى احتمال أنها تمثل نساء من البلاط الملكي أو حتى نساء رومانيات يقلدن تسريحة شعر كليوباترا العصرية في تلك الفترة.

    اللوحات

    عُثر في منزل ماركوس فابيوس روفوس، وهو مواطن روماني عاش في مدينة بومبي بإيطاليا، على لوحة جدارية تعود إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد. تمثل اللوحة الجدارية من الطراز الثاني الإلهة فينوس وهي تحمل إله الحب كيوبيد، وقد كانت معلقة بالقرب من أبواب المعبد الضخمة. يُعتقد أن هذه اللوحة قد صورت كليوباترا على أنها فينوس جينيتريكس برفقة ابنها قيصريون.

    من المحتمل أن زمن رسم اللوحة تزامن مع تشييد معبد فينوس جينيتريكس في منتدى قيصر في سبتمبر 46 قبل الميلاد، حيث نصب يوليوس قيصر تمثالًا مذهّبًا يصور كليوباترا. من المرجح أن هذا التمثال كان مصدر إلهام لتمثيلات مختلفة لها في الفنون، بما في ذلك المنحوتات واللوحات الجدارية الموجودة في بومبي. تظهر المرأة في اللوحة وهي ترتدي إكليلًا ملكيًا فوق رأسها، ويشبه مظهرها تمثال كليوباترا الفاتيكان المصنوع من الرخام، مع بعض الكسور التي قد تظهر على خدها الأيسر، وربما تكون ذراع كيوبيد قد كسرت أيضًا.

    من المحتمل أن مالك اللوحة قد وضع سياجًا حول الغرفة التي تحتوي عليها، ربما كرد فعل على إعدام قيصريون في 30 قبل الميلاد بأمر من أوكتافيان، حيث أصبح التصوير العام لابن كليوباترا غير مناسب للنظام الروماني الجديد.

    مزهرية بورتلاند

    مزهرية بورتلاند هي مزهرية زجاجية رومانية تعود إلى عهد أغسطس قيصر، وهي محفوظة حاليًا في المتحف البريطاني. يتضمن العمل الفني تصويرًا محتملاً لكليوباترا مع أنطوني، حيث يظهر كليوباترا وهي تمسك بأنطوني وتجره نحوها، بينما يرتفع الثعبان (أي الأفعى) بين ساقيها. وفوقهما يحوم إيروس، في مشهد يعكس يأس أنطوني وهو يُقاد نحو مصيره المأساوي.

    من المحتمل أن يحتوي الجانب الآخر من المزهرية على مشهد لأوكتيفيا الصغرى، التي هجرها زوجها أنطوني لكنها ظلت تحت مراقبة شقيقها الإمبراطور أغسطس قيصر. من المرجح أن تكون هذه المزهرية قد صنعت قبل عام 35 قبل الميلاد، في الوقت الذي أرسل فيه أنطوني زوجته أوكتيفيا الصغرى إلى إيطاليا وبقي مع كليوباترا في الإسكندرية.

    الفن المصري الأصيل

    يعد التمثال النصفي المحفوظ في متحف أونتاريو الملكي أحد أقدم التماثيل التي تمثل كليوباترا على الطراز المصري. يعود تاريخه إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد، ويُحتمل أن يكون أول تصوير لها كإلهة وفرعون حاكم لمصر. يتميز التمثال بعيون واضحة تشبه النسخ الرومانية للأعمال الفنية المنحوتة في العصر البطلمي.

    توجد صور بارزة على الطراز المصري تزين الجدران الخارجية لمعبد حتحور، بالقرب من دندرة في مصر، داخل مجمع معبد دندرة، تظهر هذه الصور كليوباترا وابنها الصغير قيصرون في هيئة بالغين، حيث يُصوّران كفرعونين حاكمين يقدمان القرابين للآلهة. ومن الجدير بالذكر أن اسم "قيصر" قد نُقش في نفس الموقع بعد وفاة كليوباترا.

    يوجد تمثال كبير من البازلت الأسود يبلغ ارتفاعه 104 سم (41 بوصة)، في متحف أرميتاج في سانت بطرسبرغ، كان يُعتقد في البداية أنه يصور أرسينوي الثانية، زوجة بطليموس الثاني. ومع ذلك، تشير الدراسات الحديثة إلى أن التمثال من المرجح أن يصور كليوباترا باعتبارها من نسل أرسينوي الثانية. هذه الدراسات تعتمد على وجود ثلاثة رموز (على شكل ثعبان) تزين غطاء رأس التمثال، في حين أن أرسينوي الثانية كانت معروفة بارتداء اثنين من هذه الرموز فقط لتمثيل سلطتها على مصر السفلى والعليا.

    المرأة المصورة في التمثال البازلتي تحمل أيضًا زوجين من قرن الوفرة (ديكيراس)، وهي سمة لوحظت على العملات المعدنية المرتبطة بكل من أرسينوي الثانية وكليوباترا. ومع ذلك، يرى برنارد أندريا في كتابه كليوباترا والقياصرة أن هذا التمثال، مثل غيره من الصور المصرية المثالية للملكة، يفتقر إلى ملامح الوجه الواقعية، ولذلك لا يساهم كثيرًا في فهمنا لمظهر كليوباترا الجسدي.

    ويضيف أدريان غولدزورثي أنه رغم أن هذه التمثيلات تتبع الطراز المصري التقليدي، فمن المحتمل أن كليوباترا كانت ترتدي ملابس مصرية أصلية فقط في "طقوس معينة". بدلاً من ذلك، كانت ملابسها المعتادة تتضمن ملابس الملوك اليونانيين، بما في ذلك عصابة الرأس اليونانية التي تظهر في تماثيلها النصفية اليونانية الرومانية.

    في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث

    أصبحت كليوباترا في العصر الحديث أيقونة للثقافة الشعبية، وهو وضع تشكل من خلال التمثيلات المسرحية منذ عصر النهضة، بالإضافة إلى اللوحات والأفلام. وقد تجاوزت هذه الصورة الشعبية نطاق الأدبيات التاريخية الأصلية التي تعود إلى العصور الكلاسيكية القديمة، وكان لها تأثير أعمق على نظرة عامة الناس إليها مقارنةً بالروايات التاريخية ذاتها.

    في القرن الرابع عشر، وضع الشاعر الإنجليزي جيفري تشوسر كليوباترا ضمن سياق العالم المسيحي في العصور الوسطى من خلال قصيدته. وقد صوّرها إلى جانب أنطوني كفارس نبيل منخرط في قصة حب مثالية، وهو تصوير فُسّر في العصر الحديث على أنه إما هجاء ساخر أو انتقاد ينطوي على كره للنساء.

    ركز جيفري تشوسر في تصويره لكليوباترا على علاقتها برجلين فقط، مقدمًا صورة لحياتها لا تتوافق مع سمعتها كفاتنة، وجاءت أعماله جزئيًا كرد فعل على التصوير السلبي لها في الأدبيات اللاتينية، مثل «دي موليريبوس كلاريس» و«دي كاسيبوس فيروروم إليستريوم»، اللتين كتبهما الشاعر الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر.

    وفي عصر النهضة، كان عالم الإنسانيات برناردينو كاتشيانت أول إيطالي يدافع عن سمعة كليوباترا في كتابه Libretto apologetico delle donne (1504)، حيث انتقد النزعة الوعظية وكراهية النساء التي ظهرت في كتابات بوكاتشيو.

    أما في العالم الإسلامي، فقد تناولت بعض الأعمال التاريخية المكتوبة باللغة العربية فترة من عهد كليوباترا، ومن بينها «مروج الذهب» للمسعودي في القرن العاشر. ومع ذلك، وقع المسعودي في خطأ تاريخي حين ذكر أن أوكتافيان توفي بعد فترة وجيزة من انتحار كليوباترا.

    ظهرت كليوباترا في المنمنمات المزخرفة داخل المخطوطات، مثل تصويرها برفقة أنطوني وهما مستلقيان في قبر على الطراز القوطي، وهو عمل أنجزه عام 1409.

    أما في الفنون البصرية، فقد بدأ نحاتو القرن السادس عشر، مثل و، بتصويرها كشخصية عارية تحاول الانتحار. كما تضمنت المطبوعات المبكرة التي تصورها تصميمات لفناني عصر النهضة، مثل رافائيل وميكيلانجيلو، إلى جانب نقوش خشبية تعود إلى القرن الخامس عشر عُثِر عليها في طبعات مصورة لأعمال جيوفاني بوكاتشيو.

    في الفنون المسرحية، أثّرت وفاة إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا عام 1603، والنشر الألماني للرسائل المزعومة لكليوباترا عام 1606، على صموئيل دانيال، الذي قام بمراجعة مسرحيته كليوباترا الصادرة عام 1594 وأعاد نشرها عام 1607. تبعه ويليام شكسبير، الذي قُدّمت مسرحيته أنتوني وكليوباترا لأول مرة عام 1608، حيث استند فيها إلى كتابات المؤرخ بلوطرخس، مقدمًا صورة جريئة لكليوباترا تتناقض بوضوح مع صورة الملكة العذراء إليزابيث الأولى.

    كما وجدت كليوباترا طريقها إلى الأوبرا، حيث قدم جورج فريدريك هاندل عام 1724 أوبرا «يوليوس قيصر في مصر» التي تناولت علاقتها بقيصر، فيما كتب دومينيكو تشيماروزا عام 1789 أوبرا «كليوباترا» التي حملت مضمونًا مشابهًا.

    الصور الحديثة وتصوير العلامة التجارية

    ارتبطت كليوباترا ارتباطًا وثيقًا بالثقافة المصرية القديمة خلال العصر الفيكتوري في بريطانيا، حيث استُخدمت صورتها على نطاق واسع في تسويق مختلف المنتجات المنزلية، مثل مصابيح الزيت، والمطبوعات الحجرية، والبطاقات البريدية، وحتى السجائر.

    في الأعمال الأدبية، قدمت الروايات الخيالية كليوباترا في صورة شرقية حسية وغامضة، كما في كليوباترا (1889) للكاتب هنري رايدر هاجارد (1838) لتيوفيل غوتيه، في حين قدمت رواية كليوباترا (1894) لعالم المصريات جورج إيبرس صورة أكثر دقة تاريخيًا.

    أما في المسرح، فقد تناول كل من الكاتب المسرحي الفرنسي والإيرلندي جورج برنارد شو شخصية كليوباترا في أعمالهما، في حين قدمت، مثل مسرحية أنطوني وكليوباترا للمخرج، صورًا ساخرة لكليوباترا تمزج بين بيئتها التاريخية والعصر الحديث.

    اعتُبرت مسرحية شكسبير (أنتوني وكليوباترا) مقبولة قانونيًا خلال العصر الفيكتوري، وساهمت شعبيتها في انتشار اعتقاد خاطئ بأن لوحة لورنس ألما تاديما، التي رسمها عام 1885، تصور لقاء أنطوني وكليوباترا على متن مركبها الترفيهي في طرسوس. غير أن تاديما أوضح في رسالة خاصة أن لوحته تصوّر اجتماعًا لاحقًا لهما في الإسكندرية.

    استلهم المؤلف الموسيقي صموئيل باربر مسرحية شكسبير لإنتاج أوبرا بعنوان أنتوني وكليوباترا، والتي عُرضت عام 1966 في افتتاح دار أوبرا متروبوليتان. أما في الأدب، فقد نشر ألكسندر بوشكين في قصته القصيرة غير المكتملة الليالي المصرية (1825) ادعاءات المؤرخ الروماني أوريليوس فيكتور من القرن الرابع، والتي تجاهلها المؤرخون كثيرًا، حول ممارسة كليوباترا الدعارة، حيث كان يدفع الرجال حياتهم مقابل قضاء ليلة معها.

    امتد الاهتمام بشخصية كليوباترا إلى خارج العالم الغربي والشرق الأوسط، إذ كتب الباحث الصيني ين فو، خلال عهد أسرة تشينغ، سيرة ذاتية موسعة عنها.

    يُعد فيلم (Cléopâtre)، الذي أخرجه جورج ميلييس عام 1899، أول فيلم يصور شخصية كليوباترا، وهو فيلم رعب فرنسي صامت.

    في القرن العشرين، تأثرت أفلام هوليوود بالإعلام الفيكتوري السابق، مما ساهم في تشكيل الصورة السينمائية لكليوباترا، والتي جسدتها كل من ثيدا بارا في كليوباترا (1917)، وكلوديت كولبيرت في كليوباترا (1934)، وإليزابيث تايلور في كليوباترا (1963).إلى جانب تصويرها كملكة "مصاصة دماء"، قدمت ثيدا بارا شخصية كليوباترا بأسلوب مستوحى من المجازات الشائعة في الرسم الاستشراقي خلال القرن التاسع عشر، حيث جمعت بين السلوك الاستبدادي والأنوثة الجريئة التي تعكس خطورةً وجاذبية في آنٍ واحد.

    جسّدت كلوديت كولبيرت شخصية كليوباترا بأسلوب ساحر أصبح نموذجًا تسويقيًا لبيع المنتجات ذات الطابع المصري في المتاجر الكبرى خلال ثلاثينيات القرن العشرين، مستهدفًا النساء من رواد السينما.

    وفي أوائل الستينيات، قدمت المجلات النسائية إرشادات حول كيفية استخدام المكياج، والملابس، والمجوهرات، وتسريحات الشعر لتحقيق المظهر المصري المستوحى من الملكتين كليوباترا ونفرتيتي، وذلك تزامنًا مع الاستعدادات لعرض فيلم كليوباترا (1963) الذي أدت بطولته إليزابيث تايلور.

    مع نهاية القرن العشرين، بلغ عدد الأعمال الفنية المستوحاة من كليوباترا ثلاثة وأربعين فيلمًا، ومائتي مسرحية ورواية، وخمسًا وأربعين أوبرا، إلى جانب خمسة عروض باليه.

    عربيًا، جسّدت الممثلة السورية سلاف فواخرجي شخصية كليوباترا في مسلسل درامي يروي قصة حياتها، أُنتج عام 2010، وأخرجه زوجها السابق وائل رمضان.

    الأعمال المكتوبة

    في حين أن الأساطير المحيطة بكليوباترا لا تزال تحظى باهتمام واسع في وسائل الإعلام الشعبية، فإن بعض الجوانب المهمة من حياتها المهنية غالبًا ما تُغفل، مثل قيادتها للقوات البحرية وإدارتها الفعالة لشؤون دولتها. يُرجح أن بعض المنشورات المنسوبة إليها في مجال الطب اليوناني القديم تعود في الواقع إلى طبيبة تحمل الاسم نفسه، عاشت في أواخر القرن الأول الميلادي.

    ألقت الباحثة الأمريكية إنغريد د. رولاند الضوء على عبارة "برنيكي التي تدعى كليوباترا"، التي ذكرتها الطبيبة الرومانية في القرن الثالث أو الرابع، مشيرةً إلى أنها قد تكون نتيجة لخلط علماء العصور الوسطى بين هوية برنيكي وكليوباترا.

    لم يتبقَ سوى أجزاء من كتابات كليوباترا في مجالي الطب والتجميل، من بينها تلك التي حفظها جالينوس، والتي تضمنت علاجات لمشكلات مثل أمراض الشعر، والصلع، والقشرة، بالإضافة إلى قائمة بالأوزان والمقاييس المستخدمة في الأغراض الصيدلانية. كما نسب الطبيب اليوناني إليها وصفة لصنع الصابون المعطر، بينما احتفظ بولس الأجانيطي بتعليماتها المزعومة حول صبغ الشعر وتجعيده.

  5. ~31 ق.م

    معركة أكتيوم

    10 دقائق قراءةمعركة أكتيوم كانت معركة حاسمة في آخر حروب الجمهورية الرومانية. وكانت بين جيوش أوكتافيان(الذي أصبح في ما بعد أغسطس قيصر أول أباطرة روما) وجيوش مارك أنطوني وكليوباترا السابعة ملكة مصر. وقعت هذه المعركة البحرية في 2 سبتمبر…

    معركة أكتيوم كانت معركة حاسمة في آخر حروب الجمهورية الرومانية. وكانت بين جيوش أوكتافيان(الذي أصبح في ما بعد أغسطس قيصر أول أباطرة روما) وجيوش مارك أنطوني وكليوباترا السابعة ملكة مصر. وقعت هذه المعركة البحرية في 2 سبتمبر العام 31 ق.م.، وكانت ساحة القتال البحر الأيوني، قرب المستعمرة الرومانية أكتيوم في اليونان.

    كانت قوات أوكتافيان بقيادة ماركوس فيبسانيوس أجريبا والذي كان وزيراً في عهد أوكتافيان في حين كان مارك أنطوني يقود قواته وقوات كليوباترا السابعة.

    أسباب المعركة

    هذه قصة ولادة الإمبراطورية الرومانية، بعد الفوضى التي عمت إثر اغتيال يوليوس قيصر. وجد اثنان من الرجال الأقوياء أنفسهما يتصارعان فيما بينهما على الحكم في روما، ماركوس أنطونيوس السيناتور والشاب الطموح أوكتافيوس من جهة أخرى.

    بعد ثلاثة عشر عامًا حان وقت مواجهتهما الأخيرة في معركة أكتيوم التي سُجلت كواحدة من أهم المنعطفات التاريخية، بعد حرب أهلية طويلة ودموية خرج يوليوس قيصر القائد الروماني الكبير منتصرًا ومتمنيًا عودة السلام أخيرًا إلى روما فخابت تمنياته. ما إن خرج من اجتماع لمجلس الشيوخ حتى تعرض للطعن المميت على يد أربعين من زملاءه الأعضاء في مجلس الشيوخ، ثم أعلن القتلة بزعامة (بروتوس) و (كاسيوس) اللذان كانا يومًا من أصدقاء قيصر، أعلنوا فورًا أن هذه العملية كانت انتصارًا للحرية على الطغيان.

    بعد ساعات من دفنه عمت الاضطرابات في المدينة التي يسكنها أكثر من مليون شخص، ضحت روما في خطر لوقوعها أسيرة الفوضى، إنطلق ماركوس أنطونيوس صديق القيصر الحميم والذي يليه في القيادة لوقف أعمال الشغب ثم حمل عباءته فوق رأس القيصر ودعا للانتقام، حيث نجح أُجبر قتلة القيصر على الهرب من روما، تسلم ماركوس أنطونيوس زمام الحكم بأكمله في روما، كان يتوقع أن تمنحه وصية القيصر السلطة والشهرة اللتين يحتاجهما كي يتمكن من الحكم، ولكن عند قراءة الوصية على مسامع مواطني روما لاحظ ماركوس أنطونيوس أن غالبية أملاك القيصر كما والأهم من ذلك لقبه لم تُترك له بل إلى قريب له مغمور ولا يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا هو «جايوس أوكتافيوس».

    أصبح أوكتافيوس الآن ابن القيصر بالتبني. ووصلت الأنباء إلى أبولونيا حيث كان «أوكتافيوس» يتدرب مع القوات القيصرية، رغم أن الميراث كان مفاجئة فعلية له. إلا أن «أوكتافيوس» الشاب تصرف بسرعة هائلة وحسم أمره للعودة إلى روما كي يطالب بميراثه الكبير. فإنطلق يبحر نحو إيطاليا وبعد أسبوع من ذلك رست سفينته سرًا في ميناء شرق روما.

    لم يكن أنطونيوس منزعجًا لوصول أوكتافيوس فقد كان يكبر أوكتافيوس بعشرين عامًا وهو عضو ناجح في مجلس الشيوخ. كانت ملامح أنطونيوس توحي بالشهامة والنبل، وكانت جبهته عريضة وكان طويل الأنف - ما منح شكله شيئاً من الرجولة.

    جاءت المواجهة حتمية في حديقة بومباي حين وجد «أوكتافيوس» نفسه يعامل بشيء من الرعاية من قبل أنطونيوس، كان أنطونيوس في بداية الأمر يميل إلى الإستخفاف بأوكتافيوس وبذل كل ما بوسعه لإهانته فعامله على أنه مجرد طفل.

    بعد استياءه من هذه المعاملة لجأ أوكتافيوس إلى مواطني روما الأكثر صلابة، وطلب الدعم بسرعة من أعضاء مجلس الشيوخ الذين كانوا يعارضون أنطونيوس. وبتصرف مشحون بالمعاني السياسية غير إسمه ليصبح «يوليوس قيصر أوكتافيوس» - حتى أنه أصدر قطعة نقدية تجمع بين رأسه ورأس يوليوس وكتب عليها القيصر وابن القيصر.

    أساء ذلك ضمنًا لسيطرة أنطونيوس على روما ولم يعد هناك من شك بأنه قد استخف بعقلية ذلك الشاب. عمل على استعادة قدره فقرر أنطونيوس الخروج مع فرقه المخلصة لمواجهة قتلة القيصر في شمال إيطاليا، ولكنها كانت أوقاتًا عصيبة لا يمكن لأنطونيوس أن يغادر فيها روما.

    انتهز أوكتافيوس فرصة وجود خلافات حادة بين أعضاء مجلس الشيوخ نتيجة تورط الكثيرين في مقتل سلفه، وبدأ يحشد الدعم والمؤن. وتمكن من إقناع ما يكفي من أعضاء مجلس الشيوخ بأن أطماع أنطونيوس السياسية تشكل خطرًا على أمنهم.

    منحه مجلس الشيوخ السلطة باستخدام القوة ضد أنطونيوس. وهكذا استخدم أوكتافيوس ثروات القيصر الطائلة واشترى لنفسه جيشًا. عندما التقى المتنافسان على السلطة في «موديرما» شمال إيطاليا بدأت المعركة، إلا أن جيوش أنطونيوس لم تكن ترغب بمقاتلة رفاقهم في الجيش الروماني؛ فتحولت المعركة إلى هزيمة لحقت بأنطونيوس. ومع هذا كان أنطونيوس لا يزال يشكل قوة هائلة. ولاحظ الفريقان أنهما فقط بالعمل معًا يمكن أن يحولا دون وقوع حرب أهلية أخرى.

    فإتفقا على جمع قواتهما وتجميع تحالفهما بين ليلة وضحاها ظهرت لوائح لمعارضيهما تزيد على أربعمائة سيناتور وألفي مالك للأراضي على طول روما وعرضها. كل من ظهر اسمه على اللائحة كان محكومًا بالموت، لم يكن هنا إستئناف ولا محاكمات تم مصادرة جميع ممتلكاتهم.

    وحدهم الذين رأوا اللائحة قبل وصول الوحدات إليهم سارعوا إلى بيوتهم للانتحار فهكذا فقط يمكنهم الاحتفاظ بممتلكاتهم لأولادهم، وساد السلام في روما بعد أن قتل أعدائها المباشرون، بعد أن أصبح قتلة القيصر يمثلون التهديد الوحيد للقوة الديكتاتورية الجديدة خرج أنطونيوس وأوكتافيوس من المدينة على رأس جيش بلغ عدده مئات الآلاف من الجنود كانوا مصممين على النيل من بروتوس وكاسيوس، فعثروا عليهما في خراج بلدة فيليب الصغيرة، حُسمت المعركة.

    عندما حشد أنطونيوس قواته وسحق آخر مؤيدي الجمهورية القديمة، بعد أن تمكن تحالفهما من تحقيق أهدافه إتفق أوكتافيوس وأنطونيوس على تقسيم الجمهورية إلى جزئين يجعل أنطونيوس من أثينا عاصمة له فيسيطر على المستعمرات الشرقية في حين يسيطر أوكتافيوس على المستعمرات الغربية ومدينة روما، مع وصول أوكتافيوس إلى روما أمل أبنائها بأن يعم السلام أخيرًا هناك بعد أن تنسى المدينة عملية قتل القيصر.

    إلا أن العاصفة التي هبت بين أوكتافيوس وأنطونيوس منذ قراءة وصية يوليوس قيصر كانت على وشك الانفجار، وقد جاءت الشرارة الأولى من حضارة مصر القديمة وملكتها اللامعة والطموحة «كليوباترا السابعة» التي كانت يومًا خليلة ليوليوس قيصر، أما اليوم فقد أصبحت حاكمة ناجحة بأمر من نفسها.

    كان لشخصية كليوپاترا جاذبية كبيرة، كانت من سلالة اليونانيين الذين غزوا مصر فكانت نيران الإسكندر الأكبر تشتعل في شرايينها، تحولت مصر إلى صومعة غلال كبيرة للرومان، فقد كان النيل بمياهه العذبة وضفافه الخصبة يطعم مستعمرات روما الشاسعة، وقد تمكن المصريون قبل بضعة قرون من تطوير سبل الري ما جعل منها مصدر الغذاء في العالم، طالما بقي قادة مصر تحت سلطة الرومان كانت روما تشعر بالأمان، أما اليوم فقد جلس الأمير الصغير «قيصريون» ابن كليوباترا من يوليوس قيصر إلى جانبها على عرش مصر.

    من خلال قيصريون كانت تطالب بلقب وسلطة القيصر، طالما بقيت كليوباترا على قيد الحياة كان هناك تهديد جدي لسلطات أنطونيوس وأوكتافيوس في أثينا وروما على التوالي، وجد أنطونيوس فرصة سانحة لإستخدام كليوباترا في مصلحته فالتقيا في مركب وكان لهذا اللقاء أثر كبير في عالم الرومان، وجدت كليوباترا نفسها تنشئ سلالة إغريقية رومانية جديدة تعيد فيها بناء إمبراطورية الإسكندر الأكبر، اعتقد أنطونيوس أن علاقته مع كليوباترا ستمنحه قوة أكبر للمطالبة بلقب وسلالة القيصر فقام بتوزيع أراضي رومانية كانت تحت سيطرته إلي كليوباترا وأولادها فيما يعرف ب الهبات السكندرية التي كانت بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير.

    حملة اوكتاڤيوس الإعلامية

    في روما فكان اوكتاڤيوس يستخدم تحالف أنطونيوس الجديد كذريعة لإعلان الحرب، فبادر بالسعي لإزالة الدعم عن أنطونيوس عبر حملة إعلامية أثيمة عززت خوف روما القديم من مصر، وادعى بأن مصر كانت بلادًا للشعوذة والسحر الأسود حيث يُقدم البشر قربانًا وتتم أفعال يعجز اللسان عن شرحها، أوقف مباريات في ملاعب حاشدة ليكيل التهم لأنداده، واستخدم أهم الشعراء المعاصرين لتكوين صورة عن ماركوس أنطونيوس وكأنه هرقل مهزوم والمحارب الذي أذلته الهزيمة الساحقة وحرمته من إنسانيته ومن روحه، كان أوكتافيوس يقود أنجح حملة سياسية وإعلامية في التاريخ، بعد أسابيع كانت حشود الناس تدعوه لإعلان الحرب على مصر، أُجبر مؤيدو أنطونيوس في مجلس الشيوخ على الرحيل رغم أنهم كانوا يشكلون ما يزيد عن نصف المقاعد، رغم النجاح الباهر الذي حققته الحملة الإعلامية ما كان أوكتافيوس ليخاطر بحرب على الأراضي الإيطالية فأراد أن يقاتل أنطونيوس في منطقة يختارها بنفسه.

    الأسطولان

    أسطول اوكتاڤيوس

    اوكتاڤيوس كان بحاجة إلى أسطول يتناسب مع أسطول أنطونيوس وكليوباترا، سنوات الحرب الأهلية وهجمات القراصنة حرمت روما من بحريتها الفعالة، لتخطي ذلك استخدم أوكتافيوس بحيرة بركانية محمية خارج ناپولي.

    بما أنها منطقة آمنة من الهجمات بدأ فيها بإنشاء أسطوله الكبير، وما إن ينتهي من بناء السفن وتدريب طواقمها حتى ينزلها عبر قناة تفصلها عن البحر بأقل من نصف ميل واحد، في هذه الأثناء كان آلاف الرجال في الإسكندرية وأثينا ينكبون على العمل الجاد، كان أنطونيوس وكيلوباترا يجهزان بناء جيوشهما وأساطيلهما الخاصة أيضًا.

    أسطول أنطونيوس وكليوپاترا

    وكانت مصر في هذا الحين تعرف بأنها صاحبة واحد من أهم حضارات بناء السفن. وكانت سفن كليوپاترا وماركوس أنطونيوس في معظمها خماسية المجاديف quinquereme ضخمة، وقوادس galleys ضخمة بناطحات هائلة تزن كل ناطحة نحو 3 أطنان. مقدمات القوادس كانت مصفحة بصفائح البرونز وأجذاع شجر مقطعة بشكل مربع، مما يجعل من الصعوبة أن تنطحهم بنجاح ناطحات مشابهة.

    توافق ذلك مع القوة الرومانية لأنطونيوس التي بلغت تسعين ألف رجل ما جعلهما يثقان بالنصر الأكيد، حصل هذا قبل عامين من المواجهة النهائية بين الطرفين في شهر مجاعة البحر، كان أنطونيوس قد ثبت قاعدة له في بلدة صغيرة تعرف أكتيوم، مخبرو أوكتافيوس أخبروه بالأمر فجعل قواته ترسو في أعالي الشواطئ محققًا بذلك أول هدف له فقد حاصر أنطونيوس.

    المعركة

    التقى الأسطولان خارج خليج أكتيوم، صباح 2 سبتمبر، 31 ق.م.، وكان ماركوس أنطونيوس يقود 230 سفينة حربية خلال المضايق متجهاً للبحر الواسع، وهناك قابل أسطول اوكتاڤيوس، يقوده الأدميرال أگريپـّا، لسوء حظ أنطونيوس، فالعديد من سفنه كان ينقصها الرجال بسبب تفشي شديد للملاريا بين قواته بينما كان ينتظر وصول أسطول اوكتاڤيوس، وقد مات العديد من المجدفين حتى قبل بدء المعركة، مما جعل تلك السفن غير قادرة على تنفيذ التكتيك الذي صـُمموا من أجله: النطح رأساً، بقوة، وقد عانت الروح المعنوية لقواته من قطع خطوط الإمداد، وقد قام أنطونيوس بإحراق السفن التي لم يعد يستطع توفير الرجال لها، وجمع باقي السفن بالقرب من بعضها البعض.

    تكون أسطول اوكتاڤيوس بدرجة كبيرة من سفن ليبورنية أصغر، وكاملة القوات، ومسلحة بطواقم على قدر عالٍ من التدريب والراحة، سفنه كانت أيضاً أخف ويمكنها حماية نفسها بقدرتها الأعلى على المناورة حول السفن خماسية المجاديف في معركة بحرية رومانية، حيث أحد الأهداف نطح سفينة العدو وفي نفس الوقت قتل الطواقم على سطح تلك السفينة بزخات من الأسهم وصخور منجنيق كبيرة بدرجة كافية لفصم رأس عدو، قبل المعركة، فر قائداً من جيش ماركوس أنطونيوس اسمه دليوس إلى اوكتاڤيوس وأخذ معه خطط أنطونيوس للمعركة، أنطونيوس كان يأمل في استخدام أكبر سفنه لصد جناح أگريپـّا من جهة الشـَمال على النهاية الشمالية لـِخـَطـِّه، إلا أن كامل أسطول اوكتافيوس بقي بحذر خارج مرمي أنطونيوس، وبعـد منتصف النهار، اُجبـِر أنطونيوس لأن يمد خطوطه خارج نطاق حماية الساحل، لكي يشتبك معه.

    وما أن رأى أن سير المعركة يسير في غير صالح أنطونيوس، حتى إنسحب أسطول كليوپاترا إلى عرض البحر بدون مشاركة، وقد إنسحب ماركوس أنطونيوس إلى سفينة أصغر ومعه العلم ونجح في الفرار من المعركة، آخذاً معه بعض السفن كمرافقين لكسر خطوط حصار اوكتاڤيوس. أما السفن الباقية، فلم يكونوا بنفس الحظ: فأسطول اوكتاڤيوس أمسك ببعضهم وأغرق الباقي.

    نظرية أخرى عن المعركة تقترح أن أنطونيوس كان محاطاً به ولم يكن لديه مفر، لذا فقد جمع أنطونيوس سفنه حوله في تشكيل يشبه حدوة الحصان، باقياً بالقرب من الساحل للأمان، فلو حاولت سفن اوكتاڤيوس الاقتراب من سفن أنطونيوس، فالبحر سوف يجرفهم إلى الشاطئ، وقد يكون أنطونيوس قد عرف أنه لن يستطيع هزيمة قوات اوكتاڤيوس، ولذلك فقد بقي هو وكليوپاترا في مؤخرة التشكيلات، لاحقاً، فقد أرسل أنطونيوس بسفن الجزء الشمالي من التشكيلات لتهاجم، فقد أمرهم بالتحرك للخارج شمالاً، مما نشر سفن اوكتاڤيوس التي كانت حتى ذلك الحين ملتصقة ببعضها البعض، ثم أرسل گايوس سوسيوس إلى الجنوب لينشر السفن الباقية جنوباً، هذا الفعل خلق فجوة في قلب تشكيل اوكتافيوس. اغتنم أنطونيوس الفرصة وأسرع هو كليوپاترا على سفينتين مختلفتين، خلال الثغرة وهربا، تاركين خلفهما كامل أسطوليهما.

    تبعات المعركة

    التبعات السياسية لهذه المعركة البحرية كانت هائلة. فنتيجة لفقدان أسطوله، فجيش مارك أنطونيو، الذي بدأ كندٍ مساوٍ لجيش أوكتاڤيان، هجره جنوده بأعداد غفيرة. فقد خسر أنطونيو 19 فيلق مشاة و12,000 من الفرسان تحت جنح الظلام قبل أن تتاح له فرصة ملاقاة أوكتاڤيان على الأرض. وبالرغم من نصر في الإسكندرية في 31 يوليو 30 ق.م.، فقد استمرت أعداد متزايدة من الجنود في الفرار من جيوش مارك أنطونيو، الأمر الذي تركه بدون قوة فعالة لقتال اوكتاڤيان. ماركوس أنطونيوس حاول بعد ذلك لأن يهرب من المعركة. وفي اختراق لخطوط اتصالاته، فقد دس أعداؤه رسالة كاذبة مفادها إلقاء القبض على كليوپاترا، ولذلك فقد انتحر.

    سمعت كليوپاترا بأخبار أنطونيو، وبدلاً من المخاطرة بالسقوط في أيدي اوكتاڤيان، فقد انتحرت، في 12 أغسطس، 30 ق.م.. فقد تركت صل مصري سام ليعضها، وكان مخبأ لها في سلة تين. أما اوكتاڤيان فقد قتل قيصريون لاحقاً في ذلك العام، ليبقى هو 'الابن' الوحيد ليوليوس قيصر.

    وبذلك، فقد أمـّن انتصار اوكتاڤيان في معركة أكتيوم سيطرة مطلقة لا منازع فيه على كافة الممتلكات الرومانية في البحر المتوسط; وأصبح «المواطن الأول» بروما. وقد مكنه هذا النصر من استجماع سلطاته على كافة مؤسسات الإدارة الرومانية، ك «أغسطس قيصر»، مشيراً إلى انتقال روما من الجمهورية إلى الامبراطورية. الاستسلام النهائي لمصر ووفاة كليوپاترا أيضاً، للعديد من المؤرخين، أشارا إلى نهاية كل من العصر الهلنستي والمملكة البطلمية.

    تخليداً لذكرى انتصاره على ماركوس أنطونيوس، فقد أرسى أغسطس قيصر العيد الروماني أكتيا. وكذلك فقد شيد أغسطس قيصر نصباً فوق موقع المعركة، ضم ناطحات برونزية اُخذت من السفن المهزومة. المغارز الباقية في الحجر تدل على الحجم الهائل لتلك الناطحات.

من هذه الفترة

أماكن وقطع ومعبودات تسمّيها فصول هذه الفترة بالاسم — وكلها في الموقع بصورها.

مصادر هذا الفصل (254)بحث أكاديمي31جهة رسمية30كتاب متخصص154موقع موثوق39

بحث أكاديمي(31)

  1. Strootman · The Hellenistic royal court · Mnemosyne · 2009
  2. Seele · Horus on the Crocodiles · Journal of Near Eastern Studies · 1947
  3. The Nile Police in the Ptolemaic Period", in: K. Buraselis – M. Stefanou – D.J. Thompson (Hg.), The Ptolemies, the Sea and the Nile. Studies in Waterborne Power, Cambridge 2013, 172–184. · Cambridge University Press · 2013
  4. Stephens · Writing.Alexandria.as.the.(Common)place · Princeton/Stanford.Working.Papers.in.Classics · 2012
  5. Tarn · Two Notes on Ptolemaic History · The Journal of Hellenic Studies · 1933
  6. Errington · Bias in Ptolemy's History of Alexander · The Classical Quarterly · 1969
  7. Roisman · Ptolemy and His Rivals in His History of Alexander · The Classical Quarterly · 1984
  8. Extreme climate after massive eruption of Alaska's Okmok volcano in 43 BCE and effects on the late Roman Republic and Ptolemaic Kingdom · Proceedings of the National Academy of Sciences · 2020
  9. Did volcano eruptions alter the trajectories of the Roman Republic and the Ptolemaic Kingdom? Moving beyond black-box determinism · Proceedings of the National Academy of Sciences · 2020
  10. Ursin · „The mother of chemical peeling" – Oder: Wie Kleopatra zum Bad in Eselsmilch kam · thersites. Journal for Transcultural Presences & Diachronic Identities from Antiquity to Date · 2021
  11. Sewell-Lasater · Becoming Kleopatra: Ptolemaic Royal Marriage, Incest, and the Path to Female Rule · University of Houston · 2020
  12. Tronson · Vergil, the Augustans, and the invention of Cleopatra's suicide—one asp or two? · The Vergilian Society · 1998
  13. Cleopatra V Tryphæna and the Genealogy of the Later Ptolemies · Ancient Society · 1997
  14. Curtius · Ikonographische Beitrage zum Porträt der Römischen Republik und der Julisch-Claudischen Familie: IV Kleopatra VII. Philopator · Mitteilungen des Deutschen Archäologischen Instituts, Römische Abteilung · 1933
  15. Newman · A Dialogue of Power in the Coinage of Antony and Octavian (44–30 B.C.) · American Journal of Numismatics · 1990
  16. Skeat · The Last Days of Cleopatra: A Chronological Problem · The Journal of Roman Studies · 1953
  17. Walker · Cleopatra in Pompeii? · Papers of the British School at Rome · 2008
  18. Diana · From Romance to Rhetoric: The Alexandrian Library in Classical and Islamic Traditions · The American Historical Review · 1992
  19. Rohmann · The Destruction of the Serapeum of Alexandria, Its Library, and the Immediate Reactions · Klio · 2022
  20. Survivor: The History of the Library · History Magazine · 2001
  21. Allen · The Predecessors of Champollion · Proceedings of the American Philosophical Society · 1960
  22. Aswan Granite and Granodiorite · Göttinger Miszellen · 1998
  23. Two Donation Stelae in the Brooklyn Museum · Journal of the American Research Center in Egypt · 1970
  24. The Geology of the Rosetta Stone · Journal of Egyptian Archaeology · 2003
  25. Evaluation of diastolic filling of left ventricle in health and disease: Doppler echocardiography is the clinician's Rosetta Stone · Journal of the American College of Cardiology · 1998
  26. Arabidopsis, the Rosetta Stone of Flowering Time? · Science · 2002
  27. White Singer · Octavia's Mediation at Tarentum · The Classical Journal · 1947
  28. The Battle of Actium: A reconsideration · Classical Quarterly · 2011
  29. Scientists find clue to mysterious 'dead water' effect that stops a ship · The Week · 2020
  30. Curtius · Ikonographische Beitrage zum Portrar der romischen Republik und der Julisch-Claudischen Familie · RM · 1933
  31. Zachos · The tropaeum of the sea-battle of Actium at Nikopolis: interim report · Journal of Roman Archaeology · 2003

جهة رسمية(30)

  1. Authors: Department of Ancient Near Eastern Art · The Achaemenid Persian Empire (550–330 B.C.) | Essay | The Metropolitan Museum of Art | Heilbrunn Timeline of Art History
  2. The Great Revolt of the Egyptians
  3. Thomas · Ptolemaic and Roman Faience Vessels
  4. Bronze statuette of Horus | Egyptian, Ptolemaic | Hellenistic | The Met
  5. Faience amulet of Mut with double crown | Egyptian, Ptolemaic | Hellenistic
  6. Marble head of a Ptolemaic queen | Greek | Hellenistic | The Met
  7. Statuette of Arsinoe II for her Posthumous Cult | Ptolemaic Period | The Met
  8. Fischer-Bovet · Army and Egyptian Temple Building Under the Ptolemies · 2007
  9. von Reden · Ancient Economies, Modern Methodologies · Edipuglia · 2006
  10. The Princeton Encyclopedia of Classical Sites, NAUKRATIS (Kom Giéif) Egypt.
  11. Lauren O'Connor · The Remains of Alexander the Great: The God, The King, The Symbol · Constructing the Past · 2008
  12. Manning · The Ptolemaic Economy · Stanford University · 2004
  13. Lorber · The Currency Reforms and Character of Ptolemy I Soter · OXBOW · 2018
  14. Online Scholarly Catalogues at the Art Institute of Chicago
  15. Cleopatra's Egypt: Age of the Ptolemies · Brooklyn Museum · 1988
  16. Weigall · The Life and Times of Cleopatra, Queen of Egypt · Blackwood · 1914
  17. Phillips · The Great Library of Alexandria? · University of Nebraska–Lincoln · 2010
  18. Afghanistan: Forging Civilizations Along the Silk Road · Metropolitan Museum of Art · 2012
  19. Andrews · The Rosetta Stone · British Museum Press · 1985
  20. The Hellenistic Period: historical sources in translation · Blackwell · 2004
  21. Bevan · The House of Ptolemy · Methuen · 1927
  22. Budge · The Rosetta Stone · British Museum · 1913
  23. Parkinson · The Rosetta Stone · British Museum Press · 2005
  24. The Dictionary of Ancient Egypt · The British Museum Press · 1995
  25. Simpson · The Rosetta Stone: translation of the demotic text · The British Museum
  26. Book of Egyptian Hieroglyphs · British Museum Press, Barnes & Noble · 2003
  27. Synopsis of the Contents of the British Museum · British Museum · 1847
  28. Cleopatra of Egypt · British Museum Press · 2001
  29. British Museum Object Database reference number: EA24
  30. The World of State · College of New Rochelle · 2017

كتاب متخصص(154)

  1. R. C. C. Law · The Cambridge History of Africa, Vol. 2 · Cambridge University Press · 1979
  2. Stephens · Seeing double: intercultural poetics in Ptolemaic Alexandria · University of California Press · 2003
  3. Hölbl · A History of the Ptolemaic Empire · Psychology Press · 2001
  4. Nardo · Ancient Greece · Greenhaven Publishing LLC · 2009
  5. Rutherford · Greco-Egyptian Interactions: Literature, Translation, and Culture, 500 BCE-300 CE · Oxford University Press · 2016
  6. Robins · The Art of Ancient Egypt · Harvard University Press · 2008
  7. Bagnall · Egypt from Alexander to the Early Christians: An Archaeological and Historical Guide · Getty Publications · 2004
  8. Grainger · The Seleucid Empire of Antiochus III. 223–187 BC · Pen and Sword · 2020
  9. Wilkinson · The Rise and Fall of Ancient Egypt. The History of a Civilisation from 3000 BC to Cleopatra · Bloomsbury · 2011
  10. Veïsse · Cultures of Resistance in the Hellenistic East · Oxford University Press · 2022
  11. Török · Between Two Worlds: The Frontier Region Between Ancient Nubia and Egypt, 3700 BC-AD 500 · Brill · 2009
  12. Lloyd · The Oxford History of Ancient Egypt · Oxford Univ. Press · 2004
  13. Manning · The Historical Understanding of the Ptolemaic State · Princeton University Press · 2010
  14. Malek · Egyptian Art · Phaidon Press Limited · 1999
  15. Pomeroy · Women in Hellenistic Egypt: From Alexander to Cleopatra · Wayne State University Press · 1990
  16. Rosalie · Discovering Ancient Egyptology · 1993
  17. Török · Hellenizing art in ancient Nubia, 300 BC-AD 250, and its Egyptian models : a study in "acculturation" · Brill · 2011
  18. Bingen · Hellenistic Egypt: Monarchy, Society, Economy, Culture · University of California Press · 2007
  19. Fischer-Bovet · Oxford Handbook Topics in Classical Studies · 2015
  20. Judaea and Mediterranean Politics: 219 to 161 B.C.E. · BRILL · 1998
  21. The Ancient Egyptian economy, 3000–30 BCE · Cambridge University Press · 2016
  22. Army and Society in Ptolemaic Egypt · Cambridge University Press · 2014
  23. Aegean Interactions: Delos and Its Networks in the Third Century · Oxford University Press · 2017
  24. Berenike and the Ancient Maritime Spice Route · University of California Press · 2019
  25. Counting the People in Hellenistic Egypt: Volume 2, Historical Studies · Cambridge University Press · 2006
  26. Chauveau · Egypt in the age of Cleopatra : history and society under the Ptolemies · Cornell University Press · 2000
  27. Burstein · The Reign of Cleopatra · University of Oklahoma Press · 2007
  28. Grabbe · A History of the Jews and Judaism in the Second Temple Period. Volume 2 – The Coming of the Greeks: The Early Hellenistic Period (335 – 175 BC) · T&T Clark · 2008
  29. The Syrian Wars · Brill · 2010
  30. Peters · The Harvest of Hellenism · Simon & Schuster · 1970
  31. Rawles · Callimachus · Bloomsbury Academic · 2019
  32. Hellenistic Egypt: monarchy, society, economy, culture · University of California Press · 2007
  33. Bowman · Egypt After the Pharaohs, 332 BC–AD 642: From Alexander to the Arab Conquest · University of California Press · 1996
  34. Chauveau · Egypt in the age of Cleopatra: history and society under the Ptolemies · Cornell University Press · 2000
  35. Ellis · Graeco-Roman Egypt · Shire Publications · 1992
  36. Huß · Ägypten in hellenistischer Zeit 332–30 v. Chr. · Beck · 2001
  37. Huß · Die Verwaltung des ptolemaiischen Reichs · Beck · 2011
  38. Johannsen · Imperialer Wandel und ptolemäischer Imperialismus in Syrien: Konnektivität, Konkurrenz und Kooperation · Brill Schöningh · 2023
  39. Lampela · Rome and the Ptolemies of Egypt: the development of their political relations, 273–80 B.C · Societas Scientiarum Fennica · 1998
  40. Manning · The last pharaohs: Egypt under the Ptolemies, 305–30 BC · Princeton University Press · 2010
  41. Jones · Cleopatra: A Sourcebook · University of Oklahoma Press · 2006
  42. Carleton · Carleton's Condensed Classical Dictionary: Being Brief But Succinct Information Concerning the Prominent Names in Classical History and Mythology, Together with the Most Conspicuous Incidents Associated with Them · G. W. Carleton & Company · 1882
  43. Worthington · By the Spear: Philip II, Alexander the Great, and the Rise and Fall of the Macedonian Empire · Oxford University Press · 2014
  44. Alexandre le Grand · Librairie Droz · 1999
  45. Philip II and Alexander The Great: Father and Son, Lives and Afterlives · Oxford University Press · 2010
  46. Ogden · Alexander the Great: Myth, Genesis and Sexuality · University of Exeter Press · 2011
  47. Grimal · A History of Ancient Egypt · Librairie Arthéme Fayard · 1988
  48. Arrian · Anabasis Alexandri (The Campaigns of Alexander) · Penguin Books · 1976
  49. Silverman · Political Memory in and after Persian Empire · SBL Press · 2015
  50. Ritner · The literature of Ancient Egypt; Decree of Satrapa Ptolemy Lagides · Yale · 2003
  51. Polygamy Prostitutes and Death. The Hellenistic Dynasties · Gerald Duckworth & Co. Ltd. · 1999
  52. Berenice II and the Golden Age of Ptolemaic Egypt · Oxford University Press · 2014
  53. Hellenistic Queens · Ares Publishers · 1985
  54. Ptolemy II Philadelphus and his World · Brill · 2008
  55. Manning · Networks, Hierarchies, and Markets in the Ptolemaic Economy · Oxford Scholarship Online · 2011
  56. Strooman · The Ptolemaic Sea Empire · Utrecht University · 2019
  57. Sboronos · Ta Nomismata tou Kratous ton Ptolemaion · En Athnais Typois P. D. Sakellariou · 1904
  58. Lorber · Dating the Portrait Coinage of Ptolemy I · The American Numismatic Society · 2012
  59. Caneva · Ptolemy I: Politics, Religion and the Transition to Hellenistic Egypt · OXBOW
  60. Jacoby · Die Fragmente der griechischen Historiker, Teil 2, Zeitgeschichte. – B. Spezialgeschichten, Autobiographien und Memoiren, Zeittafeln [Nr. 106-261] · Weidmann · 1926
  61. Bosworth · From Arrian to Alexander: Studies in Historical Interpretation · Oxford University Press · 1988
  62. Robinson · The Story of Medicine · Kessinger Publishing · 2005
  63. Ptolemy I Soter: Themes and Issues · Bloomsbury Publishing · 2023
  64. Ptolemaios I. Soter: Herrscher zweier Kulturen · Badawi - Artes Afro Arabica · 2007
  65. Chugg · The Pharos Lighthouse In Alexandria: Second Sun and Seventh Wonder of Antiquity · Taylor & Francis · 2024
  66. Ptolemy of Egypt · Routledge · 1994
  67. Green · Alexander to Actium · University of California Press · 1990
  68. Leprohon · The Great Name: Ancient Egyptian Royal Titulary · Society of Biblical Literature · 2013
  69. Ptolemy I and the Transformation of Egypt, 404-282 BCE · Brill · 2018
  70. Waterfield, Robin · Dividing the Spoils – The War for Alexander the Great's Empire · Oxford University Press · 2011
  71. Antigonos the One-Eyed and the Creation of the Hellenistic State · University of California Press · 1990
  72. Cordry · A Dictionary of American English Pronunciation · Austin & Winfield · 1998
  73. Pascal · Pensées · P. F. Collier & Son · 1910
  74. Pfeiffer · Griechische und lateinische Inschriften zum Ptolemäerreich und zur römischen Provinz Aegyptus · Lit · 2015
  75. Pliny the Elder · Natural History · Teubner · 1906
  76. Prose · Cleopatra: Her History, Her Myth · Yale University Press · 2022
  77. Tyldesley · Cleopatra: Last Queen of Egypt · Profile Books · 2009
  78. Orientalism and the Reception of Powerful Women from the Ancient World · Bloomsbury · 2020
  79. When the Greeks Ruled Egypt: From Alexander the Great to Cleopatra · Princeton University Press · 2014
  80. Chauveau · Cleopatra: Beyond the Myth · Cornell University Press · 2004
  81. Daugherty · The Reception of Cleopatra in the Age of Mass Media · Bloomsbury · 2022
  82. Flamarion · Cleopatra: The Life and Death of a Pharaoh · Harry N. Abrams · 1997
  83. Foss · The Search for Cleopatra · Arcade · 1999
  84. Fraser · Ptolemaic Alexandria · Oxford University Press · 1985
  85. Hughes-Hallett · Cleopatra: Histories, Dreams and Distortions · HarperCollins · 1991
  86. Jones · Cleopatra: The Last Pharaoh · American University in Cairo Press · 2006
  87. Lindsay · Cleopatra · Coward-McCann · 1972
  88. Nardo · Cleopatra · Lucent · 1994
  89. Samson · Nefertiti & Cleopatra · Stacey International · 1990
  90. Southern · Cleopatra · Tempus · 2000
  91. Syme · The Roman Revolution · Oxford University Press · 1962
  92. Volkmann · Cleopatra: a Study in Politics and Propaganda · Sagamore · 1958
  93. Watterson · Cleopatra: Fact and Fiction · Amberley · 2020
  94. Murray · The Library: An Illustrated History · Skyhorse Publishing · 2009
  95. David C. Lindberg · Science in the Middle Ages · University of Chicago Press · 1980
  96. Cherf · What Happened to the Ancient Library of Alexandria? · Brill · 2008
  97. What Happened to the Ancient Library of Alexandria? · Brill · 2008
  98. The Library: An Illustrated History · Skyhorse Publishing · 2009
  99. Muslim Contributions to World Civilization · Biddles Ltd. · 2005
  100. Gibbon · The History of the Decline and Fall of the Roman Empire · 1776
  101. Gregorian · Islam: A Mosaic, Not a Monolith · Brookings Institution Press · 2003
  102. Books: A Living History · Getty Publications · 2011
  103. The Library of Alexandria · Houghton Mifflin Harcourt · 2003
  104. Webster · Early European Civilization · D.C. Heath and Co. · 1933
  105. Berti, Monica · La Biblioteca di Alessandria: storia di un paradiso perduto · Edizioni TORED · 2010
  106. Canfora · The Vanished Library · University of California Press · 1990
  107. El-Abbadi, Mostafa · Life and Fate of the Ancient Library of Alexandria · UNESCO · 1992
  108. Orosius, Paulus (trans. Roy J. Deferrari) · The Seven Books of History Against the Pagans · Catholic University of America · 1964
  109. Writing: Theory and History of the Technology of Civilization · John Wiley & Sons · 2009
  110. E. Agazzi · The Reality of the Unobservable: Observability, Unobservability and Their Impact on the Issue of Scientific Realism · Springer Science & Business Media · 2013
  111. Delhi: Pages From a Forgotten History · Hay House, Inc · 2015
  112. The Keys of Egypt: the obsession to decipher Egyptian hieroglyphs · HarperCollins · 2000
  113. The Mind of Egypt: history and meaning in the time of the Pharaohs · Harvard University Press · 2003
  114. Budge · The Mummy: chapters on Egyptian funereal archaeology · Cambridge University Press · 1894
  115. Budge · The Decrees of Memphis and Canopus · Kegan Paul · 1904
  116. Burleigh · Mirage: Napoleon's scientists and the unveiling of Egypt · HarperCollins · 2007
  117. The Eponymous Priests of Ptolemaic Egypt (P. L. Bat. 24): Chronological lists of the priests of Alexandria and Ptolemais with a study of the demotic transcriptions of their names · Brill · 1983
  118. Clayton · Chronicles of the Pharaohs: the reign-by-reign record of the rulers and dynasties of Ancient Egypt · Thames & Hudson · 2006
  119. Dewachter · Champollion: un scribe pour l'Égypte · Éditions Gallimard · 1990
  120. Downs · Discovery at Rosetta: the ancient stone that unlocked the mysteries of Ancient Egypt · Skyhorse Publishing · 2008
  121. El Daly · Egyptology: the missing millennium: Ancient Egypt in medieval Arabic writings · UCL Press · 2005
  122. Monuments of Egypt: the Napoleonic edition · Princeton University Press · 1987
  123. Iversen · The Myth of Egypt and Its Hieroglyphs in European Tradition · Princeton University Press · 1993
  124. Meyerson · The Linguist and the Emperor: Napoleon and Champollion's quest to decipher the Rosetta Stone · Ballantine Books · 2004
  125. Ptolémée Épiphane, Aristonikos et les prêtres d'Égypte. Le Décret de Memphis (182 a.C.): édition commentée des stèles Caire RT 2/3/25/7 et JE 44901 (CENiM 12) · Université Paul Valéry · 2015
  126. Ancient Egyptian Materials and Technology · Cambridge University Press · 2009
  127. Oxford English Dictionary. 2nd ed. · Oxford University Press · 1989
  128. Cracking Codes: the Rosetta Stone and decipherment · University of California Press · 1999
  129. The Rosetta Stone · Abrams · 1989
  130. Ray · The Rosetta Stone and the Rebirth of Ancient Egypt · Harvard University Press · 2007
  131. Lost Languages: the enigma of the world's undeciphered scripts · Thames & Hudson · 2009
  132. Shaw · The Oxford History of Ancient Egypt · OUP Oxford · 2003
  133. Simpson · Demotic Grammar in the Ptolemaic Sacerdotal Decrees · Griffith Institute · 1996
  134. The Rosetta Stone: the story of the decoding of hieroglyphics · Four Walls Eight Windows · 2002
  135. Chronicle of the Queens of Egypt · Thames & Hudson · 2006
  136. Wilson · History of the British Expedition to Egypt. 4th ed. · Military Library · 1803
  137. Davis · 100 decisive battles: From ancient times to the present · Oxford University Press · 1999
  138. Roller · Cleopatra: A Biography · Oxford University Press · 2010
  139. OCR Ancient History GCSE Component 2 : Rome · Bloomsbury Publishing · 2017
  140. Lippold · Die Skulpturen des Vaticanischen Museums · Walter de Gruyter & Co · 1936
  141. Lorenzo · Signs of Place: A Visual Interpretation of Landscape · Edition Topoi · 2019
  142. Carter · The Battle of Actium: The Rise & Triumph of Augustus Caesar · Hamilton · 1970
  143. A Biographical Dictionary of Ancient Egypt · Routledge · 2002
  144. The Age of Augustus · Blackwell Publishing · 2003
  145. Kebric · Roman People · McGraw-Hill · 2005
  146. Plutarch: Life of Antony · Cambridge University Press · 1988
  147. Octavian's Campsite Memorial for the Actian War · American Philosophical Society · 1989
  148. Potter · Rome in the Ancient World: From Romulus to Justinian · Thames & Hudson · 2009
  149. Scullard · From the Gracchi to Nero: A History of Rome 133 BC to AD 68 · Routledge · 2013
  150. Shuckburgh · A History of Rome to the Battle of Actium · Macmillan and Company · 1917
  151. Califf · Battle of Actium · Chelsea House Publishers · 2004
  152. Green · Alexander to Actium: The Historical Evolution of the Hellenistic Age · University of California Press · 1990
  153. Gurval · Actium and Augustus: The Politics and Emotions of Civil War · University of Michigan Press · 1995
  154. Sheppard · Actium 31 BC: Downfall of Antony and Cleopatra · Osprey Publishing · 2009

موقع موثوق(39)

  1. Steven Snape · Estimating Population in Ancient Egypt · 2019
  2. Ancient Egypt – Macedonian and Ptolemaic Egypt (332–30 bce)
  3. Egyptian Art During the Ptolemaic Period of Egyptian History
  4. Ptolemaic dynasty - Administration and economy | Britannica · 2025
  5. The Ptolemaic Dynasty
  6. King · The Economy of Ptolemaic Egypt · 2018
  7. Chrysopoulos · Naucratis: The First Ancient Greek Colony in Egypt · 2024
  8. Ptolemaic Dynasty -- Ptolemy I root
  9. Ptolemy an Argead – pothos.org
  10. Berenice I at Livius.org
  11. Ptolemaida Web Portal
  12. Radio 4 Programmes – A History of the World in 100 Objects, Empire Builders (300 BC – 1 AD), Rosetta Stone · BBC
  13. CoinArchives.com Search Results: drachmai
  14. Carey · It is possible that Mark Antony met the young Cleopatra when he served under the Roman general Gabinius in 55 BCE
  15. Fischer-Bovet · Cleopatra VII, 69–30 BCE · 2015
  16. Causation and Cleopatra's nose · Lexology · 2019
  17. Bianchi · Cleopatra VII · Oxford University Press · 2005
  18. Crawford · Who Was Cleopatra? Mythology, propaganda, Liz Taylor and the real Queen of the Nile · 2007
  19. Holland · Cleopatra: What Kind of a Woman Was She, Anyway? · 1997
  20. The Vanished Library by Bernard Lewis · 1990
  21. Lomholt · Bibliotheca Alexandrina Egypt: Egyptian Library Building · 2021
  22. About the BA · Bibliotheca Alexandrina
  23. Harvey · The Rosetta Stone: A decree carved in three different scripts is helping linguists decipher ancient texts | The Vintage News · 2017
  24. Philomathean Society
  25. Sarah El Shaarawi · Egypt's Own: Repatriation of Antiquities Proves to be a Mammoth Task · Newsweek – Middle East · 2016
  26. 'Return Rosetta Stone to Egypt' demands country's leading archaeologist Zahi Hawass · 2022
  27. Stickings · New push to bring Rosetta Stone back to Egypt amid 'awakening' on colonial loot · 2022
  28. Rosetta's Comet Target 'Releases' Plentiful Water
  29. Cooper · New Rosetta Stone for GRBs as supernovae · Astronomy Now Online · 2010
  30. Horwennefer · Egyptian Royal Genealogy
  31. Huttinger · Stolen Treasures: Zahi Hawass wants the Rosetta Stone back—among other things · Cairo Magazine · 2005
  32. International team accelerates investigation of immune-related genes · The National Institute of Allergy and Infectious Diseases · 2000
  33. How the Rosetta Stone works · Howstuffworks.com · 2007
  34. Lendering · Actium (31 BCE) · 2020
  35. Kellum · Representations and Re-presentations of the Battle of Actium · 2010
  36. Migiro · What Was the Battle of Actium? · 2017
  37. CNRS · Behind the dead-water phenomenon · 2020
  38. Suetonius, Divus Augustus, Chapter 18, Section 2
  39. Cassius Dio, Historiae Romanae, Book 51, chapter 1, section 2

كل التواريخ القديمة تقديرية. المراجع العلمية تختلف فيما بينها بعشرات السنين، ويزداد الاختلاف كلما رجعنا للوراء. لهذا نضع علامة (~) أمام كل رقم، وسنذكر مع كل فترة نظام التأريخ الذي اعتمدنا عليه عند نشرها.

في هذه الفترة